فوائد الأشجار والنباتات
فى القرآن والسنة
د. نوبي محمد حسن
تعددت وتنوعت نعم الله عز وجل على الإنسان فى كل جانب من جوانب الحياة، قال تعالى: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم" (النحل: 18)، ومن مخلوقات الله ما هو يقدم النفع والفائدة للإنسان بشكل مباشر ملموس ومحسوس، ومنها ما يقدم هذه الوظائف بشكل غير مباشر، ومنها ما يقدم هذه الوظائف بشكل مباشر وغير مباشر فى آن واحد. والتأمل فى هذه النعم يرتقى بإيمان الفرد إلى درجات عالية، فهو يستشعر قدرة الخالق عز وجل على التدبير والترتيب والتنظيم المحكم المتقن، كما يلمس صفة الكرم التى تليق بجلاله، ويدرك الأهداف التى من أجلها أنعم الله عليه بهذه النعم، يقول جل وعلا: "إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لأيات لأولى الألباب * الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار" (آل عمران: 190-191).
وتعد الأشجار والنباتات من نعم الله العظيمة التى تحقق فى الحياة وظائف متنوعة وفوائد عدة، منها ما هو ملموس ومنها هو محسوس.
وفى هذا البحث المختصر نحاول مستعينين بالله عز وجل أن نلقى الضوء على بعض الوظائف التى تقوم بها الأشجار والنباتات والفوائد تقدمها فى الحياة.
الشجر والنبات يسجد لله ويسبحه:
قال تعالى: "والنجم والشجر يسجدان" (الرحمن: 6). كما قال جل وعلا: "تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً" (الإسراء: 44). ويا لها من أعظم وظيفة وأكرم فائدة، وهى عبادة الله وتسبيحه سبحانه وتعالى.
الأشجار والنباتات دليل على الحياة:
لقد ارتبط اللون الأخضر المميز للأشجار بالحياة عكس اللون الأصفر. فقال سبحانه تعالى فى تأكيد ارتباط اللون الأخضر بالحياة: "وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء فأخرجنا منه خضراً .." (الأنعام: 99)، بينما عبر عن الدمار باللون الأصفر فقال جل وعلا: "اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فى الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً .." (الحديد: 20). كما قال تعالى: "وقال الملك إنى أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات .." (يوسف: 43). وهذا ما نشعر به عند المرور فى الصحراء فعندما نرى الأشجار نحس بأن فى هذا المكان حياة أو أسباب الحياة. ولعل الناظر المتأمل إلى قول الحق تبارك وتعالى فيما جاء على لسان سيدنا إبراهيم (عليه السلام) يستطيع أن يلمس مدى أهمية الأشجار والنباتات لحياة الإنسان، حيث يقول الله عز وجل: "ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" (إبراهيم: 37).
وعن أهمية الزراعة والخضرة ودورها فى الحياة، يقول "مالكوم ويلز" Malcolm Wells : "خذ بعيداً كل الحكومات والجيوش والصناعة وخذ المواصلات وخذ أيضاً السيارات والمدن والمستشفيات والمدارس والمكتبات. خذ بعيداً الكهرباء والملابس والأدوية والشرطة خذ كل شئ واترك لنا المزروعات الخضراء، وسوف يحيى معظمنا ولكن إذا أخذت المزروعات فسوف نموت جميعاً"[1]، ويكشف لنا هذا القول الأهمية الكبيرة للمسطحات الخضراء والتى قد تسبق أولوية تحقيقها أولوية تحقيق الخدمات المختلفة داخل المدينة أو فى المواقع السكنية المختلفة.
الأشجار والنباتات مصدر الطعام للإنسان والدواب:
يقول الله تبارك وتعالى: "هو الذى أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون" (النحل: 10) (تسيمون: أى ترعون فيه دوابكم ويعود عليكم درها ونفعها)[2]. كما قال جل وعلا: "وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً" (مريم: 25). وكذلك النحل الذى يتغذى على الشجر فينتج العسل وهو طعام وشفاء للناس، فيقول سبحانه: "ثم كلى من كل الثمرات فاسلكى سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن فى ذلك لأية لقوم يتفكرون" (النحل: 69). كما قال سبحانه وتعالى: "أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون" (السجدة: 27). ولعل ذلك من الوظائف المباشرة وغير المباشرة التى تؤديها الأشجار والنباتات، إذ بجانب أنها طعام للإنسان لما يخرج منها من ثمار، فهى أيضاً طعام للدواب التى تتغذى عليها ويتغذى الإنسان على لحومها وألبانها.
ويؤكد الرسول (صلى الله عليه وسلم) على دور الأشجار فى توفير الطعام للإنسان والدواب والطيور، بقوله: "ما من مسلم يغرس غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة"[3]. ولقد غرس الصحابى الجليل أبو الدرداء شجرة جوز، وهو شيخ طاعن فى السن، فسأله أحدهم: أتغرس هذه الجوزة وأنت شيخ كبير وهى لا تثمر إلا بعد كذا وكذا من السنين؟ فأجابه: وماذا علىَّ أن يكون لى ثوابها ولغيرى ثمرتها[4].
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يفطر على التمر فى رمضان، وقد أثبت العلم الحديث ما فى هذه السنة الكريمة من حكمة عظيمة ومنفعة محققة، فالتمر يحتوى على نسبة عالية من المواد الكربوهيدراتية والسكريات معظمها من سكر القصب وكذلك سكر الفاكهة أو الفركتوز والجلوكوز، وهو سهل الاحتراق ويستفيد الجسم منه فى إنتاج طاقة عالية وسعرات حرارية كبيرة، ويتولد عند تناول 100جم من التمر 284 سعراً من الطاقة فى الجسم، وهذه الكمية الكبيرة من السكريات الموجودة فى التمر تعطى طاقة للصائم عند تناول إفطاره، وتمثل بسرعة، فيستفيد منها أعضاء الجسم وخاصة المخ الذى تعتبر المواد السكرية من أهم مقومات غذائه وبالتالى ينشط الصائم ويستعيد قدرته ولياقته بسرعة. ومن فوائد التمر للصائم أيضاً أنه يمد الجسم بالكمية اللازمة من البوتاسيوم مما يعيد إلى خلايا الجسم وأنسجته خاصية الاحتفاظ بالماء وانتعاش الإنسان عقب الصيام حيث يفقد حوالى 80 جم من البروتينات يومياً وحوالى 1600 مجم من البوتاسيوم والتى يعوضها تناول التمر عند الإفطار، وكذلك فإن البوتاسيوم له تأثير مباشر على عضلات الأمعاء ولذلك فتناول التمر ينبه حركة الأمعاء وينشطها لاستقبال وهضم الطعام[5].
كما أجريت بعض التجارب المعملية على نوى البلح لاستخدامه كعلف للحيوانات، وتبين أن مسحوق نوى البلح يزيد من أوزان هذه الحيوانات فقد زادت أوزان الأرانب بمقدار 7% وزادت الطيور بمقدار 15%[6].
وقد ثبت أن عصير البرتقال له قيمة غذائية وطبية عالية، فهو غنى بالمواد الكربوهيدراتية التى توجد بنسبة 11.20%، منها 8.80% مواد سكرية أهمها الفركتوز والجلوكوز والسكروز، وهذه الأنواع السكرية من أسهل العناصر الغذائية هضماً وامتصاصاً وتمثيلاً فى الجسم، وهى مصدر الطاقة الحرارية المطلوبة، وعصير البرتقال من أغنى الأغذية بالأملاح المعدنية وبخاصة الكالسيوم والبوتاسيوم والحديد والصوديوم، كما يحتوى على نسب عالية من الأحماض النباتية مثل حمض الليمونيك الذى يكسبه الخواص الحمضية[7].
هذه بعض النماذج على القيمة الغذائية لثمار بعض الأشجار، ولاشك أن هناك العديد من الأمثلة التى يصعب سردها فى هذا البحث المختصر، والتى ربما تحتاج إلى موسوعات خاصة تبين فوائدها وقيمتها الغذائية للإنسان والدواب.
الوظائف الطبية للأشجار والنباتات:
أثبتت الأبحاث والتجارب العديدة فى مجال الطب الشعبى والتداوى بالنباتات والأعشاب أن هناك العديد من الأشجار والنباتات والأعشاب التى لها فوائد طبية عديدة، مما يصعب حصرها فى هذا المجال[8].
ومن الأمثلة على دور الأشجار والنباتات فى الطب ما ورى عن سعد (رضى الله عنه) قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من تصبح سبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر"[9].
وقد استخدم التمر فى الطب القديم كمنشط للكبد ومعالجة البواسير وملين طبيعى لمن اعتادوا على تناوله يومياً لاحتوائه على الألياف، ومرمم للأعصاب ومؤخر لمظاهر الشيخوخة وملين للشرايين والأوعية الدموية ومهدئاً للسعال طارداً للبلغم ومنظف للكلى والحصى والرمال[10].
كما ثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة (رضى الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "عليكم بهذه الحبة السوداء، فإن فيها شفاء من كل داء إلا السأم"[11].
كما أن عصير البرتقال غنى بالفيتامينات وأهمها فيتامين "ج" الواقى من الأمراض وخاصة نزيف اللثة. كما يؤكد أطباء العرب الأوائل أن شرب منقوع قشور البرتقال الجافة مفيد فى علاج المغص الآلام المعدية والغثيان وإيقاف القىء والزيف، كما يستخدم فى علاج الحمى[12].
الوظائف الفيزيولوجية للأشجار والنباتات:
لقد أثبت تقدم العلم أن للأشجار والنباتات وظائف أخرى ومنها أنها ذات ضرورة فيزيولوجية باعتبارها ذات قدرة على امتصاص ثانى أكسيد الكربون وإنتاج الأكسجين.
وتلعب المسطحات الخضراء دوراً بارزاً بالنسبة لحياة البشر من جهة، وبالنسبة للتوازن الأيكولوجى من جهة أخرى، باعتبارها ذات قدرة على امتصاص ثانى أكسيد الكربون وإنتاج الأكسجين[13].
فشجرة زان كاملة النمو – على سبيل المثال - تمتص من الهواء ما يزيد عن 2.5 كجم من ثانى أكسيد الكربون وتنتج فى الهواء 1.7 كجم من الأكسجين كل ساعة، أى أن هذه الشجرة تنتج من الأكسجين ما يكفى احتياج عشرة أفراد لمدة سنة كاملة[14].
وقد حسب أن هيكتاراً واحداً فى متنزه إحدى المدن بما يحويه من أشجار وشجيرات وحشائش يمتص من الهواء 900 كجم من ثانى أكسيد الكربون ويطلق فى الهواء 600 كجم من الأكسجين وكل ذلك خلال اثنتى عشرة ساعة[15].
الوظائف النفسية للأشجار والنباتات:
تتجلى حكمة الخالق تبارك وتعالى فى جعل الأشجار والنباتات تتسم باللون الأخضر لما يحققه هذا اللون من الراحة النفسية للإنسان، وما يؤكد أن اللون الأخضر يحقق الراحة والهدوء النفسى أن الله سبحانه وتعالى قد جعله لون الوسائد فى الجنة فقال تعالى: "متكئين على رفرف خضر وعبقرى حسان" (الرحمن: 76) (أى وسائد ذات أغطية وفرش حسان)[16]، كما جعله الله سبحانه وتعالى لون ثياب أهل الجنة فقال جل وعلا: "عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق .." (الإنسان: 21). وهذا من عجائب القرآن، ففى دراسة بحثية أجراها "على المفتى" عن خلايا الشبكية وعلاقتها بالألوان خلص فيها إلى أن 80% من خلايا شبكية العين مخصصة لاستقبال اللون الأخضر مقابل 20% للونين الأحمر والأزرق، وهو يرى أن هذه النتائج تفسر الراحة النفسية والإشباع البصرى الذى يسببه التعرض للون الأخضر، كما أضاف أن اللون الأبيض يقلل من حدة الإبصار، والأحمر يثير الانتباه[17].
كما يبين سبحانه وتعالى دور الأشجار فى تحقيق البهجة والجمال: "أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها .." (النمل: 60).
وتعد الأشجار والنباتات من أهم وأجمل المظاهر الطبيعية فى المدن، لتغير أشكال كتلها وتكويناتها، ولتغيراتها المستمرة فى كل موسم أو فصل من فصول السنة، لأن تتابع الفصول يتبعه تغير فى ألوان الأشجار والنباتات وفى حالتها من حيث تواجد الأوراق أو تساقطها، فأشجار الزان – على سبيل المثال – نلاحظ أن لون أوراقها أخضر فاتح فى فصل الربيع، ثم تتكاثف ويتحول لونها إلى الأخضر الداكن فى فصل الصيف، ثم يميل إلى اللون البرونزى فى فصل الخريف. كما أن الثلوج والندى والأمطار تكسب الأشجار تأثيرات وتكوينات جميلة. هذا بجانب أن الأشجار تذكرنا بالأشكال الطبيعية وما أودع الله فيها من جمال وحركة وحياة[18].
كما أن للأشجار فائدة كبيرة على صحة السكان من الناحية الفسيولوجية، حيث أن لها تأثيراً مهدئاً على الحالة النفسية لسكان المدينة وخاصة الذين يعملون فى مهام مرهقة، فإن الخضرة تعيد لهم التوازن بسهولة إذا ما تأملوا المناظر الطبيعية. إن الحدائق هى إحدى الروابط القوية بين الإنسان وبيئته، ولقد شعر الإنسان منذ بدء الخليقة بحاجته الشديدة إلى وجود مكان تهدأ فيه نفسه بالتطلع إلى جمال الطبيعة ويعوضه عن عناء مشقة عمله[19]. كما يكتسب الأطفال قدرات جديدة لمجرد خروجهم إلى هذه الأماكن المفتوحة للعب أو الالتقاء بأقرانهم وتغيير جو البيت المعتاد، مما يساعدهم على النمو السليم من الناحية العضوية والنفسية والاجتماعية.
وعند تكامل الإضاءة - سواء أشعة الشمس أو الإضاءة الصناعية التى توضع بين أفرع الأشجار – مع مظهر الأشجار ولونها الأخضر، فإن الصورة الحسية والجمالية تبدو رائعة أكثر، نظراً لدور الضوء فى تغير اللون الأخضر إلى درجات وفقاً لقرب الأفرع أو بعدها من مصدر الضوء. كما أن جذوع الأشجار وأفرعها ذات الخطوط المنحنية والمتنوعة بجانب حركتها مع الرياح والنسمات الخفيفة الحانية تساعد على عدم الإحساس بالملل والرتابة التى تصاحب التكوينات الهندسية للمبانى التى تتكون من خطوط هندسية مستقيمة ومتشابهة، والتخلص من الملل والتكرار المنتظم من أهم العوامل التى تعمل على تحقيق التنوع والإحساس بالراحة والجمال.
|
استخدام الأشجار فى المواقع السكنية يضفى على النفس متعة وراحة نفسية
|
|
الوظائف البيئية للأشجار والنباتات:
ومن أهم الوظائف البيئية للأشجار والنباتات:
* التظليل: قال تعالى: "والله جعل لكم مما خلق ظلالاً .." (النحل: 81) وتفسير ذلك أن الله جعل لكم ما تستظلون به من الأشجار وغيرها[20]. كما قال تعالى: "وأنبتنا عليه شجرة من يقطين" (الصافات: 146). وقد روى عن عبد الله بن حبشى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار سئل أبو داود عن معني هذا الحديث فقال هذا الحديث مختصر يعنى من قطع سدرة في فلاة يستظل بها بن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها صوب الله رأسه في النار"[21].
كما يمكن استخدام الأشجار فى عملية التظليل للواجهات الخارجية للمبانى مما يخفف من حدة الإشعاع الشمسى الساقط عليها، وبالتالى تقليل الأحمال الحرارية على المبانى، وتقليل الإحساس بالحرارة وبالتالى الوفر فى الطاقة المستخدمة للتبريد.
|
استخدام الأشجار فى الإظلال والإقلال من حدة الإبهار
|
|
* تخفيض درجة الحرارة: كما تستطيع المناطق الخضراء تخفيض درجة الحرارة صيفاً بمقدار 5-6 درجة مئوية على الأقل، ورفع درجة الحرارة الصغرى شتاءً، وزيادة نسبة الرطوبة بمقدار من 15% إلى 20%[22]. وعلى سبيل المثال فإن شجرة زان واحدة تنتج حوالى 545 لتراً من الماء خلال يوم صيف، مما يؤدى إلى تبريد الهواء ورفع نسبة الرطوبة[23]. كما أن شجرة ذات جذع بقطر 7 سم تتساوى فى التبريد مع قدرة جهاز تكييف يتكلف حوالى 85 دولاراً ويستهلك كهرباء بحوالى 5 دولارات فى اليوم[24] .
* تنقية الهواء الجوى: كما ثبت أيضاً أن وجود الأشجار فى المناطق السكنية يعمل على تنقية الهواء الجوى من التلوث، وذلك بتقليل الأتربة والدخان والمواد العالقة بالجو، مما يقلل من حدة تلوث الهواء بالشارع ويعمل على تنقيته. فقد وجد فى دراسة أن الشارع الخالى من الأشجار والنباتات يحتوى على 10000 - 12000 جزئ تراب فى اللتر، بينما فى حالة وجود الأشجار والنباتات تقل هذه النسبة لتصل إلى حوالى 1000 - 3000 جزئ تراب فى اللتر[25] . كما اتفق معظم الباحثين على الدور الفعال للنباتات فى تنقية الهواء وامتصاص الغازات غير المرغوبة، ويتم هذا بواسطة أوراق النباتات .. ولبعض النباتات قابلية على امتصاص هذه الروائح غير المرغوبة وتحويلها إلى روائح مرغوبة عن طريق بعض التفاعلات الداخلية[26]. كما أن الأشجار يمكنها المساعدة فى التهوية الجيدة داخل الشوارع، حيث تساعد الأشجار على عمل دوامات هوائية لتغيير مسار الرياح وحيث أنها تستطيع تنقية هذه الرياح من الأتربة فأنها تحولها إلى نسيم رطب. ومن هنا فإن البعض يطلق على المناطق الخضراء والمسطحات المفتوحة أسم "رئة المدينة" أو "متنفس المدينة".
* الحد من الضوضاء: إن وجود الأشجار على جانبى الطرق من شأنه أن يحد من شدة الضوضاء، فقد اتضح أن بإمكان الأشجار تحويل الضوضاء عن اتجاهها أو عكسها إلى اتجاه أخر. فبزراعة سياج من نبات "أيبرس" بعرض 60 سم وجد أنه يخفف الضوضاء بمقدار 5 ديسبيل، وبزراعة الأشجار فى الشوارع والميادين لتقليل الضوضاء الناتجة عن المرور، وجد أنها تخفض الضوضاء بمقدار 10-15 ديسبيل، وعليه فقد أوصت هذه الدراسات بزراعة الميادين والشوارع بالأشجار للمساهمة فى امتصاص الضوضاء بها والمنعكسة على حوائط المبانى[27]. كما أن كل فرع من أفرع النباتات يحدث رنيناً خاصاً يتراوح بين (275 - 450 لفة / ثانية) مما يحدث اهتزازات أو ذبذبات تعمل على الامتصاص أو القضاء على الضوضاء الزائدة[28]. هذا وقد يظن البعض أن وجود الأشجار يزيد من الضوضاء بسبب صوت حركة الأفرع وكذلك الطيور التى تسكنها، وعموماً فهذه الأصوات تكون ذات شدة مقبولة بالنسبة للإنسان كما أنها تبعث على البهجة والتغيير عن طريق قطع حالة السكون.
الأشجار والنباتات بيوت للطيور والحشرات والنحل:
تمثل الأشجار والنباتات بيئة صالحة ومكان آمن تقوم فيه الطيور والحشرات ببناء بيوتها وأعشاشها، لتضع فيها البيض ومنه الصغار، يقول الله تبارك: "وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون" (النحل: 68).
الأشجار والنباتات تحمى التربة من التعرية :
إن التربة الخفيفة يمكن أن يتأثر سطحها بالرياح أو المياه، كما أن قوة التأثير بالعوامل الجوية تتوقف على مساحة الجزء المعرض للعوامل الجوية، وقلة الرياح، وغزارة الأمطار أو المياه ثم الجو وطبيعة الأرض نفسها ومقدار انحدارها، وكمية النباتات التى تغطيها. وقد ثبت أن الأشجار والشجيرات فيها الحل الأمثل لمشكلة التعرية، وذلك أن تغطية الأرض بالأشجار والشجيرات والنباتات الخضراء تخفف من حدة تساقط الأمطار على الأرض، وكذلك فإن أوراق الأشجار والنباتات المتعفنة التى تختلط مع التربة تزيد من مقدرة امتصاص التربة للمياه وللحفاظ على الرطوبة مما يحول دون تأثر التربة بعوامل التعرية[29].
الأشجار والنباتات مصدر للنفع العام :
روى عن عبد الله بن عمر (رضى الله عنهما) أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم فحدثونى ما هى؟ فوقع الناس في شجر البوادى قال عبد الله ووقع فى نفسى أنها النخلة فاستحييت ثم قالوا حدثنا ما هى يا رسول الله قال: هى النخلة"[30]. وإنما شبه المؤمن بالنخلة فى هذا الحديث، لأن جميع ما فى النخلة يستفاد به، إما فى الأكل كالتمر أو فى أغراض أخرى مثل باقى أجزاء النخلة.
كذلك تمدنا الأشجار بالأخشاب المتنوعة، التى تستخدم فى استخدامات عديدة فى الحياة، ومنها صناعة المراكب والسفن، يقول تبارك وتعالى: "وحملناه على ذات ألواح ودسر" (القمر: 13). والأشجار أيضاً هى التى تمدنا بالأخشاب المستخدمة فى إشعال النار سواء فى صورتها الأولى أو فى صورة متحولة (الفحم)، يقول الله سبحانه وتعالى: "الذى جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون" (يس: 80).
كما أنه وجد عند زراعة الأشجار على جانبى الطرق فإنها تعمل على تحقيق الخصوصية البصرية الخارجية لسكان العمارات المتقابلة، حيث تمثل أغصان الأشجار ستائر تحجب الرؤية ولا تمنع مرور الهواء.
أخيراً:
مما سبق اتضح لنا أهمية الأشجار والنباتات فى الحياة، فهى ذات وظائف متنوعة وفوائد عديدة بالنسبة للإنسان، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وبسبب هذه الوظائف فقد بلغ اهتم الإسلام والمسلمين بالأشجار والنباتات، ووضح حرصهم على صيانة المزروعات بتحريم قطعها حتى فى حالة الحرب، ففى وصية الخليفة أبو بكر (رضى الله عنه) ليزيد بن سفيان لما بعثه على جيش الشام: "إنى موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة ولا صبياً، ولا كبيراً ولاهرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا نخلاً، ولا تحرقها، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة ولا بقرة إلا لمأكلة، ولا تجبن ولا تغلل"[31].
إن المتأمل لفوائد الأشجار والنباتات فى الحياة، لا يملك إلا إن يقر بعظمة الخالق سبحانه وتعالى، وتفضله على الإنسان، بأن هيأ له سبل العيش وأمده بما يمكنه من القيام بدوره فى هذه الحياة على أكمل وجه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المدرس بقسم العمارة – كلية الهندسة – جامعة أسيوط
أسيوط – مصر
تليفون: 340079 – 088 – 002
فاكس: 332553 – 088 – 002
بريد إلكترونى: nouby@rocketmail.com
الهوامش والمراجع العلمية:
[1] وجيه فوزى يوسف، "العمارة القاسية"، المجلة المعمارية، العددان (7،8)، جمعية المهندسين المعماريين المصرية، القاهرة، 1987م. ص50
[2] إعداد نخبة من العلماء، "التفسير الميسر"، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1419هـ. ص268
[3] روى الحديث: مسلم.
[4] محمد عبد الستار عثمان، ومحمد عبد السميع عيد، "دراسة لإمكانية استخدام المسطحات الخضراء فى التشكيل العمرانى للمساجد: دراسة أثرية ومعاصرة"، ندوة عمارة المساجد، كلية العمارة والتخطيط، الرياض، 13-17 شوال 1419هـ. ص18
[5] منير عتيبة، "التمر .. علم ودين وتاريخ"، مجلة أمواج اسكندرية، العدد الخامس، ديسمبر 2000م.
[6] منير عتيبة، مرجع سابق.
[7] عبد اللطيف عاشور، "التداوى بالأعشاب والنباتات"، مكتبة ابن سينا، القاهرة، 1985م. ص25
[8] لمزيد من المعلومات حول ذلك الموضوع أنظر كتاب "التداوى بالأعشاب والنباتات" للمؤلف عبد اللطيف عاشور، مكتبة ابن سينا، القاهرة، 1985م.
[9] روى الحديث: البخارى، كتاب الطب، باب الدواء بالعجوة للسحر.
[10] منير عتيبة، مرجع سابق.
[11] روى الحديث: البخارى، كتاب الطب، باب الحبة السوداء.
[12] عبد اللطيف عاشور، مرجع سابق. ص25،28
[13] زغلول، حسن فريد. "تأثير المرافق العامة على نظافة المدن وحماية بيئتها"، ندوة (النظافة فى إطار حماية البيئة)، منظمة العواصم والمدن الإسلامية، الفترة من 21-26 سبتمبر1986م، القاهرة.
[14] المعهد العربى لإنماء المدن، "ندوة التشجير وتجميل المدن"، بغداد، 8-13 أبريل 1972م. ص50
[15] المعهد العربى لإنماء المدن، مرجع سابق. ص50
[16] إعداد نخبة من العلماء، "التفسير الميسر"، مرجع سابق. ص534
[17] خالد صلاح سعيد، "اللون وواجهات المبانى .. دراسة تحليلية"، رسالة ماجستير، قسم العمارة، كلية الهندسة، جامعة أسيوط، أسيوط، 2000م. ص113،114
[18] المعهد العربى لإنماء المدن، مرجع سابق. ص40،41
[19] بلدية البحرين، "دور البلدية فى حماية البيئة فى دولة البحرين"، ندوة المدينة والبيئة، دور البلديات فى حماية البيئة بالمدن العربية، الفترة من 5 -12 ديسمبر 1981م، الكويت.
[20] إعداد نخبة من العلماء، "التفسير الميسر"، مرجع سابق. ص276
[21] روى الحديث: أبو واود، كتاب الأدب، باب فى قطع السدر.
[22] ضياء المؤمن، "التشجير وسيلة لنظافة المدن"، ندوة (النظافة فى إطار حماية البيئة)، منظمة العواصم والمدن الإسلامية، الفترة من 21-26 سبتمبر1986م، القاهرة.
[23] المعهد العربى لإنماء المدن، مرجع سابق. ص51
[24] بيتر لاند، "المدينة الأفقية - اتجاه جديد فى العالم"، مجلة عالم البناء، العدد 67، 1986م، القاهرة، ص19
[25] عصام الدين محمد على، "تصميم الفراغات الحضرية فى المدن المصرية الجديدة (الفراغات السكنية الخارجية)"، رسالة ماجستير، كلية الهندسة، جامعة أسيوط، 1990م.
[26] محمد عصمت حامد، "دراسة تحليلية لتأثير استخدام عناصر اللاندسكيب (النباتات) فى المدن المصرية"، رسالة ماجستير، كلية الهندسة، جامعة أسيوط، 1990م.
[27] محمد عصمت حامد، مرجع سابق.
[28] محمد عصمت حامد، مرجع سابق.
[29] المعهد العربى لإنماء المدن، مرجع سابق. ص47
[30] روى الحديث: البخارى، كتاب العلم، باب حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا.
[31] محمد عبد الستار عثمان، ومحمد عبد السميع عيد، مرجع سابق.