مفاهيم عامة حول التفكير الإبداعي في مجال العمارة

م. نوبي محمد حسن

قسم العمارة – كلية الهندسة – جامعة أسيوط

 

الإبداع فى اللغة وطبقاً لما جاء فى قاموس المعجم الوسيط ومعجم مختار الصحاح هو: "إن إبداع الشئ اختراعه لأعلى مثال، وإنشاؤه على غير مثال سابق وجعله غاية فى صفائه. إن الإبداعية فى الأدب والفن هى الخروج على أساليب القدماء باستحداث أساليب جديدة"[1].

ونظراً لارتباط عملية التفكير الإبداعى بالجوانب المهارية الفكرية والحسية والنفسية للإنسان، كما أنه ينتج عنها منتجات تختلف عن المنتجات العادية والتقليدية التى تنتج عن عملية التفكير التقليدى أو العادى، فقد اختلفت وجهة نظر العلماء - علماء النفس على وجه الخصوص - فى تحديد مفهوم موحد لما يعنيه الإبداع، بوصفه ناتجاً لعملية التفكير الإبداعى.

فقد عرف بعض المفكرين الإبداع بأنه: "عملية ينتج عنها عمل جديد يرضى جماعة ما أو تقبله على أنه مفيد"، ويرى "سيمبسون" - من علماء النفس - "أن الإبداع هو "المبادرة التى يبديها الشخص بقدرته على الانشقاق من التسلسل العادى فى التفكير إلى مخالفة التفكير كلية"، ويقول "سميث" - من علماء النفس - إن العملية الابتكارية هى التعبير عن القدرة على إيجاد علاقات بين أشياء لم يسبق أن قيل أن بينها علاقات"، ويرى "هافل" - من علماء النفس - "الابتكار هو القدرة على تكوين تركيبات أو تنظيمات جديدة"، ويرى "تورانس" - من علماء النفس - "أن الابتكار هو عملية الإحساس بالثغرات أو العناصر المفقودة، ثم تكوين الأفكار والفروض الخاصة بها، واختبار تلك الفروض وتوصيل النتائج، بل وربما تعديل وإعادة اختبار الفروض"[2] ، ويعرف البعض الآخر الإبداع بأنه إيجاد شئ على غير مثال سابق، فهو يتضمن معنى الانقطاع عما اعتيد السير فيه من قبل، وهو إنشاء ما ليس موجوداً قبلاً، على أن الإبداع ليس مجرد شئ جديد مختلف ومتميز - فليس كل جديد إبداعاً - بل الجديد المبدع هو الذى يمكنه الكشف عن علاقات أو دلالات أو قيم مجدية غير مسبوقة معرفيةً أو جغرافيةً ذوقية أو سلوكية، وهو الذى يتيح بهذا الكشف تغييراً وتطويراً للرؤية والخبرة الإنسانية[3].

أما "ثورانديك" - من علماء النفس - فيرى أن ظاهرة الإبداع يمكن حصر تعريفاتها من خلال أربع فئات: الأولى تركز على العملية الإبداعية، والثانية تركز على الناتج الإبداعى، والثالثة تركز على السمات الشخصية للمبدع، والرابعة تركز على الإمكانيات الإبداعية (القدرات الإبداعية)[1].

ورغم اختلاف المفاهيم السابقة - من الناحية الشكلية - إلا أننا نرى أنها تندرج تحت مجموعة المفاهيم التى تضمنها تعريف "ثورانديك"، مضافاً إليها مفاهيم ترتبط بنوع التفكير المرتبط بعملية الإبداع، وهو التفكير الإبداعى.

وتتركز حصيلة هذه المفاهيم فى تعريف الإبداع من خلال نوع التفكير المرتبط به، وهو التفكير الافتراقى Divergent thinking[2] ، أو التفكير الابتكارى (الإبداعى) Creative thinking وهو نوع التفكير الذى يتم من خلاله الوصول إلى معلومات وأفكار ومنتجات جديدة من خلال بعض المعلومات المتاحة، ويكون التأكيد هنا على نوعية الناتج وطبيعته أكثر من كميته أو عدده، ويؤكد هذا النوع من التفكير على أهمية الجدة والأصالة والإدهاش والتغيير، وتكون استجابة الشخص المبدع فى هذا النوع من التفكير لأى منبه خارجى (الشئ المحث على الإبداع) بعيدة عن طبيعة المنبه بل وقد تكون غير متوقعة على الإطلاق، وهو يعتمد على الخيال النشط فى القيام بتركيبات جديدة لم يسبق إليها[3] .

تضمن النموذج النظرى لبناء العقل الذى اقترحه "جيلفورد" Guilford - عالم النفس الأمريكى - (عام 1952) القدرات الأساسية الخاصة بالتفكير الإبداعى، وقد استخدمت هذه القدرات فى العديد من الدراسات التى أجراها علماء النفس فى مجال الإبداع، وقد ثبت صدقها فى قياس التفكير الإبداعى، وهذه القدرات هى الطلاقة، والأصالة، والمرونة، والإحساس بالمشكلات[4] . بالإضافة إلى بعض القدرات الأخرى، مثل النفاذ (النظر إلى ما وراء الواضح والمألوف) والتحليل، والتركيب، والتفصيل، والتقييم، ومواصلة الاتجاه، وغيرها.

 

1-1-2-1الطلاقة:     Fluency

الطلاقة تعنى قدرة الإنسان المبدع على إنتاج أكبر قدر من الأفكار الإبداعية، والاهتمام هنا يوجه نحو الكم (أى العدد) وليس نحو الكيف (الجودة)، لكن هذا الكم يجب أن يتسم بالأصالة (الابتكار) والإبداعية بشكل عام[1] .

 

1-1-2-2الأصالة:   Originality

وهى تعنى قدرة الإنسان المبدع على القيام باستجابات غير معتادة أو غير مألوفة لأى منبه، أو القيام بتداعيات بعيدة لأفكار أو موضوعات معينة، فالإنسان المبدع يكون أصيلاً بمقدار عدم تقليدية استجاباته للمنبهات التى يتعرض لها. ويمكن الحكم على الفكرة بالأصالة فى ضوء عدم خضوعها للأفكار المألوفة وخروجها عن التقليدى وتميزها، والشخص المبدع هو الشخص الذى ينفر من تكرار أفكار الآخرين وحلولهم التقليدية للمشكلات[2] .

 

1-1-2-3المرونة:   Flexibility

المرونة تعنى قدرة المبدع على تغيير وجهته الذهنية (أى قدرته على التحرر من القصور الذاتى والأفكار النمطية)، وتمكنه من الدوران حول العقبات الداخلية (المزاجية والعقلية) والخارجية (البيئية والاجتماعية)، وكذلك فى حالة الفن (عقبات الأداء والتكنيك وصعوباته، والمشكلات المختلفة التى تظهر أمامه فى كل لحظة)[3] . والشخص المبدع أكثر مرونة من باقى الناس، حيث أنه يقترح استخدامات عديدة للعناصر التى يتعامل معها، فهو دائم التفكير فى استخدامات غير عادية لهذه الأشياء[4] .

 

1-1-2-4 الإحساس بالمشكلات:  Sensitivity to Problems

وهى تعنى قدرة الإنسان المبدع على الإحساس بمظاهر النقص والقصور والضعف الكامنة فى الأشياء، وكذلك الثغرات الظاهرة والكامنة فى مجال معين من مجالات المعرفة الإنسانية، ثم قدرته على اقتراح حلول إبداعية أو تقديم أعمال إبداعية تمثل حلوله ووجهات نظره التى يراها مناسبة[5].

 



[1] المزيدى، زهير منصور: مقدمة فى منهج الإبداع (رؤية إسلامية).  ص28

[2] المزيدى، زهير منصور: المرجع السابق.  ص26،27

[3] العالم، محمود أمين: الإبداع والخصوصية.  ص15

[1] المزيدى، زهير منصور: مقدمة فى منهج الإبداع (رؤية إسلامية).  ص27

[2] يقابل التفكير الإبداعى فى معناه التفكير الاتفاقى (التقليدى) Convergent thinking، وهو يعنى الوصول إلى حلول سبق التوصل إليها من قبل، فهو يعتمد على الذاكرة والتعرف، وبالتالى فهو يتضمن طريقة معيارية قياسية للإجابة والبحث عن الحل الصحيح والوحيد، فعند السؤال عن عكس كلمة "طويل" فلابد وأن تكون الإجابة "قصير".

(عن: عبد الحميد، شاكر: العملية الإبداعية فى فن التصوير.  ص81،134).

[3] عبد الحميد، شاكر: العملية الإبداعية فى فن التصوير.  ص81،134

[4] عبد الحميد، شاكر: المرجع السابق.   ص 79

[1] عبد الحميد، شاكر: العملية الإبداعية فى فن التصوير.   ص 79،84،85

[2] عبد الحميد، شاكر: المرجع السابق.  ص 84

[3] عبد الحميد، شاكر: المرجع السابق.   ص84،85

Kneller, G.F: The Art and Science of Creativity.   p.64   [4]

[5] عبد الحميد، شاكر: المرجع السابق.  ص85