عربي
KSU Faculty Members' Website
Sign In

 

دعوة للعقلاء إلى كلمة سواء – الجزء الأول

هل كان عيسى إلهاً ؟

تساؤل يجيب عنه الكتاب المقدس

بقلم

محمد جودة

عضو هيئة التدريس بكلية اللغات و الترجمة

جامعة الملك سعود - المملكة العربية السعودية


 

إهداء

" قل يا أهل الكتاب تعالى إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله ، ولا نشرك به شيئا ، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله . فإن تولوا فقولوا شهدوا بأنا مسلمون " .

إلى الذين صفت نفوسهم من الأدران وخلت من الأحقاد و الأضغان فطمعوا في رحمة الله ورضوانه ،

إلى الذين لديهم من النضج ما يكفي للبحث عن الحقيقة المجردة ومن الشجاعة ما يمكنهم من تقبلها ،

إلى الذين لديهم من الصبر وسعة الصدر ما يمكنهم من الاستماع إلى وجهة نظر الآخرين ،

إلى الذين أزعجهم ضجيج هذه الحياة وصخبها فرغبوا في الهدوء والسكينة وسعوا في طلبها ،

إلى الذين أتعبتهم المشاكل وأعيتهم الحيل فاشتاقت نفوسهم إلى إيجاد حلول ناجعة نافعة لها ،

إلى الذين أعملوا العقول فجعلوها قائدا لهم للبحث عن الحقائق وتمحيصها قبل التسليم بلها أو القبول ،

إليهم جميعا ،

إلى هؤلاء العقلاء .... نوجه هذه الدعوة إلى كلمة سواء .


 

مقدمة

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى ثم أما بعد : فقد خلق الله بنى آدم لعبادته وهي المهمة الرئيسية التي من أجلها أوجدهم وسخر لهم جميع ما في الكون لخدمتهم وإعانتهم على أداء هذه المهمة ، ولكن الكثير من هؤلاء شغلتهم الأموال والأولاد  وصنوف المتع عن المهمة التى خلقوا من اجلها فنسوا او تناسوا مهمتهم فى هذه الحياة وشغلوا بما خلق لهم عما خلقوا لة .لكن مقتضيات الفطرة السليمة تستلزم أن يخلو كل إنسان بنفسه بين الحين والآخر أن يصارح ذاته متسائلا : هل يسير في الإتجاه الصحيح ؟ هل يعلم علم اليقين لماذا خلق ؟ وإذا كان يعلم ذلك، هل يتصرف تبعا لهذه المعرفة ؟ هل تحسب أعماله في هذه الدنيا له أم أنها تحسب عليه ؟ هل استقي معرفته من مصادر يمكن الوثوق بها والاعتماد عليها ؟ هل لديه جواب شاف لأسئلة يوم العرض والحساب ؟ هذا هو واثق من النجاة يوم القيامة ؟ هل تكفي تلك الموروثات القديمة – التي لم يعرضها على العقل ولم يكلف نفسه عناء البحث ؟ هل يقبل من الإنسان الذى كرمه الله بالعقل السديد وميزه بالمنطق الواعي الرشيد أن يسمح لزخارف الدنيا الزائلة ومغرياتها الفانية أن تتسبب فى حرمانه من النعيم الدائم المقيم في الآخرة ؟ هل ..... ؟ وهل ..... ؟ وهل ........ ؟ الخ .

هذه التساؤلات وغيرها كثير قد تعرض لنا – بعضها أو كلها – ولكن توج أسباب كثيرة – من ابرزها الإنشغال بأمور الدنيا والمبالغة في جمع الأموال بدعوى تحسين الوضع الاجتماعي وتأمين المستقبل و منها الخلفية الثقافية والأصول العرقية والعدوات الموروثة ومنها عدم الاكتراث بأمر الدين أصلا بسبب الانكباب على الشهوات والافتتان بالمغريات وتلبية رغبات النفس الأمارة بالسوء بدعوى التحضر والتفتح ومواكبة العصر ، ومنها الانشغال بالمنصب والمكانة الاجتماعية ، وذلك ضمن أسباب أخرى كثيرة – هذه الأسباب قد تمنع بعض الناس فى أحيان كثيرة من التفكر فى مثل هذه الأمور  بدعوى أنها قد تكدر عليهم صفو عيشهم وتقف حاجزا بينهم وبين إكمال مسيرتهم على الوجه المطلوب أو تعيقهم عن التمتع بألوان السعادة وصنوف المتع والرفاهية التي أصبحت معلما رئيسيا من معالم حياتنا المعاصرة أو تضعهم في مقارنة – لا يرغبونها – مع أناس ذوي أعراق وثقافات وعقائد مختلفة قد ورثوا بغضهم وكراهيتهم عن آبائهم وأجدادهم دون سبب مقبول أو مبرر معقول . وقد ينسى هؤلاء أن المنطق السديد يقول أن الإنسان العاقل لابد له من يبحث عن كل ما يصلح به شأنه ويحقق مصلحته دون النظر إلى المصدر الذي يأتي منه طالما أنه يأتيه من طريق مشروع ويحقق له الفائدة المرجوة ويبلغ به هدفه المنشود .

وفي ظل تعدد وسائل المعرفة وثورة المعلومات التي أصبحت سمة مميزة لثقافة العصر الذي نعيش فيه ، والتي أزالت الكثير من الحواجز وحطمت الكثير من السوار ، حتى تسللت إلى غرفنا – عبر بعض الوسائل المفيدة والكثير من الوسائل الضارة – لدرجة لم يعد معها الكثير من الناس قادرا على التمييز بين الغث والسمين ، فأصبح الحليم – وسط  هذا الخضم – حيرانا . من هنا تبرز الحاجة إلى وجوب أن يتثبت الإنسان العاقل من جميع مصادر معلوماته وأن يراجع كل ما لديه من موروثات ثقافية وأن يعرضها على العقل قبل التسليم بها وقبولها لأنه يترتب عليها أمر في غاية الخطورة والأهمية وهو أمر سعادته في الدنيا ونجاته فى الآخرة . وهذه الدعوى لها ما يعززها في الكتاب المقدس ، ففي الرسالة إلى أهل تسالونيكي الإصحاح الخامس الأية الحادية والعشرين نقرأ : " امتحنوا ل شئ تمسكوا بالحسن . " أى اختبروا وتثبتوا من كل شئ ولا تقبلوا أى شئ بدون تمحيص وتدقيق بعد عرضه على العقل وبعد هذا الامتحان عليكم أن تبحثوا عن الشئ الحسن وتتمسكوا به . إذن الدعوى للبحث والتثبت مطلوبة من جهة العقل والمنطق كما أنه مأمور بها في الكتاب المقدس . لذا فإننا امتثالا لأمر الله عز وجل : " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هى أحسن" . ثم انطلاقا من هذه الخلفية الداعية إلى الاختبار والتمحيص والتثبت ، وحرصا على إبلاغ دعوة الله عز وجل إلى الباحثين عن الحقيقة من أصحاب الفطرة السليمة التي لم تتأثر بمغريات وفتن هذه الحياة ، انطلقت فكرة هذا الجهد المتواضع بقصد المساهمة ولو بقدر بسيط في توضيح المعتقد الصحيح الذي يوصل إلى النجاة والفلاح يوم العرض على الله كما جاء به أنبياء الله عليهم والسلام ن يدفعنا في ذلك حب الخير للجميع ويحدونا الأمل في حصول السعادة والنجاة لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . وسوف يعتمد أسلوبنا في معالجة موضوع هذه الرسالة وهو ( هل كان عيسى إلها ) فى الغالب على تقديم النصوص الصريحة من الكتاب المقدس مع ربطها بالسياق الذى وردت فيه وشرحها شرحا مبسطا إمعانا في التيسير على القارئ الكريم الذى نترك له حرية الاختيار بعد التثبت ومراجعة النصوص بنفسه . وقد يتبادر إلى الذهب لماذا التركيز على الكتاب المقدس بشكل خاص ؟ فتقول إنه إذا جاء الدليل من الكتاب المقدس بشكل خاص ؟ فتقول أنه إذا جاء الدليل من الكتاب المقدس فإنه سوف يكون أوقع في نفوس الباحثين عن الحقيقة من النصارى وأكثر تاثيرا فيهم وأسرع في إقناعهم بقبول القول الفصل فى هذا الموضوع ويبقى توفيق الله عز وجل – قبل ذلك وبعده – وهدايته التي لا يعطيها سبحانه إلا لمن كان حريصا عليها متخذا لأسبابها باذلا للجهد في سبيل الوصول إليها متجردا من الأغراض والأهواء الذاتية .

ويهمنا أن نوضح أن المقصود بهذه الرسالة هم أولئك العقلاء الذين ينظرون بعيون قلوبهم ، ذوو النهي والأحلام الذين وضعوا جانبا عرض الدنيا الزائل وشهواتها ومغرياتها الفانية ،الذين يمتلكون من الحكمة ما يمكنهم من أن يفرقوا بين الغث والسمين وأن يميزوا بين الحق والباطل وبين ما يجلب السعادة والهناء في الدنيا والآخرة وما يوجب نقيضهما من الهوان والشقاء . وإجمالا هم الذين ينطبق عليهم قول عيسى عليه السلام في إنجيل متى الإصحاح السابع الآيات الرابعة والعشرين إلى السابعة والعشرين عندما قال : " فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها أشبهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر . فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبت الرياح على وقعت على ذلك البيت فم يسقط . لأنه كان مؤسسا على الصخر ( أي مبنيا على أساس متين ) . وكل من يسمع أقوالي ولا يعمل بها اشبهه برجل جاهل بنى بيته على الرمل . فنزل المطر وجاءت الأنهار وبت الرياح وصدمت ذلك البيت فسقط .وكان سقوطه عظيما ." ( لأنه سقوط مروع يوم العرض على الله والحساب يعقبه خلود في نار جهنم ) .

ويبقى الهدف المرجو هو أن نصل إلى كلمة سواء بيننا جميعا حتى نتمكن من أن نعبد الله –عز جل – على بصيرة وأن نلتمس الصراط المستقيم الذي يقودنا إلى رضاه ومغفرته دونما حساسية أوسوء فهم أو استكبار على الحق قد تضع بعض العراقيل في طريق الوصول إلى الحقيقة . وفي هذا الصدد يهمنا أن نوضح أنه يسعدنا أن نتلقي أى اقتراح أو توجيه أو نقد هادف بناء ونعد بأن نضعه نصب أعيننا بكل الاعتبار والتقدير .

أسأل الله العلي القدير أن يوفقنا جميعا إلى ما يحبه ويرضاه وأن ينفع بهذا العمل وأن يهدي به قلوب الباحثين عن الحقيقة الطامحين إلى جنة ربهم الطامعين في عفوه ومغفرته . إنه سميع قريب مجيب .


 

هل كان عيسى إلها؟

يبدو هذا التساؤل – الذي هو موضوع هذا البحث – بسيطا في الظاهر ، غير أن الإجابة عنه تعتبر مسالة في غاية الحساسية لأنها تتعلق بأهم أسباب الاختلاف بين المسلمين والنصاري على الإطلاق ولأن اعتقاد غالبية الطوائف النصرانية – فيما يتعلق بعيسى عليه السلام – يكتنفه الكثير من الغموض . وما يهمنا في هذا المقام أن نشير إلى الاعتقادين الرئيسيين لدى كثير من الطوائف النصرانية وهما : - اعتقاد بعض هذه الطوائف أن عيسى عليه السلام كان هو الإله بعينه . 2- اعتقاد بعض الطوائف الأخرى أنه عليه السلام كان ابنا للإله فيما يعرف عندهم بالثالوث المقدس والذى يتكون من ثلاثة آلهة هم الأب والابن والروح القدس الذين يشكلون في جوهرهم إلها واحدا على اختلاف بينهم فى الكيفية .

وللإجابة على السؤال المطروح بشكل موضوعى يرضى جميع الأطراف دون طرح أى آراء شخصية قد توحي إلى البعض بأننا نحاول فرض وجهة نظر معينة، فإننا سوف نستعرض بعض آيات الكتاب المقدس من العهد القديم والعهد الجديد على السواء والتي تتحدث عن الإله وصفاته وأفعاله وما يليق به سبحانه . وبعد عرض هذه الآيات سوف نقارن بين ما ورد فيها عن الإله وبين ما كان عليه عيسى عليه السلام ومن ثم يمكننا أن نستنتج ما إذا كانت صفاته عليه السلام تتطابق مع هذه المفاهيم والصفات أم أنها تختلف عنها . وبذلك نكون قد أجبنا على السؤال المطروح بشكل محايد دون الإنحياز إلى أي مسلمات أو آراء مسبقة . سائلين المولي القدير أن يهدينا جميعا إلى سواء الصراط وأن يكلأنا برعايته وتوفيقه .

 

الله فى العهد القديم

إذا قلبنا صفحات العهد القديم فإننا سوف نمر بكثير من الايات التي تثبت أن خالق هذا الكون إله واحد في ذاته متفرد في صفاته بشكل لا يقبل المراء ولا يحتمل الشك أو الجدل وسوف نجد أيضا التثليث – الذي يستند إليه من يقولون ببنوة عيسى عليه السلام ومن ثم نسبته إلى الألوهية – ل يذكر من قريب أو بعيد ولا يقهم من النصوص الواردة في العهد القديم وجود أي شريك لله تلميحا أو تصريحا . وفيما يلي سوف نستعرض بعض هذه الايات .

1.  في سفر الخروج الإصحاح الثامن الآية العاشرة بعد أن عاقب الله قوم فرعون على ظلمهم بأن ابتلاهم بأحد آياته وهي الضفادع وبعد أن عجز فرعون وأتباعه من السحرة عن أن يجدوا حلا لهذه المشكلة وسيلة لرفع هذا البلاء ، اضطر فرعون إلى أن يلجأ إلى خيار لم يكن يميل إليه مطلقا وهو الاستعانة بإله موسى ولكن موسى عليه السلام لم يدع هذه الفرصة تمر دون أن يلقن من الإصحاح الثامن :" لكي تعرف أن ليس مثل الرب إلهنا " . أي أنه سبحانه متفرد في عظمته وقدرته ولا يشبهه أحد في ذاته وصفاته ولا يستطيع أحد غيره مهما اوتي من قوة وسلطان وأموال وأعوان أن يكشف ما نزل ببني إسرائيل من ضر وبلاء إلا بإذنه تعالى .

2.  فى سفر الخروج أيضا الإصحاح العشرين الآيتين الثانية والثالثة يخاطب الله عز وجل موسى من فوق الجبل في سيناء قائلا : " أنا الرب إلهك الذي أخرجك من مصر من بيت العبودية . لا يكن له آلهة أخرى أمامى " وفي ذلك تذكير بنعمة الله على بنى إسرائيل حيث خلصهم من استعباد فروع وظلمه عن طريق شق البحر أمامهم فى معجزة باهرة ، ثم دعوة صريحة لا تحتمل التاويل للتوحيد الخالص وإثبات أن الله هو وحده الذي يستحق أن تصرف إليه العباد وليس غيره .

3.  فى سفر التثنية الإصحاح الرابع الآية الخامس والثلاثين : " إنك قد أريت ( هذه الايات ) لتعلم أن الرب هو الإله . ليس آخر سواه ." بعد أن ذكر الله موسى بنعمة عليه يقرر سبحانه وتعالى تفرده ووحدانيته ليس فقط ليعلم موسى النبي المصطفى ولكن ليلفت أنظار بني إسرائيل أيضا على هذه الحقيقة بالغة الأهمية ويؤكد عليها ويدعوهم إلى الإيمان والتصديق بها .

4.  فى سفر التثنية الإصحاح الرابع الآية التاسعة والثلاثين : "فاعلم اليوم وردد في قلبكأن الرب هو الإله فى السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل . ليس آخر سواه . " تأكيد آخر من الله على التفرد والوحدانية المطلقة بشكل جلي لا يقبل الشك ، كما أن في تكرار قوله " ليس آخر سواه " استبعاد مطلق لفكرة أن الله يمكن أن يتخذ ولد أو شريكا .

5.  في سفر التثنية الإصحاح السادس الآية الرابعة : يقول موسى عليه السلام مخاطبا جموع بني إسرائيل : "اسمع يا إسرائيل ( أي اسمعوا يا بنى إسرائيل " . الرب إلهنا رب واحد ." وجاءت هذه الوصية مقدمة على وصايا أخرى كثيرة في سياق الحديث في هذه الآيات لتؤكد على حقيقة مؤداها أن توحيد الله هو أهم الوصايا .

6.  في سفر صموئيل الثاني الإصحاح السابع الآية الثانية والعشرين نستمع إلى نبي آخر من أنبياء بني إسرائيل وهو داود عليه السلام وهو يخاطب ربه سبحانه وتعالى قائلا : " لذلك قد عظمت أيها الرب الإله لأنه ليس مثلك وليس إله غيرك حسب كل ما سمعناه بآذاننا . " وهو قول يتسق مع المفهوم السابق الذي ورد في آيات خطاب الله لموسى ودعاء موسى لله مما يؤكد أن مفهوم الألوهية عند أنبياء بني إسرائيل كان هو التوحيد الخالص لله = عز وجل - .

7.  فى سفر الملوك الأول الإصحاح الثامن الآية الثالثة والعشرين يخاطب سليمان الرب سبحانه : "أيها الرب إله إسرائيل ليس إله مثلك في السماء من فوق ولا على الأرض من أسفل . حافظ العهد والرحمة لعبيدك السائرين أمامك بكل قلوبهم " وهنا يؤكد – بالإضافة إلى تفرد الله وحدانيته – على وجوب الإخلاص القلبي لله جل وعلا في قوله "السائرين أمامك بكل قلوبهم ." وأعمال القلوب – كما هو معروف – لا يدرك كنهها أحد إلا الله وحده .

8.  في المزمور السادس والثمانين الآية الثامنة يناجي داود ربه فى صلاته قائلا : " لا مثل لك بين الآلهة يا رب ولا مثل أعمالك . " وهو توحيد خالص في غاية الوضوح والجلاء لا يمكن الاختلاف فى تأويله . ونفس المعنى أيضا يتكرر في المزمور التاسع والثمانين الآية السادسة حيث يقول إيثان الأزراحي : " لأنه من في السماء يعادل الرب ؟ من يشبه الرب بين أبناء الله ؟ . وهو استفهام الغرض البلاغي منه النفي والإنكار ، أي أنه بعبارة أخرى يؤكد على أنه لا يوجد أحد مطلقا من المخلوقين يمكن أن يعادل الرب أو يشبهه سبحانه وفي صلاته قائلا : " من قبل أن تولد الجبال أو بدأت الأرض المسكونة . منذ الأزل وإلى الأبد أنت الله . " وهو قول يؤكد على أن الله سبحانه وتعالى أزلي أبدى بغير ولا يتغير موجود منذ الأزل وإلى الأبد لا يحده الزمان ولا يحتويه المكان لأنه خالق الزمان والمكان وليس كمثله شئ .

9.  فى سفر إشعياء الإصحاح الثالث والأربعين الآيتين العاشرة والحادية عشرة يقول الله في معرض حديث إلى بني يعقوب : " أنتم شهودي – يقول الرب – تأكيدا جازما فى ثلاثة غيري مخلص . " وفي هذه الآيات يؤكد الرب تأكيدا جازما في ثلاثة ألفاظ متتابعة على الوحدانية الخالصة ( تعرفوا ، تؤمنوا ،تفهموا ) وهى من أهم شروط توحيد الله : العلم المنافي للجهل فى " تعرفوا " واليقين المنافي للشك فى " تؤمنوا" والإتباع المبنى على الفقه المنافي للابتداع المبنى على الجهل في " تفهموا" . وفى الإصحاح الرابع والأربعين الآية السادسة من نفس السفر نقرا : " هكذا يقول الرب ملك إسرائيل وفادية رب الجنود : أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري . " وفي الإصحاح الخامس والأربعين الآية الثامنة عشر " لأنه هكذا قال الرب خالق السماوات. هو الله . مصور الأرض وصانعها . هو قررها . لم يخلقها باطلا . للسكن صورها . أنا الرب وليس آخر ." وفي الإصحاح السادس والأربعين الآيتين التاسعة والعاشرة يقول الرب مخاطبا بني يعقوب : " اذكروا الأوليات منذ القديم . لأني أنا الله وليس آخر . الإله وليس مثلي . مخبر منذ البدء بالأخير . ومنذ القديم بما لم يفعل . قائلا رأيى يقوم . وأفعل كل مسرتي ( أي أفعل ما أشاء ) . " والآيات لا تحتاج إلى تعليق !.

10.         في سفر هوشع الإصحاح الثالث عشر الآية الرابعة يقول الرب مخاطبا إسرائيل : " وأنا الرب إلهك من أرض مصر ( أي نذ أن كنت في مصر ) . وإلها سواى لست تعرف . ولا مخلص غيري ."

والآن أيها القارئ الكريم وبعد أن استعرضنا بعض نصوص العهد القديم – بقدر ما يتسع له المجال في هذا السياق – والتي ورد أغلبها عن الله مباشرة أو على لسان أبرز أنبياء بني إسرائيل " موسى – سليمان – داود " ، يتضح لك دون أدنى شك أن الله واحد فى ذاته متفرد فى صفاته يملك السماوات والأرض ويفعل ما يشاء ، كما أننا نجد – وأعتقد أنك تتفق معي في ذلك – أن الايات لم تشر من قريب أو من بعيد إلى وجود شريك أو ابن للإله ولم تمهد لذلك كما كان مفترضا لها أن تفعل . بل هذه الآيات أكدت على عكس ذلك تماما من توحيد الله وتنزيهه عن الشريك والمثيل والولد .

الله فى العهد الجديد

قد لا يكون الاسترشاد بالعهد القديم وحده كافيا في إقناع البعض بقبول فكرة وحدانية الله وإفراده بالعبادة وتنزيهه عن الشريك والولد ، وقد نريد أن نعرف ماذا أنزل على عيسى فى هذا الموضوع وأن نستكشف رأي العهد الجديد في ذلك ، وبناء عليه فإننا فى الصفحات القادمة سوف نناقش نفس الفكرة من خلال استعراض بعض الآيات الواردة في العهد الجديد والتي تناقش مفهوم الألوهية ،ثم نرى بعد ذلك هل سيكون متسقا مع ما جاء في العد القديم أم أنه سوف يكون مختلفا عنه ؟ وسوف نحاول في استقصائنا هذا أن نتلمس أقوال عيسى عليه السلام لأننا جميعا – مسلمون ونصاري – متفقون على قبول ما جاء به في هذا الخصوص لا سيما إذا كان متفقا مع ما قال به أنبياء الله عليهم السلام ومع الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها ، وهذا هو مضمون قول عيسى عليه السلام أنه " لم يأت لينقض الناموس ولا الأنبياء وإنما جاء ليكمل . " والآن إلى نصوص العهد الجديد: -

1.  في إنجيل متى الإصحاح إلى عسى يقول :" ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات . بل الذي يفعل إرادة أبي الذى فى السماوات ( أن يفعل ما أمر الله به وينتهى عما نهى الله عنه ) . كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم : يا رب يا رب أليس باسمك تتبأنا ( أى صرنا نشرع كالأنبياء ) ؟ وباسمك أخرجنا الشياطين ؟ وباسمك صنعنا قوات ( عجائب ) كثيرة ؟ فحينئذ أصرح لهم : إنى لم أعرفكم قط ( لأنكم لم تتبعوا ما أنزل علي ) ، اذهبوا عنى يا فاعلي الإثم ." وهنا يقرر عيسى عليه السلام أن من ادعى لنفسه حق التشريع وقال عن عيسى ما لم يقله هو عن نفسه ثم أراد أن يبرر فعلته هذه بأن دعا عيسى قائلا " يا رب يا رب " فإنه بذلك يكون قد احتمل بهتانا واقترف إثما .

2.  في إنجيل متى الإصحاح الخامس عشر الآية التاسعة يقول عيسى محدثا الكتبة والفريسيين ناقلا عن النبي إشعياء : " وباطلا يعبدوننى وهم يعلمون تعاليم هى وصايا الناس ." حيث نكتشف أن استحداث الشرائع ونسبتها إلى أنبياء الله بغير دليل أو برهان هو داء قديم في اليهود بقصد استحلال ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله وقصره على فئة دون أخرى وهو ما فعلوه مع إشعياء ثم قاموا بتكراره مع عيسى كما يفهم بوضوح من سياق الآيات في الإصحاح الخامس عشر ،وهذا هو سبب اللبس الحاصل عند الكثير منالناس سواء فيما يتعلق بألوهية عيسى التي لم يقل هو بها ولم يدع إليها أو ما يتعلق بالشرائع البشرية التي تنسب إلى الله بدون دليل ثابت عليها يمكن الاعتماد عليه والتثبت منه .

3.  في إنجيل متى الإصحاح التاسع عشر الآيات السادسة عشر إلى التاسعة عشر والحديث عن عيسى :" وإذا واحد تقدم وقال له ( لعيسى ) : أيها المعلم الصالح أى صلاح أعمل لتكون لي الحياة البدية ( أي لأفوز بجنة الخلد )؟ فقال له ( عيسى ) :لماذا تدعوني صالحا ؟ ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله . ولكن إذا أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا . قال له ( الرجل ) أية وصايا ؟ فقال يسوع لا تقتل . لا تزن . لا تشهد بالزور .أكرم أباك وأمك وأحب قريبك كنفسك ." ويتكرر هذا السياق مع إضافة وصايا أخرى بشكل مشابه إلى حد كبير في إنجيل مرقص الإصحاح العاشر الآية الثامنة عشر وما بعدها وفي إنجيل لوقا الإصحاح الثامن عشر الآية التاسعة عشر وما بعدها . والدرس الأول الذى يمكن تعلمه من كلام المسيح هو تواضعه عليه السلام حيث رفض أنه يلقبه ذلك الرجل بالصالح رغم أن هذا أمر واقع لا يمكن الاختلاف عليه ولم يكن ذلك بقصد التواضع وإنكار الذات فقط وإنما جاء تحذيرا من المبالغة في شأنه وإنزاله فوق منزلته والانحراف بتعاليمه عما هو مقصود بها وتشويه شريعته عليه السلام، ثم تأتى الوصايا متسقة مع المبادئ السامية التي علمها أنبياء الله من قبل عيسى ومن بعده وأهمها بالطبع هو وحدانية الله – عز وجل – وتفرده في الذات وفي الصفات بحيث لا يمك أن يتصف أحد بالصلاح والكمال المطلق سواه . ثم تتوالى الوصايا التي تضمن للناس أن يعيشوا في ظلال المبادئ السلمية والأخلاق الفاضلة التي لو قدر لها أن تسود لعاش الجميع في سعادة وهناء .

4.  في إنجيل متى الإصحاح الثالث والعشرون من الآية الثامنة إلى الاية الثانية عشر : من بداية هذا الإصحاح يخاطب عيسى الجموع وتلاميذه عن الكتبة والفريسيين من أحبار اليهود وأنهم بعد وفاة موسى عليه السلام بدلوا شريعته وكانوا يقولون ما لا يفعلون ويراءون الناس بأعمالهم ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا وأن يحتلوا أماكن الصدارة في المجالس والمجامع . ثم بعد أن أنكر ذلك عليهم وحذر منه التفت إلى تلاميذه قائلاً : " وأما أنتم فلا تدعوا سيدى ( أي لا تتصدروا المجالس لتشرعوا ) لأن معلمكم واحد وهو المسيح وأنتم جميعا أخوة . ولا تعوا لكم أبا على الأرض لأن أباكم واحد الذى فى السماوات . ولا تدعوا معلمين لأن معلمكم واحد وهو المسيح . وأكبركم يكون خادما لكم. فمن يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع ." ومن هذا السياق يتضح أمران في غاية الأهمية وهما : أولا : - أن الله عز وجل واحد وأنه في السماء وأنه أب من الناحية الروحية لجميع المؤمنين به المتبعين لأوامره وأنه أب للحواريين كما أنه أب للمسيح عليه السلام بالمعني المجازي المطلق وليس بالمعنى الحرفي المقيد .

ثانياً : أن عيسى عليه السلام هو المعلم الوحيد الذى ينبغى أن تستنبط الأحكام من تعاليمه فقط لأنه مرسل من قبل الله عز وجل لبني إسرائيل فلا ينبغى لأحد أن يشرع من دونه وإذا قال أحد شيئا يخالف ما جاء به عيسى فإن هذا القول يرد على صاحبه ولا يقبل منه لأن هناك معلم واحد فقط وهو المسيح عليه السلام كما يفهم من الآية .

5.  فى إنجيل متى الإصحاح الرابع والعشرين بعد أن تحدث عيسى عليه السلام عن عودته وأنها سوف تحدث قبل مضى الجيل المعاصر له يقول فى الآية الرابعة والثلاثين :" الحق أقول لكم لا يمضى هذا الجيل حتى يكون هذا كله ." ثم أعقب ذلك في الآية السادسة والثلاثين من نفس الإصحاح بقوله : " وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد . ولا ملائكة السماوات . إلا أبي وحده . " وهو تأكيد آخر على أن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل وهو المختص به وحده دون الأنبياء المرسلين والملائكة المقربين .

6.  في إنجيل مرقص الإصحاح الثاني عشر الآيات الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين والثانية والثلاثين نقرأ : فجاء واحد من الكتبة ... وسأل يسوع أية وصية هى أول الكل . فأجابه يسوع إن أول كل الوصايا هى أسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد ... فقال له الكاتب جيدا يا معلم . بالحق قلت لأنه الله واحد ليس آخر سواه . " تأكيد آخر على الوحدانية المطلقة لله عز وجل وأنها أهم الوصايا ويلاحظ أن هذا تكرار لما جاء في العهد القديم على لسان موسى عليه السلام في سفر التثنية الإصحاح السادس الآية الرابعة ، مما يؤكد على أن عيسى عليه السلام لم يأت " لينقض الناموس ولا الأنبياء " كما قال عن نفسه في إنجيل متى الإصحاح الخامس الآيتين السابعة عشر والثامنة عشر ، كما يفهم من الآيات أن مفهو وحدانية الله كان واضحا في أذهان الكتبة كما يتضح من قول الكاتب :"جيدا يا معلم . بالحق قلت لأن الله واحد وليس آخر سواه ".

7.  فى إنجيل يوحنا الإصحاح الخامس الآية السابعة والثلاثين :" والأب الذى ارسلنى يشهد لي . لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته ." وهذه صفات لله تتفق مع ما جاء في العهد القديم فى سفر الخروج الإصحاح الثالث والثلاثين الآية العشرين وما بعدها حيث يقول الله مخاطبا موسى عليه السلام :" لا تقدر أن ترى وجهى ، لأنه لا يستطيع أى إنسان أن يراني ويعيش ." ويستمر السياق حتى الآية الأخيرة من الإصحاح حيث يقول الله :" وأما وجهى فلا يرى ." أي في هذه الحياة الدنيا . إذن فمن أخص صفات الله أنه لا يرى في هذه الحياة ،وإذا رآه أحد في هذه الحياة فإنه يتعرض للموت المحقق لأنه غير مفطور في هذه الحياة على تحمل النظر إلى نور وجهه سبحانه . ومن هنا يتضح أن مفهوم الألوهية وما يليق بهذا المفهوم أمر لا يمكن أن ينطبق على عيسى عليه السلام الذى كان يعيش بين ظهراني اليهود من بني إسرائيل صباح مساء وكانوا يسمعون صوته ويبصرون هيئته وينظرون إلى وجهه ولم ينقل إلينا الكتاب المقدس حالة واحدة مات صاحبها بعد أن نظر إلى وجه عيسى عليه السلام .

8.  فى إنجيل لوقا الإصحاح الرابع وبعد أن رجع عيسى من الأردن " ممثلنا من الروح القدس " لبث في البرية " أربعين يوما يجرب من إبليس " الذى " أراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمن " وعرض عليه أن يعطيه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمن " وعرض عليه أن يعطيه السلطان والمجد قائلا : " فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع " فكانت إجابة المسيح في الآية الثامنة :" اذهب يا شيطان ! إنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد ." وهنا نشير إلى مسألة لا تليق بعيسى عليه السلا وهى امتحان غبليس له ، فكيف يمكن للشيطان الرجيم المطرود من رحمة الله أن يختبر أو"يجرب" أحد أنبياء الله المخلصين . كما يتضح من الآية أن عيسى عليه السلام كان يعلم أنه كعبد مخلص ورسول من عند الله لا يجب مطلقا أن يسجد لغير الله أو أن يتوجه بالعبادة لغيره سبحانه وهو أمر طبيعي ومتوقع .

9.  في إنجيل لوقا الإصحاح الحادي عشر الآية الثانية :" فقال لهم (عيسى) متي صليتم فقولوا : أبانا الذي فى السماوات ليتقدس اسمك . ليأتي ملكوتك . لتكن مشيئتك كما فى السماء كذلك علي الأرض ." ويستشف من هذه الآية وما بعدها تعليم عيسى تلاميذه كيف يصلون "لأبيهم " الذي فى السماوات فهو إذن – أي الله – أب لهم من الناحية المعنوية كما أنه أب لعيسى بنفس المفهوم .

10.         في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس الإصحاح الثامن الآية الرابعة :" فمن  جهة أكل ما ذبح للأوثان نعلم أن ليس وثن في العالم وأن ليس اله آخر إلا واحدا". نجد تأكيد جديدا علي وحدانية الله ووجوب إخلاص العبادة له والتوجه إليه بالنسك -  والتي يندرج الذبح من ضمنها – وأنه لايجوز الذبح لغير الله لأن ذلك يتناقض مع مقتضيات التوحيد .

ومن خلال العرض السابق يتبين أن مفهوم الألوهية في العهد الجديد متسق تماما مع ما أوردناه من نصوص العهد القديم وهو أن الله عز وجل –واحد لاشريك له وهو الإله " على السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل وليس هناك إلا سواه " يعلم الغيب " ويعلم متى تقوم الساعة " ويدبر الأمر لايحتاج إلى عون    من أحد يقصده الجميع لقضاء حاجاتهم يبارك المخلصين " السائرين أمامه بكل قلوبهم " ويقدم العون للسائلين وهو على كل شئ قدير وعنده " كل شئ مستطاع .

وقد يكون من الجدير بالذكر في هذا المقام أن هذا المفهوم يتفق مع ما جاء في القرآن الكريم فيما يتعلق بتفرد الله ووحدانيته مما يؤكد أن ما جاء في رسالات أنبياء الله مضمونه واحد وهو عبادة الله وحده واتباع ما أنزل الله على رسله من رسالات تحث على الأخلاق الفاضلة التي تضمن للناس أن يعيشوا فى وئام ومحبة وتنهى عن كل ما يعكر الصفو ويتنافى مع المبادئ السامية والفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها .

 

ُتساؤل آخر

إذا لم يكن عيسى عليه السلام إلها كما يتضح من النصوص السابقة والتي أوردناها من العهدين القديم والجديد ، فإن هناك تساؤلا يطرح نفسه وهو : إذا لم يكن عيسى إلها أليس من الجائز أن يكون ابنا للإله ؟ ألم ترد في الكتاب المقدس بعض النصوص التي يمكن أن يستشف منها هذا المعنى ؟ . وهو تساؤل يرتبط به العديد من علامات الإستفهام حول مفهوم هذه النبوه وكيفيتها وهل كانت قاصرة علي عيسى وحده أم أن هناك " أبناء" آخرين لله في الكتاب المقدس ؟ وإذا كان هناك " أبناء " آخرون فمن هم ؟ وأين هي النصوص التي يمكن الاعتماد عليها في هذا الخصوص ؟ هذه التساؤلات وكيفية الإجابة عنها سوف تكون محور حديثنا في الأسطر القليلة القادمة .

" أبناء الله" و" بنات الله " في الكتاب المقدس !

قد يندهش القارئ الكريم إذا قلنا أن الله – عز وجل – له الكثير من "الأبناء " و "البنات " في الكتاب المقدس والذين لا يتسع المجال هنا لذكرهم جميعا ولذلك فإننا سوف نكتفي بإيراد بعض منهم لتوضيح فكرة هذه البنوة لمن أراد فهم النصوص الواردة في ذلك فهما صحيحا ومعرفة المعن المقصود منها بشكل صحيح .

1.    في سفر الخروج الإصحاح الرابع الآية العشرين يقول الله مخاطبا موسى : " فتقول لفرعون هكذا يقول الرب : إسرائيل ابنى البكر "

2.    في سفر الأخبار الأول الإصحاح الثانى والعشرين الآية العاشرة يقول الرب :" هو ( سليمان ) يبنى بيتا لاسمي وهو يكون لي ابنا وأنا له أبا ..." ويتكرر نفس المعنى في سفر صموئيل الثاني الإصحاح السابع الآيتين الثالثة عشر والرابعة عشر .

3.    فى سفر ارمياه الإصحاح الحادي والثلاثين الآية التاسعة يقول الرب :" لأنى صرت أبا لإسرائيل ، افرايم هو ابني البكر ." ويلاحظ أن افرايم يكون بذلك هو ثاني " ابن بكر " للرب !

4.    في سفر التثنية الإصحاح الرابع عشر الآية الألى :" أنتم أولاد الرب الهكم ".

5.    في المزمور الثاني الآية السابعة يقول داود:" أنا أخبركم بما قضى الرب . قال لي الرب : أنت ابني . أنا اليوم ولدتك ." ويلاحظ هنا أن داود "مولود" لله .

6.    فى إنجيل متى الإصحاح الخامس الآية التاسعة يقول عيسى : " طوبى لصانعى السلام لأنهم أبناء الله يدعون " .

7.    فى إنجيل متى الإصحاح الخامس الآية الخامسة والأربعون يقول عيسى :" لكى تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات ..." .

8.    فى إنجيل متى الإصحاح الخامس الآية الثامنة والربعين يقول عيسى مخاطبا تلاميذه :" فكونوا أنتم كاملين كما أن أباك الذى في السماوات هو كامل " .

9.    في إنجيل لوقا الإصحاح الثالث الآية الثامنة والثلاثون في معرض الحديث عن نسب عيسى نقرأ في نهاية المطاف : " بن أنوش بن شيث بن أدم ابن الله ." إذن آدم أيضا هو ابن الله .

10.         فى إنجيل لوقا الإصحاح السادس الآية الساسة والثلاثين يقول عيسى مخاطبا تلاميذه أمام جمهور كثير من بنى إسرائيل : " فكونوا رحماء كما أن أباكم رحيم " فالله عز وجل هو أبوه وأبوهم وهم جميعا ابناؤه من الناحية المعنوية الروحية .

11.         فى الرسالة إلى أهل رومية الإصحاح الثامن الآية الرابعة عشر نقرأ :" لأن كل الذين ينقادون برح الله ( أي يمتثلون الآية الرابعة عشر نقرأ :ط لأن كل الذين ينقادون بروح الله ( أي يمتثلون لما أمر الله به وينتهون عما نهى الله عنه ) فأولئك هم أبناء الله ." وأبناء الله هنا تشمل البنين والبنات .

12.         ويأتي ذكر البنات تحديدا في رسالة كورنثوس الثانية الإصحاح السادس الآية الثامنة عشر حيث يقول الرب :" وأكون لكم أبا وأنتم تكونون لي بنين وبنات يقول الرب القادر على كل شئ .

من العرض السابق يتضح بشكل جلي للقارئ الكريم أن مفهوم البنوة لله عز وجل هو مفهوم مجازى معنوي مطلق وليس مفهوما ماديا محدودا مقيدا كما يتبادر إلى أذهان بعض الناس . وبعبارة أخرى فإن أولئك الأبرار الأخيار أصحاب المبادئ السامية والأخلاق العالية هم مجازاً " أبناء الله " لأنهم يأتمرون بما أمر به وينتهون عما نهى عنه ،و " ينقادون بروح الله " ويستوى في ذلك الرجال والنساء فمن التزم الجادة من كلا الجنسين فهو " ابن الله " و من التزمت فهي " ابنة الله "

نعم ولكن ؟!!

قد يتساءل متسائل بعد أن يتثبت من النصوص السابق ذكرها قائلا – بلسان الحال أو بلسان المقال – نعم هذه النصوص صحيحة وتدل على المعاني المقصودة منها وهو أمر لا يمكن الاختلاف عليه بأي حال من الأحوال . ولكن ماذا عما يعلمه البعض من نصوص أخرى في الكتاب المقدس تدعي أن عيسى كان إلها أو ابنا لله ؟ فنقول أن ما أعلنه عيسى صراحة وبشكل لا يقبل المراء أو الجدل فى النصوص السابق إيرادها لا يمكن نقضه استنادا إلى نصوص مبهمة اقتطعت من سياقها الصحيح لتدل على معان غير مقصودة منها بقصد التلبيس على العامة وخداعهم وإقناعهم بأشياء ليس لها سند من الواقع . كما أن فكرة تأليه عيسى وبنوته لله لم تظهر في حياته عليه السلام ولم يقل بها أحد من حوارييه ولكنها ظهرت بعد رحيله عن هذا العالم بزمن بعيد ثم تقررت لأول مرة بعد ما يزيد على ثلاثة قرون في ما سمي حينئذ بمجمع نيقية عام 325 تحت تأثير الإمبراطور الروماني الوثني قسطنطين الذي أظهر اعتزامه اعتناق النصرانية وأراد أن يخلط المسيحية بالوثنية ليتسنى له خداع النصارى ويتيسر بعد ذلك أنضواؤهم تحت راية مملكته ، وقد تمت الموافقة على هذه الفكرة في ذلك المجمع رغم معارضة أغلبية الحضور لها . ولك أن تعلم أيها القارئ العزيز أن المؤيدين لهذه الفكرة كانوا فقط ثلاثمائة وثمانية عشر شخصا من إجمالي عدد الحضور في هذا المحفل البالغ ألف وسبعمائة ، فكيف يمكن أن تنسب مثل هذه الفكرة الممجوجة إلى النصرانية الحقيقية التي هي منها براء ؟ وكيف تكون أمور الدين بالاقتراع أو الاختيار ؟ ومن الذي يملك حق تعديل ما جاء به رسل الله ؟ وإذا حدث ذلك ووردت نصوص واضحة صريحة عن عيسى عليه السلام ووردت نصوص أخرى تتعارض معها كثر الاختلاف بين علماء النصارى حول تفسيرها لكونها مبهمة وغير قاطعة الدلالة فأيهما نقبل ؟ إذا صدرت تعليمات عن عيسى وأخرى عن غيره فمن نتبع ؟ إذا قال عيسى وقال غيره فمن نصدق ؟ إذا استطعت أيها القارئ الكريم أن تقدم إجابة صريحة ومقنعة عن هذه الأسئلة فإنك تكون بذلك قد قطعت الشك باليقين وخطوت الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح نحو الحقيقة . نسأل الله لنا ولك الهداية والتوفيق .

 

كيف كانت معجزات عيسى ؟

إذا لم يكن عيسى إلها أو ابنا لله بالمعنى الحرفي للكلمة كما اتضح بجلاء من النصوص السابقة فكيف كان يأتى بالآيات والمعجزات من إبراء الأكمة وإحياء الموتى وإخراج الشياطين وغيرها من المعجزات الظاهرة ؟

وهذا تساؤل وجبة تجيب عنه الأسطر القليلة القادمة كما يلي :-

1.  في إنجيل لوقا الإصحاح الحادي عشر الآية العشرين :" ولكن إن كنت بإصبع الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله ."بعد أن علم عيسى تلاميذه منذ بداية الإصحاح كيف يصلون إلى "أبيهم الذى فى السماوات " وضرب لهم مثلا ليوضح لهم أنهم إذا دعوا الله فسوف يستجيب دعاءهم ثم أعقب ذلك أن أخرج شيطانا من إنسان أخرس فلما خرج الشيطان تكلم الرجل " فتعجب الجموع" ونظرا لأن السحر كان منتشرا بين اليهود كما هو معروف فقد قالوا بأن عيسى " يخرج الشياطين ( مستعينا ) برئيس الشياطين" وهذا اتهام صريح له بأنه ساحر ، فأراد أن يوضح لهم بأنه يستعين على إخراج الشياطين بالله . فهو " بإصبع الله" أي بمشيئة الله وتأييده وتوفيقه يخرج الشياطين وفي هذا إيذان بإقبال ملكوت الله وإدبار مملكة السحر والشعوذة والخرافات التي كانت سائدة في أوساط اليهود. ثم ضرب لهم مثلا ليوضح لهم ذلك المعنى . وتأييدا لأسلوب عيسى  فى الإقناع وإعجابا بمنطقة " رفعت امرأة صوتها من الجمع وقالت طوبى للبطن الذى حملك وللثديين الذين رضعتهما . أما هو فقال طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه ." والذي يرضع الثديين ويحمل في البطن لا شك أنه إنسان عادي من بني البشر لأن هذه الأفعال لا تليق بالإله .

2.  في إنجيل يوحنا الإصحاح الخامس الآية الثلاثين :" أنا لا أقدر أن أفعل من نفسى شيئا . كما أسمع أدين ( اى أحكم وأقرر ) ودينونتى ( أي أحكامى وقراراتى ) عادلة لأنى لا أطلب مشيئتى بل مشيئة الأب الذى ارسلنى ( أي أنقذ ما أمرنى الله به ) ." وهنا يؤكد عيسى عليه السلام أنه لا يستطيع أن يفعل من نفسه شيئا وأن ما يأتيه من تأييد إنما هو من عند الله لأن عسى لا يطلب مشيئته بل ينفذ إرادة الله .

3.  في إنجيل يوحنا الإصحاح الحادي عشر الآيات الثالثة والثلاثين وما بعدها والحكاية عن موت لعازر وكيف ذهبت أخته مريم إلى عيسى وطلبت منه أن يفعل شيئا :ط فلما رآها يسوع تبكي واليهود الذين جاءوا معها بيكون انزعج بالروح واضطرب . وقال اليهود انظروا كيف كان يحبه . وقال بعض منهم ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا أيضا لا يموت . فانزعج يسوع أيضا فى نفسه وجاء إلى القبر ز وكان مغارة وقد وضع عليه حجر . فقال يسوع ارفعوا الحجر .قالت له مرثا أخت الميت يا سيد قد أنتن لأن له أربعة أيام . قال لها يسوع ألم أقل لك أن آمنت ترين مجد الله . فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعا ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال أيها الأب أشكرك لأنك سمعت لى . وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي . ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ذلك . ليؤمنوا أنك أرسلتنى . ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم لعازر هلم خارجا . فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل ." هذه هي أحد أكبر معجزات عيسى عليه السلام . والسؤال المطروح هنا هل نسب عيسى إحياء لعازر إلى نفسه؟ هل قال بأنه هو الذي أحياه ؟ إنه عندما جاءته مريم أخت لعازر تبكي ومعها جمع من اليهود يبكون موته وعرف ماذا يريدون اتجه مباشرة بالدعاء على الله عز وجل القادر على كل شئ يسأله أن يرد على لعاز روحه وهذا هو تفسير " انزعج بالروح واضطرب " فقد كان يلح على الله في الدعاء . ثم بكي عيسى إمعانا في إظهار الخضوع بين يدي الله تعالى وإلا فلماذا يبكي إذا كان يعلم من البداية أنه يستطيع أن يرد على لعازر روحه ؟ وفي أثناء سيره  إلى القبر " أنزعج عيسى بالروح " أى استمر في مناجاة الله ودعائه أن يرد على لعازر روحه وبذل قصارى الجهد في ذلك ولكن ذلك كله كان بصوت خفي غير مسموع للجموع المحيطة به، وعندما وصل إلى المقبرة أدرك أن الله لن يخذله في هذا الموضع وسوف يستجيب له دعاءه ويرد على لعازر روحه ولذلك عندما أخبرته مرثا بأن أخاها قد انت لأنه توفي منذ أربعة أيام قال لها بلغة الواثق بنصر الله :ط إذا آمنت" أى بأنني رسول من عند الله القادر على كل شئ " فسوف ترين مجد الله " وتأييده لي بإعادة الحياة إلى أخيك الميت ثم رفع بصره إلى السماء متوجها بالشكر إلى الله أن استجاب دعاءه قائلا بصوت مرتفع هذه المرة :" أيها الأب اشكرك لأنك سمعت لي ( أي استجبت لتضرعي ودعائي ) وأنا علمت أنك فى كل حين تسمع لي ( أى تستجيب لدعائي ) ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ذلك ( أي توجهت إليك بالشكر بصوت مرتفع يسمعه جميع الحضور ) ليؤمنوا أنك ارسلتنى ( أي ليصدقوا أنني رسول من عند الله ) . " وهنا يتضح لنا بدون أدنى لبس أن عيسى لم ينسب لنفسه شيئا وإنما أراد أن يثبت لليهود أنه رسول من عند الله يؤيده الله بالمعجزات التي كان من أبرزها إحياء الموتى كما رأوا بأعينهم ومع ذلك لم يؤمنوا به ولم يستجيبوا لرسالته ! .

4.  في سفر أعمال الرسل الإصحاح الثاني الآية الثانية والعشرين والحديث على لسان بطرس :" أيها الرجال الإسرائيليون : اسمعوا هذه الأقوال . يسوع الناصرى رجل قد تبرهن من قبل الله بقوات وعجائب صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم تعلمون ." والآية واضحة فى دلالتها على أن عيسى عليه السلام كان " رجلا" مؤيدا بالمعجزات " والعجائب التي صنعها الله بيديه أي أنها لمتكن من عند نفسه وإنما من عند الله ، كما كان قومه يعلمون ذلك يقينا .

5.  في سفر أعمال الرسل الإصحاح الرابع الآية الرابعة والعشرين : بعد أن ذكرت قصة شفاء الأعرج الذي كان يجلس عند باب الهيكل في الإصحاح الثالث والعشرين وكيف أن هذا الأعرج " وثب ووقف وصار يمشى ودخل إلى الهيكل وهو يمشى ويطفر ويسبح الله .وأبصره جميع الشعب وهو يمشى ويسبح الله " ثم في الإصحاح التالي الآية الحادية والعشرين نجد أن " الجميع كانوا يمجدون الله على ما جرى " وعندا سمع رفقاء بطرس ويوحنا القصة " رفعوا بنفس واحدة صونتا إلى الله وقالوا: أيها السيد أنت هو الإله الصانع السماوات والأرض والبحر وكل ما فيها " .ونلاحظ أنه من الواضح والمفهوم للجميع – بما فيهم الأعرج نفسه – أن الشفاء ليس من عند البشر وإنما من عند الله وحده لأنه سبحانه هو القادر على ذلك ، وعليه فقد توجه الأعرج مباشرة على الله بالتمجيد والتسبيح وكذلك الحال بالنسبة للجموع التي كانت موجودة وأصحاب بطرس ويوحنا ورفقائهما الذين توجهوا إلى الله بالثناء والحمد لعلمهم جميعا أنه لا يقدر أحد على شفاء المرضى وإبرائهم إلا الله وحده . وبذلك نكون قد أجبنا عن السؤال المتعلق بمعجزات عيسى عليه السلام وتبين لنا أن هذه المعجزات لم تكن من عنده بل كانت من عند الله تاييدا لرسوله وتثبيتا له في وجه أعدائه من اليهود المعاندين . ولكن هل كان تأييد الله لرسله بالمعجزات قاصرا على عيسى ؟ وبعبارة أخرى : هل كان عيسى فريدا في ما جاءه من تأييد الله عز وجل بالآيات والمعجزات ؟

 

معجزات أخرى وأنبياء آخرون !

لم يكن تأييد الله عز وجل لرسله بالمعجزات والآيات الخارقة للعادة قاصرا على عيسى وحده ، ولكن كان هذا هو الديدن مع كافة رسل الله وانبيائه . بل إن الكتاب المقدس يؤكد على أن بعض الكذابين والدجالين قد تظهر على ايديهم بعض الأعمال الخارقة للعادة مما قد يعد معجزة فى أعراف العامة من الناس ولكن هذا لا يعني أنهم فوق مرتبة البشر أو أنهم آلهة أو أبناء للإله . وبناء عليه فإن العجائب والأشياء الخارقة للعادة لا يمكن اتخاذها أساسا ينبنى عليه الوهية شخص ما أو بنوتة المادية لله عز وجل وفيما يلي توضح جانبا من هذه المعجزات :-

1.  في سفر الخروج الإصحاح الرابع عشر والآيتين الحادية والعشرين والثانية والعشرين عن معجزة شق البحر لموسى عليه السلام :" ومد موسى يده على البحر . فأجرى الرب البحر بريح شرقية شديدة كل الليل وجعل البحر يابسة وانشق الماء . فدخل بنو إسرائيل فى وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم ."

2.  فى سفر الملوك الأول الإصحاح السابع عشر الآية السادسة وبعد أن انقطع الطل والمطر عن الأرض عن الأرض وأصابها القحط في هذه السنين أمر الله إيليا التشبي أن يتجه نحو المشرق وأن يختبئ عند نهر كريث مقابل الأردن حيث امر الله الغربان أن تعوله هناك : وكانت الغربان تأتى إليه بخبز ولحم صباحاً وبخبز لحم مساءاً وكان يشرب من النهر "

3.  في سفر الملوك الأول الإصحاح السابع عشر الآية الثانية و العشرين نقرأ عن إيليا وكيف أنه دعا الله – كما فعل عيسي تماماً فسمع الله دعاءه وأحيا له الطفل الذي كان قد فارق الحياة :" فسمع الرب لصوت إيليا لصوت إيليا فرجعت نفس الولد إلي جوفه فعاش " ونفس الشيء فعله اليشع في سفر الملوك الثاني الإصحاح الرابع الآية الرابعة والثلاثين

4.  في سفر الملوك الثاني الصحاح الرابع الآيتين الثالثة والأربعين أطعم اليشع الشعب كله من عشرين رغيفاً من شعير : " فقال ( لخادمه ) أعط الشعب ليأكله . فقال له خادمه : ماذا ؟ هل أجعل هذا أمام مائة رجل ؟ فقال (اليشع) : أعط الشعب ليأكله لأنه هكذا قال الرب يأكلون ويفضل عنهم . فجعل " أى وضع الخبز ) أمامهم فأكلوا وفضل عنهم حسب قول الرب أى زاد عن حاجتهم

5.  في سفر الملوك الثاني الإصحاح الخامس الآيةالرابعة عشر أمر اليشع نعمان رئيس الجيش وكان رجلاً أبرص أن يغتسل في نهر الأردن فيزول عنه البرص :" فنزل وغطس في نهر الأردن سبع مرات حسب قول رجل الله (اليشع) فرجع لحمه كلحم صبي صغير وطهر " أي بريء من البرص

6.  في سفر الملوك الثاني الإصحاح السادس الآيات السابعة عشر والثامنة عشر والعشرين اعاد اليشع البصر إلي رجل أعمي ودعا علي إناس أن يصيبهم الله بالعمي فاستجاب الله دعاءه وأعماهم جميعاً ثم دعا الله مرة أخرى ان يعيد إليهم أبصارهم فأعاد الله إليهم أبصارهم :" وصلي اليشع وقال يا رب أفتح عينيه فيبصر . ففتح الرب عيني الغلام فأبصر وإذا الجبل مملوء خيلاً ومركبات نار حول اليشع . ولما نزلوا إليه صل اليشع إلي الرب وقال أضرب هؤلاء الأمم بالعمي فضربهم بالعمي كقول اليشع ....فلما دخلوا السامرة قال اليشع يا رب أفتح عين هؤلاء فيبصروا . ففتح الرب أعينهم فأبصروا فإذا هم في وسط السامرة .

7.  فى سفر الملوك الثانى الإصحاح الثالث عشر الاية الحادية والعشرين نقرأ عن معجزة عجيبة حيث كانت عظام اليشع بعد وفاته كافية لإعادة الحياة إلى شخص ميت ! ." وفيما كانوا يدفنون رجلا ، إذا بهم قد رأوا الغزاة ( الأعداء ) فطرحوا الرجل فى قبر اليشع . فلما نزل الرجل ( الميت إلى القبر ) ومس عظام اليشع عاش وقام على رجليه ".

8.  في إنجيل متى الإصحاح السابع الآية الثانية والعشرين يقول عيسى :" كثيرون سيقولون لي فى ذلك اليوم :يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا ؟ وباسمك أخرجنا الشياطين ؟ وباسمك صنعنا قوات ( عجائب ومعجزات ) كثيرة ؟ فحينئذ أصرح لهم : إنى لم أعرفكم قط ! اذهبوا عنى يا فاعلي الإثم ! ويفهم من النص أن صنع المعجزات والعجائب ليس من الضروري أن يكون سببا للنجاة ولا يثبت لأحد عصمة لأنه يمكن أن يحدث من الآثمين والخاطئين كما أكد على ذلك عيسى عليه السلام بنفسه فى الآية .

9.  فى إنجيل متى الإصحاح الثانى عشر الآية السابعة والعشرين يقول عيسى مخاطبا الجموع :" وإن كنت أنا ببعلزبول (رئيس الشياطين ) أخرج الشياطين فابناؤكم بمن يخرجون الشياطين ؟" ويتكرر نفس المعني في إنجيل لوقا الإصحاح الحادي عشر الآية التاسعة عشر . إذن كان بعض أبناء بني إسرائيل يخرجون الشياطين مما يعد بلا شك عملا معجزا وخارقا للعادة ولكنه كما في الاية السابق ذكرها لا يثبت لهم برا ولا فضلا أو تميزا على غيرهم .

10.         في إنجيل متى الإصحاح الرابع والعشرين الآية الرابعة والعشرين يؤكد عيسى عليه السلام أن الآيات العظيمة والعجائب قد يقوم بها الدجالون والكذابون بغرض خداع العامة والبسطاء وصرفهم عن إتباع منهج الله حيث يقول :" لأنه سيقوم مسحاء ( جمع مسيح ) كذبة ( جمع كذاب ) وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتىيصلوا لو أمكن المختارين ( الحواريين والأتباع ) أيضا " إذن من الممكن أن ينخدع بعض المثقفين بكلام من يدعون النبوة ويشرعون من عند أنفسهم ويناقضون ما جاء به نبي الله عيسى عليه السلام وهذا لشديد الأسف ما حدث ولا يزال يحدث فيما يتعلق بحقيقة عيسى عليه السلام الذى لم يدع لنفسه الوهية قط ولكن هذا اللبس حدث بسبب وصايا وتعليمات من مسحاء كذبة وأنبياء كذبة .

عيسى الإنسان العادي

لا شك أنعيسى عليه السلام كان طرازا خاصا من البشر من جهة بعثته ورسالته فقدكان أحد ولي العزم من الرسل الذين ارسلهم الله تعالى لنشر المبادئ والقيم الفاضلة التي تضمن للناس جميعا أن يعيشوا فى وئام وسلام ، وكذا من جهة ولادته فقد ولد بطريقة معجزة مغايرة لما جرت عليه العادة من وجوب أ وأب فقد ولد من عذراء بلا اب ، ولكن المقصود بقولنا إنسان واعتراه ما يعتري البشر من أغيار وما يمرون به من أطوار مختلفة في شتى مراحل حياتهم ، ولتوضيح هذا المفهوم سوف نورد بعض الآيات التي تعضد ذلك مع تقديم تعليق مختصر عليها ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق .

1.  في إنجيل متى الإصحاح الثالث الآية الثالثة عشر نقرأ : " حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه " وفى الاية السادسة عشر " فلما اعتمد صعد للوقت من الماء " . وفي هذا المقام يهمنا أن نوضح أنه حسب المعتقد النصراني في الخطيئة الأصلية فإن التعميد يكون للتكفير عن الشخص المعمد وتطهيره من أدران هذه الخطيئة التي يولد بها جيع أبناء آدم منذ أن عصى ربه وأكل من الشجرة ، وهذا يثبت أن عيسى إنسان عادي محتاج إلى التعميد والتكفير عن هذه الخطيئة كسائر أبناء آدم .

2.  فى إنجيل متى الإصحاح الثامن الآية العشرين :تقدم أحد الكتبة وطلب من عيسى أن يسمح له بأن يتبعه أينما يمضى فقال له عيسى : " للثعالب أوجرة ( جحور تأوى إليها ) ولطيور السماء  أوكار ( أعشاش ) . وأما ابن الإنسان (عيسى ) فليس له أين يسند رأسه ." أى ليس له موضع ثابت يأوي إليه بسبب خوفه من مطاردة اليهود وتنقله الدائم وحرصه على الابتعاد عن أعينهم ولو كان إلها لما احتاج إلى ذلك .

3.  في إنجيل متى الإصحاح السابع عشر الآية الرابعة والعشرين :" ولما جاءوا ( عيسى وتلاميذه ) إلى كفر ناحوم تقدم الذين يأخذون الدرهمين ( جامعي الضرائب لقيصر ) إلى بطرس وقالوا : أما يوفي معلمكم الدرهمين ؟." أى ألن يسدد الضريبة المستحقة عليه ؟ فرد عليهم بطرس بالإيجاب ، ثم أمر عيسى بطرس أن يسدد عنه الضريبة في الآية السابعة والعشرين من نفس الإصحاح . إذن كان عيسى يعامل على أنه تابع للإمبراطورية الرومانية ويدفع الضرائب بانتظام شأنه في ذلك شأن جميع الشعب الرومانى .

4.  في إنجيل رقص الإصحاح السادس الآية الثالثة :" أليس هذا هو النجار ابن مريم ..." إذن كان عيسى عليه السلام يأكل من عمل يده ويكتسب قوته من كده وتعبه وهذا شأن شائع بين جميع البشر الذين يحتاجون إلى امتهان وظائف معينة يستطيعون من خلال ممارستها اكتسب أقواتهم ومعاشهم ومعاش ذويهم .

5.  في إنجيل لوقا الإصحاح الثاني الآيتين السادسة والسابعة : " وبينما هما ( يوسف ومريم ) هناك ( فى بيت لحم ) تمت أيامها لتلد. فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته فى المذود ( بالإسطبل !) إذ لم يكن لهما موضع بالمنزل ." تمت أيامها أي أكملت تسعة أشهر وهذا شئ متعارف عليه وليس أمرا استثنائيا قاصرا على عيسى وحده .

6.  في إنجيل لوقا الإصحاح الثاني الآية الحادية والعشرون :" ولا تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمى يسوع كما تسمى من الملاك قبل أن حبل فى البطن ". كما نعلم جميعا فإن مسالة الختان مسألة بشرية بحتة هي من سنن الأنبياء ولا تليق بالإله أو ابن الإله !

7.  في إنجيل لوقا الإصحاح الثاني والخمسين نقرأ : " وأما يسوع فكان يتقدم في الحكة والقامة والنعمة عند الله والناس ." والذى يتقدم في الحكمة والنمو والقامة والنعمة والتعامل مع الناس وعلاقته بالله وتقواه هم البشر الذين يتعلمون من خلال التجارب التى يعايشونها والمواقف التي يمرون بها في أطوار حياتهم المختلفة فتزداد خبرتهم ويتعلمون كيفية التعامل مع المواقف ومواجهة الصعاب وليست هذه صفات تليق بالإله الخالق مصدر الحكمة والقوة والنعم .

8.  في إنجيل لوقا الإصحاح الحادي عشر الآيتين السابعة والعشرين والثامنة والعشرين : إعجابا بمنطق عيسى عليه السلام أسلوبه في الحوار مع الجموع كانت هناك امرأة صوتها من الجمع وقالت له طوبى للبطن الذى حملك والثديين اللذين رصعتهما . أما هو فقال بل طوبى للذين يحفظون كلام الله ويحفظونه ." وقول المرأة يؤكد أن مفهوم بشرية عيسى عليه السلام كان واضحا في أذهان العامة فى زمانه بخلاف ما حدث في الأزمان التالية .

9.  في سفر أعمال الرسل الإصحاح الثامن الآية الثانية والثلاثين نقرأ عن عيسى أنه :ط مثل شاة سيق إلى الذبح ، ومثل خروف صامت أمام الذى يجزه ( يذبحه) ، هكذا لم يفتح فاه ." وهذا الوصف له بأنه كان كالشاة أو الخروف الصامت لا يمكن أن نقبله عن عيسى الإنسان الرسول من عند الله فكيف يمكن أن يقال أنه كان إلها ثم ننسب إليه مثل هذه الصفات التي لا تليق بالبشر ؟!

10.         فى الرسالة إلى العبرانيين الإصحاح الخامس الآية الثامنة نقرأ عن عيسى أنه :" مع كونه ابنا تعلم الطاعة مما تألم به ." أى أنه تعلم الطاعة من التعب والمعاناة والتجربة عن طريق المحاولة والخطأ وهذه جميعها أمور بشرية لا تليق بالإله أو "ابن الآله " .

 

عيسى العبد الصالح

من المعرف أن عيسى عليه السلام عاش ثلاثين عاما – حسب رواية الكتاب المقدس – قبل أن تبدأ بعثته وبشارته بالإنجيل إلى بني إسرائيل ، وهنا يهمنا أن نؤكد أن عيسى – قبل البعثة وبعدها- كان عبدا صالحا تقيا مطيعا لربه حريصا على أداء الطاعات والتقرب إلى الله عز وجل بالصلاة والتضرع كما أنه كان من معتادي الذهاب إلى الهيكل على عادة الصالحين من بني إسرائيل وهذا يتضح من خلال النصوص التالية :-

1.  في إنجيل متى الإصحاح الرابع الآية الثانية نقرأ عن عيسى أنه " بعد أن صام أربعين نهارا وأربعين ليلة ، جاع أخيرا ." كان عيسى  عليه السلام حريصا على تقوى الله والتقرب إليه بالصوم الذى هو من أخص العبادات والذى هو سر بين العبد وربه .

2.   في إنجيل مرقص الإصحاح الرابع عشر الايتين الرابعة والثلاثين والخامسة والثلاثين :" فقال لهم نفسى حزينة جدا حتى الموت . امكثوا هنا واسهروا . ثم تقدم قليلا وخر على الأرض وكان يصلي لكي تعبر عنه الساعة إن أمكن ." ويؤكد ذلك على أنه عليه السلام كان يدعو الله بإخلاص وتأثر أن ينجيه من أعدائه الذين كانوا يخططون لصلبه وهذا هو دأب الأنبياء والصالحين في اللجوء إلى الله عز وجل عند الشدائد وفي مثل هذه الحالة لا يعقل أن يسلمه الله لأعدائه ليصلبوه بعد أن توجه إليه بالدعاء والصلاة ، كما أن في صفة صلاة عسى عليه السلام أنه " خر على الأرض " أثناء الصلاة ويستنبط من ذلك بشرية عيسى عليه السلام وأنه عبد الله عز وجل وهذا قاسم مشترك بين جميع المؤمنين بالله إذ لو كان إلها أو ابنا للإله بالمعنى الحرفي للكلمة لما احتاج إلى أن يصلي لعدم حاجته إلى مثل هذه الأمور .

3.  في إنجيل لوقا الإصحاح الرابع الآيتين السادسة عشر والسابعة عشر :ط وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربى . ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقا ليقرأ فدفع إليه سفر إشعياء النبي وهذا من طبيعة البشر ، كما يتبين منه أيضا عادة عيسى في الذهاب إلى المجمع يوم السبت بالإضافة إلى مداومته على طلب العلم بالكتاب المقدس المتمثل في قراءته من سفر إشعياء .

4.  في إنجيل لوقا الإصحاح الخامس الآية السادسة عشر :" وأما هو ( عيسى ) فكان يعتزل فى البراري ويصلي ". للصلاة في الخلوات مذاق خاص حيث يخلو العبد بربه ويتخلص من مراقبة الخلق له وتندفع عنه شبهة الرياء والنفاق ولذلك كان عليه السلام يفضل أن " يعتزل في البراري ويصلي " وهذه هي عادة الخلصاء الأتقياء من عباد الله .

5.  في إنجيل لوقا الإصحاح السادس الآية الثانية عشر :" وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلي . وقضى الليل كله في الصلاة لله ." في الليل يسكن الكون وثقل الحركة وتصفوا الأرواح ويخلد المتعبون إلى النوم ويقل الضجيج فتحلو المناجاة والضراعة بين يدي من لا يغفل ولا ينام ولذلك فإن عيسى عليه السلام قضى الليل كله في الصلاة ".

6.  فى الرسالة إلى العبرانيين الإصحاح الخامس الآية السابعة والحديث عن عيسى " الذي في أيام جسده قدم صراخا شديدا ودموعا وتضرعات " لله أن ينقذه من "الموت" على ايدي أعداء الله من اليهود ولذلك كان من الطبيعي أن يستجيب الله دعاءه وينقذ منهم من أجل تقواه وهذا هو دأب الله دوما مع كل من يقصده وهو سبحانه أكرم من أن يرد من يسأله ويتضرع إليه وقت الشدائد بإخلاص مثل عيسى الذي كان " في كل حين يفعل ما يرضي الله " .

 

عيسى النبي الرسول

في ما يلي من آيات يتضح لنا أن عيسى عليه السلام جاء ليؤكد رسالة موسى عليه السلام وإخوانه من أنبياء بني إسرائيل ، ولم يأت لينقض الأنبياء أو يعلم ما يتناقض مع شرائعهم وتعاليمهم والآن لنتأكد من هذه الحقيقة دعنا نلقي نظرة على النصوص التالية :-

1.  في إنجيل متى الإصحاح الخامس الآيتين السابعة عشر والثامنة عشر يقول عيسى عليه السلام بعد سلسلة من التعليمات : "لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء . ما جئت لأنقض بل لأكمل . فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة حتى يكون الكل " وهو تأكيد على أنه قد أتى برسالة من الله على الناس تماما كما فعل الأنبياء من قبله ولذلك نجده فيما أعقب هذه الآيات يدعو إلى وجوب القيام بأعمال البر وتعليمها للناس " وأما من عمل وعلم فهذا يدعى عظيما في ملكوت الرب "كما أنه ينهى عن القتل إلى حد أنه يجعل حد الذي يغضب على أخيه القتل " إن كل من يغضب على أخيه يكون مستوجب حكم القتل " وينهى عن السباب والشتائم "ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم " كما أنه في هذا السياق ينهي عن الزنا ويأمر بغض البصر عن النساء الأجنبيات في قوله " إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنا بها فى قلبه  " وهى مبادئ سامية دعا إليها جميع أنبياء الله من لدن آدم إلى محمد عليهم جميعا الصلاة والسلام ولمتكن شيئا خاصا بعيسى عليه السلام فقط فأين هذه المبادئ السامية ما يفعله بعض1 الناس فى أزماننا هذه ؟.

2.  في إنجيل متى الإصحاح العاشر الآية الأربعين يقول عيسى مخاطبا الحوارين :" من يقبلك يقبلني ومن يقبلنى يقبل الذى ارسلنى ." وهذا صحيح من جميع الوجوه فهو يؤكد على أنه رسول من عند الله في قوله :" ومن يقبلنى يقبل الذى أرسلنى "كما يؤكد على أن عملية قبول الحق أو رفضه ليس المقصود بها رفض النبي فى ذاته أو رفض حوارييه وتلاميذه وإنما رفض الرسالة التي يحاول هؤلاء بذل الجهد في تبليغها لأنها تحاول تهذيب طبائعهم وكبح جماح شهواتهم وأطماعهم وهو أمر معلوم باستقراء ما حدث لرسل الله عليهم السلام قبل عيسى وبعده .

3.  في إنجيل يوحنا الإصحاح الخامس الايتين الثلاثين والحادية والثلاثين يقول عيسى :" أنا لا اقدر ان أفعل من نفس شيئا . كما أسمع أدين ( أحكم ) ودينونتى ( أحكامى ) عادلة . لأنى لا أطلب مشيئتى بل مشيئة الأب الذى ارسلني . إن كنت اشهد لنفسي فشهادتى ليست حقا ." وجاء ذلك في سياق الحديث  عن معجزة شفاء الرجل الذي كان به مرض " منذ ثمان وثلاثين سنة " ليؤكد على أن ما أجراه الله على يديه لم يكن من عند عيسى الذي يقوم فقط بتنفيذ أمر الله عز وجل الذي اقتضت حكمته في إرسال الرسل إلى البشر أن يؤيدهم بالمعجزات والآيات الظاهرة التي يعد الله بها ما جاءوا به من الحق وهذا  ما تم لجميع الأنبياء قبل عيسى وبعده .وإضافة إلى ذلك فإن عيسى يرفض أن يزكي نفسه أمام الناس لأن الله وحده أعلم بمن اتقى ولذلك نجده يقول " إن كنا أشهد لنفسي فشهادتى ليست حقا " كما أنه يرفض أن يزكيه أحد من البشر في قوله في الآية الرابعة والثلاثين من نفس الإصحاح : " وأنا لا أقبل شهادة من إنسان " لأن الإنسان مخلوق من ألإيثار وما يرضيه اليوم قد لا يعجبه غدا .

4.  في إنجيل يوحنا الإصحاح الثامن الايتين الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين : " فقال لهم يسوع : متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أنى أنا هو ولست أفعل شيئا من نفسي . بل أتكلم بهذا كما علمنى أبي . والذى ارسلنى هو معى ولم يتركنى الأب وحدي لأنى في كل حين أفعل ما يرضيه ." تأكيد من عيسى على أنه " ابن الإنسان " ومن المعلوم أن ابن الإنسان يستحيل أن يكون إلها ، كما أنه " لا يفعل شيئا من نفسه "لأنه يتبع ما أنزل الله إليه ولذا فإن الله يؤيده ويحميه " ولم يتركه وحده " لأنه في كل حين يفعل ما يرضيه " أي ما يرضي الله عز وجل .

5.  فى إنجيل يوحنا الإصحاح الثامن الآية الأربعين وبعد محاورة مع اليهود وحديث عن أنهم جميعا أبناء إبراهيم ثم قام عيسى بتشبيه أولئك الذين يستسلمون لنزواتهم وشهواتهم بأنهم عبيد للخطيئة ولكن هذا لم يعجب اليهود ولم يقنعهم فأرادوا أن يبطشوا به فنجده يقول :" ولكنكم الآن تريدون أن تقتلونني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله هذا لم يفعله إبراهيم ." وهو هنا يؤكد على بشريته وأنه " إنسان" جاء برسالة من الله وكان جزاؤه أن حاول هؤلاء قتله وهذا شئ لم يكن أبوهم إبراهيم ليقره لو أنه كان مازال موجودا بينهم .

6.  تستمر نفس الفكرة في الإصحاح الثاني عشر الاية التاسعة والأربعين من إنجيل يوحنا حيث يقول عيسى :" لأنى لم أتكلم من نفسي لكن الأب الذى ارسلنى هو إعطائي وصية :" أى توجيهات وإرشادات ) ماذا أقول وبماذا أتكلم ."والآية لا تحتاج إلى تعليق .

7.  وتؤكد الآية الثالثة من الإصحاح السابع عشر من إنجيل يوحنا على شرطين في غاية الأهمية لمن أراد النجاة والحياة الأبدية وهما أولاً : الإيمان بالإله الحقيقي وحده . وثانياً : الإيمان برسول الله عيسى عليه السلام ." وهذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي ارسلته ." .

8.  في الرسالة الأولى إلى كورنثوس الإصحاح الحادي عشر الآية الثالثة :" ولكن أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح ، وأما راس المرأة فهو الرجل ، ورأس المسيح هو الله ." تؤكد الآية على أن الأدنى يجب أن يتبع الأعلى ويأخذ عنه التعليمات ويكل إليه القيادة ، فالمؤمنون يجب أن يتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم وأن ياتمروا بأوامره سبحانه .

9.  في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس الإصحاح الخامس عشر الآية الثامنة والعشرين :" ومتى أخ    ع (الله) له الكل ( أي نصره الله على أعدائه ومعانديه ) . فحينئذ الابن نفسه أيضا سيخضع (لله) للذى أخضع له الكل ( شكرا له على توفيقه ونصره ) . كي يكون الله (هو) الكل في الكل ." تتحدث الآية عن وجوب مبادرة الخلق إلى اتباع رسل الله الذين يجب عليهم بدورهم أن يسلموا لله عز وجل الذي له الأمر من قبل ومن بعد لأن الله يبقى دائما هو " الكل فى الكل ".

10.         فى الرسالة الأولى إلى أهل تيموثاوس الإصحاح الثاني الآية الخامسة :" لأنه يوجد إله وسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح ". ويتضح من الآية أن هناك "إله واحد" وهو الله عز وجل ، وحيث أنه لا يمكن للبشر أن يروا الله عز وجل فى هذه الحياة لأنه " لا يستطيع إنسان أن يرى الله ويعيش "كما أخبر بذلك الكتاب المقدس فى سفر الخروج الإصحاح الثالث والثلاثين الآية العشرين ، لذا كان لزاما أن يكون هناك وسيط (رسول) بين الله والبشر ، هذا الوسيط هو "الإنسان" عيسى عليه السلام الذى اصطفاه الله وأتاه الإنجيل فيه هدى ونور ليبشر به بني إسرائيل ويهديهم إلى إتباع أوامره واجتناب نواهيه وتحكي مشرع الله في عباداتهم ومعاملاتهم .

 

لمن كانت رسالة عيسى ؟

بعد أن تبين لنا من خلال السطور السابقة أن عيسى عليه السلام كان رسولا ، يتبادر إلى الذهن تساؤل مرتبط بكونه رسولا وهو لمن كانت رسالة عيسى " وللإجابة عن هذا السؤال علينا أن نقرأ النصوص التالية :-

1.  في إنجيل متى الإصحاح الثاني الآية الثانية يتساءل المجوس القادمين من المشرق عند ولادة عيسى :" قائلين أين هو المولود ملك اليهود ." إذن كان من المتوقع للمولود أن يكون ملكا لليهود .

2.  في إنجيل متى الإصحاح الثاني الآيات الرابعة إلى السادسة : " فجمع ( هيرودس) كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم أين يولد المسيح؟ فقالوا له فى بيت لحم اليهودية لأنه هكذا مكتوب بالنبي . وأنت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا . لأن منك يخرج مدبر يرعي شعبي إسرائيل ." إذن " المدبر " الذى يخرج من بيت لحم سوف يخرج لرعاية شعب إسرائيل فقط.

3.  في إنجيل متى الإصحاح السابع الآية السادسة والكلام على لسان عيسى : " لا تعطوا القدس( أى الأشياء المقدسة ) للكلاب . ولا تطرحوا درركم أمام الخنازير . لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم ". وإذا سلمنا بأن هذا هو قول عيسى فمن هم الكلاب والخنازير المقصودون في الآية ؟ إنهم غير اليهود . ومع تحفظنا على ما جاء في النص عن غير اليهود فإن هذا تأكيد آخر على محدودية رسالة عيسى وأنها إلى بني إسرائيل فقط .

4.  في إنجيل متى الإصحاح العاشر الآيتين الخامسة والسادسة نقرأ :" هؤلاء الإثنى عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا لا تمضوا إلى طريق أمم ولا تدخلوا إلى مدينة للسامريين بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ." إذن كانت رسالته عليه السلام إلى " خراف بيت إسرائيل الضالة " فقط على غيرهم ولذلك كان عدد الحواريين إثنى عشر شخصا بعدد أسباط بني إسرائيل .

5.  في إنجيل متى الإصحاح الخامس عشر الآيات الحادية والعشرين إلى السادسة والعشرين :" ثم خرج يسوع من هناك وانصرف إلى نواحي صور وصيداء . وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة : ارحمنى يا سيد يا ابن داود . ابنتى مجنونة جدا . فلم يجبها بكلمة . فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين اصرفها لأنها تصبح وراءنا . فأجاب وقال : لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة . فأتت وسجدت أمامه قائلة يا سيد أعنى . فأجاب وقال ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب." تأكيد آخر من عيسى عليه السلام أنه لم يرسل إلا إلى بنى إسرائيل في سياق وألفاظ نتحفظ عليها لأنها لا تليق بعيسى عليه السلام ، ثم إن التلاميذ لم يطلبوا من عيسى أن يصرف المرأة إلا لأنها أزعجتهم بصياحها وهي تسير خلفهم ولم يكن طلبهم بدافع الرحمة أو الشفقة وذلك لعلمهم أنها غير يهودية .

6.  في إنجيل مرقص الإصحاح الثاني عشر الآية التاسعة والعشرين والكلام لعيسى :" فأجابه يسوع إن أول كل الوصايا هى أسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد." فالخطاب في الآية كما هو واضح لني إسرائيل وليس لغيرهم .

7.  فى إنجيل لوقا الإصحاح الأول الآية الثالثة والثلاثين والكلام عن عيسى :" ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ." إذن المعنيون برسالته هم بيت يعقوب ( بني إسرائيل ) فقط .

8.  في إنجيل لوقا الإصحاح الثاني الاية الرابعة والثلاثين يقول سمعان مخاطبا مريم وهي تحمل رضيعها عيسى :" إن هذا قد وضع (ولد)لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل ولعلامة تقاوم ." إذن المعنيون بميلاده وبعثته هم بنو إسرائيل والسقوط المعني في الآية هو جحد رسالته ومخالفته وأن ينسب إليه ما لم يقل به  أو يدعو إليه . أما "القيام" فهو ما جاء به عن الله وإتباع رسالته .

9.  في سفر أعمال الرسل الإصحاح الثاني الآية الثانية والعشرين يقول بطرس :" أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه القوال . يسوع الناصرى رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده فى وسطكم كما أنتم أيضا تعلمون ." وفي بداية صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضا تعلمون ." وفي بداية الآية يخاطب بطرس" الرجال الإسرائيلين " لأنهم هم المعنيون والمقصودون برسالة عيسى عليه السلام الذى هو "رجل" من البشر أرسله الله لهداية بني إسرائيل وأيده بآيات ومعجزات أجراها على يديه لكي يبرهن لهم ( بنى إسرائيل ) على صحة رسالته وأنه صادق في ما أبلغهم به من أنه رسول من عند الله وهذه مسألة لم تكن خافية عنهم كما يتبين من عبارة بطرس "كما أنتم ايضا تعلمون ".

إذن كانت رسالة عيسى خاصة إلى قومه من بني إسرائيل فقط .

عيسى في القرآن الكريم

والآن بعد أن قدمنا ما تيسر من نصوص الكتاب المقدس بعهديه فيما يتعلق بشخصية عيسى عليه السلام وطبيعة رسالته وكيف أنه كان رسولا من عند الله إلى قومه من بني إسرائيل ، فقد رأينا أنه من المناسب أن نتحدث بإيجاز عما قاله القرآن الكريم بوصفه آخر الكتب المنزلة والمهيمن عليها وهو الكتاب الوحيد الذى تكفل الله عز وجل بحفظه ولم يوكل مهمة العناية به إلى أحد من خلقه كما كان الحال فى الكتب المنزلة من قبل . ولكي يدرك القارئ الكريم منزلة عيسى عليه السلام فى الإسلام وكيف يحترم المسلمون هذا النبي الكريم بوصفه أحد أولي العزم من الرسل وكيف جعل الإسلام الإيمان بعيسى ورسالته أحد أركان الإيمان الستة التي لا يتحقق كمال الإيمان إلا بها . والآن إلى بعض نصوص القرآن الكريم مع شرحها شرحا موجزاً :-

1.  في سورة آل عمران الآية التاسعة والخمسين نقرأ :" إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ، خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ". إذا كان خلق عيسى بدون أب أمرا معجزا فإن خلق أدم بدون أم أو أب هو أمر أكثر إعجازا ولا ريب ، والله عز وجل قادر على أن يخلق ما يشاء وقتما يشاء وكيفما يشاء .

2.  في سورة آل عمرا أيضا الآيات الخامسة والربعين إلى السابعة والأربعين نقرأ عن البشارة بعيسى عليه السلام :" إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين ، ويكلم الناس فى المهد وكهلا ومن الصالحين . قالت ربأنى يكون لي ولد ولم يمسسنى بشر ؟ قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ." إذن مسالة الخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ." إذن مسالة الخلق متوقفة على أمر الله وقضائه فإذا أراد أمرا كان هذا الأمر بمجرد أن يقول الله "كن" وقول الله عز وجل كن لا يعنى حاجة الله عز وجل لأن يقول هذه الكلمة كي يحدث ما يريده الله ولكن ليعلمنا أنه لابد من الأخذ بالأسباب وعدم التواكل فيما يعرض لنا من أمور .

3.  في سورة النساء الآية الحادية والسبعين بعد المائة نقرأ : " يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينك ولا تقولوا على الله إلا الحق . إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه . فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم . إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد . له ما فى السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ."نقاش عقلي منطقي فالذى يحتاج إلى الولد يحتاج إليه إما ليخلفه ويحمل اسمه بعد مماته ، أو ليكون له عونا في هذه الحياة وكلا هذين الشرطين لا يليقان بالله سبحانه وتعالى الذى هو أزلى ايدي يحيى ويميت وهو حى لا يموت كما أنه يملك ما في السماوات وما في الأرض ، فما حاجته إذن إلى الولد؟

4.  فى سورة آل عمران الآيات التاسعة والربعين إلى الحادية والخمسين :" ورسولا إلى بنى إسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم . أنى أخلق لكم من الطين مهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله . وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله . وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم . إن فى ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين .ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون . إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ." تؤكد الآيات على أن رسالة عيسى عليه السلام كانت لبنى إسرائيل كما توضح أن رسالته جاءت متسقة مع التوراة كما أكد هو بنفسه على ذلك في نصوص الكتاب المقدس السابق إيرادها ،كما تورد الآيات بعض المعجزات التي أجراها الله على يديه تأييدا له وتعضيدا لدعوى رسالته التي كان الهدف الأسمى لها هو عبادة الله رب عيسى ورب بني إسرائيل ورب المخلوقات جميعا .

5.  في سورة المائدة الآية السادسة والأربعين :" وقفينا على أثارهم بعيسى بن مريم صدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ." تتسق معاني هذه الآية مع ما سبق إيراده من أن رسالة عيسى جاءت مكملة لما جاء به موسى لنبي إسرائيل كما تبين أن الهداية والنور يجب أن تستقى مما جاء به فنالها ما نالها من التحريف والتبديل .

6.  في سورة الزخرف الآية التاسعة والخمسين والحديث عن عيسى عليه السلام :" إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل ." فالمسح مهما علا شأنه فهو عبد الله عز وجل وهذا هو الشرف بعينه وقد أنعم الله عليه بأن خلقه بطريقة خارقة للعادة في بني البشر واختاره اصطفاه وبعثه نبيا إلى بني إسرائيل وأيده بالآيات والمعجزات ولكن هذا لا يتعارض أبدا مع كونه عبدا لله عز وجل .

7.  فى سورة المائدة الآية الخامسة والسبعين بعد المائة :" ما المسيحيين مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام . انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ." لم يكن عيسى هو الأول فى أنبياء الله ولم يكن الأخير كذلك فهو إذن رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه عليها السلام كان صديقة وامرأه فاضلة اصطفاها الله على نساء العالمين . وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى قوله تعالى ك " كانا يأكلان الطعام " لأن ل البشر يأكلون الطعام لأن قوام حياتهم وهم محتاجون إلى ذلك ليستطيعوا القيام بما يوكل إليهم من مهام على الوجه المطلوب ، وفي هذا نفى بات لصفة الألوهية عن عيسى عليه السلام لأن تناول الطعام يستوجب أن يحتاج الإنسان إلى أن يلبي نداء الطبيعة وأن يذهب إلى الخلاء وهي أمور لا يمكن أن تنسب إلى الله لأنها لا تليق بالخالق سبحانه وتعالى .

 

وماذا عن النصارى ؟

فى سورة المائدة الآيات الثانية والثمانين إلى الخامسة والثمانين نقرأ عن موقف القرآن الكريم من النصاري :" ... ولتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى . ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون.وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين.وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين . فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين وتوضح الآيات عدة صفات للنصارى الحقيقيين من أبرزها :

أولاً : أنهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا لأن مقصدهم واحد وهو البحث عما يرضى الله عز وجل .

ثانياً : أن منهم قسيسين وهم الذين يحرصون على طلب العلم الذى يؤدى بهم إلى خشية الله – عز وجل – والتسليم والانقياد له بالطاعة .

ثالثاًُ : أن منهم رهبانا وأولئك هم الذين غضوا الطرف عن متع هذه الدنيا الفانية ولذلك صفت نفوسهم وبحثوا عن الحقيقة .

رابعاً : أنهم لا يستكبرون على الحق ولا يعاندون لمجرد العناد ولا يتشبثون بالباطل لمجرد إثبات الرأي ولا يخالفون للمخالفة فقط ولكن تنبثق مبادئهم من المنطق والعقل وتتبنى أحكامهم على أساس من الحكمة والتروي ما ينتج عنه الوصول إلى الحقيقة.

خامساً : يتميزون برقة القلوب والأفئدة ولذلك إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع فرحا برضوان الله وسرورا بثوابه الموعود في الآخرة وتسليما بالحق الذي وصلهم عن الله .

سادساً : أنهم يؤمنون بالحق عند سماعهم به وتثبتهم منه لأنهم يعرفون أن هذا الإيمان هو الذي يؤدي بهم إلى أن يدخلهم الله مع الصالحين بفضله ورحمته .ولذا فإن الذين تنطبق عليهم هذه الشروط من النصارى موعودون بثواب الله عز وجل المتمثل في الجنات التي تجري من تحتها الأنهار لا يكدر صفوهم أي عارض ولا تنقطع سعادتهم بموت أو مرض وهم فيها بفضل الله على الدوام خالدون .

دعوة ونداء

من القرآن الكريم : يقول الله عز وجل في القرآن الكريم:-

" يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينك ولا تقولوا على الله إلا الحق . إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فأمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة . انتهوا خيرا لكم . إنما الله إله واحد ، سبحانه أن يكون له ولد . له ما في السماوات وما في الأرض . وكفى بالله وكيلا . لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله ولا الملائكة المقربون . ومن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون . ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله . أما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا اليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا . يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا . فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم فى رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما " . سورة النساء الآيات الحادية والسبعين إلى الخامسة والسبعين بعد المائة.

من الكتاب المقدس : استمع إلى عيسى عليه السلام فى إنجيل متى الإصحاح السابع الآيات من السابعة إلى الرابعة عشر :-

" اسالوا تعطوا . اطلبوا تجدوا . اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يسال يأخذ . ومن يقرع يفتح له . أم أى إنسان منكم إذا سأله ابنه خبزا يعطيه حجرا .وإن سأله سمكة يعطيه حية . فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري ابوكم الذى في السماوات يهب خيرات للذين يسالونه .فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم بهم . لأن هذا هو الناموس والأنبياء ( فطرة الله التي فطر الله عليها ) . ادخلوا من الباب الضيق ( سبيل الحق الذى أهمله الكثير من الناس )، لأن الباب الواسع والطريق الرحب ( سبيل الذين اتبعوا أهواءهم ) هو الذين يؤدى إلى الهلاك . وكثيرون هم الذين يدخلون منه . ما أضيق الباب وأكرب ( اصعب ) الطريق الذي يؤدي إلى الحياة . وقليلون هم الذين يجدونه ." نسأل الله لنا ولك أن نكون من الذين هدى الله قلوبهم إلى الحقيقة وأنعم عليهم بالهدوء والسكينة في هذه الحياة والفوز والنجاة في الآخرة ووجدوا ( الطريق الذى يؤدى إلى الحياة ) .

 

 

خاتمة

وبعد ......... أيها القارئ الكريم :

فقد قدمنا إليك ما نستطيع قدر طاقتنا ، وبذلنا قصارى جهدنا في أداء النصيحة لك أداء للواجب وغبراء للذمة ، والاختيار لك لأن المصير مصيرك ولا شك أنك حريص أشد الحرص على النجاة أمام الله يوم العرض والحساب ، ونحسب أنك متفق معنا في نه لا يمكن أن نعتمد فى أمر شديد الأهمية والحساسية كهذا على أمور لم نتثبت منها ولم نعرضها على العقل ، ونحن في هذا الصدد لا نطلب منك أن نتنازل عن عقيدتك ، ولكن نطلب منك أن تعرض ما تعتقده على العقل والمنطق وأن تنظر إلى الأمر نظرة موضوعية دون فرض شروط مسبقة أو إبداء عداوة مفتعلة لا اساس لها من الواقع ولا سند لها من الشرع ، فقد أظهر الله الحجة وأبان الدليل وما على الإنسان العاقل إلا أن يعمل عقله الذى ميزه الله تعالى به مسترشدا بهدى الله له وأن يسأل خالقه بإخلاص أن يهديه إلى الصراط المستقيم ، ثم لك بعد ذلك أن تختار ما تشاء وما ترى أنك على استعداد لأن تحاسب عليه أمام الله ،وقد أعذر الله إلى خلقه حين أرسل إليهم الرسل وأنزل معهم الكتب بالبينات لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل . وختاما نسأل الله عز وجل أن ينفعنا وإياك بهذا العمل وأن يجعله خالصا لوجهه وأن ينير به القلوب ويفتح به البصائر وأن يهدى به الباحثين عن الحقيقة إلى الصراط المستقيم وأن يكون مصباح هداية لكل مخلص صادق يريد وجه الله تعالى ورضوانه فى الدنيا وعفوه ومغفرته في الآخرة . والله من وراء القصد وهو سبحانه الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين . وإلى لقاء في إصدار قادم من هذه السلسلة بإذن الله .

 

فهرس                                                                                       رقم الصفحة

1.                إهداء                                                                                    2

2.                مقدمة                                                                                   3

3.                هل كان عيسى إلها ؟                                                                5

4.                الله في العهد القديم                                                                   5

5.                الله في العهد الجديد                                                                  7

6.                تساؤل آخر !                                                                          10

7.                أبناء وبنات الله فى الكتاب المقدس!                                            10

8.                نعم ولكن ؟!!                                                                          11

9.                كيف كانت معجزات عيسى ؟                                                      12

10.          معجزات أخرى وأنبياء آخرون !                                                14

11.          عيسى الإنسان العادي                                                              16

12.          عيسى العبد الصالح                                                                 17

13.          عيسى النبي الرسول                                                                18

14.          لمن كانت رسالة عيسى ؟                                                          20

15.          عيسى في القرآن الكريم                                                            22

16.          وماذا عن النصارى ؟                                                               23

17.          دعوة ونداء                                                                            24

18.          خاتمة                                                                                   25    

 

 

 

 

 
King Saud University. All rights reserved, 2009| CiteSeerx