King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الصـورة الفنيـة معيـاراً نقـــدياً *

 

         غَدَت الصورة الفنِّية معياراً نقدياً مهمّاً بتناولها العمل الأدبي من جوانب متعددة . وقد أثبتت الدراسات التي تَخِذتْها معياراً مقدرتَها على فحص العمل الأدبي ، وبيان مواضع الجودة والإخفاق فيه ، ثمّ الحكم عليه .

        و ممّا يدلّل على قولنا اتخاذُها مقياساّ للقول البلاغي : " بعيدةٌ مهوى القرط " وهو قول حفلت به كتب البلاغة والنقد القديمات ، وأثار إعجاب أصحابها بوصفه قولاً يوحي بمعاني طول القدّ ، فطول القامة ، فجمال الموصوفة .

     وبعرض هذا القول على ميزان الصورة الفنية تتجلّى حقيقته وإخفاقه في أداء المعنى الذي يرومه الواصف ، فهو أولاً : ليس بالضرورة أن يؤدي هذا المعنى المراد ، وثانياً : يرجّح أن يحمل معنى الدمامة حيث إنّ القرط ببعده يوحي بطول فاحش وفي ذلك نعت يمجه القدماء مثلما يمجه المحدثون . وثالثاً : ألفاظ هذا القول فيها مافيها من الغلظة التي تخطئ بها إصابة الإيحاء الشعري     ( بعيدة  - مهوى  - القرط ) .

        وإذا كانت الصورة بهذه الخطورة كان لابدّ للنقاد -بخاصةٍ المحدثين - أن يتخذوها نبراساً لاستكناه حقيقة ما تنتجه قرائح الأدباء من منثورٍ ومنظوم . وهذا ما دفعنا للكتابة عنها مبينين مفهومها، وأهمّيتها، ومكوناتها، وشروطها، وأنماطها، وكيفية معالجة نقادنا القدماء قضاياها، ونماذج من دراسات المحدثين تنظيراً وتطبيقاً، ثمّ نختتم مستخلصين ممّا سبق رأينا في طريقة دراسة الأعمال الأدبية في ضوء الصورة الفنّية .              

 ما الصورة ؟

        الصورة في مجال العمل الأدبي تأتي منعوتة بألفاظ ( الفنية ، والأدبية ، والشعرية ) وقد تذكر lمُفْردة  ، وكلّ هذه النعوت يراد بها أداء معاني متطابقة .

         وأحسب أنّ اختلاف الألفاظ يؤول إلى الاختلاف في ترجمة المصطلح الذي سبقنا إليه الأوروبيون ، دون أن يسبقوا نقدنا إلى مفهومه واستخدامه . فالمترجمون ترجموا لفظة :

  "The artistic imagery "  الصورة الفنية تارة والصورة الأدبية. ويعنون بلفظتي ( أدب ، وفنّ )

 

--------------------------------------------------------

·        الأستاذ : حسن عجب الدور حسن السلك -  أستاذ البلاغة والنقد  كلية التربية جامعة الدلنج 

ما أثُِرَ من المنظوم والمنثور الذي يخاطب العاطفة والوجدان .

       أمّا عبارة الصورة الشعرية فهي من باب تسمية الكلّ بالجزء ، ولعلّ نقادنا استخدموها باديء الأمر لاهتمامهم بالصور في المنظوم دون المنثور .

      والصورة بنعوتها التي ذكرنا آنفاً مصطلح لم يستخدمْه نقادنا القدامى ، لذا كان من الطَبَعِي خُلُوُّ معاجم اللغة العربية من الإشارة إلى المعنى الذي تضمنه النقد .  

      وفي الاصطلاح عّرفت بأنّها : تشكيلٌ لغويُُّ مكوّنٌ من الألفاظ والمعاني العقلية والعاطفة والخيال.(1) وأنّها مظهر خارجيُُ جلبه الشاعر أو الكاتب ليعبر به عن دوافعه وانفعالاته.(2) و عرِّّفت أيضاً بأنها: كل ما تقوى على رؤيته أو سماعه، أو شمه، أو لمسه، أو تذوقه.(3) وأنها: استرجاع ذهني لـمُحس.(4) بحسبان أنّ الأديب يستحضر ما أدركته الحواس إبّان الحاجة إليه .

        هذه التعريفات تتفق جميعها – كما عرضت - على أنَّ الصورة هي الشكل ، أو القالب الذي يصب فيه الأديب أفكاره، ومعانيه، وعواطفه. غير أنَّ هذا القالب يختلف بين شاعر وآخر، وأنّه تدعوه أحوال الأديب النفسية، والموقف الذي دعاه إلى قرض الشعر، فالصورة يحسن بها أن تتناسب مع المعاني والعواطف، فليس اختيارُ الأديبِ الألفاظَ اعتباطاً؛ بل يكون في كثير من الأحيان اختياراً غير شعوري.

       وبناء على ما سبق فالصورة المعتد بها بلاغياً ونقدياً هي التي تنصهر في بوتقتها المعاني الداعية، والألفــاظ المدعـــوة، والغرض الذي يدعــو المعاني لتترتب في النفس حتى توْضَح أولاً، ويدعو معها الألفاظ لتترتب وفق ترتيب المعاني.

أهمية التصوير الفنيّ :

    تبدو أهمية الصورة الفنّية، في طريقتها التي تفرض بها نوعاً من تسليط الضوء في المعنى المراد عرضه، وفي الطريقة التي تحقق تفاعلنا مع المعنى الذي تعرضه.(5) فالمعانى شئ كامن لا يظهر إلا في الصورة. ومن الصورة الفنية يستمد الشعر قوته، "... فقوة الشعر تتمثل في الإيحاء [بالمعانى] وبالأفكار مجردة لا في المبالغة في وصفها."(6)

        وبوساطة الصور يستطيع الشاعر أن ينقل إلينا حالات غامضة تخالج نفسه. وإذا أظهرها وعرضها عارية من الإيحاءات الشعرية لا تثير فينا شيئاً.

     وتبدو أهميتها أيضاً في شدها انتباه السامع للمعنى الكامن فيها، وجعله منفعلاً به.(7) وسبب ذلك - فيما أرى - أنّ الصورة تمنح الأدب الحياة وتجعل من المعاني المبتذلة معاني مقبولة، وذلك بسبب قدرة  الأديب على التصرف في هندسة التعبير إسناداً وتقديماً وتأخيراً ... إلخ.

     وتبدو أهميتها في تمكينها الأديب من استكشاف تجربته وتفهمها كي يمنحها المعنى والنظام، وبافتقارها لا يستطيع الأديب تجسيد حالاته.(8)

مكونات الصورة الفنية :

      يَرَى بعض النقاد أنَّ الصورة تستعمل مرادفةً الشكلَ المحُسَّ في العبارات والألفاظ(9)، ليمكنها أن تنقل إلى المتلقي المعاني المرادة التي كانت تجيش في صَدْرِ الأديب.

        وبهذا تكون الصورةُ شاملةً العبارات، والألفاظ التي يحقق بها الأديب تأليفه الأدبي، وشاملة الخيال الذي نتج عن عاطفة قوية يعكسها الأديب في فنّه.(10) أي أنّ الصورة تتكامل بجانبيها اللفظي الـمُحَسِّ والمعنوي المعقول. ويبدو أن نظرية الشيخ عبدالقاهر الجرجاني ت "471هـ" التي عبر عنها بالنظم سبقت النقاد إلى ذلك كله.

        وهذه العبارات والألفاظ يستخدمها الشاعر مرتبة في نطقه، وفق ترتيب معانيه في نفسه ليتحقق له النظم البليغ. ويصور بمجموع ترتيبِ المعاني في نفسه، وترتيبِ الألفاظ في نطقه غرضَه الداعيَ؛ فتتشكل له صورة كاملة، من أجل التعبير بها عن جانب من جوانب تجربته الشعرية.

        ويستخدم الأديب لتحقيق ذلك اللغة وإمكاناتها في الدلالة والتراكيب، وكذلك الموسيقى والإيقاع، والحقيقة والمجاز، والترادف، والتضاد، والمقابلة والتجانس،(11) وسائر وسائل التصوير البلاغية.

    و الصورة في النقد الحديث اتسع مجال الحديث عنها. ولم يقف عند الألوان البلاغية من تشبيه ومجاز واستعارة، بل تحدث هذا النقد عن الظلال والألوان التي جلبتها أفكار الشاعر ومشاعره.(12) وعدّها - الصورة - بعضُهم تشكيلاً لغوياً كونه خيال الأديب من عدة معطيات استمدت من الحواس إلى جانب الصور النفسية والعقلية.(13) أي أنّ الصورة في النقد الحديث شملت كل ما من شأنه إبراز المعاني ، وشملت اختيار الكلمة المفردة، وشملت العبارة وشملت فكرة الأديب وعاطفته وخياله فعدت بذلك المنهج وطريقة الأداء.(14)

        إنَّ عناصر الصورة السالفة الذكر لا تصبح فاعلة في تشكيلها إلا إذا راعى فيها الأديب حسن الاختيار. فاللفظة الشعرية تحتاج لأن يهيئ لها الشاعر نظاماً، ونسقاً يمكنانها من إشعاع الظلال والإيقاع. وهذه الظلال يحسن لها أن تتناسب مع الجو الشعوري الذي يريد الشاعر رسمه.(15) وفي هذا السياق يقول عبد القاهر الجرجاني : " واعلم أن ليس النظم إلاّ أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو ، وتعمل على قوانينه وأصوله ، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها ، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخلّ بشئٍ منها000000000000 " ( 16 )

        ولا يعنى هذا أن الصورة تقوم على العبارات المجازية فحسب، بل نجد في بعض الأحوال صوراً جميلة خصبة ناتجة عن استخدام عبارات حقيقية لا مجاز فيها.(17)مثال ذلك ماقال ذو الرمّة مصوراً حاله النفسية :    ( من الطويل )

   عشِيـّة مالي حيلـةٌ غيـر أنّني               بلقْطِ الحصَى والخطُّ في الترْبِ مولِعُ

   أخـُطُّ ، وأمْحو الخطّ ، ثُمّ أُعِيدُهُ               بكَفِّيَ والغربـانُ فـي الدارِ وقــّعُ

        أما الإيحاء والظلال فيجعلان الشعر أبلغ تأثيراً في النفس وأكثر علوقاً في القلب.(18) ذلك لأنّ نفس المتلقي تسهم إسهاماً فاعلاً في إدراك تلك الظلال. فكأنها بذلك قد أسهمت في صنع الإيحاء وظلال الكلمات. يضاف إلى ذلك أنهما- الإيحاء والظلال - يحققان للمبدع متعة ويسعفانه بالتعبير عن انفعاله.(19) وهذا يتم بتضمين الكلمات القليلة معاني كثيرة.

     والجانب الموسيقي عنصر مهم في تكوين الصورة الشعرية، فهو يشدّ السمع فيتم تقبل العمل الأدبي والاستمتاع به.و أما العاطفة السائدة في العمل الأدبي فتعد أهم ما في الصورة الأدبية، وهما - الموسيقى والعاطفة - يسهمان إسهاماً عظيماً  في تذوق الصورة  وينقلان تأثيرها،  وروعتها وجمالها.(20)

     وبهذا يمكننا القول: إنّ عناصر الصورة الفنية هي الدلالات المعنوية للألفاظ والعبارات، إضافة إلى المؤثرات التي يكمل بها الأداء الفني من موسيقى وظلال، ثم العبارة التي عرضت فيها التجربة الشعرية(21).

شروط التصوير الفنّي :

         وضع النقد الحديث شروطاً للصورة حتى تكون مقبولة في ذهن المتلقي ووجدانه. فالصورة عند المحدثين يجب ألا تكون برهانية عقلية؛ ذلك أنّ الاحتجاج يميل إلى التصريح الذي ينتفي معه الإيحاء.(22) وينتفي مع التصريح الخفاء النسبي الذي يزيد الصورة قوة وعمقاً. فإذا كانت الصورة صريحة لا يستوقف المتلقي ذهنه فيها ولا يُعْمِله فيها ليتساءل عن الإبداع الأدبي ليتمتع به حال الظفر به.

    و يحسن بالصورة الشعرية أن تكون مُوحِيةً، وفي هذه الحال يستطيع الأديب أن يجعل من الجملة القصيرة، أو اللفظة في موقعها معاني عدة. وهذا الإيحاء يتحقق. إذا كان الشاعر واسع الخيال، مستوعباً كثيراً من الصور الشعرية عند سابقيه، ليأتينا بالمُبتدَع والجديد من الصور، لهذا عُدَّ الخيال " عنصراً أصيلاً في الصورة وإليه يرجع تحقيق الاندماج بين الشعور وغير الشعور عند الشاعر، وبه يتحقق التوافق بين الوحدة والتنوع، وبهذه العناصر يتولد العمل الفني.(23)

        ومن فوائد هذا الإيحاء في العمل الأدبي أنه: "يحْمِل القارئ إلى عالم الأحلام والسبحات الفكرية ..... "(24). وربما حمله إلى أجواء لم يدْرِكْها الشاعر نفسه، وهذا ما يفسر لنا الحال التي تعتري المتصوّف عند سماعه أبيات شعرٍ لغيره .( 25 )

          ويقدم الخيال للقاريء أيضاً صوراً فيها متعة نفسية وعقلية، وتبعث فيه روح النشاط ولذة الفكرة، وتجعل ذهنه دائبَ الحركة والنشاط، ويدرك في الصورة جديداً كلما قرأها.(26)

             ويحسن بها أيضاً ألا تقف عند حدود الحسّ دون ربطه بجوهر الشعور والفكرة في الموقف (27).

        وإذا كانت الصورة مكونة من مجموعة صورٍ صغيرة فإنّ النقد اشترط في هذه الصورة أن تكون عضوية في التجربة الشعرية(28). أيّ أن تكون كل صورة من الصور فاعلة داخل الإطار العام للصورة الكبرى، وتكون مسايرة للجو العام للعمل الأدبي.

       ويحسن بكلّ صورة من هذه الصور الجزئية أنْ تحمل الشوق الذاتي إلى الصورة التالية . (29) وهذا مايدفع القارئ إلى تتبع العمل الأدبي قراءةً أو سماعاً .  فتوحي– الصورة بذلك - بصور تدور حولها.

    ورأى النقّاد أيضاً أنّ تكون الصورة معبرة عميقة في نفس صاحبها،(30) منصهرة في تجربته. أي تكون معبرة عمّا في أعماق نفسه .

     وكذلك يحسُن للأديب ألا يلهث وراء التفخيم اللفظي وقوة اللفظ دون الملاءمة بينه وبين حاله الشعورية وما ينفعل به ويجيش في صدره.(31) لأنّ ذلك يجعل من عمله الأدبي صنعة شعرية غير معبرة عن أحاسيسه الشعورية، وتكون الصورة حيئنذٍ هي صورة الأسلوب العلمي ، ذلك بأنّ الألفاظ ليست مبتغى المتكلم وإنّما هي خدم للمعاني  ، وبذلك قَصُرت أبيات يزيد بن الطثرية :

      ولمّا قضينـا من منىً كلّ حاجـة            ومسّح بالأركان من هـو ماسحُ

     وشُدّت على هدب المهاري رحالنا            ولا ينظر الغادي الذي هو رائحُ

     أخذنا بأطراف  الأحاديـث بيننـا            وسالت بأعناق المطيّ الأباطـحُ 

أنماط الصورة الفنية :

      نظراً لارتباط الصورة الفنية في الشعر بالحال النفسية للأديب والموقف الذي حرك قريحته، وأثار عاطفته، كانت لها وجوه مختلفة، وأنماط متنوعة. وكل وجه أو نوع يتآلف مع طبيعة الجمـال ، و نفس الأديب التي نشأ عنهاالإبداع.(32) فبينما نجد بعض أشكال الصور البسيطة تقف عند التشبيه، نجد ضروباً من الصور شديدة التعقيد، وتتمثل تلك في الرموز الموحية. بمعانٍ عميقة.(33)

      وتحمل كلّ منها الكثير من المعاني، قد يصعب إدراكها باديء الأمر، وتتمثل أيضاً في الاستعارة التي لا تعني فقط إيجاد علاقة بين شيئين متشابهين، أو متماثلين، وإنما تتجاوز تلك لتحدث علاقات بين أصول مختلفة متباعدة، بل بين أمور متضادة، أو متنافرة أيضاً.(34)

    وكل ضروب الصورالفنية معقدة، وبسيطة، أراها تؤدي وظفيتها التي يريدها الأديب. فالصورة المعقدة لا تصلح لتأدية المعاني التي تؤديها الصورة البسيطة. كما أنَّ الصورة البسيطة لا تقدر على إبراز المعاني التي تبرزها سابقتها.

موضوعية الصورة وذاتيتها :

     الصورة الفنيّة قد تكون موضوعية معبرة عن مشاعر وحالات نفسية، وأفكار عامة، أي معبرة عن نفوس المجتمع ومشاعره ، ومصورة حالاته خيرها وشرها، حلوها ومرها. وفي هذه الحال يختفي شخص الشاعر وراء الصور، ولا تبدو للعيان مباشرة، وقد تكون الصورة ذاتية جاء بها الأديب ليعبر بها عن حاله الخاصة. ويكون تأثير الخيال فيها أوضح من سابقتها. وما دام الخيال يغلب على هذا الضرب من الصور فإنّ إحساس الشاعر بنفسه يكون أقوى من إحساسه بمجتمعه.

الصورة في تراثنا النقدي :

       الصورة الفنية ليست شيئاً جديداً في عالمي الأدب ونقده. فالشعر منذ بداياته قائم عليها. ولم يستغنِ عنها بعدُ.(35) وهذا شئُُ بدهي، فهل يقوم الشعر على غير الموحي من الألفاظ، والعبارات اللغوية، وما توحي به من معان إنسانية نبيلة؟ أم هل يستغنى الشاعر عن وسائل التعبير الفني؟

       بيد أنّ الصورة بوصفها مصطلحاً نقدياً لم يرد ذكره عند نقّادنا القدامى. ذلك بأنّهم عندما يتحدثون عن الشكل في الشعر لا يتحدثون عنه بوصفه شيئاًً متكامــلاً.

        وكان الحديث عنها في النقد القديم حديثاً عابراً، يشير فيه الناقد إلى جانب من جوانبها، كالتشبيه والاستعارة – ولكنّ ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال جهل النقاد القدماء هذا المعيار المهم من معايير نقد الشعر. ومقولة الجاحظ الشهيرة -: "والمعـاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي، والقروي، والمدني. وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجــودة السبك، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج، وجنس من التصــوير".(36) - تعد حديثاً صريحاً عن الصورة وأهميتها، ومكانتها في الشعر، فهو يجعلها معيار التنافس بين الشعراء.

                عندما يتحدث الجاحظ عن الصورة في الشعر لا يغرق في التفاصيل، فهو يشير إشارة فقط إلى أهميتها فيه ، وأنها معيار السبق والتنافس بين الشعراء. ويرى أن جودة الشعر تكمن في التحام أجزائه وسهولة مخارجه.(37) وحديثه هذا بالرغم من أنه يتصف بالعموم، يولي أهمية عظيمة للصورة. لأن المعاني في نظره يسهل إداركها للناس كافة. وأنها ليست مجال التنافس. غير أن هذه السهولة في فهم المعاني لا تتم إلا بجلب القالب الجيد الذي تصب فيه، وهو لا يتاح إلاّ لمن منح قريحة شعرية وملكة تعبيرية.

              ونجد أبا العباس ثعلباً (ت 291 هـ) يشير إلى نمطٍ من أنماط الصور البيانية هو الصورة التشبيهية.(38) ويجعلها فرعاً من فروع قواعد الشعر الأربع، وكذلك يشير إلى الصورة الموسيقية في قوله: "واتساق النظم: ما طاب قريضه، وسَلِم من السناد والإقواء والإكفاء، والإجازة والإيطاء .. "(39).

        أما ابن طباطبا العلوي (ت 322)هـ فيعرض للصورة في معرض حديثه عن مشاكلة اللفظ والمعنى. والأدب عنده معانٍ سامية في ثوب من الألفاظ سامٍ؛ "فتحسن [الألفاظ] فيها وتقبح في غيرها، فهي لها كالمعرض للجارية الحسناء التي تزداد حسناً في بعض المعارض دون بعض، وكم من معنى حسن قد شِـين بمعرضه الذي أبرز فيه، وكم معرض حسن قد ابتذل على معنى قبيح ألبسه ..."(40) ويولي الصورة الموسيقية الناشئة من الوزن وإيقاعه اهتماماً كبيرا ً(41).

        وعند قدامة بن جعفر (ت 337)هـ نجد اهتماماً أكبر بالصورة. فهو يعرف الشعر بأنه: "... قول موزون مقفى، يدل على معنى"(42). كأنَّه بقوله هذا يعني أنَّ الشعر صورةلا تتحقق إلاّ بجانبيه اللفظي والمعنوي. وبعد حديثه المجمل هذا نجده يعرض للفظ، فيشترط فيه السماحة وسهولة مخارج حروفه، وأن يكون فصيحاً وخالياً من البشاعة(43).  ويتحدث عن الصورة الموسيقية في الشعر عند حديثه عن القوافي(44) بوصفها ممثلة جانباً شكلياً فيه.

        وعندما نصل إلى أبى هلال العسكري (ت بعد 398هـ) نجد الحديث عن الصورة أكثر وضوحاً. ويفصل فيه أكثر من  سابقيه. ويوليها اهتماماً. فهو يرى أن جودة اللفظ وصفاءه وحسنه وبهاءه، ونزاهته ونقاءه، ثم وضعه وضعاً حسناً وصحيحاً في تركيب الكلام كلّها أمورهي شأن الشعر، وهي المعيار الذي يفاضل به بين شاعر وآخر.(45) لأنَّ ذلك مطلب عزيز لا يدركه كل من أعد نفسه للنقد واقتحم مجال الشعر. ويرى أنَّ البلاغة في الكلام متحققة في جودة المعرض؛ لأنَّ الكلام لا يسمى بليغاً إلا إذا حسن معرضه.(46) ويعرض أيضاً للصورة التشبيهية. ويرى أنَّ أجود الصور التشبيهية يأتي على أربعة أوجه "أولها: "إخراج مالا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه.(47) ويعنى بهـذا تصوير ما كان معنــوياً وجعـله محساً مدركاً بالحواس. وثانيها: "إخراج مالم تجــرِ به العــادة إلى ما جــرت به العـادة ..."(48) وأظنه يروم بذلك بيان غير المألوف في ثوب المألوف. وثالثها: إخراج ما لا يعرف بالبديهــة إلى ما يعرف بها ..."(49) ورابعهــا: " إخراج ما لا قوة له في الصفة على ما له قوة فيها ..."(50).

     وكلام أبي هلال هذا كله يشير به إلى أغراض الصورة وغاياتها المتمثلة في تقوية  المعاني وتوضيحها. وحسن التأليف والتركيب عنده يزيد المعاني وضوحاً وشرحاً .

        وفي القرن الخامس نلتقي بابن رشيق القيروانيّ (ت 465هـ). والصورة عنده - وقد عبر عنها باللفظ - جسم الشعر  يضعف إذا ضعف ذلك اللفظ. وعبر عن المعنى بروح الشعر. (51) ويعرض للصورة الموسيقية متمثلة في القوافي والأوزان، فيقول: "القافية شريكة الوزن في الاختصاص بالشعر، ولا يُسَمَّى شعراً حتى يكون له وزن وقافية.(52) ويعرض كذلك للأعاريض والضروب ،فيقول:" وينبغي للشاعر أن يركب مستعمل الأعاريض ووطيئها، وأن يستحلي الضروب ويأتي بألطفها موقعاً، وأن يتجنب عويصها ومستكرهها ..."(53)

        وأما الشيخ عبدالقاهر الجرجانى(473هـ) فهو يُرجع الجودة في الشعر إلى النظم. لا إلى المعاني وحدها ولا إلى الألفاظ منفردة. بل إلى اتحـاد اللفظ والمعنى الحاصل من ترتيب المعاني في النفس أولاً، وترتيب الألفاظ في النطق آخراً وفق ترتيب المعاني في النفس.

        ويفرد أحاديث علمية وفنية للصورة البيانية التي قوامها التشبيه والاستعارة. ويرى أنّ جودة الصورة التشبيهية في التقاطها مما تدركه الحواس(54). بأن يصور البليغ المعنوي المعقول في صورة المحس. ويكثر في بحثه من هذا الضرب من الصور، ويعمق بحثه مما أدركته العيون وكثر تــردده على البصــر. وسبب ذلك بحســب ما يرى: "أنَّ العيــون هي التي تحفظ صورة الأشياء على النفوس وتجـــدد عهـــدها [بها] وتحرسها من أن تَدثـــُر وتمنعها من أن تزول ..."(55) وهذا حديث صريح عن الصور البصرية التي يلتقطها الشاعر من البيئة ليعبر بها عن تجربته الشعرية.

        ويجمل بالصورة الشبهية عنده أن تجيء في الهيآت التي تقع عليها الحركات، وتقترن هذه الصورة الحركية بأوصاف أُخَر مثل الشكل، واللون، ويضرب مثالاً على ذلك بقول الراجز، جبار بن ضرار الذبياني أخ الشماخ بن ضرار: ( من الكامل )

                   والشمسُ كالمرآةِ فِي كَفِ الأَشَل(56).

أو تكون هذه الصورة الحركية مجردة لا يراد غيرها. كالصورة الحركية في قول الشاعر:( من الكامل )

                يَقِصُ الَّسفِين بِجَانِبِيهِ كَمَا

                يَنْزُو الرَّباحُ خَلالَهُ كَرَعُ(57)

    ويثبت عبد القاهر الجرجاني فضل الصورة الاستعارية، في أنها تبرز المعاني في صورة مستجدة تزيد قدرها نبلاً. وبوساطتها يستطيع الأديب أن يعبر عن الكثير من المعاني باليسير من الألفاظ.(58)

*      *      *

        هكذا كان القدماء يتناولون الصورة. فهم يعبرون عنها بالعبارة أحياناً وباللفظ أحياناً. أو يتناولون جزءاً من الصورة في مفهوم المحدثين ليعبروا به عن الصورة كلها. وأكثر حديثهم كان عن القضايا البلاغية.

        وبسبب هذا رأى بعض النقاد المحدثين، أنَّ مفهوم الصورة عند القدماء يقف عند حدود الصور البلاغية. ويضرب صفحاً عن الصورِ الذهنية، والصورِ بوصفها رموزاً.(59) وفهم المحدثون أيضاً أن التشبيه والاستعارة والمجاز التي تدخل في صميم الخيال فهموا أنها وسائل لتزيين الكلام وتوضيحه وإبعاده عن الغموض.(60)

        وللرد على هؤلاء نقول: إنَّ البلاغة التي يرون أنّ مفهوم الصورة عند القدماء يقف عندها - تعمل في الأساليب العلمية والأدبية والمتأدبة. وتشمل العناية بالخيال في الأسلوب الأدبي كما في الاستعارة. وأنَّ الصورة الذهنية التي يرون أنَّ النقد القديم لم يُعنَ بها، ليست خيالاً ولا عاطفة محضة كما يتخيلون، بل هي الصور العقلية والمعاني العقلية التي عناها الأقدمون.

         أما زعمهم بأنَّ الأقدمين قد جعلوا التشبيه والاستعارة والمجاز وسائل لتزيين الكلام وتوضيحه فَيرُدُّ بأنَّ مفهوم الزخرف والزينة عند الأقدمين هو من صميم النظم البليغ الذي لا تتحقق الصورة إلاّ بتحقق جانبيه.

دراسات نقدية حديثة في الصورة الفنية :

            بدأ الاهتمام بالصورة في الدراسات النقدية في العقد الرابع من القرن الماضي ، ونحسب أنّ كتاب   ( Shakespeare s imagery and what it tell us  ) ( الصورة الفنّيّة عند شكسبير وما تنبئنا به ) لكارولاين إسبيرجن ( Caroline Spurgeon  ) أوّل مصنّف نقدي اتّخذ الصورة الفنية معياراً نقدياً .

      وقد توصّلت صاحبة الدراسة إلى نتائج مذهلة ، حيث اقتربت بدراستها من شخصية الأديب ، وعقليته ، وذوقه ، وتجاربه ، وأفكاره العميقة بطريقةٍ فاقت الدراسات التي جرّبت على فحص أدب شكسبير .(61 )

    وأعقب هذه الدراسة دراستان دفعتهما دراسةُ كارولين إسبيرجن : الدراسة الأولى لإدوارد آرمسترونج الموسومة بـ (Shakespeare s Imagination ) ( خيال شكسبير ) وقد جَعَل الخيالَ هنا مرادفاً للصورة الفنية .

      أمّا المصنّف الآخر فهو : imagery )  Shakespeare s  The development of  ) تطور الصورة عند شكسبير لمصنّفه : (Clemen Wolfgang ) ولفجانج كلمن ، وقد هدف المؤلف إلى تتبع تغيير وظائف الصورة عند شكسبير وفقاً للتطور العام لفنّ رواياته الدرامية ، و راعى في دراسته الوحدةَ العضويّةَ في العمل الأدبي .

      أمّا في نقدنا الحديث فقد بدأ الاهتمام بالصورة الفنّية منتصفَ القرن الماضي . وكانت إرهاصاتها مقالات في المجلات المصرية كمجلّة المجلّة المصرية ، ومجلّة الرسالة . وتمثلها مقالات : د .  محمد غنيمي هلال ( الصورة الشعرية في المذاهب الأدبية : الكلاسيكية ، والرومانتيكية ، والبرناسية ) ومقالات الدكتور : عزّ الدين إسماعيل التي صارت من بعدُ باباً في كتابه : التفسير النفسي للأدب .

     وقد حاز الدكتور: مصطفى ناصف قصَبَ السبق في تصنيف أوّل كتاب خُصّص لدراسة الصورة أسماه ( الصورة الأدبية ) ونُشِر أول مرة سنة 1959 م ) قدّم فيه مادة علمية قيّمة برغم ما يحتوي الكتاب من غموض أحياناً . وقد أُخِذ عليه أنّه نقل كثيراً من السريالية . ( 62 ) وفُتن بالمذهب الأوربي في دراسة الصورة ممّا حدا به إلى نُكْران وجود الصورة في نقدنا القديم .

     ومن بعد ذلك توجهّت بعضُ الرسائل العلمية بالجامعات العربية إلى اتّخاذ الصورة الأدبية موضوعاً . وقد غلب على تلك الرسائل طابع التطبيق .

      ومن الدراسات النظرية في الصورة : الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي  للدكتور جابر عصفور ، ونظرية عبد القاهر الجرجاني في الصورة الفنية للدكتور: كمال أبي ديب ، ودراسة الدكتور: كامل حسن البصير ( بناء الصورة في البيان العربي ) .

     هذه الدراسات الثلاثة اهتمّت بالكشف عن الأصول العربية للصورة الفنية ( 63 ) وهي ثمثّل ردّاً قوياً على الرأي الذي ذهب إليه الدكتور : مصطفى ناصف ونفى فيه معرفةَ النقدِ العربيِّ القديمِ الصورةَ الفنيةَ .

     ومن الدراسات النظرية دراستان للدكتور عبد القادر الرباعي : الصورة الفنية في النقد الشعري ومقال له نشره النادي الأدبي بجدة 1994م بعنوان : دراسات حديثة في الصورة الشعرية تاريخاً ومنهجاً . والدراستان تَشِيان بخبرة الرجل وإلمامه بقضايا الصورة . هذا إضافة إلى مقالات متعددة نشرتها مجلات علمية أُخَر .

     أمّا الدراسات التطبيقية فقد شغلت حيزاً أكبر في الرسائل العلمية ، منها ما كان موضوعه في الأدب القديم ، وقد اتخذ نوعين :

         الضرب الأوّل : كان مختصّاًً في شعرشاعرٍ بعينه وأوّله : دراسة الدكتور عبد القادر الرباعي ( الصورة الفنية في شعر أبي تمّام ) ، وقد تأثّر فيها بدراسة كارولاين إسبيرجن السابقة الذكر بعضَ التأثُّر لكنّه قدّم عملاً أحسبه مجوّداً يُعين الدارسين في تذوق شعر أبي تمّام .

     ومن هذا الضرب من الدراسات : دراسته الموسومة بـ ( الصورة الفنية في شعر زهير بن أبي سلمى ) ، وقد اهتمّ فيها بالجانب الإحصائي .ومنه كذلك : (الصورة الفنية في شعر  بشار ) للدكتور : عبد الفتاح صالح نافع ، ومنه الصورة الفنية في شعر دعبل بن علي الخزاعي للدكتور: علي أبي زيد ومنه الصورة الشعرية ونماذجها في إبداع أبي نواس للدكتور : ساسين عساّف ، ومنه الصورة الفنية في شعر عرابة اليماني للأستاذ : داود سلوم ، هذا على سبيل المثال لا الحصر.

    الضرب الثاني : كان موضوعه متناولاً إنتاج شخصيات أدبية عدة وفق قيد زمني محدد . ومن تلك الدراسات : الصورة الفنية في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث للدكتور: نصرت عبد الرحمن ، ورسالة الدكتورعلي البطل : الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري ، والصورة الفنية في الشعر الصوفي إبّان القرنين الثالث والرابع الهجريين لكاتب المقال .

     ومن الدراسات التطبيقية : دراسات تناولت موضوعات حديثة منها الصورة الفنية عند شعراء الإحياء في مصر للدكتور: جابر أحمد عصفور ، ودراسة الدكتور: نعيم اليافي ( الصورة الفنية في الشعر العربي الحديث ) . 

       يضاف إلى هذه الدراسات التطبيقة في الأدب العربي قديمه وحديثه العشراتُ من الفصول التي أُفرِدت لدراسة الصورة الفنية  في الأبحاث والرسائل العلمية . 

    الخاتـمة :

         استطاع النقد الحديث تطويرَ النقد الأدبي كماً وكيفاً . ولعلّ الصورة الفنية أو الصورة الأدبية تقف شاهدةً على ذلك ، فبينما كانت دراستها مجزّأة قديماً أضحت في النقد الحديث - بحكم استفادته من وريثه ( النقدِ القديمِ ) وتفاعُلِ الثقافات بعضها مع بعضٍ – قادرةً على تناول النصّ الأدبي من زواياه جميعها . ولعلّ كثْرة الدراسات فيها تنظيراً وتطبيقاً لدليل على جدواها في التعرُّف على النّصّ .

       إنّ دراسة الصورة الفنّية في النصّ الأدبي بحسب ما أرى ، ووفق مفهومها وأهمّيّتها ومكوناتها التي تناولناها بحاجة إلى إلمام الباحث بجوانب العمل الأدبي المتعددة ، وأنّها بحاجة إلى البصيرة اللمّاحة القادرة على معايشة النصّ الأدبي بصورة تضارع معايشة صاحبه إنْ لم تفُقْها .

      وليستجمع الناقدُ الدارسُ جوانب الصورة الفنية بحسب ما أرى يحْتِمُ عليه هذا الأمر تناول المنابع التي يستوحي منها الأديب صوَرَه الفنية .

     ودراسة هذه المصادر يجب ألاّ تقف عند حدود شرْح النصوص الأدبية منظومةً أو منثورةً بطريقة تفقدها نسَقها الذي يقصده الأديب ، وإنّما تقوم على تصنيف هذه المصادر وفق أنواعها ، ممّا يمكّن الدارس من تفسير الظواهر الفنية ، وملاحظة مدى مقدرة الأديب على توظيف مصادر صوره لتأدية المعنى المراد .

        إنّ المصادر التي يجعلها الأديب مادةً لصوره الفنية لا تقف أمامه حين يروم تصوير معناه ، وإنّما هي كائنة في ذاكرته يستدعي بعضها ويفضله على بعض . ومعرفةُ هذا المُسْتدعَىتُعين على التفسير النفسي للأدب .

     إنّ مصادر الصور الأدبية لا يتفق فيها الأدباء فبينما نجد عند أديبٍ اهتماماً بالطبيعة حيةً وميتةً ، نجد عند أديب ثانٍ اهتماماً بالحياة الإنسانية ، وقد نجد عند ثالثٍ اهتماماً مبالغاً بالتراث بمشاربه المتنوعة ، وقد نجد صنفاً آخرَ من الأدباء ـ وهو أكثرهم ـ يمزج بين هذه المصادر وغيرها للتعبير عن تجربته .

     وفي دراسة هذه المواد التي تُسْتقَى منها الصور يجدر بالدارس ملاحظة مواقف الأدباء منها ، وهذه المواقف تتشكل وفقاً لمؤثّرات كثيرة منها الثقافي ، و الاجتماعي ، و العقدي ، و الفكري 00000إلخ . ومعرفة هذه المؤثّرات تعين على تفسير الصور الأدبية .

      وفقاً لهذه النقاطِ التي نطمح في تناولها عند دراسة الصورة في العمل الأدبي ، ونقاطٍ أُخَرَ قد يراها غيرنا يمكن دراسة مدى توفّق الشاعر في التقاط صوره أو إخفاقه . ولا يكون ذلك بحسب هوى الناقد وإنّما يكون اهتداءاً بقواعد النقد المعلل المفسّر .

    وأرى كذلك من الجدير بالناقد تناول البناء الفنّي للصورة في النصّ وأدوات الأديب في الرسم . ويقتضي ذلك دراسة الصور المُحَسّة والصور المعنوية ، ودراسة أدوات التصوير البياني فيرصد محللاً ومفسّراً الصُّورَ المقابلةَ ، والصورَ البديلةَ التابعةَ ، والصورَ العقليةَ ، والصورَ البديلةَ المقارنةَ ، والصورَ البديلةَ اللازمةَ .

        ويحسن بالدارس استكمالاً لدراسة البناء الفنّي للصورة دراسة الصور الموسيقية بحسبانها أسرع عناصر الصورة إلى النفس ، وبحسبانها بريداً لتمثيل المعاني ، وأنّها تقوم مقام المنبّه الذي يشدّ الانتباه إلى المعنى المرام من الصياغة الفنية . (64 ) وأنّها عامل مهمّ لجمال الصورة لإخراجها مقبولة في نفس السامع .

       وأدوات التصوير الموسيقي قسمان : قسم خارجي تمثله أوزان الخليل ، إضافة إلى القوافي ، وحروف الرويّ ، وقسم داخلي : يمثله البديع ، ويمثله كذلك النغمُ الذي يجمع بين الألفاظ والصور وبين الكلام والحال النفسية للأديب .

 

المراجع :

( 1 ) اتجاهات وآراء في النقد الحديث، د. محمد أحمد نايل، مطبعة الرسالة ، القاهرة ، ( د . ت ).

(2)الاتجاه الوجداني في الشعر العربي، د.عبدالقادر القط، دار النهضة العربية، بيروت،1981م ، ط2. 

( 3 ) أسرار البلاغة، الشيخ عبدالقاهر الجرجاني،تعليق محمد رشيد رضا ، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، 1398-1978م. 

( 4)  بناء الصورة الفنية في البيان العربي ، د . كامل حسن البصير ، المجمع العلمي العراقي ،بغداد  1987 .

( 5 ) البيان والتبين ج1  ، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، تحقيق عبد السلام محمد هارون ، مطبعة لجنة التأليف والنشر والترجمة ، القاهرة ، 1949 .

(  6 ) الحيوان، أبوعثمان. عمروبن بحر الجاحظ، (150-255هـ)، تحقيق عبدالسلام هارون، ج3، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة ، ط1، 1938م.

( 7 ) دراسات في النقد العربى الحديث ومذاهبه، د. محمد عبدالمنعم خفاجي، دار الطباعة المحمّدية ، القاهرة ، ( د . ت ).

( 8 ) دراسات ونماذج في مذاهب الشعر ونقده، د. محمد غنيمي هلال، دار النهضة المصرية للطباعة والنشر، القاهرة، (د.ت.

( 9 ) دلائل الإعجاز ، الإمام عبد القاهر الجرجاني ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1988 م ، ط1.

(10) ديوان الشَّمَّاخ بن ضرار الذبياني، تحقيق وشرح صلاح الدين الهادي، دار المعارف، القاهرة 1968.

( 11 ) الصورة الأدبية ، د. مصطفى ناصف ، دار الأندلس ، بيروت ، 1983م .

( 12 ) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، د. جابر عصفور، دار الثقافة للطباعة والنشر ، القاهرة ، 1974م.

( 13 ) الصورة في شعر بشار، د. عبدالفتاح صالح نافع، دار الفكر للنشر والتوزيع ، عمّان ، 198م. ( 14 ) الصورة الفنية في شعر أبي تمام، د. عبدالقادر الرباعى، جامعة اليرموك، إربد 1984 .

( 15 ) الصورة الفنية في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري ، د . علي البطل ،دار الأندلس ، بيروت ، 1983م ، ط3.

( 16 ) علامات في النقد ، مجموعة باحثين ، النادي الأدبي ، جدة ، 1994م .

(17) العمدة في صناعة الشعرية ونقده، ابن رشيق القيرواني، مطبعة السعادة ، القاهرة ، 1963م.

( 18 ) عيار الشعر، محمد بن أحمد بن طباطبا العلوي، تحقيق وتعليق د. طه الحاجري و د. محمد زغلول سلام، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة ، 1956.

(19 ) فن الشعر، إحسان عباس، دار الشروق، عمان، 1967م، ط 4.

(20) قواعد الشعر، أبوالعباس أحمد بن يحي ثعلب، تحقيق د. رمضان عبدالتواب، دار المعرفة، القاهرة، ط1.

(21) كتاب الصناعتين، أبوهلال العكسري، دار إحياء الكتب العربية، مصر، 1371هـ - 1952م.

( 22 ) مجلة الثقافة العربية ، بنغازي ، عدد نوفمبر / ديسمبر 1990.

 (23) النقد الأدبي، أصوله ومناهجه، الشهيد سيد قطب، دار الفكر ، مصر ، 1959م.

(24 ) النقد الأدبي الحديث، د. محمد غنيمى هلال، دار العودة ، بيروت ، 1973م

 (25) نقد الشعر، قدامة بن جعفر (ت 377 هـ) تحقيق كمال مصطفى، مكتبة الخانجى، مصر، 1948م، ط1.

 

الهوامش

 ( 1 ) الصورة الفنية في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري ، ص 30 .

 (2) ينظر: الصورة الفنية في شعر أبي تمام، ص 14.

(3) Pattern  in Poetry, Brown and  Milstead, p. 61

(4) Studies in Poetry, Doubleday, NF, p. 47.

(5) ينظر:الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، ، ص 398.

(6) دراسات ونماذج في مذاهب الشعر ونقده، ص 60.

(7) ينظر: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، ص 398.

(8) ينظر : المرجع السابق ، ص 464، وينظر: الصورة الأدبية، ص 217.

(9) ينظر: الصورة الأدبية، ص3.

(10) ينظر: دراسات في النقد العربى الحديث ومذاهبه، ص 46.

(11) ينظر: الاتجاه الوجداني في الشعر العربي، ص391.

(12) ينظر: اتجاهات وآراء في النقد الحديث، ص 79.

(13) ينظر: الصورة في الشعر العربي حتى القرن الثاني الهجري، ص 30.

(14) ينظر: درسات في النقد العربي الحديث ومذاهبه، ص 46.

(15) النقد الأدبي، أصوله ومناهجه، ص 43.

( 16)دلائل الإعجاز ، ص 64 .

(17) ينظر: النقد الأدبى الحديث، ص457، وينظر: الصورة في شعر بشار، ص 58.

(18) ينظر: الصورة في شعر بشار، ص 83.

( 19 ) ينظر : الصورة الأدبية طبيعتها وجماليتها ( مقال ) د . كريم الوائلي ، مجلة الثقافة العربية ،  ص 86 .

 (20) ينظر: الصورة في شعر بشار، ص 81.

(21) ينظر: دراسات في النقد العربي الحديث ومذاهبه، ص 46.

(22) ينظر: النقد الأدبي الحديث، ص 442.

(23) ينظر: الصورة في شعر بشار، ص 61.

(24) المرجع نفسه.

(25) ذكر الخطيب البغدادي " أنّ ذا النون المصري سمع قوّالاً ينشد أبياتاً من الشعر أوّلها :

  صغير هوك عذّبني     فكيف به إذا احتنكا  إلخ 000 ، فقام ذو النون مضطرباً ثمّ سقط على وجهه . ثمّ قام بعده رجل من الحاضرين يتواجد ويتمايل . ( ينظر تاريخ بغداد ج 8 ص 396)،وحكايات أخر ذكرها البغدادي في مصنّفه  ( ينظر ج 8 ص 397 ) .

(26) ينظر: الصورة في شعر بشار،  ص 83.

(27) ينظر : النقد الأدبي الحديث ، ص 445.

(28) ينظر: المرجـع السابق ص، 447، وينظر دراسات في الشعر الحديث ومذاهبــه ، ص 52. وينظر الصورة في شعر بشار، ص 86.

(29) الصورة الأدبية، ص 250.

(30) ينظر: دراسات في الشعر العربي الحديث ومذاهبه، ، ص 52.

 (31) ينظر: الصورة في شعر بشار، ص 82.

 (32) ينظر: الصورة الفنية في شعر أبي تمام، ص 15.

(33) ينظر: المرجع نفسه.

(34) ينظر: الصورة الفنية في شعر أبي تمام، ص 15.

(35) ينظر: فن الشعر، ، 193.

(36) الحيوان، ص 132،133.

 (37) ينظر : البيان والتبين ج1  ، ص 67.

(38) ينظر: قواعد الشعر، ص 37.

(39) المصدر السابق، ص 67.

(40) عيار الشعر، ص8.

(41) المصدر السابق، ص 15.

(42) نقد الشعر، ص11.

(43) المصدر السابق ص 28.

(44) ينظر: المصدر السابق، ص 42.

(45)ينظر :كتاب الصناعتين، ص 58.

(46) ينظر :المرجع السابق، ص 10.

(47) المرجع السابق، ص 240.

(48) المرجع السابق ، ص 241.

(49) المرجع نفسه.

(50) المرجع السابق، ص 241.

 (51) ينظر: العمدة في صناعة الشعرية ونقده، ص 124.

(52) ينظر: المصدر السابق، ص 151.

(53) المصدر السابق، ص 140.

(54) أسرار البلاغة، ص 143.

(55) ينظر: المصدر السابق ، ص 143.

(56) ديوان الشَّمَّاخ بن ضرار الذبياني، ص394.

(57) " تقص السفين أي تثب، والنزو، الوثوب. وتوقصت الركاب: وثبت. والرباح: القرد أو الفصيل، والكرع: الماء الذي يكرع فيه. وأصل الكلام كما يقول الشيخ محمد رشيد رضا." ينزو الرباح خلال الكرع، لكنه أي الشاعر اعتمد على فهم السامع فجعل الكرع خلال القرد أو الفصيل .

(58) ينظر: أسرار البلاغة، ص32 ، 33.

(59) ينظر: الصورة في الشعر العربي حتى نهاية القرن الثاني الهجري، ص 15.

(60) ينظر: الصورة في شعر بشار، ص76.

( 61 ) علامات في النقد ، مقال : دراسات حديثة في الصورة ، ص 40 .

( 62)  بناء الصورة الفنية في البيان العربي ، ص 170.  

 (63) علامات في النقد ، مقال : دراسات حديثة في الصورة ، ص 48 .

 64- ينظر : الصورة الفنية في الشعر الصوفي إبّان القرنين الثالث والرابع الهجريين ، حسن عجب الدور حسن السلك ، رسالة ماجستير غير منشورة ، ص 194 .

   

 

 
King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx