King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

 

السيمياء والاستعارة في شعر المعارضات

مقاربة سيميائية في تحليل النصوص وعلاقتها بمرجعياتها

الملخــــــص

نشر هذا البحث في مجلة سيميائيات ( مختبر السيميائيات ـ الجزائر)

 

     هذا بحث في استراتيجية العلاقة بين الاستعارة وعلم العلامات في شعر المعارضات، ويهدف البحث إلى مناقشة دور الاستعارة في فهم وتفسير العلاقة بين الرمز/ الأثر في النص التراثي، والعلامة اللغوية في النص الإحيائي؛ لأن البحث في استراتيجية هذه العلاقة، سيكشف عن الحدود المعرفية التي يقف عليها النص، حيث لجأ شعراء المعارضات إلى الاستعارة كنسق معرفي لنقل ما يعرفون من الظواهر الشعرية التراثية، لتشكيل الواقع الشعري الجديد. ويمكننا النظر إلى الاستعارة – ها هنا- ليس بوصفها أسلوبًا بلاغيًّا تقليديًّا يعتمد على التشبيه؛ بل ننظر إليها بوصفها أداة معرفيّة، وبوصفها أيضًا فكرة داخل الخطاب تساعد على كسر دوائر الإدراك الجامد للشعر آنذاك، وإظهار قدرة الفكر الإحيائي على توليد الدلالات المختلفة، ومعنى ذلك أن الاستعارة تعدّ أداة لتطوير المفاهيم، ووسيلة لخلق واقع، وليست لتزيين الواقع كما هو الحال في البلاغة القديمة.

 

     في هذا السياق المعرفي يمكن مساءلة العلاقة بين النص ( المستعار منه)، والنص ( المستعار له)، (أو النمط الثابت/ سينية البحتري، والنمط المتحوِّل/ سينية شوقي)، ومن خلال هذه المساءلة، يمكننا التوصّل إلى: ما الذي حذف؟، وما الذي تبقى؟. وهنا يمكن التعامل مع الاستعارة بوصفها أداة معرفية تكشف عن علاقة ( العلامة) بـ ( الرمز) من ناحية، والعلامة بوصفها أثرًا كتابيًّا يفصح عن الرمز الثقافي وآلية استدعائه، وإحالاته من ناحية أخرى. والرمز يمد العلامة بالدلالة من خلال وجوده فيها، وبالتالي سيكون استحضارنا له من خلال علاقة التناسب بين الدال والمدلول، أو العلة والمعلول بلغة الفلسفة، وهي علاقة تناسب من نوع استعاري، فالعلامة ( الأثر الكتابي داخل النص) تستعير الرمز ( الأثر الثقافي داخل الثقافة) ليؤكدها ويمنحها دلالتها. في هذا السياق، يكون العمل الاستعاري مبررًا، والسؤال الآن، ألا يمكن أن تعدّ هذه العلاقات مجالاً لبناء ثقافي؟ لا سيما إذا ما وضعنا في الاعتبار أن علم السيمياء في اللغة يهتم بدراسة المعاني التي تقف خلف الإشارات والعلامات عبر التواصل اللغوي بين أبناء الجيل الواحد، أو بين الأجيال المتعاقبة داخل ثقافة ما

 

ولهذا سيرتكز اهتمامنا في هذه الورقة على تحديد ماهية العلامة داخل النص المعارِض، ودراسة توظيفها في عملية الاستعارة ونقل الرموز من حقل ثقافي/ نصي، إلى حقل نصي/ كتابي تربط فيه بين الكلمات والأشياء التي ترمز إليها هذه الكلمات من خلال واسطة وهي الاستعارة، فالعلامة تربط بين الدال والمدلول، ولذا فإن تحليل العلامة سوف يكشف عن عمليات تولّد الدلالة وحل الشفرة التي تجمع بين الدال والمدلول، ونحن في هذا السياق بحاجة إلى أمرين: الأول، تحليل العلاقة بين الكلمات والأفكار، والثاني: تحليل العلاقة بين الأفكار والأشياء، فالرمز يمثل الدال، والفكرة تمثل المدلول، والعلامة تمثل عنصر الإحالة بواسطة الاستعارة، وتحليل العلامة يجب أن يضع في أولوياته هذه الأمور. وسوف نفترض سلفًا أن النص المعارِض ينوّع التفاصيل، ويغيّر من معارفه باستمرار ليحرز اختلافًا ما مع المرجع، وتشابهًا ما مقبولاً مع الواقع.

    والبحث الراهن، يختبر فرضية أن هناك بناءً سيميائيًّا يربط بين نصوص المعارضات ومرجعيتها، يهدف إلى التواصل المعرفي عن طريق إدماج النصوص بمرجعيتها، وهذه العملية تؤكد فكرة البناء الاستعاري للنص، بمعنى أن استعارات النص المعارض هي أساس بنائه، مما يجعلنا نتطرق إلى الجوانب التداولية والدلالية في هذه النصوص، ووضع الخطوط العامة للبحث وتوجهاته المعرفية بتحديد مفهوم " الانزياح التداولي" من خلال التمييز بين التواصل الخطابي بين نصين متوازيين مثل نصوص النقائض ( حيث يدخل النص الثاني في سباق معرفي مع النص الأول حتى يتمكن من إزاحة النص الأول والإحلال محله، ثم يتبدل وضع النص الأول بدافع الإزاحة ليدخل في صراع معرفي لإزاحة النص الثاني.. وهكذا تستمر عمليات الإحلال والإزاحة والتداول مستمرة ..)، أو نصين متعارضين مثل نصوص المعارضات، حيث يدخل النص المعارض في علاقة اقتداء بالنص المرجع، وتكون الاستعارة هي وسيلة النص المعارِض لإقامة هذه العلاقة. ويُنظر إلى النص المعارض/ سينية شوقي، بوصفه قرينة لنص البحتري، قرينة التحول في كتابة النص، وتلعب الاستعارة الدور الأساس في لعبة التحول هذه، ولكن، هل يمكن اعتبار هذا التحول قرينة على رفض النص المعارِض لحاضره الشعري، بمعنى رغبته في الانتقال من عالم التجربة الحي إلى عالم التجربة التراثية؟ أم أن نص شوقي يدخلنا في دائرة التقليد؟ بمعنى أن نصوص المعارضات هي مجرد تكرار لنصوصها المرجعية!.

الاستعارة وعلامات المكان:

     نتناول المكان هنا بوصفه واقعة سيميائية؛ لا تتجسد في المحاكاة التقليدية للواقع، بل بوصفه حاملاً لدلالات ثقافية ولغوية مرجعية نسقيّة أحيانًا، وتخيليّة معرفيّة أحيانًا أخرى، ومن ثم يمكن اعتباره عنصرًا مهمًا له قدرته الخاصة على تداعي الأفكار؛ ولذا فإن الوظيفة الشعرية للمكان تعد في جوهرها معرفية جمالية إذا ما بحثنا في علاقتها بالعالم العام الذي أنتجها، والعالم الخاص بخيال الشاعر الذي نظمها، مثال لذلك قول البحتري:

    6 ـ وَاشتِرَائي العِرَاقَ خُطَّةَ غَبْنٍ          بَعْدَ بَيْعِي الشَّامَ بَيْعَةَ وَكْسِ

 

والبنية التركيبية للاستعارة في الشطر الأول، تتألف من ثلاثة أركان: المستعار له، وهو العلامة/ المكان ( العراق) في تجارة البيع و( الشام) في الشراء، المستعار منه وهو السلعة، المستعار وهو عملية البيع أو الاستبدال. فالمكان/ العلامة يتحول إلى سلعة من خلال عملية تجارية خاسرة في الشراء/ العراق، أو البيع/ الشام، وخسارته في الشراء ( خطّة غُبنٍ) تمثلت في الخداع، وخسارته في البيع ( بيعة وكسٍ) تمثلت في التخلّي عن المكان الذي يقيم فيه،    والاستعارة في بيت البحتري تمثل علامة على أن المكان أصبح غير صالح للإقامة، وأن الشعر تورّط في عمليتي الرحيل ( بيعي الشام)، والإقامة ( اشترائي العراق) مع المكان، فالشاعر خسر عندما قرر الرحيل ( البيع)، وخسر أيضًا عندما قرر الإقامة ( الشراء) في بلاد العراق، وهذه الاستعارة تتأسس على فكرة الاستبدال، وهذا النوع من الاستعارات له قدرته الخاصة بعمل قفزات داخل مجال توليد الدلالة، حيث تجعل عملية التأويل الاستعاري على المستوى السيميائي ممتدة ومتشعّبة. وهذه الممارسات الحياتية وطريقة تعبير الشاعر عنها شبيهة بممارسات الشعراء الجاهليين في مقدمات قصائدهم؛ لكنها في قصيدة البحتري تمثِّل خطوة انتقالية في النظر إلى المكان. فالشاعر الجاهلي غالبًا ما كان يستسلم لأفكاره السوداوية من فقدان الأمل في العثور على المحبوبة/ المرأة، فيطوي الصحراء شرقًا وغربًا حزنًا على فراقها، أما البحتري؛ فنراه مستسلمًا للأفكار نفسها من فقدان الأمل في الحصول على المحبوب، وهو الوطن ـ ها هنا ـ ولكن البحتري يبحث عن الوطن البديل من خلال عملية تجارية خاسرة في طرفيها ( البيع/ الشراء). ونظرة البحتري للمكان/ الوطن تحيل على تشكيل مسبق، بواسطته يتحول الوطن إلى سراب ممتد، ذلك أن العالم الذي يعيش فيه لن يمكنه من بلوغ وطنه المنشود، ومن ثم يمكننا القول بأن المكان في نص البحتري يمثِّل عنصرًا مهمًا لتداعي الأفكار،

وإذا ما انتقلنا إلى شوقي لمناقشة علاقة الاستعارة بالعلامة/ المكان في قصيدته، يقول شوقي:

          4 ـ وسَلا مِصْرَ هَلْ سَلا القَلْبُ عنْها          أَو أسَا جُرْحُهُ الزّمَان المُؤسِّي

    البنية التركيبية للاستعارة تتألف في هذا البيت من: مستعار له وهو المكان/ العلامة ( مصر)، مستعار منه وهو الإنسان، المستعار وهو صفة الكلام.

    المكان/ العلامة، يتحول هنا إلى إنسان يتكلّم من خلال عملية حوارية، ترتكز على السؤال الذي يحمل في ظاهرة الاستفهام، ويحمل في دلالته الإجابة بالإثبات، ونلمح حرص الشاعر على تحضّر المكان على طريقته الخاصة، لا ليجعله صالحًا للإقامة فحسب، بل ويجعله مؤهلاً لإقامة الحوار، والفعل "سلا" من الناحية اللغوية، يمكن النظر إليه بوصفه علامة على للفعل " قفا" عند الشعراء الجاهليين، والفرق بينهما أن شوقي يسأل المكان، أما الشاعر القديم فكان يقف على المكان، وهنا يتحول وعي شوقي بالمكان من حلم أسطوري عند الشعر القديم، إلى وعي مركب بالمكان/ الوطن بمعناه الروحي وليس بمعناه الجغرافي، ومن ثم يربط شوقي بين المكان والقلب في علاقة دلالية لغوية تراتبية، والنتيجة  أن الزمان بقدرته الفائقة على النسيان لن يشفي جرح هذا المكان عند الشاعر.

    فالانتقال بالمكان من فلسفة المتاجرة عند البحتري، إلى فلسفة الحوار عند شوقي بواسطة الاستعارات، يفتح أفقًا جديدًا في التفكير بالاستعانة بعلم العلامات ( السيمياء)، كما أن الانتقال بالمكان من الفكر النفعي ( البيع والشراء) عند البحتري والشعراء القدماء لكونه يرتبط بالمحبوبة، إلى فكرة الانتماء عند شوقي، لم يتم بقرار اعتباطي، أو حتى إرادي، وإنما هو تجربة تفكير طويلة استغرقت زمنًا تاريخيًّا تعادل الفترة الزمنية التي تفصل بين هذه النصوص، فالمكان ليس له معنى خاص في كل السياقات، وإنما يكتسب معناه الخاص من النظرة الفلسفية أو الايديولوجية للشاعر نفسه لهذا المكان، وعلى هذا لا يمكن النظر إليه بوصفه جزءَا من الطبيعة الجغرافية تكوّن معناه من مجموعة العلامات فحسب، بل بوصفه موضوعًا تتناوله الذات الشاعرة وفق إرادتها وطلبها للمعنى، والتحليل السيميائي، يبحث في نظام العلاقات بين الكلمة والعالم وذات الشاعر التي تقرأ هذا العالم من حيث هو علامات تشكّلها وترسلها الذات/ الشاعر، وهذه العلاقات ستكون متحرّكة ومتغيّرة بحكم صيرورة المكان ذاته، متجددة ومتصارعة بفعل استعارات الشاعر التي تمنح المكان قيمته الحقيقية دخل سياق النص.

الاستعارة وعلامات الزمن:

    نتناول مفردات الزمن هنا بوصفها عنصرًا أساسيًّا في شبكة العلاقات اللغوية التي تفتح الزمن على الأزمنة المتحرّكة في الثقافة، والتطورات المعرفية التي تطرأ على الزمن في النصين المرجعي والمعارض، على افتراض أنه إذا كان النص المرجعي يمتلك القدرة على المعالجة المعرفية والثقافية للزمن؛ فإن النص المعارض يشتمل على تأسيس معرفي يرتكز على معانٍ مختزنة لعناصر ايديولوجية سابقة، وعناصر معرفية جديدة. ويكاد ينحصر المستعار له في هذا النوع من الاستعارات في قصيدة البحتري في ألفاظ ثلاثة مفردات، هي: الدهر (21)، الليالي ( 22)، الأيام (23).

يقول البحتري:

     2   ـ وَتَمَاسَكْتُ حِينَ زَعْزَعَني الدَّهْرُ          الْتِمَاسًـا مِنْهُ لِتَعْسِي وَنَكْسي

     18 ـ نَقَل الدّهْرُ عَهْدهُنَّ عَن الجِدَّةِ           حَتى رَجَعْـنَ أَنْضَاءَ لُبْــسِ

     39 ـ فَهو يُبْدِي تَجَلّدًا وَعَلَيْــهِ           كَلْكَلٌ مِنَ كَلاكِلِ الدّهْر مُرْسِي

    مفردة الدهر في الأبيات الثلاثة علامة تحيلنا على معنى القوة، والقوة هنا تنطوي على معنى سلبي، لأن الدهر بقوته يحول دون تحقيق هدف الشاعر، فهو علامة على التعس والنكس في البيت/1، وعلامة على التراجع، وقدرته على تبدّل حال الشاعر إلى الأسوأ في البيت/2، وعلامة على العبء الثقيل في البيت/3  والسؤال الآن: لماذا حرص الشاعر على هذا النوع من الاستعارات للدهر حتى بدا لنا كقوة سلبية تحول دون تحقيق هدف الشاعر، فالدهر يتميز بصفة واضحة وهي الدوام والاستمرارية، على عكس الأيام والليالي مثلاً وهنا تبدو أهمية الإحالات، فالبحتري يعمد في إشارته اللغوية ( الدهر) إلى ماهو خارج اللغة ( القوة بمعناها السلبي) أي القوة التي يمتلكها هذا الشيء الآخر، ويفتقدها الشاعر نفسه لأنه إذا كانت لدينا تجربة نريد نقلها إلى اللغة؛ " فإن اللغة لا تتجه نحو معنى مثالي، بل تحيل كذلك إلى ما يوجد في الخارج... فلو لم تكن اللغة تحيل بعمق إلى الخارج، فهل ستكون ذات معنى؟ كيف يمكننا أن نعرف أن العلامة تمثّل شيئًا ما، إذا لم تكتسب توجهها نحو الشيء الذي تمثله من استعمالها في الخطاب"(25). وهذا يجعلنا نتساءل: هل ينبغي مراجعة ما نعرفه عن الدهر؟ وهل يقف الدهر حقًا حائلاً بين الإنسان وطموحاته وأحلامه؟ متى يحل الإنسان لغز الدهر؟ لماذا حرص الشاعر في هذا السياق بالتحديد على إبراز قوة الدهر السلبية وليس الإيجابية؟. الإجابة عن هذه التساؤلات غير موجودة في الأبيات، ولكن الاستعارة تحيل عليها، لأن الاستعارة تفتح الفكر لاستيعاب كافة الإجابات، والاحتمالات، والإحالات.ويتجلى أهمية الدور السيميائي لهذا النوع من الاستعارات في دراسة الصيغ المختلفة التي تربط التعبير اللغوي بالمعنى داخل سياق النص من خلال إحالته إلى العالم الخارجي، أي إلى القوة الإبيستمولوجية لهذه العلامات الاستدلالية.

مثال لشوقي شوقي:

     1 ـ لَعِبَ الدّهْرُ في ثَراهُ صَبِــيًّا           واللّيالي كَوَاعِبًا غَيْرَ عُنْـــسِ

     2 ـ فَتْرَةُ الدّهْرِ قَد كَسَت سَطْريها          ما اكْتِسِى الهُدْبُ مِن فُتُورٍ وَنَعْسِ

     3 ـ وِيْحِها كَمْ تَزَيّنَتْ لِعَلِيــمٍ           واحد الدّهْرِ واسْتَعَدّت لِخَمْـسِ

    الدهر في الأبيات الثلاثة علامة تحيلنا على معانٍ جدليّة بين التقليد والثورة، أو النص والمرجع، فبطريقة ما يتغذّى النص المعارض من مرجعه، ولكن ما نكتشفه من تجربة النص المعارض يمكن أن يغيّر النص المعارض حقائق ثابتة وراسخة في الثقافة العامة بين النصين، فالنص المعارض يستخدم علامات تدل على رموز قديمة مسندًا إليها معنى جديدًا، أو علامات جديدة مليئة بمعان تقليدية قديمة كما سوف نرى.

 

    فالدهر في الأبيات الثلاثة علامة تكسب الطبيعة ( أبو الهول ورمال الصحراء في البيت/ 1، والجامع الأموي في البيتين/ 2، 3 بُعدًا زمنيًّا، وتشير هذه العلامة إلى التجاذب بين التجديد الثوري أو الإحياء ـ حسب ما شائع ومعروف ـ واحترام السنن والتقاليد الشعرية لأنموذج القصيدة العربية الكلاسيكية، ممثلة في تجربة شوقي المرتبطة بتجربة البحتري، وهي تجربة يمكن وصفها بـ " المتجاوزة" إذا جاز التعبير، لأن الرؤى داخل نص شوقي تبدو ـ شكليًّا ـ مصنوعة من المرجع/ نص البحتري، وتجسِّد في بنيتها الشكلية تجربة المرجع، ولذا فهي تشعر القارئ دائمًا بما هو مرجعي وتقليدي، ولذا عمد شوقي إلى تجاوز المرجع بإنشاء الرموز وترجمتها إلى علامات أثبتت قدرتها على استيعابها للرمز بأن حوّلت العنصر الحيوي في الاستعارة ( الدهر) من قوة تحول دون تحقيق البحتري هدفه في النص المرجع، إلى علامة تضفي على الطبيعة تحضّرًا/ أبو الهول، وتضفي على الأثر الإسلامي تعظيمًا وتقديسًا/ الجامع الأموي ( فترة الدهر قد كست سطريها: أي صفيها) ، ( ويحها كم ... أي كم تزينت لعالمٍ ولإقامة الصلوات الخمس).

    إن مصطلح " الدهر" هو رمز طبيعي للزمن، تحوّل في نص البحتري إلى علامة على القوة السلبية، وتحوّل في نص شوقي بحساسية سيميائية شديدة إلى عنصر يضفي على الطبيعة تحضّرًا، وعلى الأثر الإسلامي فخامة وتقديسًا؛ لأن المعنى لا يكمن في قيمة الرمز فحسب، بل فيما تحيل عليه العلامة، لأنه من المؤكد أن معنى الدهر في الأبيات الثلاثة ليس سلسلة من الإشكاليات الزمانية حول تاريخ ما، أو مكان ما، بل سلسلة لا يمكن التحكُّم فيها من التداعيات الذهنية والعقلية والدينية، يسقطها كل عالم بقيمة أبي الهول والجامع الأموي الثقافية والدينية. بعبارة أخرى؛ فإن العلامة اللغوية داخل سياقها، هي التي تنظم هذه التداعيات وتؤطّرها.

 

 

 

 

ملخص بحث

استراتيجيات القراءة في النقد الثقافي  

نحو وعي نقدي بقراءة ثقافية للنص

                                                                                                                 

نشر هذا البحث في مجلة عالم الفكر ( الكويت 2007)

 

  • كيف يمكن استكشاف تطوّر مستويات القراءة لنصّ أدبي معين من المستوى الأدبي إلى المستوى الثقافي؟
  • إلى أي حدٍّ يمكن تفسير تأرجح مستويات القراءة حول نصّ أدبي من القراءة الأدبيّة إلى القراءة الثقافيّة من خلال توقعات القارئ؟
  • هل يمكن رصد البُعد الثقافي في القراءة الأدبيّة؟. وهل يمكن رصد البُعد النقدي في القراءة الثقافيّة؟
  • ما القراءة الأدبيّة لنص أدبي؟. وما القراءة الثقافيّة للنص نفسه؟

 

   ثمة تساؤلات ينطلق منها البحث الراهن - في جانبه النظري- لفحص توجهات النقد الثقافي ومنطلقاته الفكرية لقراءة النص، وذلك من أجل إيضاح علاقة الثقافي بالجمالي في الخطاب النقدي، بالإضافة إلى اختبار الفرضية الآتية: إلى أي مدى يمكن أن تعي القراءة الأدبيّة الأبعاد الثقافيّة للنص، وإلى أي مدى يمكن أن تعي القراءة الثقافيّة الجوانب الجمالية للنص؟

 

    هذا المنطلق المعرفي، يُحتّم إيضاح ثلاثة عناصر أساسية يتضمنهما عنوان البحث:

 العنصر الأول، هو" استراتيجيات القراءةوأقصد بها جملة من الإجراءات والنظم الإبستمولوجية التي يمارس من خلالها القارئ فاعليته في الكشف عن سؤال " المعرفي" و" الثقافي" داخل النص المقروء، وهي تعدّ عملية معقّدة تتطلب وعياً ثقافياً، ومرجعياً، لدى القارئ الناقد، حتى يتمكن من تحديد الصلات بين مختلف العناصر التي يتكون منها الرصيد الثقافي للنص، الذي يتضمن وعي المبدع نفسه بالأسس الجمالية، والذي يتداخل - أيضاً- في أثناء ممارسة فعل القراءة مع الرصيد المعرفي للقارئ الناقد، لإنتاج الخطاب النقدي حول النص الذي لا تُستنفد قراءته ومعارفه. هذه الممارسات النقدية تكشف عن نقاط التقاطع، والتداخل، والإحالة، بين الثقافي والجمالي من جهة، وعن أهمية النص بوصفه وسيطاً بين الأنساق الثقافيّة السائدة وفكر المبدع من جهة ثانية. وعن وعي المبدع بوصفه وسيطاً بين الثقافة والنصّ من جهة ثالثة. من هنا تأتي القراءة الثقافيّة بوصفها كشفاً عن هذا الكم المتراكم من العلاقات والمعارف الثقافيّة والجمالية للنص الأدبي.

 

    العنصر الثاني، هو " القراءة الثقافيّة "، وأقصد به القراءة التي تفسر النص في ضوء الثقافة التي أنتجته. وهي قراءة تكشف عن منطق الفكر داخل النص، بدلاً من ادعاءات المؤلف. وهذه القراءة تسعى إلى رصد التفاعل بين مرجعية النص الثقافيّة، والوعي الفردي للمبدع، فتنطلق من الخلفية الثقافيّة للنص، مروراً بتأويل مقاصد المبدع ووعيه، وانتهاءً بدور القارئ الناقد حيث ينفتح المجال أمامه لتأويل العلاقة بين دور المفهوم دلالياً وجمالياً داخل النص، ودوره الاجتماعي في الثقافة، وإبراز قيمته الإنسانية في تشكيل الخطاب النقدي الثقافي، ولهذا فإن القراءة الثقافيّة، هي قراءة تواصلية تتطلب وعياً بالمنجز الثقافي، لأنها تعاين النص من منظور ثقافي متحرّك ( ذلك أن النص يحفل بالفجوات والفراغات والإشكاليات الفكرية، ينبغي على القارئ أن يحلها ويفككها، ويملأ فراغاتها على النحو الذي يؤدي إلى معرفة جديدة وغير تقليدية)، وليس من منظور جمالي يُفترض أنه ثابت، ويخضع لضوابط وممارسات محددة.

   فالقارئ الناقد - ها هنا- لا يستسلم لجاذبية جمال النص، كما يُفترض كذلك عدم انصياعه لأوامر النسق الثقافي، وذلك لأن جل اهتمامه سوف يدور حول دراسة الحقائق السوسيولوجية بمستوياتها المكوّنة لها، والكشف عن الأفق المتحرّك للثقافة داخل النص. ولهذا فإن القراءة الثقافيّة تفتح النص على معارف مختلفة ومتنوعة، وتفسّره في إطار علاقته بغيره من الأجناس الثقافيّة والعلوم المختلفة، ولا تكتفي بتفسيره في حدود نفسه، وذلك عن طريق مقارنات، ومقاربات، ومراجعات، لمعارف شمولية متعددة تستوعب الجمالي والثقافي بوصفها شرطاً أساسياً لاستراتيجياتها في الكشف عن الرصيد الثقافي للنص الأدبي.

 

     القراءة الثقافيّة للنص الأدبي، ترتكز بالدرجة الأولى على الوعي الثقافي للقارئ، الذي يمكّنه من تحليل الأنظمة الثقافيّة التي أُبدع فيها النص، ويُنظر إلى الوعي على أنه مرحلة تعبّر عن منطقة النضج في نمو الفكر الإنساني، وهو وعي على صعيد الأنظمة الاجتماعية وناتجها الخطابي، والثقافة التي تستوعبها هذه الأنظمة، أي مجموع الخبرات والمعارف والاعتقادات والممارسات، وبشكل عام، المنتجات النظرية الإنسانية وعلاقتها بالنظام الاجتماعي الذي أفرزها.

    ففي البداية كانت المرحلة الأولى للوعي النقدي تنحصر في معرفة المعنى اللغوي، وما يقصده الشاعر، ثم تلت هذه المرحلة مرحلة أخرى، تطوّر الوعي فيها ليشمل معرفة الجمالي، ثم مرحلة البحث في طريقة نظم العمل الأدبي. هذه المراحل أنتجت وعياً نقدياً تراكمت داخله المعارف المختلفة جيلاً بعد جيل إلى أن أنتج نظريات القراءة الحديثة. والقراء الثقافيّة يقرأ فيها القارئ ما لم يُقرأ من قبل ضمن استراتيجية واعية بالخطاب في كونه معبّراً عن ذات لها خصوصيتها، وبالثقافة في كونها تعبير عن وعي جمعي له قوته المتمثلة في أنساق الثقافة، بالإضافة إلى الوعي النظري، الذي يساعد القارئ على عدم الوقوع في أسر التكرار باكتشاف تنويعات الخطاب واتساعه والتعديلات التي أدخلت عليه.

 

   أما العنصر الثالث، فهو " القراءة الأدبيّة/ الجمالية "، وأقصد به القراءة التي تحبس نفسها في أبعاد أدبية جمالية صرف، لا تذهب خارج النص وتفسّره في حدّ ذاته، فتُغلق النص على جملة من الضوابط والمعايير النقدية الجمالية، يهتم فيها القارئ - غالباً- بقراءة الأسس الجمالية للنص الأدبي، لأنها في النهاية تسعى إلى الكشف عن الرصيد الجمالي للنص الأدبي، وأدبية الأدب، أو شعرية الشعر.

 

   أما الجانب التطبيقي للبحث، فسوف يجيب عن أسئلة البحث وفروضه المطروحة من خلال إقامة حوار فكري مع قراءتين مختلفتين، لنص أدبي محدد هو " معلّقة امرئ القيس " الشهيرة، الأولى، لسوزان ستيتكيفيتش، والثانية، لكمال أبي ديب. ويطمح البحث في هذا الجزء التطبيقي إلى اكتشاف ما يمكن أن يكون تطوّرًا لقراءة نص محدد من خلال القراءة الأدبيّة، كما يهدف البحث إلى ملاحظة البُعد الثقافي في هاتين القراءتين، ورصد إمكانية تطوّر القراءة من نظرية إلى نظرية أخرى مغايرة.

 

 

 

 

 

 

 

ملخــــــــــــــص بحث

إشكالية المنهج في الدراسات النقدية الحديثة

( نشر هذا البحث ضمن أعمال مؤتمر النقد الأدبي الأول 2006 جامعة الإسكندرية)

 

     يقول سارتر: " إن ما يجعل من فرد ما مثقفًا هو قدرته على تجاوز الحقل الضيّق لاختصاصه". وعلى هذا، فإن المثقف لا يتحدد ببراعته في اختصاص ما، بل بالقدرة على تجاوز مشكلات التخصص، بطرح إشكاليات جديدة في مجال التخصص، أو بإثارة التساؤلات حول علاقة التخصص بالتخصصات الأخرى. ومن ثَمّ قد يأتي المثقف بأفكار تكدِّر رضا المحافظين، والمدافعين عن التقاليد.

     تهدف هذه المحاولة إلى مناقشة طرح من أهم الطروحات التي تشغل الفكر النقدي الحديث: موضوع إشكالية المنهج وتطبيقاته في الدرس النقدي، ولمّا كان عدد كبير من الدراسات النقدية والطروحات العلمية تدّعي المنهجية في التعامل مع الإشكالية مجال الدراسة، دون وعي أصحابها بدور النصوص في تطوّر أفكار المنهج - حيث تتبنى معظم هذه الدراسات نسقًا شكليًّا معينًا تظن معه بممارساتها أنها بلغت حدّ المنهجية -؛ فإن النتيجة هي وجود حالة من الضبابية الفكرية – إذا جاز التعبير- يتم فيها تسطيح الأفكار والانحراف بالإشكاليات بقصد أو بدون قصد إلى عالم من سوء الفهم الذي يؤدي إلى صعوبة فهم الموضوع. ولأننا نتصوّر أن التفكير بالمنهج للوصول إلى الفكر المنهجي في الدراسات النقدية العربية، يتطلّب جهودًا بحثية جماعية مركبة يتم فيها الاهتمام بالفكر وزيادة الوعي بإشكالياته، كما يتم فيها الاهتمام بالممارسة الأكاديمية التي يفترض أنها تترجم بشكل أو بآخر الفكر المنهجي السائد؛ فإن محاولتنا الراهنة تطمح إلى معالجة الإشكالية في إطارها المعرفي العام، وفي سياقها الأدبي الخاص، لمساءلة التطور المعرفي الذي طرأ على المناهج النقدية العربية من خلال تتبع الطروحات النقدية لـ ( طه حسين، ومصطفى ناصف) حول الأدب الجاهلي، لمعرفة ما إذا كانت هذه الطروحات قد تعاملت مع الأدب القديم وفقًا للتصورات النقدية السائدة والمهيمنة على النقاد في هذه المرحلة، أم أنها جاءت لتكسير المعايير النقدية السائدة بطرح بدائل نقدية مغايرة ساهمت في تطور الاستخدام المنهجي في الدراسات العربية.

    وتنطلق الدراسة الراهنة من الأسئلة المنهجية التالية:

·       كيف يمكننا رصد الحد الفاصل بين فكرة الناقد عن المادة المستخدَمة، والمنهج المُتبع في دراسة هذه المادة؟

·       ما طبيعة العلاقة التي تربط منهج ما بالمادة المستخدَمة؟ وكيف يمكننا رصد تطور المنهج من خلال تطبيقاته على النصوص؟

·       ما دور الآخر في التأسيس المعرفي للمنهج في الدراسات النقدية العربية؟

·        إلى أي مدى، وبأي طريقة يمكن للاختلاف أن يكون فاعلاً في التأسيس المعرفي للمنهج في الثقافة العربية؟

·       هل للايديولوجية العربية سلطة على المنهج؟

    نريد في ضوء الإجابة عن الأسئلة السابقة مناقشة فكرة ( تطوّر المنهج)، وهي عملية ابستمولوجية مهمة تتعلق بطريقة التفكير في إجراء توظيف المنهج والنتائج المعرفية لهذا التوظيف؛ لأن الغاية من هذه الممارسة، غاية ابستمولوجية صرف، يتم فيها مقاربة النصوص بالمناهج لنتمكن ـ في مجال النقد الأدبي ـ  من مراجعة طرق استخدامنا للمناهج، وهذه الممارسة تفترض وعيًا مركبًا، وعيًا بالخلفيات الإبستمولوجية والايديولوجية للمنهج، ووعيًا بالنصوص مجال الدراسة.

    كما تهدف الدراسة إلى رصد الإشكاليات الناجمة عن تطبيق منهج بعينه، مرورًا بالكشف عن الارتباك النقدي والقلق الفكري الذي يشعر به التقليديون عند ظهور منهج جديد أو مغاير، وانتهاءً بمعرفة ما إذا كان تطبيق هذه المناهج على النصوص يرتكز على تصوّرات ذهنية مسبقة، أم يرتكز على ما تطرحه النصوص من أفكار. وتناقش الدراسة ـ في إطارها النظري ـ عوائق المنهج في فكرنا النقدي العربي، ومبرر هذا الاختيار في البحث يعود لقناعتنا بوجود حواجز ايديولوجية، ومعرفية، وأكاديمية،.. تحول بيننا وبين استيعاب أكثر إيجابية للمناهج، ولعلنا نوفق في إبراز هذه العوائق، وتقديم اقتراحات تسهم في تجاوزها، وتحدّ من تأثيرها السلبي على العقل. فمثل هذه الممارسات تعمل على إعادة تدوير المنهج بمحاور جديدة لفتح الآفاق أمام الفكر النقدي العربي لإيجاد مفاتيح فكرية ـ غير المفاتيح التقليدية التي ألفها الذوق العربي ـ في التعامل مع النصوص الأدبية، لا سيما نصوص الشعر العربي القديم، التي تتسم بثبات من حيث الشكل، لكنها تتميّز بسياقات ثقافية ودلالية منفتحة على مجالات معرفية متنوّعة ومرنة، ولا تخضع للمرجعية اللغوية المعجمية فقط، ولهذا من الخطأ الظن بأن هناك منهجًا معينًا يصلح لدراسة نص دون غيره، لأن النص متعدد الدرجات التعبيرية، كما أنه متعدد المستويات اللغوية.

وتعتمد الدراسة بشكل أساسي على نموذجين من النقاد:

 الأول: طه حسين، وطروحاته المنهجية والنقدية في كتاب ( في الشعر الجاهلي) لرصد دور الآخر في التأسيس المعرفي للمنهج في الدراسات العربية، وكتاب ( في الأدب الجاهلي) لإدراك خطورة السلطة الايديولوجية على المنهج.

     الثاني: مصطفى ناصف، وطروحاته المنهجية والنقدية في كتاب ( قراءة ثانية لشعرنا القديم) لرصد فاعلية التعدد المنهجي في قراءة النص.

    لقد استوعب طه حسين المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت في البحث عن حقائق الأشياء، واستخدمه في قراءة الأدب العربي القديم، فتغذّت أفكاره على أفكار ديكارت، فجاء بأفكار هزّت الأفكار المسبقة عن الأدب العربي هزًا عميقًا، لا سيما فيما يتعلّق بقضية الانتحال في الشعر الجاهلي، وكان يجب على طه حسين الشروع في صنع المفاهيم المستخدَمة في هذا المنهج وإبداعها، لكنه اكتفى بالمعرفة عن طريق المنهج، والفرق كبير بين المعرفة عن طريق المنهج، والمعرفة عن طريق تصحيح المفاهيم داخل المنهج ( أي بناء المنهج داخل تجربته في قراءة الأدب العربي القديم)، لأن انتقال المنهج من حقل معرفي / الفلسفة، إلى حقل معرفي آخر / الأدب، يتطلّب بناءً آخر للمنهج، صحيح أن المفاهيم المستخدَمة في البحث لا تتوقف عن التغيير، لأنها تعمل بواسطة مفاهيم إبستمولوجية، لكن المفهوم يتحدد تبعًا لسياق الثقافة المستخدَم فيها. إن انفراد منهج ما بإبداع مفاهيم جديدة يضمن له وظيفته المعرفية، دون أن تمنحه هذه الوظيفة أفضلية أو امتياز على غيره من المناهج الأخرى ما دامت هناك طرق أخرى في التفكير والإبداع، فقيمة منهج ديكارت في الفلسفة تكمن في مفهوم " الشك" وسياقه المعرفي في الثقافة اليونانية، وطريقة استدعاء طه حسين لهذا المنهج بنفس المفهوم، أحدثت صدمة للعقل العربي الذي اعتاد على اليقين الديني/ المعرفي / الأدبي.

 

     وسبب هذه الصدمة يعود إلى أن مفهوم " الشك" الذي انتقل من سياقه الفلسفي الغربي لينضم إلى سياق ثقافي آخر يحمل جملة من المفاهيم لا تسمح له بالتعايش معها، لأنه مفهوم " غيري" تتعامل معه الثقافة كآخر، فالفكر النقدي العربي في هذه الأثناء كان يؤمن في معظم الأحيان، بأثر العامل الذاتي المحض في تكوين الطابع الفكري عند المبدع، متغافلاً عن أثر العوامل المعرفية والثقافية التي هي الأصل في توجيه الفكر.

     إنه لمن العبث التساؤل فيما إذا كان طه حسين على خطأ أو صواب، لا يمكن تقويم تجربة طه حسين إلا تبعًا للإشكاليات التي يطرحها حول الأدب والشعر الجاهليين. إن التصوّرات النقدية العربية عن الأدب الجاهلي تمكنت من إعداد مفهوم ذاتي ما عن الأدب دون تشكيله، وإذا كان من الممكن استبدال مفاهيم بمفاهيم أخرى داخل المنهج، فذلك يجب أن يتم بشروط المشكلات الجديدة، وينبغي على المفاهيم الجديدة أن تكون على علاقة بالإشكاليات الجوهرية في ثقافتنا، ومع تاريخنا ومرجعيتنا الفكرية. ولكن ألا يحق لنا الاعتراف بأن مفاهيم الآخر يمكن أن تستعيد فعاليتها عبر مشكلاتنا، وأن تلهمنا هذه المفاهيم طرقًا جديدة في التفكير؟. لأنه، ماذا يمكن أن يفيد المنهج إذا لم يتم التعبير عن الإشكاليات المعرفية في الفكر من خلاله؟ وإذا تم التعبير عنها فلن يتعلق الأمر إلا بالقبول أو الرفض، أو بإبداع مفاهيم غير قابلة للنقاش. هنا يأتي التواصل مع الآخر، ويأتي النقاش كضرورة لتطوّر الفكر.

 

     المنهج إذًا، لم يعد نشاطًا فكريًا يهدف إلى الوصول لنتيجة حقيقية فحسب، بل أصبح استراتيجية فكرية ومعرفية لفهم الأشياء، ونقد الأفكار، واكتشافًا لحقائق ظلّت مجهولة آمادًا طويلة، من خلال ممارسة موضوعية تملأ الفراغ الذي خلفته الممارسات السابقة. وعلى هذا فأعتقد أن إشكالية المنهج في الدرس النقدي العربي، لا تكمن في آلية تمثّل موضوعات الأدب، ولا في عدم القدرة على طرح أفكار غير موجودة، بل تكمن في مجموع الممارسات النقدية حول النص، والتي دخلت بالناقد العربي شيئًا فشيئًا في ثنائيات ( الجيد/ الرديء ـ الذاتي/ الموضوعي ـ القديم/ الجديد)، وأضحت هذه الثنائيات موضوعًا للفكر، بالإضافة إلى ثنائيات الفصل التقليدية التي ألفها الفكر النقدي العربي منذ القدم وهي: الفصل بين اللفظ والمعنى، والفصل بين الشكل والمضمون، بدلاً من محاولة إقامة علاقة جدلية متحرِّكة بين اللفظ والمعنى، ليظهر المضمون شكله، ويكون الشكل مظهرًا لمضمونه. ولهذا يتوصّل الباحث في معنى النص، إلى مجموع القواعد التي يحكم بها على أن هذا النص جيد أم غير جيد، بدلاً من أن يعي بهذه القوانين القضايا الحقيقية، والإشكاليات المعرفية في النص.

      ولا يفوتنا – في هذا السياق- طرح إشكالية الصراع بين النزعة التقليدية، والنزعة العقلانية في استخدام المنهج، هذه الإشكالية، تؤكد فكرة الإكراهات الايديولوجية، وتجعل العقل النقدي العربي مجيّشًا من أجل إنجاز مهمة فكرية متنازع عليها بين فريقين، تتمثل في الفصل بين التقليدي والجديد، وصعوبة هذه المهمة تتمثل في أن طرق الوصول إلى المعرفة ترتبط بالعصبية، والمذهبية. إن التقليديين في هذا السياق كالمحدثين تمامًا، كلاهما يبحث بمنهج، والهدف هو الوصول إلى المعرفة، ولكن الإشكالية ترتبط بهيمنة الأب التقليدي على الابن المتمرّد.

     كما تلوح في الأفق النقدي إشكالية أخرى لا تقل أهمية عن إشكالية الصراع السابقة، وهذه الإشكالية تتعلّق بالفكر المنهجي الحديث، فالملاحظ أن غالبية هذا الفكر ينطلق دائمًا من إدانة الفكر القديم ومناهجه، وإظهار نواقصه وعدم أهليته للبحث، وإغفال دوره التاريخي في تطوّر الوعي بالمنهج، ينشغل بهذه الإدانات متغافلاً عن دوره في تأسيس أنظمة معرفية تهدف إلى وصل المنطلقات بالنتائج، لأن المنطلقات المنطقية تؤدي بالضرورة إلى نتائج منطقية، والعكس، فيرتمون في أحضان الفكر المنهجي العصبي الذي لا يختلف كثيرًا عن الفكر المنهجي التقليدي، وفي مثل هذه الممارسات تتكرس المعلومات، والمعطيات، ويتلاعب بها لغايات ايديولوجية، أو عصبية. إن القبض على حقيقة الفكر المنهجي في النقد العربي، يتم في إطار التفريق بين المعرفة، وادّعاء المعرفة، الأولى تساعد في الوصل إلى الحقيقة، أما الثانية فليست سوى تزيين للواقع الفكري.

 

    مهما يكن فإن الفكر المنهجي يبقى خاضعًا لنمطين من التحوّل يؤثّران فيه إيجابًا وسلبًا:

النمط الأول: التحوّل الذي يطرأ على الفكر بإدخال عناصر أخرى غير مألوفة، تتفاعل مع العناصر المألوفة لإنتاج عناصر فكرية جديدة قادرة على التعامل مع المستجدات الفكرية، لأن المنهج هو نتاج لواقع فكري ومعرفي، وله دور بارز في تغيير هذا الواقع إلى الأفضل، هو نتاج لأنه يتغذى على الايديولوجيا، والدين، والمعرفة، والثقافة..، وله دوره في التغيير لأنه يُخضع الفكر لقوانينه.

النمط الثاني: الوعي بالذات، ودوره في مراجعة المرجعية الفكرية، وقراءة أسباب الاتصال، والانقطاع بين القديم والجديد، بين الايديولوجيا والمعرفة، بين الأنا والآخر، والأمر هنا يتعلّق بالبحث في البنية العميقة للمعرفة الذاتية، أي علاقة الذات بالفكر والمنهج، هل هي علاقة أبوية ذاتية أم موضوعية؟.

     النمط الأول، يؤكد حقيقة التغيير في الفكر بتلاقح الفكر مع الأفكار الأخرى، وهذا ما حصل مثلاً لعلم البلاغة مع عبد القاهر الجرجاني، وعلم الفلسفة مع المعتزلة، والنقد العربي الحديث مع البنيوية، والأسلوبية، والتفكيكية، وإن كانت الأخيرة لم تؤدِ الفائدة المرجوّة منها في الفكر العربي حتى الآن!

     أما النمط الثاني، فيعرض للهوّة الشاسعة بين المعرفة والمنهج، وادّعاء المنهجية، وتهدف هذه الحالة إلى مساءلة العلاقة التي تربط المعرفة بالمنهج، للتمييز بين ما هو نسقي، وماهو منهجي، لأن النسق يوهم ضحاياه بمنهجيته، دون قدرة ضحاياه على مساءلته؛ لأنهم غير واعين بحيله وتقنّعاته

 

( في الشعر الجاهلي/ في الأدب الجاهلي) لطه حسين

                       (من قراءة الأخبار إلى مساءلة الأفكار)

يبني طه حسين حقلاً معرفيًا للتفكير المنهجي ذا مبادئ ثلاثة تشكّل المجال المعرفي للفكر المنهجي: الثقافة، الوعي، التأسيس، هذه المجالات تنقل الفكر من موقع التقليد والثبات والجمود، إلى مواقع حركية متغيّرة، حيث تغدو انتقالات المعارف وتطوّرها واتساع أفقها بمثابة القوة الدافعة للتغيير والتطور التي تمنح الفكر كينونته وتجلياته، وتمكِّن الفكر من مراجعة تصوّراته عن نفسه،

فطرح تساؤلات مهمة حول ماهية الشعر الجاهلي: " أهناك شعر جاهلي؟ فإن كان هناك شعر جاهلي فما السبيل إلى معرفته؟ وما هو؟ وما مقداره؟ وبم يمتاز من غيره؟".

 

    تخترق هذه الأسئلة حاجز المعرفة التقليدية عن الشعر الجاهلي، كاشفة عن فضاءات معرفية جديدة حوله، تبدأ بالشكّ حول حقيقة وجود الشعر الجاهلي، للفصل بين التصوّر المعرفي القديم عن الشعر، والمعرفة الجديدة التي تقوم على البرهان والدليل، لا عن التصوّر والنقل، ثم يعيد –في السؤال الثاني- تأسيس المعرفة الجديدة على أسس علمية وموضوعية تهتم بالسبل – أي المناهج- الموضوعية للوصول إلى حقيقته عن السؤال الثالث الخاص بالماهيّة، والرابع الخاص بالكمّ، والخامس الخاص بالاختلاف والتميّز.

   إن هذا التوجّه في قراءة الظاهرة الأدبية لا ينحصر ـ بطبيعة الحال ـ في تلك المناقشات التي تدور في فلك التوجهات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التقليدية، بل تتجاوزها لتشتمل على ما يطرحه المفكرون في مجال علوم الفلسفة التي تجعل من السؤال مدخلاً لفهم الظاهرة، لأن هذا المجال يمتلك القدرة على تغيير طرق البحث، وتجدد المناهج بما يحوِّل المشكلات القديمة والموروثة إلى إشكاليات معرفية ترتبط باكتشافات فكرية فلسفية طوّرت من مدخلاتنا لفهم الأدب العربي ودراسته. وكان لزامًا على طه حسين أن ينزع إلى مبدأ المقارنة المنهجية بين نمطين من العقل في التعامل مع الشعر الجاهلي: العقل التقليدي، والعقل الجديد، ولكن طه حسين وقع في مأزق التفضيل، فالمتأمل في اقتباسات طه حسين، يدرك تفضيله المعرفة الحديث في قراءة الأدب عن المعرفة القديمة، وكان ينبغي عليه أن يبرز ما يتسم به كل عقل من المواقف، والمبادئ، والمداخل وطرق الاستدلال في التعامل النقدي مع الشعر الجاهلي.

 

( قراءة ثانية لشعرنا القديم)  لناصف

      ( تعدد المناهج كممارسة منهجية لقراءة النص)

    يتأسس المنهج عند مصطفى ناصف على خلفيات معرفية مختلفة، متداخلة ومعقدّة، يصعب على القارئ تحديد منهجه بسهولة على الرغم من اتفاق معظم الباحثين على تبنيه المنهج التأويلي في توجهاته النقدية، ربما لأنه يتبنى نسقًا منهجيًّا يحل فيه النظام التعددي محل المنهج نفسه، وهنا تكمن صعوبة فهم منهج ناصف، وما يؤكد زعمي هذا قوله: " إننا في حاجة إلى أن نرى بعيون كثيرة ونسمع بآذان كثيرة فذلك هو الذي يحمي الحياة من التثبيت الذي يلاحظه النفسيون حينما تتسلط علينا مجموعة من الأفكار". وقوله أيضًا في سياق آخر: " المناهج الشكلية لها وجاهتها أو نظامها أو تشبهها بالعلم. لكن اهتمامي الأكبر في كثير من كتاباتي كان أقرب إلى خلق حوار بيني وبين القارئ، المناهج الشكلية لا تحاور ولكنها تقرر... المناهج الشكلية تختصر الإنسان في صندوق صغير جدًا". ويقرّ بأهمية التعددية في التوجهات النقدية فيقول: " يجب أن نعترف بتعددية التوجهات. كل توجّه يقيم مجده على حساب توجّه آخر، وكل توجّه ينطوي على مكسب وخسارة ... لكن المهم هو حوار التوجهات والبحث عن الأهداف الكبرى، وأن نفرّق بين الوسائل والغايات، وأن نعيش داخل الأدب وخارجه". وهذا يشير إلى أن إشكالية المنهج عند ناصف ليست مجرد تبني معرفة منهجية لمنهج معين والاشتغال به، لكنها تراكم معرفي ينطوي على وعي بالتاريخ، ومعرفة بالتراث، ووعي بالمناهج المختلفة.

    إن قراءة ناصف لظواهر الشعر الجاهلي تعكس التحول من " الحكم" إلى " القراءة الموضوعية" داخل الفكر النقدي العربي باعتماده على مناهج متعددة في تعامله مع النصوص والظواهر الشعرية، وهذا التحول في عقل ناصف، لم يتمثل على صعيد واحد، وإنما كان حركة متداخلة من الأفكار والمعارف المتداخلة، ومن هنا يصعب تحديد الحالة الذهنية التي يتعامل بها ناصف مع النصوص والظواهر، ولقد أدرك ناصف بهذه الذهنية الصعبة أن " الحُكم" لم يعد مناسبًا لفهم العمل الأدبي، وأن التحليل والكشف عن العلاقات التي تربط العملية الإبداعية بظروفها الخارجية مهمة في استجلاء المعنى حول فهم الظاهرة الأدبية، كما أدرك أهمية الفكر الفلسفي ودوره البارز في تحليل هذه العلاقات وتأويلها على النحو الذي يكشف عن آفاق جديدة داخل العمل الأدبي.

    نريد بهذا الطرح أن نصل إلى جدوى تبني التعددية المنهجية في دراسة الأدب الجاهلي على النحو الذي تبناه ناصف في دراسته، لا بدّ إذن من مناقشة مفهوم التعددية داخل الإشكالية المنهجية، وهذا يجعلنا نتساءل: ما الذي يبحث عنه ناصف؟

    هل يبحث عن المعنى الذي يقبع خلف التقاليد الأدبية بعد أن بحث عنه خلف الصورة الأدبية، بعد أن جعلها منهجًا فوق المنطق لبيان حقائق الأشياء في كتابه " الصورة الأدبية". أو عن المعنى الذي يكمن في التمييز بين الأفكار القديمة، والأفكار الحديثة بعضها عن بعض في كتابه "نظرية المعنى في النقد العربي"؟!.

    أم أنه أدرك في هذه الدراسة أن المعنى يمكن التعرّف عليه عبر عملية القراءة الواعية والمنفتحة على المعارف المختلفة، والمناهج المتعددة؟

 

    فالقارئ، يقرأ النص في إطار أسئلته الخاصة مستحضرًا في الوقت نفسه أسئلة غيره ممن تناولوا النص بالدراسة، وهذه العملية المعرفية تزيد النص اتساعًا وانفتاحًا وقدرة على استيعاب الأسئلة. ومعنى ذلك أن أي قراءة جديدة للنص ماهي إلا حلقة من حلقات التواصل مع القراءات الأخرى للنص، لذلك وجب النظر في إعادة النظر في استراتيجية التعامل مع الشعر الجاهلي من وجهة نظر ناصف. لابد إذن من التساؤل عن مشروعية المنهج لا كإجراء شكلي، ولكن كإجراء جوهري داخل عملية القراءة. فالمرحلة التي تفصل بين المعنى السطحي ( كما في الفكر النقدي التقليدي)، والمعنى العميق ( كما في الفكر النقدي الحداثي حيث يبقي المعنى قابلا للاحتمال على أكثر من وجه)، ينبغي أن تخضع لشروط القراءة من وجهات نظر متعددة، هنا يتعدد المعنى بتعدد معارف القارئ، ويسمح للنص بالاستمرار وشغل القراء جيلاً بعد جيل باستراتيجيات مختلفة.

    إن تبنّي ناصف " التعددية المنهجية" في قراءة الأدب الجاهلي، يشير إلى الحركية التي عرفها الفكر النقدي العربي عند بعض النقاد، ومنهم ناصف، جاءت في صورة تفاعل ( وليس رد فعل) مع النماذج الفكرية المختلفة للمناهج التي أنجزها الغرب في العصر الحديث، هذا التفاعل يجعل الفكر النقدي العربي مساهمًا في توسيع المنهج وتطويره من خلال قراءة النقاد العرب لنصوص مختلفة، لأن المنهج يتطوّر من خلال النص، لكن ترسيخ المنهج داخل الفكر العربي، يتطلّب إعادة بناء مفاهيم الفكر نفسه، وذلك من بإدخال عناصر المعرفة الفلسفية التي نعتقد دومًا اعتقادًا خاطئًا بعدم ملاءمتها لثقافتنا!.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملخص بحث

خطاب الإنتلجنسيا العربية حول الحداثة

إشكاليات الفهم ومحنة المشروع

ورقة بحثية ضمن أعمال مؤتمر النقد الأدبي الدولي ( جامعة اليرموك 2006.م)

ملخص البحث

 

 *   هل يمكن القول بأن دخول سؤال الحداثة الفكر العربي، يُعدّ إيذانًا بخروج سؤال التراث من الفكر نفسه؟.

*   هل يمكن لأحد هذين الشقين الصراعيين أن يحتل موقعه من العقل العربي بزحزحة الآخر وإحلاله محلّه؟.

*   إلى متى ستظل الحداثة شبحًا يطارد التراث داخل العقل العربي؟.

*   هل يعود رفض العقل العربي للحداثة إلى أنها تحدد جغرافية الفكر، وهو يعيش داخل تاريخيته؟.

*   هل تود طبقة الإنتلجنسيا(*) العربية حقًا تدشين جغرافية الفكر العربي بالاعتماد على تاريخيته؟ أم أنها ترسم جغرافيته وفق حدود جديدة مغايرة لتاريخيته حددتها سلفًا الحداثة الغربية؟                  

 *   هل يمثل الصراع الفكري الجدلي بين طبقة الإنتلجنسيا العربية - ضدّ ومع قوالب التراث الفكري ودعاته- بصيصًا من الأمل نحو تجاوز العقل العربي إسقاطات الفكر الكلاسيكي، وأنظمته المعرفية المؤدلجة؟.

*  ما الأطر النظرية التي تطرحها هذه الطبقة لتوظيف المعرفة العربية بما يساعد على إذابة الحدود الفاصلة بين الفكر العربي والفكر الغربي تمهيدًا لتواصل فكري بينهما؟

 

     تهدف الدراسة الراهنة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة لرصد النشاط الفكري العربي حول الحداثة، ومدى قدرته على تحريك المُنتج الفكري العربي تجاه الظواهر المعرفية المعاصرة إيجابًا وسلبًا، ولهذا نفتح آفاق الحوار مع أهم الدراسات العربية التي تعرضت لهذه الإشكالية، ومساءلة تأرجح الفكر العربي بين التراث والحداثة، ورصد مدى تقدُّم العقل نفسه في فهم العالم من حوله، للإجابة عن الأسئلة التقليدية التي تشير إلى إصرار العقل العربي على فهم العالم الحديث بأدواته النقدية والفكرية الكلاسيكية، لا ننكر إيجابيات الفهم التقليدي للتراث قديمًا، لكنه غير جدير الآن بالانحياز إليه؛ لأنه ليس من المقبول منطقيًًّا وبعد أربعة عشر قرنًا أن نتعامل مع الأفكار كما كان القدماء المحافطون يتعاملون معها. وبالمفهوم التقليدي للمعرفة تعاملت طائفة من المفكرين مع الحداثة كانقلاب معرفي يهدد كل تراث الإنسانية، واعتبروها شرًا مطلقًا. وجاءت ما بعد الحداثة ردًا على هذه الإشكاليات الفكرية؛ ولكن الفكر العربي لا يزال يعيش مرحلة الحداثة ذاتها ولم يتجاوزها بعد. وأطمح ألا يورط سؤال الدراسة الراهنة نفسه في تلفيظات حاسمة ونضالية، أو أخرى مراوغة اتباعية، كما أطمح أن يأتي سؤال الدراسة بجديد حول علاقة الفكر العربي بالحداثة، وطبيعة هذه العلاقة تشير إلى نقد العقل العربي لذاته، وتفكيكه لبنياته الفكرية الكلاسيكية، ونقد النقد هذا؛ يُحفز العقل العربي لفك طلاسم الأنظمة المعرفية الشمولية التي تورِّط العقل دائمًا في إضفاء خطابات من الشرعية عليها مما كان له أكبر الأثر في قوتها، وتلزم أصحابها بمعاركها الإيديولوجية الخارجية، وصراعاتها العرقية والقبلية الداخلية؛ لأن العقل الذي ينقد نفسه دائمًا لا يقع في مأزق الإغراق في المُنتج الفكري، بل يهتم دائمًا بآليات إنتاج الفكر.

     كما تهدف الدراسة إلى تحليل الفكر العربي المعاصر لمعرفة طريقة استقباله لفكرة الحداثة، بعيدًا عن أي فكر ايديولوجي، أو نضالي، أو ادّعائي، يسعى لتزييف الحقائق، لأن هذه الأفكار الأخيرة تخضع للفهم التجزيئي للأشياء، الذي لا يمتلك القدرة على الخروج من عباءة القبول والرفض. فالتحليل المقترح يسعى إلى مساءلة الوعي الفكري العربي بالحداثة، لمعرفة مدى وعيه بالروابط الحضارية العميقة بين الظواهر المعرفية العالمية، ووضعه الفكري الثقافي والنسقي الخاص، وكذا التعرّف على دور المفكر العربي أو الناقد العربي في إبراز أسس الحداثة، وطريقة تعامله مع المستجدات الفكرية المعاصرة، وتشخيصه لداء التراجع الدائم في مقابل تقدّم الآخر، ومناقشة طروحاته لمعالجة هذا الداء.

 

     لقد حدث تحوّل غريب في التعامل مع مفهوم الحداثة في الفكر العربي، هذا التحوّل تمثّل في الانتقال من: السؤال عن ماهية الحداثة؟ إلى ماذا تعني الحداثة؟ مما أسهم في تحويل السؤال من الحداثة، إلى الحداثي، أي من سؤال المعرفة إلى سؤال المعرفي، وهنا حدث الالتباس، فبدلاً من توجيه الأسئلة إلى الحداثة نفسها توجّه العقل إلى اتهام الحداثيين..، وبالتالي، هل يمكن اعتبار مشروع الحداثة في الثقافة العربية محاولة لانقلاب العقل العربي ضد ذاته محاولة تؤذن بالتفكك، والتصدّع، والانهيار؟!. أم هو مشروع نقدي جذري وشامل يحاول فهم سيرورات التشويه والبتر التي تعرّض لها مما أفضى به إلى التواطؤ مع الإيديولوجيا؟   

      إن الحداثة في صورتها الغربية، تشير إلى إزاحة التخمينات الفلسفية داخل العقل البشري في تفسير الكون، وإحلال العلم محلها، ليرسم العقل الإنساني واقعه ومستقبله، وتشير أيضًا إلى الاهتمام بالإنسان بوصفه محورها الأساس، ولكن، هل حقًا يضع الإنسان شرائعه الحداثية لسعادته ورفاهيته؟ أم يسن قوانين فنائه ودماره؟

     إن الحداثة في نسختها السياسية والاقتصادية، قد تكون حقًا شرًا مطلقًا بالنسبة لعقل متقوقع ثقافيًا، يرتكز في منطلقاته على آليات دفاع انعزالية يؤمن بقدرتها على حمايته ووقايته من الشر القادم!، أما في نسختها العلمية والفكرية، فهي خير مطلق، لأنها كشفت للإنسان عن قوانين الطبيعة، والعلوم، والآداب، كما أزالت الإبهام عن كثير من مجهولات الكون، والنفس الإنسانية، وتقدم ما بعد الحداثة الآن ما يشبه المعجزات لا سيما فيما يتعلّق بعلاج الأمراض والثورة الجينية، ووسائل الاتصال والمعلوماتية، ولكن الحداثة الغربية في نسختها السياسية والاقتصادية لم تتخلّص بعد من التقاليد العتيقة التي تدعِّم فكرتي الكبرياء والقومية، فهي حداثة كاسحة بالقوة، تذكّي روح التسلّط والاستبعاد والتمييز الطبقي من جانب القوى الكبرى، بإقصاء طبقة الفقراء واستبعادها، وإلا فبماذا نفسّر الحروب الفتّاكة التي تشنها القوى السياسية العظمى في التاريخ الحديث، بدءًا من الحرب العالمية الأولى، ومرورًا بالحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة، وانتهاءً بالحرب على أفغانستان والعراق..

 

     في ظل هذا السجال الثقافي اصطدم العقل العربي ـ الذي يراهن دائمًا على صلاحية الأدوات القديمة لكل العصور ـ بالحداثة الغربية، فحدث الصدام المعرفي بينهما، تحاول الحداثة اجتذابه بقدرتها على الإغراء المادي، والمعرفي معًا، في الوقت الذي يُبدي العقل العربي ممانعة قوية ورفضًا مُعلنًا؛ لأنه يخشى تفكيك تقاليده، فتوجه بايديولوجيته إلى فكرة الرفض، ومجادلة الحداثيين، فانشغل بالموجود عن الوجود ـ إذا جاز التعبير ـ وسمح لتفكيره في إدراك حقيقة الحداثة إلى التوقف أمام لغتها وعباراتها وإظهار عدم ملاءمتها لطبيعة تكوينه الفكرية والإيديولوجية، وكان هذا التوجّه مبررًا لفريق كبير من المفكرين للتنصّل من حمل عباءة البحث عن حقيقة الحداثة، ولهذا فشل هذا الفريق في أن يشرّع عقلانيًّا في التعامل مع الحداثة باعتبارها برهانًا على حقيقة الكون، ولكن بوصفها خطرًا داهمًا، وعدوًّا متربصًا!!

     وهذا ما شجّع الفريق الآخر، وهم دعاة الحداثة إلى اتخاذ موقف مضاد للفريق الرافض، وهو الانطلاق - في غياب الوعي- إلى الترويج لفكر الحداثة، والبحث عن مفردات لها داخل التراث العربي، واستطاع أن يؤسس لفكر "التبعيّة الثقافيّة"،.. أما الفريق الثالث فراح يُمهد لمرحلة انتقال فكرية من واقع فكري تقليدي له رؤياه الإيديولوجية الرافضة لكل جديد، يحيل الفكر إلى أحكام مطلقة، إلى واقع فكري مغاير له رؤياه الحضارية، قادر على استيعاب التعددية الفكرية، وقبول الآخر. ينطلق من سؤال: كيف أكون ويكون الآخرون؟.

      هكذا انقسم الفكر العربي حول الحداثة إلى ثلاثة اتجاهات، تشير المنطلقات المعرفية لكل فريق, إلى ماهية المرجعية الفكرية التي يتبناها. الأول: يعيش فيها وينعم بها وينكرها باستمرار. والثاني: يتصوّرها، ويصبو إليها دون أن يبلغها. والثالث: يعاني بسببها النفي والاستبعاد والعزلة، ويطمح إلى تجاوز الصراعات الذاتية كي يصبح قادرًا على إنتاج المعرفة.

 

      في المواجهة بين العقل العربي والحداثة يصبح الصراع حتمًا ولا مفر منه، وتبدو إشكالية الاغتراب الفكري، والاختفاء المادي أكثر خطرًا، لأن الفكر العربي ، سيدخل في مغامرة عجيبة، وغير محددة النتائج. الإشكالية تبدو أكثر خطورة حين تتسم الأفكار بالطابع الدفاعي، ويطغى رد الفعل على الفعل، عندئذ تتحول هذه الألعاب الفكرية إلى تاريخ للأفكار، وستجعل العقل ينشغل دائمًا بالأفكار عن الفكر، أو ينشغل بالمُنتج المعرفي عن إنتاج المعرفة. هكذا يبدو الفكر العربي أكثر ترددًا في التعامل مع المختلف، بين حاضر فكري يسعى – في جزء كبير منه- للانغلاق على ذاته من خلال وعي نرجسي متضخم، حتى يتمكن من سد الفراغ بينه وبين التراث الذي تعرّى بوجود المختلف. وطموح مستقبلي يسعى إلى الانفتاح على المختلف/ الآخر، لتعويض إخفاقه في إنتاج معرفة لها خصوصيتها. فانشغل بأفكار الآخر، ومناقشتها، وظن أنه بهذه الممارسة قد أنتج معرفة، دون أن يدري حقيقة استهلاكه للمعرفة!.

 

     ومن ثم، تضع الدراسة جملة من الأسئلة ترتبط بصراع العقل العربي مع الحداثة: هل أصبح العقل العربي واعيًا بفكرة الانتقال التشريعي للحياة من الإلهي إلى الإنساني، أو من السماوي إلى الأرضي بعد أن خُتمت الرسالات، وانتهت المعجزات السماوية؟. هل ينظر العقل العربي للحداثة على أنها هدف يسعى إليه، أم مناخ تتم فيه حركة الفكر؟ بمعنى آخر؛ هل تمثّل الحداثة مطلبًا فكريًّا؟ أم شرطًا للفكر؟. هل ما نلاحظه من فتاوى ذاتية متضاربة لرجال الدين في العصر الحاضر، يُعدّ إرهاصًا لهذا التشريع الأرضي؟. هل هناك ثمة علاقة بين التشريع الأرضي في العصر الجاهلي، وبين التشريع الأرضي الحداثي؟ هل أدرك الخطاب الفكري العربي المعاصر الفرق الكبير بين الحداثة في نسختها السياسية والاقتصادية، وبين الحداثة في نسختها العلمية والفكرية؟ وأخيرًا، ما الذي يشغل حيّز الفراغ في الخطاب العربي الآن، إنتاج الأفكار، أم الانشغال بالأفكار؟.

 

    وتنقسم الدراسة إلى ثلاثة محاور أساسية:

المحور الأول: نحو وعي نقدي بالإشكالية.

المحور الثاني: مرجعيات المعنى ومعيار التقويم.

المحور الثالث: سؤال الحداثة في الخطاب العربي

                  " بين تصفية الحسابات والنقد"

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملخص بحث

 التحليل الثقافي وقصيدة المديح

محكّم ومقبول للنشر مجلة فصول ( القاهرة)

                 

    تنطلق الدراسة في معالجتها لإشكالية التحليل الثقافي للنص الأدبي، من تصوّر يرى في النقد الثقافي واستراتجياته، صياغات جديدة لقضايا النقد الأدبي، ومداخل متنوعة لتحليل النص الأدبي. فالمناهج النقدية الحديثة تقلّص إنتاجها الفكري والمعرفي في الفترة الأخيرة، ولم تعد قادرة على الوفاء بمتطلبات الفكر النقدي الحديث، وأصبح لزامًا على العقل إنتاج وسائل جديدة تسمح بتنوّع المداخل في قراءة النص الأدبي. ومن هذا المنطلق تطرح الدراسة الراهنة استراتيجية جديدة لتحليل النص الأدبي، تفيد من المنجزات الفكرية للبنيوية والأسلوبية والسيميائية والتفكيكية ..، في مساءلة النص، وتقاليده، ومرجعياته، والخلفيات المعرفية والايديولوجية التي أنتجت النص، ولهذا فإن هذا التوجه يمثل حالة من الاختراق الثقافي للقصيدة العربية القديمة، بمساءلة العقل المعرفي النسقي المفتون بالجمالي والبلاغي، وهذا يتطلب نقدًا من داخل الثقافة نفسها، يجعلنا نعيد قراءة تراثنا في ضوء ثقافتنا الحديثة الواسعة، بالإضافة إلى وعينا بمرجعياتنا، لا في ضوء تقاليدنا الأدبية الضيقة التي تحيلنا ـ دائمًا ـ إلى أنماط من التحليل تهتم بما تفرضه هذه التقاليد من قيود وممارسات.

والتحليل المقترح، لا يتوقف عن الإحالات إلى المعارف والعلوم المختلفة، وكذا لا ينتهي عند دلالة معينة بل يفتح النص على سيل من المعارف المتنوّعة، لأنه يفترض ـ دائمًا ـ أن النص بالغ التنوّع والتعدد، ويحيل إلى معارف وإيديولوجيات مختلفة، ولهذا فإن التحليل الثقافي يستوعب كل هذا ويضعه ضمن استراتيجياته. إن هذا التوجه لا يجعلنا نعود بالحاضر والمستقبل إلى الأطر المرجعية في الماضي، ولكنه دعوة لاستدعاء هذه الأطر لتكون رافدًا مهمًا في صياغة حاضرنا الراهن، ومستقبلنا.

    وتنقسم الدراسة إلى مدخل وثلاثة محاور أساسية:

المدخل: الأنساق الثقافية، نحو وعي نقدي بآليات هيمنة النسق.

المحور الأول: النسيب، أسئلة الذات النسقية المتمردة.

المحور الثاني: الرحيل، تحوًلات الذات النسقية.

المحور الثالث: المديح، خضوع الذات النسقية وخداع السلطة.

 

 

 

 

ملخص بحث

فاعلية التكرار في بنية الخطاب الشعري للنقائض

" نمط خاص من الوعي بالآخر"

مجلة فصول ( القاهرة 2003.م)

   تؤكد ثقافة التكرار الإبداعي حقيقة تطوّر نص على أفق نص آخر، والوعي بأهمية النص الموازي في إضفاء قيمة أدبية ومعرفية على نص الذّات، ففي نص الآخر يحتل معنى الفكرة موقعًا مركزيًّا، وعلى أساس هذا المعنى تتشكّل الأفكار في نص الذّات، ويلعب الهاجس المتنامي لدى نص الذّات دورًا بارزًا في تدعيم سلطة الفكرة عبر توسيع نفوذها على النصوص اللاحقة. إذ تمنحنا ثقافة التكرار في هذا السياق أدوات مهمة في تشييد نصوص تسير في اتجاه نظام نصوصي متوتر في علاقته بالمرجع، بين التراث بتقاليده وسلطة معانيه، والنص الموازي الذي يقع في المجال التناصي لنص الذّات.

    وتجدر الإشارة – ها هنا- إلى أن قيمة التكرار في نصوص النقائض تكمن في استيعابها ديناميكية " حوار النصوص" والتي تقوم على نص يطرح أفكاره دائمًا للمساءلة والمراجعة والمناقشة، فأمام الإشكاليات التي يطرحها النص الأول، يأتي النص الموازي بمراجعة شعرية إبداعية تسعى إلى دمج الأفكار ومراجعتها أو تفكيكها على النحو الذي يولّد منها أفكارًا تقبل المراجعة والمساءلة هي الأخرى، لكن قصر نظر الخطاب النقدي العربي حول شعر النقائض هو الذي أدى إلى نوع من سوء الفهم لهذه النصوص؛ لأن عقيدة التقليد افترست أفكارنا النقدية وحصرت الفكر النقدي في أفق معرفي ضيق يزكّي الأوضاع النقدية السائدة، ويوهم أصحابه بامتلاك الحقيقة، دون الوعي بأن هذا الفكر يعودهم على التلقي وقبول الأشياء كما هي دون مساءلة.

    كما تشير هذه الظاهرة إلى رغبة الفاعل في تحقيق ذاته في ضوء قراءته للآخر، وتأكيد الفاعل حضوره وتعاليه على التجسيدات السابقة؛ لأنه يرفض أن يظهر عبر رؤية الآخر، كما يهدف الفاعل من خلال التكرار إلى خلق غايات جمالية في النص، لعل من أهمها، إحداث أثر في المتلقي، والاستحواذ على فكره؛ لأن الذّات تتكوّن ـ في هذه اللحظة ـ من خلال تداعيات شتى وأعراف وتقاليد لا تهتزّ تحت وطأة التبعيّة، وتعلن عن حضورها باستمرار من خلال حوارها مع الآخر. وأثناء فعل الحوار هذا تقتحم أفكار الآخر، تتوحد معه تارة وتفارقه تارة أخرى. وفي هذه الممارسة سرعان ما تمتلك الذّات جدليّة متكررة هي جدلية " الحضور/ الغياب" وكذلك جدلية " التوحّد/ الانفصال" وتحت سلطة هذه الثنائيات تؤول الأفكار إلى توتّر، وتحاول الذّات تحرير نفسها من وطأة الحضور الغامر للآخر، فيأتي انحراف اللغة ليعبّر عن هذا الصراع. ويبقى وعي الذّات المؤهل الأساس الذي يمكِّنها من فعل الاقتحام، فتخترق بوعيها الفكري أفق هذا الآخر، وتبحث عن مسارها وهويتها بالتفاعل معه، بعفوية وقصد في آن واحد، لذا فهي لا تحقق ذاتها بمعزل عن الآخر، بل تتحاور معه جدليًّا، وتحاول في هذه الممارسة تجاوز مشكلاتها بفعل قوة دفع الآخر لها، وهنا تنظر الذّات إلى نفسها بوصفها آخر؛ لأن الحوار ـ ها هنا ـ يكون بين ذات حاضرة وخطاب غائب يحمل دلالات مُبهمة. ومن ثمّ تحاول الذّات إعادة اكتشاف نفسها من خلال فك رموز هذا الآخر وحل شفراته، إنها ذات مرتبكة في صيغة معرفيّة تتبنى ثقافة التجاوز، تلك الثقافة التي تجعلها دائمًا متعالية، حاملة لمعرف تتسم بتغيّر مستمر.

    ولا يمكننا بأي حال من الأحوال التغافل عن الدور الذي يلعبه التكرار داخل النص الشعري، وهذا الدور كشفت عنه الدراسات السيميائية الحديثة " يبدو تكرار العناصر المعطاة في الخطاب الواحد ضروريًّا لكونه يسهم في تكوينه الداخلي" (1). فالتكرار كظاهرة أسلوبية، يلعب دورًا مهمًا داخل النص الأدبي، يتمثل في إحداث تجانس بين العبارات من حيث الوزن الصوتي والصرفي، متجاوزًا وظائفه التقليدية كالتأكيد والفهم المعروفة في النقد التقليدي، ليصبح في النقد الحديث أداة معرفية يستخدمها الشاعر لتطوير المعنى في نصّه، ويتعامل معه الناقد بوصفه أسلوبًا يثير التساؤلات حول لجوء الشعراء إلى هذه التراكيب المكررة، ودلالات استخدامها.

 

    وانطلاقًا من هذا التصوّر، يناقش البحث أنماط الوعي بالآخر في نصوص النقائض، فالذّات لا تنظر إلى الآخر ـ ها هنا ـ بوصفه خصمًا أو ندًّا، بل تنظر إليه بوصفه طرفًا يتم التحاور معه، بهدف إعادة اكتشاف " الأنا" لقدراتها، وبوصفه أيضًا علامة بارزة في سبيل تناميها. وكما يقول فولفجانج إيزر " إن الحاجة لحلّ الشفرة تمنحنا الفرصة لصياغة قدرتنا الخاصة على حلّ الشفرة، وإن إنتاج معنى النصوص الأدبية لا يستلزم اكتشاف اللامصوغ فقط، بل يستلزم أيضًا إمكانيّة صياغة أنفسنا. ومن ثمّ اكتشاف ما بدا سابقًا أنه يتملّص من وعينا"(2).

    إن " الأنا" ـ ها هنا ـ لا تنفي الآخر، بل تعترف به وتكون حريصة دائمًا على حضوره على النحو الذي يجعلها قادرة على إبراز تناميها وخصوصيتها، وهذا يبدو واضحًا إذا ما وضعنا في الحسبان، علاقة الجوار والتاريخ والأهداف المشتركة التي تجمع بين الشعراء الثلاثة ( جرير/ الفرزدق/ الأخطل)

ملخص بحث

فاعلية الناقد العربي الحديث بين الأنا والآخر

عز الدين إسماعيل أنموذجًا

مجلة علامات في النقد ( السعودية 2005.م)

 

    لقد أثارت آراء طه حسين في الأدب والفكر جدلاً واسع النطاق عند الناقد العربي الحديث، لأن آراء طه حسين وطروحاته - لاسيما النقدية منها- جاءت - في معظمها- مغايرة لتلك المختزلة داخل الوعي العربي في زمن انبثاق المعارف في العصر الحديث. والجدل الذي ثار بين المفاهيم التقليدية عن الأدب والنقد المتعارف عليها عند الناقد العربي، والرؤى الجديدة التي طرحها طه حسين، يشير إلى ملامح وعي الناقد العربي الحديث وفاعليته في تجاوز مشكلاته النقدية وأزماته الفكرية.

    تهدف هذه الورقة إلى تقديم رؤية نقدية لأحد النقاد العرب المعاصرين في سياقين، تنظيري، وتطبيقي:

السياق التنظيري: يكشف عن المرجعية الثقافية التي انطلق منها الناقد العربي الحديث وقلقه وتوتره في اتباع الخطاب النقدي السلفي العربي، أو الانفتاح على التيارات النقدية الحديثة في النقد العالمي عن طريق حركة الترجمة.

أما السياق التطبيقي: فيكشف عن مدى وعي الناقد العربي بذاته، وبهويته، وبكيفية التأسيس المعرفي للإيديولوجية النقدية العربية من ناحية، وكيفية تطوير المناهج النقدية الحديثة من خلال النصوص العربية، من ناحية أخرى.

    لعل هذا يجعلنا أكثر إدراكاً لجهود العقل النقدي العربي، الذي يسعى جاهدًا إلى تحرير الفكر النقدي العربي بإنتاج خطاب نقدي مغاير للوضع المؤدلج الذي رسّخه الفكر النقدي التقليدي، وهذا يجعلنا نطمح بأن يقدم لنا نماذج نقدية مغايرة وأكثر إجرائية.

   

    واختياري لعز الدين إسماعيل يعود إلى ثلاثة أسباب:

·   منها بالضرورة ما هو تاريخي، لأنه - أي عز الدين إسماعيل - ينتمي إلى مرحلة تحول وانتقال جوهرية في النقد العربي الحديث، جاءت بعد مرحلة التأسيس المتأخرة عند طه حسين، والعقاد، وأمين الخولي، هذه المرحلة - التي ينتمي إليها أيضًا شكري عيّاد، ولطفي عبد البديع، ومصطفى ناصف - تمثل أكثر انفتاحًا وأكثر مسئولية بحكم الزمن. كما يُعدّ عز الدين إسماعيل أحد الذين أسهموا في التأسيس المعرفي لحركة النقد في الثقافة العربية، بتبنّي استراتيجية فكرية تسعى إلى الانفلات من قبضة الأنساق النقدية التي تتحكم في العقل.

·   السبب الثاني، يتعلق بفكرة التمايز بين النقد العربي القديم، والنقد الحديث، لأن النقد العربي القديم - في جانب كبير منه - يبدو أكثر ذاتية في أحكامه، من خلال اعتماده على ثنائيات "الحسن/القبح" "الجيد/الردئ" إلخ، انطلاقًا من نظرة أحادية، هي نظرة الناقد نفسه، وبين النقد العالمي الحديث الذي يكاد يقترب - في معظمه - من الموضوعية، ولهذا فإن الظلال التي يخلفها السابق - النقد العربي القديم - في اللاحق - النقد العالمي الحديث - سوف تصبح أكثر جدلاً داخل وعي عز الدين إسماعيل نفسه.

·   أما السبب الثالث، فيتعلق بفكرة "التأثّر"influence وتتمثل في أن عز الدين إسماعيل، استطاع أن يستوعب المرجعية النقدية العربية إلى حدّ تبلورها، والإفادة من معطياتها في الانفتاح على النقد العالمي في كتاباته النقدية، الأمر الذي جعله يهتم بإثارة تساؤلات تستوعب أزمة الناقد العربي الحديث في طروحاته النقدية، وتمكنه - في حالة وجود إجابات عنها - من الخروج من دائرته النقدية المنغلقة لإنتاج أفكار نقدية جديدة تجعل من تراثنا العربي القديم أرضًا خصبة لإنتاج معرفة نقدية جديدة.

وسوف أناقش فاعلية الناقد العربي الحديث من خلال ثلاثة محاور أساسية:

المحور الأول: الناقد العربي الحديث ونزعة الظن والمساءلة.

المحور الثاني: الترجمة بوصفها إيديولوجيا تعكس إرادة التفاعل والتجاوز عند الناقد العربي.

المحور الثالث: الأسس المعرفية لممارسة الحداثة في معطياتها عند الناقد العربي.

 

    مع ملاحظة أن هذه المحاور الثلاثة التي سوف أقتفي أثرها في كتابات عز الدين إسماعيل، يمكن أن تتعدد وتتضاعف عند نقاد معاصرين آخرين، كما يمكن أن تتطور هذه المحاور إلى ما هو أعمق من ذلك.

 

 

 

 

 

 

الوعي بالحداثة في الخطاب النقدي المعاصر

      

    هل بدأ مشروع الحداثة العربية حقًا مرحلة تلمّس الوعي بالذات؟. وهل دراسة موضوعات مثل "الوعي" و "النفس" في التراث العربي الكلاسيكي كموضوعين للمعرفة تمثل عتبة الحداثة العربية؟.

    يبدو أن إعادة قراءة الفكر الكلاسيكي النقدي العربي ومراجعته في ضوء العلوم الإنسانية في الفكر الحداثي المعاصر، هي أهم تشريعات العقل العربي الحديث للحداثة العربية، ولكن هذه الممارسات سوف تصطدم حتمًا بالاتجاهات المدرسية في الفكر العربي، لأنها ـ التشريعات ـ سوف تقرّ استراتيجيات جديدة للمعرفة، تُعدد من منطلقات العقل العربي الفكرية والثقافية.

  يدور جدل فكري واسع النطاق في الأوساط النقدية العربية - لاسيما في العقد الأخير من القرن المنصرم والوقت الراهن - حول موقف الناقد العربي الحديث من الحداثة، وطرائق التفكير المناسبة التي نستطيع بها التعرّف على ذواتنا، وتحليل أدبنا وفكرنا، وهذا الجدل أفضى إلى ظهور موقفين متناقضين داخل العقل العربي.

    الموقف الأول: موقف الارتداد إلى التراث، وفيه يرتد الناقد إلى التراث ليتخذ موقف المدافع عنه ضد كل فكر مختلف، يبحث فيه عن الحقائق بهدف فرضها، وهذا التوجّه يعدّ وسيلة سحرية لفرض رؤية معينة على النقد الحديث، رؤية تكبّل الناقد الحديث، وتجعله أسيرًا لهذا الفكر النرجسي، وهذا يؤدي إلى تقييد المعرفة النقدية في أفكار متشرنقة تحصّن ذاتها بذاتها - إذا جاز التعبير - فعمد هؤلاء إلى فهم الموقف الحداثي فهمًا عكسيًا، فانطلقوا - فكريًا - من نقطة الثأر للتراث، ردًا على الموقف الحداثي الذي يقوم على الفصل بين الماضي والحاضر، الدين والدولة،.. إلى آخر ما هو معروف عن الفكر الحداثي الذي شوّه داخل العقل العربي، وأدى هذا الموقف إلى انعزال فكر هؤلاء النقاد وانحصاره داخل حدودهم الخاصة لايتجاوزها، ويتسم هذا الموقف الفكري بأنه ينتهي دائمًا من حيث يُفترض أن يبدأ.

    الموقف الثاني: موقف التمرد، وهذا الموقف يتمثل في انبهار بعض النقاد والمبدعين بالفكر الحداثي،  والناقد أو المبدع قد يتصوّر بفعل الإمعان أو الافتتان بالمنجز الثقافي الحداثي أن يكون فاعلاً، لكنه في الواقع، يكون مفعولاً به، لأن فاعليته تصبح ذا شقين أساسيين، الأول منها يتمثل في فعل التمرد على التراث، والثاني يتمثل في فعل الافتتان بأفكار الآخر. وأدى هذا إلى حالة من الاغتراب الفكري عن التراث الذي ينتمي إليه، وعن الفكر الحداثي الذي يختلف في منطلقاته عن منطلقاته الايديولوجية ومشكلاته الفكرية.

 

    لكن الفكر الحداثي الإيجابي، هو الذي يضع التراث والفكر موضع المساءلة، من خلال مراجعات تأسيسية تضع المعرفة الكلاسيكية موقعها الصحيح على خارطة الفكر العالمي، حتى يكون مؤثرًا في حركة الفكر العالمي، ويستطيع العقل من خلال هذا التوجه التخلّي عن الذاتية المفرطة، لأن التحصّن داخل الذات يجعلنا لا نثق في العالم الخارجي، بل نثق - دائمًا - في مشاعرنا وتصوّراتنا عن الأشياء، وهذا يغري العقل باجترار أفكاره، ويجعله لايعي ما حوله،   ربما يكون هذا المنطلق ارهاصًا لتأسيس لخطاب ما بعد الحداثة في الفكر النقدي العربي.

 

    إن مراجعة الخطاب النقدي الكلاسيكي العربي تبدو ملحّة في هذه الفترة الزمنية إذا ما أراد أن يكون فاعلاً. واللافت للانتباه أن أعين بعض النقاد انبهرت بالتراث العربي، فراحوا يبحثون فيه عن كل جميل، حتى بدا لنا في معظم الأحوال أنه أعظم تراث خلّفته البشرية، ولم يكلّف أحد هؤلاء النقاد نفسه بوضع هذا الكم من المعرفة موضع المساءلة، بل وضعوه موضع التسليم بمنجزات السلطة الأبوية - بمعناها الثقافي الواسع - التي تهيمن على التابعين، كنوع من الولاء للقواعد الإجرائية القديمة. وأسسوا بهذا التوجّه نوعًا من الأصولية الثقافية المنغلقة على نفسها، التي تؤمن بأحادية الفكر، وتعتقد بأنها وحدها التي تمتلكه، فتمنح نفسها حق تقرير مصير المعرفة. إن هذه الذات تتحدث عن الفعل/التراث، وعن الفاعل/الناقد القديم، دون أن تعي أنها تقع موقع المفعول به الذي يستقبل الفعل بكل سلبياته وإيجابياته دون مساءلة، أو أدنى رغبة في أن تكون هي الفاعل، وهذا التوجه الفكري من حيل الثقافة الأبوية التي يسلّم فيها الابن/المفعول به دائمًا بمنجزات السلطة الأبوية ويعتبرها أنموذجًا يحتذى، ولكن فاعلية هؤلاء النقاد تتمثل فقط في الدفاع عن الأب وفاءً له، وربما يفسر هذا التوجّه الفكري، موقف هؤلاء النقاد الضدي من الحداثة، وربما سوء نية متعمد، فهو موقف يقوم على إلغاء الخصم وسحقه، وقد يرميه بالكفر إذا ما اقتضت الضرورة، وهنا تشعر الذات بالانتصار وتتوهم بأنها فاعلة!، وتبدّت هذه الأصولية الثقافية في رفض أفكار طه حسين، وطرد نصر أبي زيد، ورميهما بالكفر والإلحاد.

 

    النظر إلى التراث من هذا المنطلق يؤكد هروب العقل النقدي العربي، وعجزه عن مواجهة مشكلاته الحقيقية، وإسقاط فشله على فكرة تربص الآخر به، ويشير إلى رغبته في أن يعيش في طور المراهقة الفكرية، وهو الوجه الملازم لعدم تحمل المسؤولية. وتبدو ضروب المقاومة لهذا التيار في كتابات أركون، وعلي حرب، وشرابي، وغليون، وعصفور، وغيرهم، ولكن تبدو هذه المقاومات على استحياء، باستثناء محاولات أركون الجريئة، ربما لأنه يعيش خارج حدود المكان، ولا يحسبونه على الثقافة العربية، ولكنه على الرغم من ذلك نجده لا يسلم من بعض هذه الاتهامات. هذه المقاومات هي الوجه المقابل للمسكوت عنه في الفكر النقدي العربي الحداثي، ولكن الملاحظ على هذه الكتابات أنها تتأسس على نزعة تعارضية، أو صدامية، وليست على نقاط تلاقي أو اختلاف مع التراث، فهي لم تعتمد على نزعة حوارية تكشف عن الفجوات الفكرية داخل العقل العربي، وتقديم مشروع بحثي يعالج هذه الفجوات، إنها أقرب ما تكون-من وجهة نظري- إلى نزعة التمرد من الابن على تقاليد الأب، ولكنه تمرد على استحياء خوفًا من بطش الأصوليين الأوفياء للأب.

 

    والفكرة الأساسية التي ترتكز عليها هذه القراءة، محاولة قراءة التحوّلات في التفكير النقدي والمعرفي في النقد العربي ما بعد الحداثي حول الخطاب النقدي العربي القديم، وعلاقته بالنص الإبداعي، وتتخذ القراءة من كتاب "مفهوم الوعي النصّي في النقد الأدبي، دراسات ومراجعات نقدية" لحسن البنا عز الدين، محورًا لمجالها المعرفي،( وصدر هذا الكتاب بالقاهرة 2003 متزامنًا مع كتابه الآخر، الشعرية والثقافة، مفهوم الوعي الكتابي وملامحه في الشعر العربي القديم. وصدر عن المركز الثقافي العربي ببيروت) وتحاول هذه القراءة ربط التحوّلات الفكرية والنقدية التي طرأت على عقل الناقد العربي الحديث- نتيجة حواره الفكري مع الآخر- بتغير نظرة الناقد نفسه في التعامل مع الخطاب النقدي القديم من ناحية، ومن ناحية أخرى معرفة ما إذا كان تيار الوعي - على اعتبار أن عنوان الكتاب يرتكز على هذا المصطلح بشكل أساسي - في النقد العربي ما بعد الحداثي يعود بالفكر النقدي العربي الحداثي إلى الذات مرة كحصن دفاعي في مواجهة تيار الحداثة الغربي(تعد محاولات الجابري في نقده للعقل العربي مثالاً واضحًا على هذه العودة)، أم أنه يعود إلى الذات مسائلاً إياها، مرتابًا في دعاويها لنفسها وضدّ الآخر، بهدف التأسيس لوعي نقدي جديد يؤدي إلى رؤية فكرية تحررية تقبل بتعددية النظريات.

 

    إن أهمية هذه التحوّلات لا تكمن في أنها تمثل كشفًا عن تغيّر نوعي في نظرة الناقد العربي الحديث لإطاره النقدي المرجعي القديم، فحسب، بل تعد نقلة فكرية في التعامل مع المفاهيم النقدية القديمة، لاسيما مفاهيم "النص"، و"الكتابة"، و"النفس"، ويكتسب الكتاب قيمته من قدرة مؤلفه على طرح أفكار تولي اهتمامًا كبيرًا بالمنزلة الابيستمولوجية لنصوص التراث بشكل يمكن أن يغيّر من علاقتنا بتراثنا النقدي العربي من خلال مراجعته في إطار مفاهيمي حداثي، مما يعطي الأشياء قيمتها وخصوصيتها. وهنا نتساءل، هل يتمكن الناقد العربي من تجاوز حاجز الحداثة النفسي لاقتحام إطاره الخاص/التراث؟. إن مردود هذه المغامرة سوف يقوده بلا شك إلى اتساع أفقه العقلي.

 

الحداثة وأفق التراث.

    يمثّل مصطلح "الوعي النصّي" المحور الأساس في البحث الأول من الكتاب، ويحمل عنوان "مفهوم الوعي النصّي في النقد الأدبي، قراءة أولى في شرح اختيارات المفضّل للتبريزي وأسرار البلاغة للجرجاني" حيث يتناول عز الدين هذين المصطلحين بوصفهما آليتين أساسيتين من آليات تحليل الخطاب في النقد الحديث والمعاصر، ويركز عز الدين في هذا البحث بشكل أساس على الوعي النصي، وأفرد للوعي الكتابي البحث الثاني ويحمل عنوان "النفس والكتابة، من ملامح الوعي الكتابي في الشعر العربي القديم"، والكتاب في مجمله يعكس وعي الناقد العربي الحديث بالعصر الذي يعيش فيه، والأفكار التي ستغيّر من منطلقات النظر إلى الأشياء من ناحية، وبأهمية التراث الكلاسيكي الذي ينتمي إليه بالنسبة لسؤال الحاضر، من ناحية أخرى، ويؤكد عز الدين أهمية الربط بين هاتين الفكرتين في قراءة الخطاب النقدي والإبداعي على السواء، وتمثل ذلك في ثلاثة مواضع، الأول: عند مقارنته بين مفهوم الوعي الكتابي لدى الشعراء، ومفهوم الوعي النصّي لدى النقاد، حيث أكد أن الوعي الكتابي يعكس وعي الشعراء بالرسالة/الوظيفة الشعرية، والوعي النصّي يعكس وعي النقاد بالنص نفسه وشفراته ووعي أصحابه به كذلك.(راجع ص 2،3) والثاني: عند مناقشته لفكرة الأدبية عند جيزيل فالانسي، التي تعد فكرة الكتابة والقراءة نشاطين مهمين في لعبة الأدبية.(راجع ص10) والثالث: عند مناقشته لفكرة الشفاهية والكتابية عند أونج، الذي أكد أن البحث في الشفوية يؤدي بالضرورة إلى البحث في الكتابية، وأن كثيرًا من الباحثين لم يفهموا الشفوية إلا من خلال الكتابية.(راجع ص11)

 

    والوعي النصّي: "هو وعي الناقد في تعامله مع النص الشعري، أو انطلاقًا من فهمه إياه، بأنه يتعامل مع نص له أبعاد شكلية وتقاليد فنية خاصة، وصادر عن ذات أخرى (ذات الشاعر) واعية وبالضرورة بهذه التقاليد وتلك الأبعاد"(راجع ص2)، والوعي النصّي أيضًا، هو الذي يكشف "عن تمايز ناقد عن ناقد آخر في قراءة نص ما، وذلك بمدى قدرة الناقد على الدخول في حوارات مع قراءات أخرى للنص نفسه، بالإضافة إلى وعيه بأبعاد النص وتقاليده.(راجع ص2)

 

    ويركز عز الدين على فكرتي "الحرية، والحوار"، وترتبط فكرة الحرية "بالشاعر" أي بالوعي الكتابي، وتتمثل في حرية المبدع "في التعامل مع الأبعاد والتقاليد وإعادة إبداعها"(ص2) لأن مهمة المبدع أو الشاعر هي نقل الأفكار من مستوى إلى مستوى آخر، من مستوى الثقافة الشفاهية إلى تقاليد الكتابة الأدبية، ولا يمكن لهذا النقل أن يتم دون وعي من المبدع بطبيعة العلاقة بين هذين المستويين، وهنا تكمن أهمية العلاقة بين الشفاهية والكتابية - في تصوّري الشخصي - حيث يصبح المبدع مركزًا لهذه العلاقة، ويأتي الناقد بوعيه النصي، ليكون مركزًا لفهم هذه العملية، ثم يربط - بوعيه الثقافي - بين أطراف هذه العملية، وهذا الربط يتم تبعًا للثقافة التي ينتمي إليها الناقد، ومن ثم تتعدد التأويلات للظاهرة الواحدة لاختلاف ثقافات النقاد.

 

    أما فكرة "الحوار"، فترتبط بالناقد، أي بالوعي النصّي، وذلك من خلال قدرة الناقد على الدخول في حوار مع قراءات أخرى للنص نفسه.

ويبدو لي أن عز الدين يلمّح من بعيد إلى جذور للحداثة في التراث النقدي العربي، ويشير إلى تشخيصها في بُعدين أساسيين هما: الحرية، والحوار، إذا صح هذا التوقع، فإن عز الدين بهذا التلميح، يضع أيدينا على الأساس الفلسفي الذي يمكن أن نمارس من خلاله الحداثة دون قلق أو توتر. لأنه من الشائع لدينا أن الحداثة ضد التراث، لكن عز الدين ينظر إلى الحداثة على أنها تحمل مشروع التراث، أي أنها في حقيقتها مشروع تراثي، لأن الحداثة عصر حاضر يتطوّر على أفق التراث، وتتحدد طبيعتها بتصوّر الإنسان عن الأشياء، وهنا يجوز لنا القول بأن لكل فكر حداثته الخاصة.

    أعود مجددًا إلى فكرة الوعي النصّي فأجد سؤالاً فارضًا نفسه في هذا الإطار، ما الدور الذي يلعبه الوعي النصّي في النقد العربي القديم؟، هل ينحصر دوره في التبصرات بالنصوص، وتحديد أطرها وتقاليدها؟ أم أنه يتيح للناقد فهم المعرفة على أنها وظائف نصيّة؟

    أن وعي الناقد النصّي، لا يجعله يتوقف عند حدّ وصف المعرفة، بل يتعداه إلى إنتاج المعرفة، ولكن ما نود أن نجد الإجابة عنه حقًا، هل كان إنتاج الناقد العربي القديم للمعرفة يخضع لتلك القوالب الجاهزة والمُعدّة من قبل الثقافة السائدة التي ينتمي إليها؟، لهذا فإنني أركّز بالدرجة الأولى على الكيفية التي يضع بها عز الدين عمله ضمن الحدود التي يرسمها النقد الحداثي، ومعرفة ما إذا كان النقد الحداثي يضع مجموعة من المعايير المحددة لممارسة النقد، أم أنه يتيح للناقد تعدد المنطلقات،وتنوّع المداخل، ويسمح بممارسات نقدية تتجاوز القيود والتقاليد.

 

    ويطرح عز الدين فكرة مهمة وجوهرية، وهي العلاقة بين الوعي الكتابي عند الشعراء القدماء، وفكرة التناص في الدراسات النقدية الحديثة، فيقول: "الشعراء القدماء يحرصون على إثبات وعيهم الكتابي في نصوصهم من خلال إشارات بعينها"(ص3)

    ويمكننا- هاهنا - مقاربة فكرة التناص بمفهومها عند كريستيفا- على سبيل المثال - حيث تقول "النص هو ملتقى كلمات/نصوص"(راجع مجلة الآداب الأجنبية ع 104 ص74)، مع فكرة الوعي الكتابي عند المبدع، وفكرة الوعي النصّي عند الناقد، لأنها هي التي تساعده في الكشف عن هذه الظاهرة، لأن المبدع - هاهنا- يكون واعيًا بفعله، ويقصد معنى ما من خلال إشارته إلى كلمة أو فكرة أخرى في نص آخر. والوعي النصّي لدى الناقد هو الذي يمكنه من الكشف عن هذه العلاقة التي تربط بين الكلمات والأفكار داخل النصوص المختلفة، وتكتسب هاتان الفكرتان "الوعي الكتابي عند المبدع"، و"الوعي النصّي عند الناقد"، خصوصيتهما عند الناقد والمبدع العربيين إذا ما تعرضنا لنصوص النقائض والمعارضات في الأدب العربي مثلاً حيث تتوفر قصدية المبدع في أن يبدع نصه في إطار "الحوار" مع نص آخر، وهنا يلبس الشاعر قناع الناقد، لأن الشاعر سيتخلّى عن جزء كبير من حريته-التي طرحها المؤلف في بداية الكتاب-، ليعتنق فكرة "الحوار"، لأن الشاعر في هاتين الحالتين سيكون مقيّدًا بنص آخر، وهنا يجب تقييم الشاعر في ضوء قدرته على التحاور أو "الحوار" مع النص الآخر.

 

    ولهذا يبدو لي أن الفرق بين نصوص النقائض، ونصوص المعارضات، يكمن في طبيعة الحوار الإبداعي، فالحوار في نصوص النقائض يتأسس على فكرة "التجاوز"، ويعكس رغبة في التفوق، لأن الحوار يتم بين نصين يتعايشان في فترة زمنية واحدة. أما الحوار في المعارضات، فيتأسس على فكرة "الانبهار/الإعجاب"، ويعكس رغبة في التقليد، لأن الحوار يتم مع نصوص تراثية مؤسِسة، وهناك فاصل زمني بين النصين. وعلى هذا فإن نصوص النقائض لا تمثل مرحلة مهمة من مراحل الحوار الإبداعي في الشعر العربي فحسب، بل تمثل نقلة نوعية في شكل القصيدة العربية وبنيتها أما نصوص المعارضات في الشعر العربي، فوعي البارودي وشوقي-في معارضاتهم الشعرية- كان يقوم على فكرة "الإحياء" أي بعث الحياة في الشعر العربي مرة أخرى، والانتقال التدريجي من مرحلة الخمول إلى مرحلة النشاط، ونجحت هذه المحاولة بفضل وعي الإحيائيين بأهمية القصيدة الكلاسيكية القديمة، وكأن تطور الشعر العربي لم يكن يتم إلا في إطار حوار المبدعين مع نصوص أخرى في مرحلة النضج.

    وهذان اللونان من الشعر-النقائض والمعارضات- يشيران إلى مرحلتين مهمتين من مراحل تطور الشعر العربي، وهذا التطور لم يكن يحدث من دون وعي بفكرة "الحوار"، فغياب هذا الوعي يجعلنا لا نرى في النقائض سوى السب والقذف والخروج على النسق الأخلاقي العربي ومخالفة التقاليد الاجتماعية.

 

الوعي النصّي في النقد المعاصر

    يستعرض المؤلف مفهوم الوعي النصّي في النقد المعاصر،على مستويين:

المستوى الأول: يذكر فيه تعريفات النقاد الغربيين أمثال رادلوف، وجاك دريدا، وبارت، وكريستيفا، وتودوروف، وجيزيل فالانسي، فيرصد وعي هؤلاء النقاد بحدود النص وتفرعاته، ويؤكد ملاحظة مهمة وهي أن "تجريد العمل الأدبي من ذات مؤلفه وتحويله إلى نص مفتوح أمام القارئ، لا ينفي أهمية فكرة الوعي الكتابي لدى المبدع، والتي لايمكن أن يقوم العمل الأدبي بدونها، كما لا ينفي فكرة الوعي النصّي لدى القارئ، والتي لا يمكن للنص أن يستمر بدونها"(ص10)

أما المستوى الثاني: فيرصد فيه الوعي النصّي عند النقاد العرب الذين تعرضوا في دراساتهم للجرجاني خاصة فيما يتعلق بفكرة الوعي النصي، فيتوقف عند ثلاثة نقاد هم، صلاح فضل، والغذامي، وجميل عبد المجيد، وذهب المؤلف إلى أن مناقشات هؤلاء النقاد لإشكالية الوعي النصّي "تدور في إطار نظري أكثر منها في إطار تفاعل الجرجاني مع نفسه أو غيره من النصوص الشعرية"(ص16،15)

 

    ولكن، هل يتفق وعي الناقد العربي بالنص مع وعي الناقد الغربي؟ أم يختلف عنه؟

سؤال تبدو الإجابة عليه غاية في الأهمية ما دمنا نتعرض لفكرة "مفهوم الوعي النصّي" كما يلوح في الأفق سؤال آخر لا يقل أهمية عن السؤال المطروح، هل يرتبط الوعي بالنص عند الناقد العربي بالثقافة العربية وتصوّراتها عن بنية النص؟ أم أنه يرتبط بالوعي النصّي عند النقاد الغربيين؟ إذا كانت الإجابة ب-(لا) عن الجزء الأول من السؤال الأول، وب- (نعم) عن الجزء الأخير من السؤال الثاني، فأستحضر مقولة المؤلف نفسه والتي يقول فيها "قد يدخل الناقد إلى القصيدة (النص) بمفاهيم نقدية جاهزة غير قابلة للتفاعل مع القصيدة (النص) فيبعد عنها بقدر ما يتمسك بتلك المفاهيم"(ص3).

    ثم يلتمس المؤلف بعض جوانب الوعي النصّي في النقد العربي، ويرصد في هذا التوجه ثنائية ضدّية مهمة، ينطلق طرفها الأول من أفكار نظرية مجردة حول طبيعة الشعر، أما طرفها الثاني، فيعكس صلة أقرب إلى النصوص الشعرية نفسها(راجع ص21،20)

    ويؤكد المؤلف العلاقة بين النظرية النقدية والنصوص الإبداعية من خلال بحثه عن "الحرية" و "الحوار" في التعامل مع النص الشعري "إننا لن نستطيع أن نطوّر نظرية في الشعر إلا من خلال الشعر نفسه، فالنظرية تطوّر النصوص كما تطوّر النصوص النظرية، والشاعر ليس إنسانًا غبيًا، كما أننا لسنا أكثر ذكاءً منه بالضرورة. كل ما في الموضوع أنه يفكر بالشعر في الشعر، ونحن نفكر بالنثر في الشعر، وتفكيره يتجلى في وعيه الكتابي، وتفكيرنا يتجلى في وعينا النصّي، ونحن نطوّر تفكيرنا من خلال تفكيره، بقدر ما نطوّر تفكيره من خلال تفكيرنا. وإذا كان هذا أمرًا ممكنًا في عصر النصيّة الشفوية- إذا جاز التعبير- فإن إمكانه في عصور النصيّة الكتابية مسألة بدهية"(ص22).

 

    هذه الفقرة تثير العديد من التساؤلات، هل يمكننا القول: إن استدعاء الناقد العربي الحديث لسؤال الوعي، قد حقق فعلاً ما كان يرمي إليه من أهداف فكرية وحضارية، تجعله قادرًا على مراجعة إطاره المرجعي النقدي في ضوء سؤال الوعي بالنص وإشكالياته؟، وهل استطاع العقل النقدي العربي مغادرة منطقة التلقي لفكر الآخر، إلى منطقة المساءلة والمراجعة-على نطاق جماعي- بشكل يمكننا الآن من القول بأن المساءلة والمراجعة- وليس التلقي والتقليد- قادرتان على تقييم كل ممتلكاتنا الفكرية، نقدية، أو إبداعية؟!

    هذه التساؤلات تجعلنا نواجه ما إذا كان الإطار المرجعي النقدي العربي، استطاع أن يؤسس فلسفته، وأن يشرّع لنقد خصوصي يمكن للوعي المعاصر أن يطوّره، وهو ما أشار إليه المؤلف في موضع آخر، وسوف نعود إلى هذه النقطة لاحقًا.

 

    إن أهمية هذه التساؤلات تكمن في أنها تؤدي بالمعرفة إلى موضع المساءلة -وهو ما أهدف إليه في هذه المراجعة- لأن المعرفة -هاهنا- ليست هي الهدف، وإلا توقف البحث بمجرد الحصول عليها، ولكن ينبغي علينا إعادة مساءلتها باستمرار، فالسؤال -هاهنا- هو الوجه الجديد للمعرفة.

    والفقرة المقتبسة أعلاه من كتاب عز الدين، تطرح إشكالية العلاقة بين النص، والمبدع، والناقد، في إطار سؤال معرفي مضمر، يحتفظ بحق كل طرف من الأطراف الثلاثة في معرفته الخاصة، ويحتفظ في الوقت نفسه باستقلالية وتفاعل كل طرف في إطار علاقته بالأطراف الأخرى، فالوعي الكتابي يختلف عن الوعي النصّي، ولكنه يطوره في الوقت نفسه، ويأتي النص ليطوّر النظرية، والنظرية من صنع الناقد.

    أن المعرفة -هاهنا- لا تتأتى من خلال الاستنتاج من بين الأفكار، بل تتأتى من القفز المعرفي -إذا جاز التعبير- بين الأشياء، بين النص، والمبدع، والناقد، والنظرية. فالمعرفة هي التي تسد الفراغات بين هذه الأشياء، ومن ثم تؤسس لعلاقات مختلفة بينها على الرغم من تباعدها.

 

    ولن أتوقف كثيرًا أمام هذه العلاقة المركبة التي يدعو إليها عز الدين (الحرية من أجل الحوار، أو الحوار كسبيل للحرية) لأنه بات مطالبًا الآن بتطبيق هذه الأفكار على نصوص إبداعية شعرية أو نثرية، بعد أن أثارها على المستوى النقدي، إلا أننا نود الإشارة أخيرًا إلى أن عز الدين ربما يبحث في الوعي لتكوين علاقات مغايرة مع الأشياء، أو يخترق الفراغات الفكرية النقدية بالوعي الحداثي، ويحاول عز الدين استدعاء "النقدي التراثي" إلى حظيرة التشكيل النقدي الحداثي، ويتخذ من الوعي بالذات مدخلاً رئيسًا نحو تحقيق هذا الاستدعاء، فالتحول الحاسم في العقل النقدي العربي ما بعد الحداثي، يرتكز على إعادة اكتشاف أهمية الفكر التراثي، من حيث هو فكر خصوصي لم يكتشف بعد، وبالتالي تحقيق التجاوز الصعب للجدل بين ثنائية التراث/ الحداثة، وذلك بزيادة تفعيل الدور الفكري للتراث، بعد أن ظل هذا الدور محجوبًا طويلاً لحساب تصوّر العقل العربي النرجسي لنفسه. فيقول عز الدين "وإذا ذهبنا إلى الجانب العملي من النقد العربي القديم وجدناه أكثر حيوية في التعامل مع النصوص الشعرية من ناحية، وأكثر قدرة على المنافسة في توليد نصوص نقدية حديثة من تلك المناقشات النظرية التي تدور حول نفسها من ناحية أخرى"(ص25،24)، ويتخذ عز الدين من "شروح الشعر" و "المختارات الشعرية" بأنواعها المختلفة، وكتب "الطبقات"، و "الموازنة"، و "الوساطة"، و "الإعجاز" وغيرها من الكتب التراثية مجالاً لتطبيق أفكاره، فيلحظ على سبيل المثال أن شروح دواوين الشعر ومختاراته تقوم أساسًا على فكرة القصيدة الكاملة، وما فيها من تعدد المعاني للأبيات حسب تعدد الروايات، بالإضافة إلى تداخل الشروح وتفاعلها ومصادماتها في أحيان كثيرة مع شرح آخر عبر الحواشي والزيادات والتعليقات( راجع ص26،25).

    ويركز عز الدين بصفة خاصة -هاهنا- على شرح التبريزي للمفضليات، فيرصد الوعي النصّي عند التبريزي ببنية القصيدة وارتباط أجزائها بعضها ببعض سواء على مستوى البيت ومابعده، أو على مستوى الجملة الشعرية، أو على مستوى الأجزاء الأساسية للقصيدة من نسيب، ورحيل، وفخر(راجع ص33،28).

 

    هنا يصبح التراثي باعثًا على التمعّن والتامّل أكثر مما يدل عليه، والوعي بالنص -عند الناقد العربي القديم- هو الجاذبية الفكرية لاستجلاب الفكر الحداثي إلى صرحه، لأن التراثي العربي، هو الذي سيخلّص الحداثي العربي من محنته الفكرية والثقافية، ويعيد إلى تكوينه القدرة على "الحوار". ولكن, هل الوعي النصّي –في النقد الحديث- وحده قادر على جذب التراثي والحداثي إلى صرحه دون أن يخالطه سؤال بالوعي الثقافي؟. إن الوعي النصّي يكشف عن حدود النص، وطبيعته، ولكن، ماذا عما وراء النص؟

    إن قراءة عز الدين لشرح التبريزي بوصفه متفاعلاً مع شرحي الأنباري والمرزوقي، وقراءته لعبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة بوصفه "ظاهرة نصّية" -على حدّ تعبير عز الدين نفسه-, تتحسس النصّي وتعثر عليه في أجلّ صوره من خلال قفزاته المعرفية بين نقاد الجرجاني، وهم كثيرون.

وهذه القفزات لا تعني أن عز الدين أراد بها إقامة جسر معرفي بين آراء هؤلاء النقاد، ولكنها تبدو مستغرِقة في أفكار هؤلاء لتحقيق قفزة نقدية أعلى تبدو متسائلة عن: هل النص في التراث النقدي العربي مجرد اصطلاح؟ أم أنه شئ جوهري حقًا؟ هل هو أداة أو وسيلة بحثية يكوّنها وعي الناقد بهدف تدشين خصوصية لهذا النوع عما يغايره من أشياء؟

    إن ربط عز الدين فكرة الوعي النصّي بالوعي الكتابي، ومحاولة استقصائها في فكر الشاعر من خلال أمثلة ذكرها عز الدين لشعراء ذي وعي كتابي (راجع ص54-61)، تؤكد ممارسته القفزات النقدية المطروحة أعلاه، كما أن رصده لفكرة "التحاور" في أسلوب الجرجاني والتي لها جاذبيتها الخاصة، تشير إلى نوع جديد من الوعي المتجه إلى تكوين علاقات بين عناصر المنظومة "وأسلوب عبد القاهر في الأسرار يغري قارئه بمجاراته والتماهي معه بصورة أو بأخرى، حتى ليصبح أسلوبه نصًا من النصوص النقدية التي تنافس الشعر الذي تتناوله دون أن تحاول تجاوزه، لأنها تحاور نص الشاعر والقارئ وتحاور نفسها"(ص54)

 

    إن هذا الافتراض يجعل من النص النقدي نصًا موازيًا للنص الشعري في التراث العربي القديم، وعلينا نحن المحدثين أن نعمل قدرتنا في التمييز بين المعرفة في كلا النصين، مع الوضع في الاعتبار أن المعرفة في النص النقدي تحاور معرفة النص والقارئ، بالإضافة إلى محاورة نفسها، أما المعرفة في النص الإبداعي، فتحاور الإطار المرجعي الثقافي والايديولوجي الذي ينتمي إليه المبدع، وقد التفت ابن الأثير إلى هذه النقطة، حين اشترط على البلاغي/المبدع معرفة ثمانية ألوان من المعارف(راجع المثل السائر، ج1 ص58،57) منها الاطلاع على ثقافة السابقين "إذا كان الأديب مطلعًا على المعاني المسبوق إليها قد ينقدح له من بينها معنى غريب لم يسبق إليه"(المثل السائر، ج1 ص82)، وهذه الخطوة تبدو -لنا- من أهم الخطوات نحو تحقيق القفزة نحو مساءلة المعرفة المرجعية والحداثية معًا. وأختتم هذا الجزء بمساءلة عز الدين نفسه، عما ينبثق الوعي النصّي؟ هل ينبثق من علاقة الناقد بالنص والرغبة في إنتاج خطاب مشترك يجمع بين فكر الناقد والمبدع؟ أم ينبثق من الصراع الايديولوجي بين الإثنين، ورغبة الناقد في إثبات وجوده كرقيب على المبدع، وكوسيط بين المبدع والمتلقي في الوقت نفسه؟ هل انبثق الوعي النصّي في التراث النقدي القديم في صورة خطاب موازٍ للوعي النصّي الديني ممثلا في القرآن الكريم؟ هذا السؤال يبدو مهمًا إذا ما وضعنا في الحسبان أهمية النظم القرآني عند عبد القاهر الجرجاني، والنوع السادس من المعارف التي اشترطها ابن الأثير على المبدع، وهذا النوع يتعلق بحفظ القرآن الكريم، والتدرّب باستعماله، وإدراجه في مطاوي كلامه فيقول (المثل السائر ص85): إذا عرف المبدع مواقع البلاغة وأسرار الفصاحة المودعة في تأليف القرآن، اتخذه بحرًا يستخرج منه الدرر والجواهر، ويودعها مطاوي كلامه، كما فعلت أنا فيما أنشأته من المكاتبات.

    إن هذه التساؤلات تبحث في إمكانية التعرّف على مرجعيات الوعي النصّي عند الناقد العربي القديم، وهذه التساؤلات تفتح الباب أمام إعادة النظر في قراءة التراث النقدي القديم، لأنه يجب علينا أن نعيد له "حُلله" أي جاذبيته من خلال إدخاله طرفًا في الحوار مع منجزات الفكر النقدي الحداثي، ومساءلة الإثنين معًا حتى نتمكن من إنتاج المعرفة، لأننا في هذه الحالة نكوّن فكرة جديدة عن التراث يمكن تداخلها في علاقة ما مع الفكر الحداثي، وبهذا نتمكن من اكتشاف المعنى الحقيقي للتراث، والمعنى الحقيقي للحداثة، وسوف تؤدي هذه الاكتشافات إلى وعينا بمنجزات الآخر في ضوء وعينا بأنفسنا.

 

 

 

 النفس كملمح للوعي الكتابي

    لا يقصد عز الدين بالوعي الكتابي، الكتابة المادية المطروحة أمام الجاهل والمتعلّم، ولكنه يقصد القدرة على الاستبطان الذاتي، ومحاولة التعبير عن هذا الاستبطان سواء بالكتابة المادية أو عدم استخدامها.

    ويحاول عز الدين إدخال النفس في علاقة من نوع ما مع الكتابة، على اعتبار أن الكتابة تمثل علامة جوهرية في ارتقاء النفس(راجع الهامش رقم5 ص128)، وعز الدين ينأى بهذا التوجه عن الفهم التقليدي لفكرة الكتابة، وهذا صحيح لسبب جوهري، هو أن الكتابة تعبّر حقًا عن نقلة مهمة في وعي النفس من مرحلة الشفاهية والتعبير الشفاهي، إلى مرحلة الكتابية والوعي الكتابي، أو الانتقال من مرحلة "الصوت"  وأهميته في الحياة إلى مرحلة "الأثر" وأهميته أيضًا في الحياة، على اعتبار أن الصوت يمثل مرحلة الشفاهية في الوعي الإنساني، والصوت "دال" ثقافيًا، وله سياقه، أما "الأثر" فيمثل مرحلة الكتابية في الوعي الإنساني، والانتقال إلى مرحلة الكتابية يعني الانتقال من المدلول إلى الدال، وأن الصورة الكتابية/الدال، تستحضر-دائمًا- المدلول/الثقافة كجزء من استراتيجيتها في الحصول على المعنى، وبالتالي فإن الكتابة تحمل الدال والمدلول معًا.

 

    ولكن، يبدو أن عز الدين انشغل في بداية هذا البحث بإثبات النفس كموضوع للتأمل عن إيضاح طبيعة العلاقة بين النفس والكتابة، فاكتفى بالإشارة إلى أن الوعي بالنفس عند الشعراء يقترب بما نسميه الوعي الكتابي، حيث يمثل الأخير وعيًا ذاتيًا يكتسب قيمته الأساسية من استيعابه مفهومًا للكتابة/الأصل، السابقة عن الكلام نفسه! دون أن ينفصل هذا المفهوم عن الكتابة المادية بالضرورة. ويحاول تلمّس العلاقة بين النفس ومفهوم الكتابة من خلال اللجوء إلى سؤالين من الهوامل والشوامل لأبي حيان التوحيدي. السؤال الأول يتعلق بالعلم والجهل، ويلحظ عز الدين الاستعارة الدالة التي أعطاها مسكويه لعملية الجهل (أو عدم العلم)، حيث صوّره بلوح الكتابة الذي لا كتابة عليه، في مقابل إثبات الكتابة وصور الحرف الذي يكوّن بتكلّف ومشقة، فهي استعارة كتابية أصلية تصوّر معنى الوعي الكتابي وصلته بإثبات النفس الإنسانية وجودها وتجاوزها مرحلة الحيوانية(ص74-75). أما السؤال الثاني، فيتعلّق بحرص الإنسان على ما مُنِع، وزهده فيما مُنِح، ويلحظ عز الدين الوعي الكتابي من خلال مشقة النفس في استكمال وجودها في الإنسان بالتصوّر، والتذكّر، ويربط هذه العملية بتاريخ الإنسانية، حيث يتصور فكرة الكتابة (الأصل) ذاتها أولاً، ثم باكتشاف الكتابة ثانيًا (ص75).

 

    إن الربط بين الذات/النفس، والكتابة في الوعي الكتابي، يتيح للفكر النقدي أن يتجول بينهما مفيدًا من علم النفس بالدرجة الأولى في تفسير النص الأدبي، دون أن يهتم بطرف على حساب الآخر، وهنا يمكننا استخلاص فكرة جديدة تؤكد أن سؤال الكتابة قادر على استدعاء الذات، بالإضافة إلى توفير الشروط اللازمة لتواجد الذات في الكتابة، وبرهانية الكتابة على إشباع حاجات النفس المعرفية، ومن خلال هذه العلاقة تتولّد المعرفة، لأن النفس تجد في الكتابة ملاذًا من التحريف والضياع.

    إن حديث عز الدين عن علاقة النفس بالكتابة يظهر تطورًا إيجابيًا في الفكر النقدي العربي في العصر الحديث، والذي يبدو - في جزء كبير منه - متوترًا، وهذا التوتر ناجم عن إغراءات الفكر الليبرالي الحداثي من ناحية، ورغبته في الولاء للفكر الأصولي القديم من ناحية أخرى، ويعود أساس هذا الكلام إلى أن عز الدين اتخذ الوجه المتطور للفكر الحداثي الذي يفيد من منجزات العلوم الإنسانية مرتكزًا رئيسًا في قراءة النص التراثي القديم، والملاحظ أن عز الدين أفسح مساحة كبيرة لإثبات العلاقة بين النفس والكتابة فتعرّض لأهم النصوص الفلسفية العربية القديمة، والغربية الحديثة التي تناولت النفس بالتحليل، خاصة النصوص التي جعلت من النفس جوهرًا خالدًا، وشوقها إلى تحصيل العلوم والمعارف(راجع ص76-81). ثم انتقل إلى تناول موضوع النفس في القرآن الكريم ودلالتها على الذات جسمًا وروحًا، كما تناول مفهوم النفس في المعاجم اللغوية القديمة كلسان العرب، وعلاقة هذا المفهوم بمعناه في القرآن الكريم(راجع ص91-94).

    وأهم ملاحظة يمكن تسجيلها - ها هنا - أن عز الدين يبحث عن العلاقة من حيث حضورها وغيابها، ولم يبحث في العلاقة نفسها، وعن تطوّرها عند الفلاسفة العرب والغربيين وعلاقة هذا التطور بمعناها في الشعر العربي القديم. فيرصد ثلاثة محاور أساسية تدور حولها "النفس" في الشعر الجاهلي(ص98،97)، المحور الأول: الإشفاق على النفس المتضمن خشيتها ولومها وشكواها وخبثها، والمحور الثاني: إكرام النفس والمحافظة عليها، والمحور الثالث: التضحية بالنفس، وهو سياق يرتبط بالموت على نحو مباشر، ثم ينظر في هذه المحاور الثلاثة من خلال نماذج من الشعر الجاهلي (راجع ص98-109).

     إن رصد النفس والوعي بها على النحو السابق، يجعل منها موضوعًا للتفكير والاهتمام من قبل المبدع، هذا الوعي الذي سوف يمكنه من إدراك العالم من حوله، وربما تكون هذه النقطة هي التي جعلت عز الدين يلحظ تواصل امرئ القيس، والمتلمس، وأبو العلاء شعريًا من خلال الوعي الكتابي بالنفس عبر صيغ شعرية بعينها(راجع ص109).

    إن التواصل الذي رصده عز الدين - على النحو السابق - يثير أسئلة ذات صلة بين النفس كموضوع للتفكير يشمل الإحساس والدافع والرغبة والانفعال، والنص كترجمة لهذه الدوافع والأحاسيس والرغبات، أو كسياق يحفظ الأفكار والأشياء، ففي الوعي الكتابي، تتحول الأشياء والأفكار إلى مدركات بعد تدخل الوعي بها، وتستنسخ النفس نفسَها، تحاكيها تارة وتثنيها تارة أخرى، وتعيد طرح نفسها كموضوع للتأمل، ومن هنا توطّد النفس علاقتها بالكتابة على حساب الكلام، لأنها بفعل الكتابة سوف تحول العالم الطبيعي/الشفاهي، إلى عالم إبداعي تستطيع تسجيل أبعاده الجمالية.

    والنقطة الجوهرية التي يؤكدها عز الدين، أنه لا يمكن الفصل بين سؤال الوعي، وسؤال التراث، وعلاقتهما بسؤال الحداثة، وهذا التوجّه يمهد لفلسفة نقدية عربية تهتم بأنطولوجيا الحاضر، وأهم ما تتميز به هذه المحاولة، أنها تحاول إبراز الخلفيات التاريخية للحداثة في الفكر العربي، حيث يختزلها عز الدين فلسفيًا في"الوعي بالذات"، "النفس كموضوع"، "الحرية"، "الحوار"، وغيرها من المصطلحات ذات البعد الحداثي، بالإضافة إلى تعرّضه لإشكالية "المفهوم"، والتي تبدو – من وجهة نظري- أساس أزمة الحداثة في العقل العربي، والتي هي أزمة معنى بالإضافة إلى سوء الفهم، وأدى هذا إلى سيادة نزعة سادية ذات تصوّر ذاتي عن الحداثة جعلتنا نركن إلى مسلمات التراث، ولا نثق في منجزات الحداثة.

 

 

 

                                                      

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شــــــــــروخ( الأنا ) واستبداد( الآخر )

                       أسئلة الثقافة في خطاب الشعر الثـــــوري

              قصيدة " الضّياء" لمحمود حسن إسماعيل أنموذجًا

 

مجلة عجمان للدراسات والبحوث ( الإمارات العربية المتحدة)                                                                                                                            

 

    انخرط منذ سنوات عدد غير قليل من الباحثين العرب في مواجهة أسئلة الثقافة داخل النصوص الأدبية بهدف تعيين إشكالاتها، وصياغة ما يسهم في إزالة الغموض عن بعض المفاهيم، وحلّ الالتباسات المعرفية التي نشأت عن سوء قراءة هذه النصوص. ودافعنا الأساس، يهدف إلى إجراء مقاربة معرفية ترمي إلى بناء نمط ثقافي لقراءة النصوص في ضوء الثقافة التي أنتجتها، ومن ثم تسعى هذه المقاربة إلى مساءلة البنية الثقافية لنص أدبي عن الثورة، وعلاقته بالفكر الاجتماعي الذي أنتجه، من خلال طرح أسئلة تتعلق بالطرق التي تتشكّل بها الثقافة داخل النص، واستراتيجيات حضور النسق الاجتماعي الثوري داخل النص الشعري، والبحث، لا يهدف بهذا المنحى إلى فحص المعارف والأفكار، بقدر ما هو بحث في استراتيجيات المعرفة، وشروط إمكان الفكر. إنه لا يرمي إلى إظهار آليات جمال النص الأدبي، ومعاييره الأدبية؛ بل يرمي إلى البحث في الأبنية المعرفية والممارسات الفكرية التي تتيح للخطابات أن تتشكّل وتنتشر، ولأنظمة المعرفة أن تبدو في وضوح للعيان، للخروج من سِحر إشكالية الذات والموضوع، إلى فضاء السؤال عن الوجود.

 

     ينطلق البحث – إذًا- من سؤال الثقافة، وهو سؤال لا يكتفي بالموجود وتعريته والحكم عليه، وإنما هو استقصاء للمغيّب، والمُستبعَد، يتعامل مع النص بوصفه مادة للبحث في المعرفة الأدبية، والكشف عن آليات الحجب، والتحوير، والخداع، التي تمارسها الإيديولوجيات الثورية من خلال خطابها الشمولي، حيث يفرض هالة من القداسة على هذه الإيديولوجيات، ويخرجها من دائرة السؤال إلى دائرة التسليم، أو من دائرة المدنَّس إلى دائرة المقدَّس.

 

     إن قراءة الفكر الثوري من خلال نص " الضّياء" لمحمود حسن إسماعيل؛ تقوم على التعامل مع النص الشعري، بوصفه حقلاً معرفيًّا كاشفًا عن الأنساق الثقافية للفكر داخل نص يخضع هو الآخر لنسق أدبي، ويحتاج إلى مساءلة!. ولذا سوف يستخدم البحث مصطلحات وأدوات جديدة في التحليل، بالاعتماد على الإنجازات المعرفية في النقد الثقافي الذي يُفيد من الحقول المعرفية المختلفة في قراءة النصوص. فإلى أي مدى نجح محمود حسن إسماعيل في قراءته للثورة؟ وما الأدوات التي استخدمها البحث في قراءة الفكر الثوري؟ وما النتائج التي يمكن أن يتوصل إليها من خلال مساءلته لنص يكشف عن الكثير من الالتباسات في الفكر العربي إبّان الثورة؟.

 

البريد الإليكتروني

  

A_fattah_youssef@hotmail.com

 

الهاتف 0568382319

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx