King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

المحاضرة الثانية

 

المكان

 

   لأن هوية الإنسان ووجوده مرتبطان أشد الارتباط بالمكان ، احتل مفهومه مكانة ومكاناً واسعين في أعمال الفلاسفة والرياضيين والفيزيائيين على اختلاف مذاهبهم وأجناسهم ، أدت إلى تعدد وتضارب  مفاهيمه وخصائصه، لكنه التعدد الرامي إلى غاية واحدة هي الإنسان .

 

   فعلى حين يراه الفلاسفة " ما يحل فيه الشيء ، أو ما يحوى ذلك الشيء ويحده ويفصله عن باقي الأشياء"([1]) ، يراه علماء الرياضيات من وجهة نظر هندسية بحتة ، ويراه علماء الفيزياء من خلال خصائصه وصفاته المميزة له عن غيره .

 

   ومع أن الكم المعرفي المتوارث عن مفاهيم المكان  فلسفياً ، ورياضياً، وفيزيائيا كما هائلا، مازال يشغل بال المفكرين المحدثين بصورة تفوق انشغال القدماء به ، من حيث الرؤية والكم. وكان من نتائج هذا الاهتمام أن أصبح له علم، هو علم البروكسيما Proxemie المهتم بدراسة المكان من خلال إدراك الأشخاص له ، ومن خلال تعاملهم معه. وهو علم الطوبولوجياTopology الذي قام بدراسـة " أخص خصائص المكان من حيث هو مكان, أي العلاقات المكانية المختلفة كعلاقة الجزء بالكل, وعلاقات الاندماج والانفصال والاتصال, التي تعطينا الشكل الثابت للمكان, الذي لا يتغير بتغير المسافات والمساحات والأحجام". ([2])

  وقد كان لهذا الاهتمام أثره في تعميق الإحساس بالذات داخل نفس إنسان هذا العصر،ذلك الإنسان الراغب دوما في الترحال ، المهزوم دوماً لفقدان  الثقة في ذاته ، فوجوده لا يتحقق إلا من خلال علاقته بالمكان ، وبقدرته على الارتباط به ، ذلك الارتباط المولد الإحساس بالذات ، التي لا يمكن أن تكتمل بالتقوقع داخل حدودها، فهي دوماً في احتياج إلى الانبساط خارج هذه الحدود، والتفاعل مع المكان بكل مكوناته.

وكان له أيضاً دور في إبراز القيمة الحقيقة للمكان ، تلك القيمة التي لم تظهر جلية في أراء الفلاسفة والرياضيين ، والفيزيائيين الذين لم يهتموا بدور الإنسان في المكان ، بسبب الصبغة العلمية التي غلفت آراءهم ، فالإنسان هو معطى المكان قيمته ، فإن كنا لا نستطع إنكار دور الأفعال وتشابك العلاقات في منح المكان دلالته التاريخية والسياسية والاجتماعية، فإننا أيضاً لا نستطيع إنكار أنه "يتخذ قيمته الحقيقة من خلال علاقته بالشخصية" ([3])

 

  وهذا الاهتمام ليس عجيبا فهو نتيجة طبيعية " لتخلخل علاقة الإنسان بأقدم مكان وأرسخه وهو الأرض نتيجة أبحاث الفضاء التي تلح على اكتشاف عوالم مكانية أخرى تنافس الأرض في علاقة الإنسان بها، وربما يرجع السبب في ذلك إلى الإفراط في زج الإنسان المعاصر في عوالم مصنوعة " ([4])­­­ .

   وقد حظي المكان في الرواية باهتمام كثير من الدارسين; واعتبره البعض , أهم العناصر المشكلة للنص الروائي , وبدونه يفقد "  يفقد خصوصيته وبالتالي أصالته ". ([5]) ، وهــم محقون فالمكان يدخل في " نسيج النص من خلال حركة السارد في المكان" ( [6]) و يمكن أن يقوم بدور العاكس لأحاسيس الشخصية الروائية, ويمكنـه القيـام بـدور الشخصيـة ذاتها, وذلك " باعتباره تصويرا  لغويا  يشكل معادلا  حسيا  ومعنويا  للمجال الشعوري والذهنـي للشخصية "  ( [7]) , كما يمكن أن يمثل المكان رمزا  من رموز الانتماء بالنسبة للشخصية لاسيما إذا كان هذا المكان أليفا  في علاقته بالشخصية.

    فلا شيء " في الرواية يتميز بالاستقلالية عن البنية المكانية كما أن كل المواد والأجزاء والمظاهر الداخلة في تركيب السرد تصبح تعبيرا عن كيفية تنظيم الفضاء الروائي، وعليه يمكننا النظر إلى المكان بوصفه شبكة من العلاقات والرؤيات التي تتضامن مع بعضها لتشييد مواقع الأحداث، وتحديد مسار الحبكة ورسم المنحى الذي يرتاده الشخوص….." ( [8])

*المكان الروائى Novel place.

 

   يتفق النقاد على أن المكان الروائى مكان ذو طبيعة خاصة ، مكان زاخر بالحياة ، والحركة ، والأشخاص ، يؤثر في قاطنيه ، ويتأثرون به ، يشبه الأماكن المعهودة لنا، ويخالفها في الوقت ذاته" يحتل دوراً في النص ، أو يشغل حيزاً ثانوياً فيه ، قد يكون حركياً فعالاً أو ثابتاً سكونياً، وقد يكون متناسقاً أو غير متناسق ، واضح المعالم أو غامضها، مقدما بشكل عفوى غير مرتقب ، تتناثر جزئياته عبر فضاء النص" ([9])

  

   لكنهم يختلفون حول المصطلح ،هل هو " مكان" ؟ أم حيز " ؟ أم "فضاء"؟ فيرى البعض المصطلح "فضاء space أكثر شمولية ، والأقرب إلى مفهوم المكان الروائي ، مستندين إلى أن المكان الروائي يتعدد بتعدد الأحداث والشخصيات. فكل حدث مرتبط بمكان ، ولكل شخصية روائية مكان تتحرك فيه، وتبادله التأثير والتأثر ، ويرون أنه لا يوجد ما يجمع كل هذه الأمكنة تحت عباءة واحدة سوى المصطلح " فضاء Space "؛ " لأن الفضاء يشير إلى المسرح الروائي بكامله ، والمكان يمكن أن يكون فقط متعلقا بمجال جزئي من مجالات الفضاء الروائي"([10])

    ويرى آخرون أن المصطلح " حيز space " هو الأفضل للتعبير عن المكان الروائي ، واعتبروا المصطلح مكان خاصاً بشكل واحد من أشكال الحيز، هو الحيز الجغرافي .

 

والمدقق في الرؤيتين السابقتين يلاحظ اتفاق أصحابهما على وجود المصطلح مكان وعلى سلبه العمومية ، ومنحه الخصوصية، كما يلاحظ – أيضاً – أن الخلاف سببه ترجمة المصطلح" Space "، هل هو فضاء؟ أم حيز؟ وهو خلاف مرتبط في الأساس بأيديولوجية المترجمين، ومخزونهم الثقافي ، ومورثهم العربي الأصيل. ولا أرى هنا غضاضة في الإبقاء على المصطلح مكان" "place  لسببين :

 

الأول – الكلمة تعنى في اللغة العربية " الملأ – الحيز – المحل – الخلاء "وإذا اعتبرنا لفظة الخلاء قريبة صلة بلفظة " فضاء" كان المصطلح " مكان" هو الأكثر عمومية.

وإن دققنا النظر في معاني المكان سنلاحظ أنها تشتمل على " الملأ" أي جماعة الناس ، التي يعنى وجودها حركة ، والمحل" أى مكان التجمع ، وما من محل به ملأ إلا كان به صراع ، وتأثير وتأثر ، وبهذا تكون لفظة " مكان" هى الأكثر شمولية، والأكثر قرباً من مفهوم المكان الروائي.

 

الثاني – الإكثار من المصطلحات المترادفة داء وليس دواءً ، ويضر الدراسات النقدية والأدبية ، ولا ينفعها.

 

 * أبعاد المكان الروائى

 

  للمكان الروائي عموماً أبعاد عدة ، مثل البعد الجغرافي ، والبعد النفسي، والبعد التاريخي ، والبعد الهندسي ، والبعد الفيزيائي ، والبعد العجائبى ، والبعد الاجتماعي ، وهى أبعاد تظهر جلية في الروايات الملحمية ذات الطول المناسب للخوض في انحرافات جانبية ، تبتعد أو تقترب من الحدث الرئيسي، لكنها تظهر على استحياء في الروايات القصيرة التي لا تتحمل الخوض في تفاصيل دقيقة، ولا تتحمل لوحات وصفية طويلة لمكوناتها، فهي لا تعنى للروائي شيئاً ذا قيمة ، وإن كان لبعضها قيمة ما ، كالبعد الجغرافي ، والنفسي ، والاجتماعي ، فإنها لا تعادل قيمة مثيلاتها في الرواية الطويلة، وسوف يتضح ذلك من خلال تناولي لهذه الأبعاد.

أولا- البعد الجغرافي.

 

     هو تحديد المكان تحديا دقيقا بذكر الحدود والعلامات التي تمنع أي لبس يكون سببا في تشابهه مع أماكن أخرى , ويميل الكتاب للتحديد الجغرافي الصارم عند الحديث عن أماكن درست ودالت دولتها , ومن المستحيل استطاعة القدرة التخيلية للملتقى استحضارها بالشكل الذي يريده الكاتب .

 

ثانيا – البعد النفسي .

  

   هو ذلك البعد العاكس للانفعالات السلبية والإيجابية التي يثيرها المكان في نفس المقيم فيه " فعادة ما يرتبط المكان على مستوى الرمز ببعض المشاعر والأحاسيس ، بل ببعض القيم السلبية أو الإيجابية ، فهناك أماكن محببة، هي بمثابة المرفأ والملاذ أهمها البيت بلا شك ، رغم أنه مكان مغلق ، وهناك أماكن مكروهة " ([11])

 

ثالثا – البعد الاجتماعي.

 

     مهما كان المكان فله بعد اجتماعي ، مادام يضم أشخاصاً يتفاعلون مع مكوناته ، أو مع أشخاص آخرين ، والبعد الاجتماعي في المكان الروائي يختلف من نص إلى أخر؛ لاختلاف الدلالة التي أنتج النص من أجلها ، والمعنى الذي يتضمنه الخطاب الروائي . " فالمكان / القرية" يختلف عن "المكان /المدينة" في اللغة والعادات والتقاليد, والانتماءات السياسية ، والعقائدية ، وفي حركة الشخصية داخله.

 

   ويتضح البعد الاجتماعي للمكان من خلال مكوناته ، فلا يمكن اعتبار محتويات المكان الروائى مجرد ألفاظ  تسود صفحات النص ، فلها أغراض ، ووظائف تؤديها ، على المستويين ، المباشر والفني فلكل "غرض وظيفته المباشرة الواضحة ، لكننا حين ننظر إليه من الناحية الفنية فإن هذا الغرض يتعدى وظيفته الأولى ويكتسب وظيفة أخرى غير التي صنع من أجلها."([12])

 

   فالفأس، والمحراث ، والتحف، والطبلية، والكنبة، والدولاب ، والأنتريه، والنجف ، والسجاد ، واللوحات الفنية المعلقة على الجـدران " علامات تشغل حيزاً من الخيال بقدر ما تشغل حيزا من المكان الموصوف ، والمناضد، والمقاعد، والدواليب وغيره ، اختفاؤها أو وجودها ينم عن مكانه صاحب المكان، وحداثتها أو قدمها يكشف عن محافظته ، أو عصريته أو عجزه عن مجاراة العصر"([13])

 

رابعا ـ البعد الهندسي :

 

     يمكن تسميته بالبعد المعماري ,وهو مكان يحرص الروائي على رسم  أبعاده الخارجية بدقة متناهية، تحرم القارئ من استعمال خياله، " والواقع أن مثل هذا المكان نادر الوجود في الرواية العربية، فالرواية العربية قد نشأت كامتداد للرواية الأوربية، وقد كان أثر الرواية الأوربية قوياً إلى حد أن تقاليدها المكانية فرضت نفسها على الرواية العربية، وبهذا قطعت الرواية العربية روابطها مع التراث المكاني في الأدب العربي" ([14] )

 

    والرواية في استخدامها العناصر الهندسية إنما تحاول تقريب المكان من نفس المتلقي "  ورسم أبعاده باستخدام شفرة لا يخطىء فهمها أحد ؛ فالمصطلحات الهندسية كالمربع والمستطيل والمسافة والنقطة والدائرة شفرات ليست غريبة على المتلقي , تقدم حدا أدنى منى الإدراك الذي يساعد على ترتيب المكان وتنسيقه حيث لا يجب للمكان الروائي أن يشبه المكان الواقعي في تعقيده وتداخله اللانهائي . ([15] )

 

رابعا ـ البعد التاريخي / الزمني :

 

     هو الزمن الكامن في المكان  , فالزمن يلتصق بالمكان التصاقا شديدا ويمثل المكان بالنسبة له  " خطا أفقيا أو قضبانا حديدية يتحرك عليها الزمن  فيغير بظلاله من صورتها "([16] ) إن متابعة أية حدث لابد وأن يحيل إلى زمن ؛ " فالزمن يجسد الحركة والنشاط الدائميين " ( [17])

 

*العلاقة بين الزمان والمكان في الرواية :

  العلاقة بين الزمان ومكونات العمل الروائي علاقة وثيقة ، فللزمان تأثيره على المكان ، والشخصيات ، واللغة بشكل لافت للنظر، يجعله عنصراً أساسياً من العناصر التي يقوم عليها فن القص، بل القاعدة الأساسية التي يقوم عليها نظام القص، التي بدونها ينهار البناء. أما عن علاقة الزمان بالمكان فإنني أراها كامنة في الإجابة عن سؤال، هل بعثرة الأماكن داخل العمل نتيجة لتداخل الزمن ؟ أم تداخل الزمن نتيجة لبعثرة الأماكن ؟

 

   ولعل بعثرة الأماكن داخل العمل ما هي إلا نتيجة طبيعية لتداخل الزمن فالمسار الطبيعي للزمن أن يأتي الماضي قبل الحاضر، والحاضر قبل المستقبل، وفي هذا المسار يسير المكان ، فلا نرى مكاناً " مستقبلياً" في زمن الحاضر ، ولا نرى مكاناً " ماضوياً" في زمن المستقبل ، وفي حالة تبادل المواقع الزمانية لضرورة من ضرورات السرد ، كأن يأتي المستقبل قبل الماضي، والحاضر بعد المستقبل كمحاولة للتعميم السردي، نجد المكان مرتبطاً بالمسار الجديد ، فنرى مكاناُ " ماضوياً" في المستقبل ، ومكانا مستقبلياً في الحاضر.

 

    إن الزمن مع كونه عديم الشكل لا يرى ولا يلمس ، قوة مغناطيسية آسرة ، تستطيع جذب كل العناصر الروائية إليها ، وتشكيلها كما يحلو لها ، فهو سيد الرواية المتبوع دائما فعندما " لم يعد يجرى متسلسلا رتيبا خاضعا لمبدأ أ ثم ب ثم ج ، أي لمبدأ الترتيب المنطقي للأشياء .. واغتدى غير متسلسل بحيث يمكن أن يمثل ب قبل أ ، أود قبل ج ، دون أن يكون ذلك مستبشعا مستنكرا ، بل محبذا مستملحا فإن تقطيع المكان أمسى كذلك شأنا" ([18])

 

 

 

*****

 

 

الصراع

    لا تخلو رواية من عنصر الصراع مهما كان مضمونها،لأنها " لابد أن تحتوى على عقدة أو مشكلة،أو موقف معين،أو ظروف خاصة،وهذا كله يدفع إلى نوع معين من الصراع،أو الحركة،أو التصرف الذي يؤدى في النهاية إلى نتيجة"([19]) فكل ما حولنا خالق لشكل من أشكال الصراع"يمكنك أن تلاحظ أفراد عائلتك، وأصدقاءك وأقاربك،وكل من تعرف،وزملاءك في العمل،لترى أتستطيع أن تكشف واحدة من الخصائص أو السجايا الآتية : المحبة البذاءة ، العجرفة ، البخل والجشع، والدقة ، السماحة والخرق ، القحة  وقلة الحياء ، والاختيال والغرور.. فأي خصلة من تلك الخصال وغيرها من آلاف السجايا الأخرى يمكن أن تكون تربه ينبت فيها صراع ما، ولندع رجلاً شكاكاً ملحداً يواجه مؤمناً نذر نفسه للجهاد في سبيل الله لترى لونا مـن ألوان الصراع "([20])

 

   وقد بدأ الصراع في الحكايات القديمة ، وإرهاصات الفن الروائي ، صراعاًً بين الإنسان والقوى الغيبية ، من آلهة و شياطين ، وسحرة ، ولم يكن ذلك غريبا ً" فقد كان الخيال الجامح يعيش في وفاق تام مع العقل ، إذ إن سهولة الاعتقاد ظلت توفق بين العقل وبين ظهور الأرواح والجن ، وتأثير الملائكة والشياطين في شئون الناس ، تأثيراً مباشراً ، فكانت أعجب الحوادث في الأوديسا مثلا مطابقة في الخيال اليوناني للتجارب التي يمكن أن يقوم بها ملاح يخوض البحار، ويتعرض لمفاجأتها وعواطفها وعرائسها، فكل شيء في تلك العصور محتمل"([21])

 

 

    وفي عصر النهضة تطور الصراع ، واتسم بالطابع الإنساني المثالي في روايات الفروسية ، التي اختلط فيها العنصر الواقعي بالعنصر الغيبي الملحمي   " ففي قصة "أماديس دى جول" للأسباني"جارثيارود ريجس" البطل فارس كامل يعيش في عالم بعيد عن الحقيقة وتحميه قوى غيبية ، تساعده فيه الساحرة المجهولة" أرجايدا، والفارس يحارب عمالقة ومخلوقات وحشية" ([22])

 

  ولم يبدأ الصراع مع القوى الغيبية في الانزواء إلا بعد ظهور روايات الشطار الأسبانية التي رفضت صراع الغيبيات صراحة ، حتى أن النقاد جعلوا الفضل لها في خلو القصص من العناصر العجائبية الخارقة للمألوف ، ودفعها نحو الاغتراف من ينابيع الحياة ثم أكد  " سرفنتيس" الأسباني في روايته الخالدة " دون كيخوته"  هذا الانزواء برفضه الصراع المعروف في روايات الفروسية لما فيه من زيف ، وبعد عن الواقع ، وإفساد للعقول ، نتيجة الخلط بين الواقعي والغيبي " إذ تكثر فيه المفاجآت العجيبة، من حدائق مسحورة وجينات ، وموائد تعدها أرواح مجهولة ، وضروب من السحر، وعمالقة وأقزام ، ثم كفاح الفارس ضد الوحوش والعمالقة وهو كفاح المنتصر دائما وتأتى بعد ذلك   النهاية المكررة دائما ، من ظفر البطل بحبيبته ، وتغلبه على الصعوبات" ([23])

 

  وقد لعبت ظروف اجتماعية وفكرية دوراً بارزاً في إشعال جذوا الصراع مع القوى الغيبية ، ولعبت ظروف مضادة دوراً بارزا في إخماد نيران هذا الصراع ، وإنزاله من السماء إلى الأرض ليرتبط بالنفس ، صراعا بين العاطفة والواجب ، وصراعاً بين الفرد والمجتمع، والفرد والزمن.

  أهمها الفلسفة ، ففي الحقبة التي سيطرت فيها الفلسفة الأفلاطونية 429 –347ق.م السابحة في الخيال ، كان الصراع غيبياً، وفي المرحلة التي سيطرت فيها الفلسفة الأرسطية 384 – 312 ق.م التي كانت على النقيض تماماً ، وأنزلت الفلسفة – كما قيل- من السماء إلى الأرض ، وجعلت الواقع المعاش هو كل ما يشغل بال المفكرين ، انتقل الصراع إلى الواقع.

  وأكدت الفلسفة التجريبية هذا الارتباط بالواقع ، ففي الوقت الذي كان فيه التجريبيون الإنجليز والفرنسيون في القرن السابع عشر ، والثامن عشر يؤكدون الوجود المادي للذات الفردية ، واهتمامهم بالحواس مصدراً للمعرفة، كانت الأعمال الأدبية وخاصة القصصية منها تتكيف مع هذا الواقع الفكري المرتبط بالواقع أشد الارتباط.

****

   إن أهم ما يميز  الصراع قيامة على أساس " هجوم و هجوم مضـاد" ([24]) فلا يمكن عزل الصراع والبحث عنـه كظاهرة مستقلة " لأننا في هذه الحالة سنواجه خطر الانزلاق إلى تيه مغلق إذ أنه ليس في هذا العالم شيء أبدا مبتور الصلة بما حوله، أو منفصل عن النظام الاجتماعي الذي يعيش فيه، وليس في الوجود شيء يعيش من أجله فقط فكل شيء في الوجود مكمل لكل شيء أخر " ([25])

    كما يميزه الارتباط الشديد بالشخصية ، فالصراع لا ينشأ إلا عن وجود شخصيات تتصارع ، والشخصيات لا تدب فيها الحياة إلا بالصراع بين بعضها البعض، أو الصراع بين نوازع الشر وجوانب الخير فيها دون حاجة إلى صراع خارجي، فللبشر أجسام تشتهى ، وعقول تفكر، وأرواح تهيم لتتصل بالذات العليا،  وصراع الأجسام مع الأجسام ، والأجسام مع العقول ، والأجسام مع الروح، والعقول ، والعقول مع الروح، والروح مع الروح ، وهى التي تخلق الشخوص  وتلون كلا منها بلون يميزها عن غيرها " ([26])

 

  واتجاهات الصراع كثيرة منها النفسي  ، والصراع الفكري ، والصراع الوجودي ، والصراع الزمانى، وصراع الأجيال، ولكن في الرواية القصيرة لم يظهر سوى الصراع   النفسي، والصراع بين الفكر والروح، والصراع بين الإنسان والحقيقة، والصراع بين الإنسان وظروف مجتمعه اتخذت شكل الصراع الجماعي .

 

 

 

 



16- حسين مجيد العابدين : نظرية المكان في فلسفة ابن سينا والشئون الثقافية ، بغداد، 1987 ،صـ9

1 يمنى طريف الخولي. إشكالية الزمان في الفلسفة والعلم, »ألف« مجلة البلاغة المقارنة, القاهرة, الجامعة الأمريكية, ع9, 1989م, ص13

18- محمد الباردى: الرواية العربية الحديثة، دار الحوار، اللاذقية، حـ1 ،1993م،صـ32

19- د. نبيلة إبراهيم : خصوصية التشكيل الجمالي للمكان ،فصول م9ع1،2 صـ49

20 ـ جاستون باشلا ر. جماليات المكان; ترجمة غالب هلسا, ط3, بيروت, المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع, 1987م, ص 5 -

21 ـ استراتيجية المكان : ص71

22 ـ بدرى عثمان. بناء الشخصية الرئيسية في روايات نجيب محفوظ, ط1, بيروت, دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع, 1986م, ص132

23ـ حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، القضاء الزمن الشخصية، المركز الثقافي  العربي ط 1، سنة 1990 ص 6

24 - ج برنس : عن مكونات السرد الفانتاستيكة، لشعيب خيفي فصول م11 ،ع 1 ، 1993، صـ65

25 - د. حميد لحمداني : بنية النص السردي، المركز الثقافي العربي ، بيروت 1991م، صـ70

[11] - د.سامية أحمد : القصة القصيرة. وقضية المكان، فصول م2ع4،1982،صـ18

[12] - بحوث في الرواية الجديدةصـ50

[13] - إستراتيجية المكان :صـ95

[14]ـ محمد برادة،  ضمن الرواية العربية واقع وآفاق، دار ابن رشد، 1981، ص224.

30 ـ إستراتيجية المكان : ص 114

31 ـ إستراتيجية المكان ؟، ص 121

32ـ ب . س ديفز : المفهوم الحديث للزمان والمكان , ص 11

33 -في نظرية الرواية : صـ153

34 - بناء الرواية : صـ82

35- لاجوس إجرى : فن كتابة المسرحية ، ترجمة درينى خشبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 200م ، صـ253 ،254

36- النقد الأدبي الحديث : صـ505

37- السابق :صـً507

38ـ السابق :صـ 509

39 - فن كتابة المسرحية : صـ256

40- السابق: صـ256

41- القصة من خلال تجارب الذاتية : صـ 83-84

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx