King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

المحاضرة الأولى

 

مفهوم السرد

 

   السرد Narration له مفاهيم متعددة لغة واصطلاحاً، فهو مصطلح نقدي يعني بعملية نقل الحادثة من صورتها الواقعية إلى صورة لغوية، ينوب فيه الراوي عن الأديب , وعن الشخصيات في وصف المكان وتصوير أركان الحدث , ومكونات الشخصيات الداخلية والخارجية , وهو الفعل الذي تنطوي عليه السمة الشاملة لعملية القص. أي ما يقوم به السارد Narrateur حين يروي الحكاية، ويشمل جميع أنواع الخطابات التي يبدعها الإنسان , الأدبية وغير الأدبية. فهو" حاضر في الأسطورة والخرافة والأمثولة والحكاية والقصة، والمأساة والدراما والملهاة، والإيماء واللوحة المرسومة وفي الزجاج المزوق، والسينما والأنشوطات والمنوعات والمحادثات..."([1]).‏

 والبنية السردية للخطاب تتشكل من ثلاثة مكونات:‏

1ـ الراوي (المرسل)‏

2ـ المروي (الحكاية)‏

  المروي له (المرسل إليه)

   ولأن الرواية بنية سردية في المقام الأول تعرض فكرة، فهي تحتاج بطبيعة تركيبة نسجها إلى هذه المكونات، يبدعها مؤلف حقيقي، ويتلقاها قارئ حقيقي‏ .

والراوي كي يصنع نصا حكائيا فهو يحتاج إلي شخصيات , ومكان , وزمان ,وإدارة صراع بين الشخصيات وبعضها البعض , أو بين الشخصيات والمكان , أو بين الشخصيات والزمان , أو بين الشخصية وذاتها , ويحتاج إلي لغة تصنع عالما تتحرك فيه مكونات نصه .

    كما يحتاج إلي تقنيات تناسب الفكرة التي يريد عرضها , وتحقق الترابط بين المبنى والمتن كما يقول الشكلانيون , أو بين الخطاب والحكاية كما يقول السرديون , وتراعي وجود المستقبل  سواء كان اسماً معيناً ضمن البنية أم كائناً مجهولاً، وقد يكون المجتمع أو قضية أو فكرة يخاطبها الراوي.

 

وللسرد تقنيات يتجلى فيها ضمن بنية النص الروائي هي:‏

السرد التابع: يتضمن سرد أحداث وقعت قبل زمن السرد.‏

السرد المتقدم: سرد استطلاعي استشرافي مستقبلي.‏

السر الآني: يأتي في صيغة الحاضر، سرد حوادث أو مونولوج.‏

السرد المدرج: يتمظهر من خلال تقنية إدراج الرسائل ضمن بنية النص الروائي حيث يتوقف الحكي ويدرج النص.

والبنية السردية للنص الروائي قد تشمل هذه الأنواع وقد تقتصر على بعضها انطلاقاً من منظور الروائي، الذي يتجلى في العلاقة الكامنة بين مكونات النص. وسوف نتعرض في الصفحات التالية إلى دراسة عناصر بناء النص السردي , من زمان , ومكان , وشخصيات , وراوي , ولغة , وتقنيات عرض ,حتى نتمكن من قراءة نص روائي قراءة صحيحة , سليمة .

الـزمـــان

   " الزمن نسج ينشأ عنه سحر ،ينشأ عنه عالم ، ينشأ عنه جمالية سحرية أو سحرية جمالية ،فهو لحمة الحدث ،وملح السرد ، وصنو الحيز ، وقوام الشخصية .([2]) وهو الإيقاع الضابط أحداث الرواية، والشاهد على مصير شخصيتها، والمحرك للصراع الدرامي داخلها ، بدونه لا وجود للحكاية . فما دام أساس الحكاية سرد حدث ، وتصوير حال شخصية ، وحكاية "حدوتة " ، وتسجيل لقطة ، فلا مفر من وجود زمن تسبح في مجراه مكونات الحكاية.

    لذا يعتبره المهتمون بالرواية كالرقم المسلسل للكتاب، يرتب الأحداث كما يرتب الرقم الأوراق.

 

      ومفهوم الزمن الروائي من المفاهيم المحيرة التي حار الروائيون والنقاد والشعراء وحتى الفلاسفة في الاتفاق على تعريف واحد له*ولعل ذلك هو الذي حمل" باسكال" على الذهاب إلى أنه من المستحيل، ومن غير المجدي أيضاً تحديد مفهوم الزمن " ([3]) , وهو ما دفع الموسوعة الأمريكية أن تقول إنه "يعتبر واحداً من الأمور غير المفهومة للإنسان، ولا يستطيع أحد أن يقول ما الزمن على وجـه الدقة والتحديد([4] )

    وهو ما دفع ـ أيضا ـ المعاجم عن الخوض في تعريفه فلسان العرب  يقول :"إن الزمان اسم لقليل من الوقت أو كثيره"، و"الزمان زمان الرطب والفاكهة، وزمان الحرّ والبرد ويكون الزمن شهرين إلى ستة أشهر، والزمن يقع على الفصل من فصول السنة وعلى مدة ولاية الرجل وما أشهد لك. وأزمن الشيء: طال عليه الزمان وأزمن بالمكان: أقام به زماناً".( [5])

 

    لكن بعض النقاد والباحثين خاضوا غمار مستحيل " باسكال" وحاولوا تعريف الزمن الروائي ، فرآه "جرييه" المدة التي نستغرقها في قراءة الرواية ، ويـراه " ميشيل بوتور" ثلاثة أزمنة هي " زمن الكتابة، وزمن المغامرة ، وزمن الكاتب" ويعدل " بورنوف ويلى" هذا التقسيم فيغير زمن الكاتب إلى زمن القراءة.

وتعرفه موسوعة كولومبيا الأمريكية بأنه "ترتيب متعاقب لكل الأحداث أو الفاصل بين حدثين في هذه السلسلة المتعاقبة".

 

   ولم يمنع هذا الخلاف بعض الباحثين من محاولة التوفيق بين الاختلافات القديمة والحديثة للوصول إلى تعريف جامع شامل للزمن الروائي. فظهرت تعريفات لا يوجد بينها خلاف ظاهر ، وإن دل ذلك على شيء ، فإنما يدل على صعوبة الانفراد بتعريف للزمن ، ذلك الكائن الذي يرى من كل زاوية في صورة لا نظير لها.

 

   ومن هذه التعريفات ، تعريف الدكتور" مراد عبد الرحمن" الذي يراه " صيرورة الأحداث الروائية المتتابعة وفق  منظومة لغوية ، معينة ، تعتمد على الترتيب والتتابع والتوتر والدلالة الزمنية بغية التعبير عن الواقع الحياتي المعيش وفق الزمن الواقعي  أو السيكولوجي أو الفلسفي"([6])

 

والزمن في الحكاية الروائية نوعان :

 

الأول – الزمن التتابعى " التقليدي"

 

وهو الزمن الذي يسير متسلسلا تسلسلا طبيعيا ، الماضي فيه قبل الحاضر، والمستقبل فيه بعد الحاضر ، وهو الزمن الوحيد المناسب للحبكة بمفهومها التقليدي ، فالحبكة فيه يحكمها المنطق، وكل حدث فيها نتيجة لحدث لاحق ، والبداية تؤدى إلى الوسط الذي يؤدى إلى نهاية.

 

  ولبساطة هذا الزمن كثر المغرمون به، كتابا ، ونقادا ، فيراه " أ. م. فورستر" قدس الأقداس " لا يمكن تحطيمه دون أن يجرف في حطامه كل ما سيحل محله" ([7]) ويرى أن من يحاول تحطيم هذا الشكل من أشكال الزمان عليه" أن يلغى التتابع بين الجمل، وهذا لن يتيسر دون إلغاء الترتيب بين الكلمات دخل الجمل أيضاً، الأمر الذي يحتم بدوره إلغـاء ترتيب الحروف والأصوات داخـل الكلمات" ([8])

والزمن التتابعى التقليدي ينقسم إلى قسمين:

 

1– نسق زماني صاعد : يتم فيه التوازن بين زمن الحكاية والسرد والأحداث فيه تتابع كما تتابع الجمل على الورق في الشكل خطوط تشد سوابقها بنواصي لواحقها" ([9]) وهذا النسق الزماني له مضاعفات سلبية على طبيعة الرواية المكتوبة ، فهو نظام – كما يقول بوتور – يحول " الأشخاص عندئذ بالضرورة إلى أشياء ، ولا تعود رؤيتهم ممكنة إلا من الخارج ، وقد يصبح متعذرا حملهم على الكلام ، وعلى النقيض من ذلك عندما نستعين ببناء زمني أكثر تعقيداً " ([10])

 

2 – النسق الزمني الهابط: وفيه يعرض زمن السرد الأحداث المروية علينا من نهايتها في رجوع تدريجي هابط إلى أن يصل إلى البداية، وهو مرتبط بالحبكة البوليسية.

 

 

الثانى- الزمن المتداخل:

وهو الزمن الذي يتبادل فيه الماضي والحاضر والمستقبل الأماكن ، فنرى المستقبل يحل محل الماضي ، والحاضر محل المستقبل، وفق قيود فنية خاصة بكل مبدع.

 

   وقد روجت مدرسة تيار الوعي لهذا الزمن ، فرفضوا التسلسل التقليدي المرتبط بالواقع، ونادوا بطريقة جديدة ترتبط بوعي الشخصية، فيكون الترتيب على حسب ورود الأشياء إلى الذهن ، حتى ولو كان ذلك مخالفا للواقع.

 

  تقول فرجيناولف : " دعنا نسجل الذرات وقت سقوطها على الذهن بالنظام الذي فيه ، ولنتبع التنظيم الذي يسجله كل منظر أو حدث على الوعي مهما كان غير متصل أو غير مترابط المظهر – فالحياة ليست سلسلة من مصابيح العربات مصطفة بشكل متناسق، الحياة هالة مضيئة، غطاء نصف شفاف يحيط بنا من بداية الوعي إلى نهايته .. أليست مهمة الروائي أن ينقل هذه الروح المتباينة، غير المعروفة، وغير المحدودة " ([11])

  

   إن فرجينا ولف ومن قبلها " جرترود شتاين" ومن ناصرهما اعتبروا التسلسل المنطقي للزمن قيدا يحد من حركة السرد الروائى ، ومن حركة الكاتب المحتاج إلى الانطلاق في سلاسة ليستطيع التعبير عن حياة معقدة متداخلة ،مضطربة . تماما كما اعتبر الشعراء العروض الخليلي قيداً يحد من جريان شاعريتهم فقوضوا أركانه ، واتخذوا من اللانظام جمالاً، ومن التشويش فنا ممتعاً. فأصبح،  بناء الكتابة الروائية " قطعا مجزأة مطروحة من هذا البناء أكواماً فوق أكوام، وركاما على ركام ، ليتخذ منها القارئ الروائي البناء الذي يريد ، والشكل الذي يشاء ، وذلك كيما يسمهم في بناء الرواية  من خلال القراءة ([12])

    وقد عد أرنولد هاوزر " تغير تجربة الزمن في العصر  الحاضر عن العصور الماضية بأنها مرتبطة بتطور التكنولوجيا والمدن العملاقة,  ورؤية العالم بعيني رجل المدينة , والاستجابة المرهفة للمؤثرات الخارجية . فحياة المدينة حافلة بالتغير والإيقاع المتوتر والانطباعات المفاجئة الحادة . ولكن كل الانطباعات عابرة زائلة تتصف بسيادة اللحظة على الاستمرار , فكل حادث هو موجة لن تتكرر يجرفها نهر الزمان الذي لا يستطيع المرء أن ينزل فيه مرتين " ([13] )

 

   وبسبب تعدد أنماط الزمن المتداخل " تواتر زمني مفرد، وتكراري ، ونمطي – توقف زمني– سوابق زمانية – لواحق زمانية – قفز زمني " أصبح الروائي  يعتمد على اللغة المكثفة المفجرة لدلالات " التي تشع دلالاتها من حشد من الإشرافات الداخلـية وبقع مــن الأزمنة المتقاطـعة المؤقتة " ([14])

 

  ** أشكال الزمن الجديدة

 

أ ـ التواتر الزمني المفرد :

  فيه يروى السارد مرة واحدة , وهو شائع في كل مستويات القص الروائي ، ولاسيما ـ كما يقول الدكتور مراد عبد الرحمن ـ في قصص تيار الوعي

 

ب- التواتر الزمني النمطي

 

  هو اختزال الراوي الزمن الممتد في جمل أو تعبيرات موجزة ، موحية بطول الزمن " ويقترن بالأحداث النمطية في الروايـة ، وهى الأحداث المألوفة التي مرت بها الذات كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر أو كل صباح أو كل مساء لكن السارد يسردها مرة واحدة في جملة أو عبارة أو فقرة . أي أن هذا التواتر الزمني يعتمد على التكثيف الشديد ، فيعبر الراوي عن زمن مألوف تمر به الشخصية في شكل دوري ، وذلك باستخدام جملة واحدة للتعبير عنه"([15])

 

ج- التواتر الزمني التكراري.

  هو سرد ما حدث مرة واحدة بأكثر من أسلوب أو بأكثر من وجهة نظر، أو باستبدال الراوي الأول براو أخر أو عدة رواة ، ومن ثم يتكرر الحدث بأكثر من طريقة ، وفى أكثر من مستوى زمني ، أي تتعدد المستويات الزمنية السردية حول حدث واحد " ([16])

 

د- توقف الزمن :

    يتوقف انسياب الزمن نتيجة لتوقف العملية السردية ، لوصف شخصية، أو استدعاء حدث وقع فى الماضي له، تأثيره المباشر على الشخصية ، أو الحدث ومساره ، وهذا الاستدعاء يعرف بالسوابق الزمانية ، التي تقابلها اللواحق الزمانية ، وهى استدعاء أحداث مستقبلية لم تقع بعد فى النقطة الزمنية التي بلغها السرد .  وتعد السوابق السردية لازمة أساسية في الروايات المصرية , وخصوصا القصيرة منها ، لأنها مهما طالت مكثفة ، مركزة بشكل يناسب طبيعة الرواية القصيرة ، كما أنها تخدم الإيجاز بكفايتها النص عن الاستطرادات التي قد يضطر لها الكاتب من أجل تماسك روايته، وعلى نقيض ذلك اللواحق الدافعة إلى استطرادات من أجل الوصول إلى زمنها حتى لا تكون ورماً خبيثاً في جسد الرواية .

 

هـ - القفزات الزمانية:

    فيها يقفز الزمن من نقطة إلى نقطة أخرى مسبوقا بإشارة من الراوي، كأن يقول "وبعد شهور " أو يعدد هذه الشهور التي تجاوزها السرد بالقفز، أو غير مسبوق بأية إشارات .  ويتخذ القفز الزمني شكلين ، الأول قفز إلى الماضي ، والثاني قفز إلى المستقبل ، ويميز الشكلين ارتباطهما بالفعل الماضي " كان "وصيغه، مثل " كنت – كانوا –"المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمصطلح " زمن ".

 

 



[1] ـ د. سعيد يقطين: الكلام والخبر: ص 19.‏

1- فى نظرية الرواية ::صـ207

* يعرفه أفلاطون : “ إنَ الزمن هو الصورة المتحركة للأزلية “ ويعرفه أرسطو بقوله : “ إن الزمن هو مقياس الحركة “ فيما يقول عنه الفخر الرازي “ الزمن هو جوهر يسيل “

2- السابق صـ 202

3 ـ عن جريدة الرياض , ع 14248 , 2007 م

4 ـ ابن منظور : لسان العرب

5 - د.مراد عبد الرحمن مبارك : بناء الزمن في الرواية المعاصرة – الهيئة العامة للكتاب،1998 ، صـ10

6- أركان القصة : صـ65

7- السابق : صـ64 ،65

8 ـ عبد العالى بو طيب : إشكالية الزمن فى النص السردي , فصول , م2, ع4, 1992, ص 132

9 ـ ميشال بوترو : بحوث في الرواية الجديدة , ت فريد أنطونيوس , عويدات , بيروت 1982, ص 101

10 - نظرية الرواية :صـ 167

11 - في نظرية الرواية : صـ222

12 ـ  أرنولد هاورز : الفن والمجتمع عبر التاريخ , ت فؤاد زكريا , ج 2 , الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر , 1971 ص 420, 421

13 - د. نبيلة إبراهيم : قص الحداثة ، فصول ع 4 م 5 ، 1986 صـ95

14- بناء الزمن : صـ 146

15 - د. مراد عبد الرحمن مبارك : اليات السرد في الرواية العربية المعاصرة،الهيئة العامة لقصور الثقافة ،2000م،صـ200

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx