الحلقة الثانية من حلقات التفكير الإبداعى فى مجال العمارة
العملية الإبداعية فى عمليةالتصميم المعمارى
م/ نــــــوبى محــــمد حســـــن
مـــــدرس مســــاعد بقسم العمارة
كـــلية الهـــندسة - جامعة أسيوط
يتناول هذا المقال توضيح ثلاثة عناصر أساسية مرتبطة بالعملية الإبداعية فى عملية التصميم المعمارى، وهى مراحل عملية التصميم المعمارى، وأسلوب المعمارى فى عملية التفكير، وأيضا دور الخبرة فى هذا المجال، تمهيدا لتوضيح العملية الإبداعية بشكل أكثر تركيزا من خلال توضيح مفهومها ومراحلها المختلفة، لبيان الكيفية الفكرية التى يتبعها المعمارى فى الوصول إلى الفكرة الإبداعية، وأيضا دور الشعور واللاشعور فى هذه العملية.
أولا: المراحل الفكرية لعملية التصميم المعمارى:
تعتبر عملية التصميم المعمارى عملية فكرية معقدة، يقوم بها المعمارى من أجل الوصول إلى إنتاج معمارى متميز، يحقق المتطلبات المعمارية لأطراف العمل المعمارى، وفى إطار مكونات ومحددات الإشكالية المعمارية والإمكانيات المتاحة.
وتتكون العملية الفكرية لعملية التصميم المعمارى من ثلاث مراحل متداخلة (يلعب التفكير فى كل منها دورا كبيرا، ولكنه يختلف من مرحلة إلى أخرى) -شكل رقم (1) - وهى:
المرحلة الأولى: الإشكالية المعمارية: وهى الخاصة بظروف المشكلة المطلوب حلها، وتتضمن مكونات (برنامج - موقع)، ومحددات (وظيفية - إنشائية - جمالية - بيئية - اجتماعية - اقتصادية)، وأطراف (المعمارى - المالك - المستعمل - المقاول - القانون).
المرحلة الثانية: التفكير المعمارى: وهى الخاصة بعملية التفكير فى الوصول إلى الحل المناسب، وهى تتكون من خمس مراحل (تبصر - إعداد - حضانة - بزوغ - تحقق)، وهى إما أن يكون التفكير فيها إبداعياْ يؤدى إلى أفكار متميزة وغير تقليدية، أو تقليديا ينتج أفكارا تقليدية. وتعتمد هذه العملية على قدرات (موروثة - مكتسبة)، وخبرة (تعليمية - مهنية)، كما أن الحافز (ذاتى - اجتماعى) يلعب فيها دورا كبيرا، ولها معوقات (إدراكية - شخصية - اجتماعية).
المرحلة الثالثة: الناتج المعمارى: وهى الخاصة بإظهار ما تم فى المرحلة السابقة إلى الواقع الملموس، فى صورة مشروع ابتدائى، ثم مشروع نهائى يتم تنفيذه واستعماله.
ولأن الناتج المعمارى يلزم أن يكون متميزا وأصيلا ومعبرا، كما أن عملية التصميم المعمارى ذات متطلبات فكرية عالية ومتميزة؛ فإن التفكير الإبداعى هو التفكير المطلوب لهذه العملية.

شكل رقم (1) العملية الفكرية فى التصميم المعمارى
ثانيا: كيف يفكر المعمارى؟:
هل يستخدم كل المصممين أساليب متشابهة فى حل المشكلات التصميمية التى تواجههم؟ أو بمعنى أخر هل يختلف المعمارى (بوصفه مصمما) عن باقى المصممين فى تعامله مع المشكلة التصميمية؟
فى واحدة من التجارب[1] التى تمت لتوضيح هذا المدخل، تم المقارنة فيها بين الأساليب الفكرية لدارسى العمارة فى السنوات النهائية، ودارسى العلوم فى نفس المرحلة من الدراسات العليا، ولكى لا تعطى المعماريين ميزة فنية، فقد قدمت مهمة تجريبية لا تتطلب أية خبرة تخصصية.
وقد كانت المشكلة عبارة عن ترتيب بعض الكتل الخشبية الملونة المديولية، حيث يوجد ثمانية بلوكات، اثنين من كل أربعة تختلف فى الشكل، وبعضها بأوجه ملونة حمراء وأوجه زرقاء -شكل رقم (2)- وباستخدام أربعة بلوكات فقط من ثمانية (كل واحد له شكل مختلف)، كان يطلب من المتسابقين عمل ترتيب للبلوكات، بحيث ينتج أكثر الأوجه ذو لون أحمر أو أزرق حول الوجه الخارجى للتصميم، مع السماح بالتبديل بين كل اثنين من البلوكات، وفى وقت زمنى غير محدد.
شكل رقم (2) البلوكات المستخدمة فى تجربة لاوسون
والسؤال الآن كيف حل المصممون وغير المصممين هذه المشكلة؟
لقد أظهرت المجموعتان أساليبا مختلفة ومحددة تماما، وعلى الرغم من أن هذه المشكلة بسيطة بالمقارنة بمشاكل التصميم الحقيقية، فإنه يوجد أكثر من ستة آلاف إجابة ممكنة (فكرة مقدمة). لقد كانت المهمة الفعلية التى واجهت الأشخاص، هى كيفية تحديد أو تصنيف هذا العدد والبحث عن الحل المثالى. العلميون تبنوا محاولات علمية لسلسة من التصميمات، والتى استخدمت بلوكات مختلفة وخليط من البلوكات بقدر ما هو ممكن وبسرعة ممكنة، وبهذه الطريقة حاولوا خلط المعلومات المتاحة لديهم حول المشكلة، على أساس مبدأ أنهم إذا استطاعوا اكتشاف الدور المتحكم أو العامل الرئيسى (القانون) الذى يسمح بخلط البلوكات، فإنهم يستطيعون البحث عن الترتيب الذى يقدم اللون المطلوب حول التصميم.
بينما اختار المعماريون - فى الجانب الآخر- البلوكات بطريقة مختلفة تماما، حيث اختيرت البلوكات الثمانية ليمكن رؤية البلوكات الأربعة التى تحتوى على أكثرية اللون المطلوب، وتبنى الفكرة الأولى من هذه البلوكات الأربعة، وإذا لم يتم الوصول للحل المطلوب، يتم استخدام المكعب الذى من المحتمل أن يحقق المطلوب بدلا من الآخر، وهكذا حتى يتم اكتشاف الحل المطلوب.
الفارق الجوهرى بين هذين الأسلوبين، هو أنه بينما ركز العلميون اهتمامهم فى اكتشاف القانون، كان المعماريون يملأون تفكيرهم بإنجاز النتيجة المطلوبة. فقد إهتم العلميون بأسلوب التركيز على المشكلة، بينما إهتم المعماريون بأسلوب التركيز على الحل.
وقد أخذت مجموعات أخرى من دارسى العمارة فى السنة الأولى، وتلاميذ فى الصف السادس الابتدائى نفس التجربة، لكنهم قدموا حلولا أقل جودة، كما أنهم لم يقدموا أى أسلوب واضح لحل المشكلة.
وتؤدى نتيجة هذه التجارب إلى القول بأن دارسى التصميم لا يملكون - بطبيعتهم- مدخلا محددا لحل المشاكل، لكنه يبدو بدقة أثناء التعليم، فالمعمارى يتعلم أساسا بالمثال والتدريب، وهو محكوم بالحلول، كما أنه يهتم بإنتاج الحلول أكثر من الاهتمام بكيفية الوصول إلى هذه الحلول، ليس الأمر كذلك بالنسبة للعلمى، الذى يتعلم حقيقة تتابع الواحد تلو الآخر بالنسبة للإطار العام Concept، وكذلك طرق الشرح بالأمثلة لهذه الإطارات العامة للأفكار، فهو قد تدرب -بواسطة الأمثلة فقط - لكى يشرح أو يثبت أنه يستطيع تطبيق الأسس التى تعلمها.
وبالرغم من أن الحلول التى قدمت كانت ليست جيدة عموما، فإن كل من مجموعتى دارسى العمارة قدموا مهارة أكبر من أقرانهم فى تشكيل الحلول ثلاثية الأبعاد؛ فقد أظهروا أنهم يمتلكون قدرة اهتمام عالية، وكذلك أكثر اهتماما باللعب حول البلوكات. إنه الفارق بين التفكير الإبداعى والتفكير التقليدى فى مفهومه العام.
ثالثا: دور الخبرة فى عملية التفكير[2]:
من الأسئلة المحيرة والدائمة فى تعليم التصميم، سؤل يركز على التوازن بين الحرية والعمل التعبيرى المعتمد على الدارس من جانب، والإهتمام باكتساب المعرفة والتدريب والخبرة من جانب آخر.
فكثير من الدراسات النفسية التجريبية تقدم دليلا يؤكد أن تأثير الخبرة على حل المشاكل ليس دائما مفيدا. فقد أوضح بعض علماء النفس أن الهدف العام للخبرة هو التأثير الميكانيكى فى تفكير الشخص، ذلك لأن كل مشكلة لا تعرض من جديد، ولو أن أحد أنواع المشاكل لم تدرك؛ فإن محاولات كبيرة تتم لدراستها فى أى عمق. كما أن الميكانيكية فى التفكير العادى (المعتاد) يمكن أن تقدم تقريرا عن سلسلة من المحاولات لكى تمنع التأثير بواسطة المشكلات المركزة.
وعموما فإن دورالخبرة فى حل المشاكل تشبه كل الأشياء التى ترجع إلى استخدام ميكانيكية التفكير الذى بواسطته يحاول الشخص وضع (أو تثبيت) الحلول القديمة على المشاكل الجديدة، وهذا هو تناقص الإبداع، والذى يأخذ - دائما - الاهتمام الكبير بالنسبة للمصممين. إلا أنه مع وجود مشاكل كثيرة وجديدة فى التصميم، فكيف يستطيع المصمم أن يتجنب التأثير الميكانيكى، والذى أصبح شائعا (عاديا) مع كثير من الحلول التى سبق وأن أنتجها؟ يمكن أن يتم ذلك من خلال أساليب وتقنيات الإبداع[*] ، وأهمها العصف الذهنى Brainstorming وتآلف الآشتات Synectics، واللتان تقومان على فكرة استخدام مجموعة ردود الفعل الذهنية (المؤثرات الذهنية) المركزة لتجنب ميكانيكية التفكير لدى الأشخاص.
أما بالنسبة للمعماريين فإن للخبرة دور واضح فى عملية التصميم المعمارى، خصوصا وأن الأعمال المعمارية - حتى ذات الوظيفة الواحدة - تختلف من مبنى إلى آخر، وبالتالى لا يمكن أن يستخدم المعمارى أى حلول سبق وأن أنتجها -لأعمال مشابهة - كما هى، ولكنه يستفيد من خبرته السابقة فى إنتاج مثل هذه الحلول. كما تجدر الإشارة إلى أن دارسى العمارة - مع نقص خبرتهم - يمكن أن يكونوا أكثر إبداعا من المدربين لهم، وهذا ما يحدث بصورة أكثر وضوحا فى مجال المسابقات المعمارية، والتى تتقابل فيها أفكار الشباب من المعماريين مع الكبار، وقد يحدث أن يقدم أحد الشباب أفضل فكرة لحل المشروع.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الخبرة تمنح المبدع القدرة على تمييز الأفكار الصالحة من غيرها، كما تساعده على صياغة الأفكار الأصيلة بكفاءة عالية[3] .
رابعا: مفهوم العملية الإبداعية:
يشير مفهوم العملية إلى سلسلة من النشاطات المنتظمة الموجهة نحو هدف ما، أو هى نشاط متصل، أو سلسلة من التغيرات التى تأخذ شكلا معينا، فهى شئ ما يحدث ويشير إلى سلسلة من الخطوات المتتالية والمتصلة، والتى يتم عن طريقها الوصول إلى هدف معين[4] .
والمقصود بالعملية الإبداعية فى عملية التصميم المعمارى، ليس عملية التصميم نفسها، إنما هو العملية الفكرية فى التصميم المعمارى والتى تؤدى إلى عملية الإبداع فى العمارة.
خامسا: مراحل العملية الإبداعية:
جرت المحاولات الأولية لوصف العملية بواسطة بعض المفكرين، وأكدت هذه المحاولات على الاختلافات المتعددة فى أسلوب التفكير، بسبب اختلاف العمليات الفكرية والنشاط الاستعدادى العام فى كل مجال من المجالات الحياتية، ولهذا تنقسم العملية إلى أطوار. ونتيجة لبعض الأوصاف التى قدمت -من أن فترة البحث الأولية للمشكلة تتبع بفترة راحة ظاهرية، ثم يظهر الحل فى صورة غير متوقعة ومفاجئة محتاجا إلى تفصيل وتطوير وتحقيق- فإن كثيرا من علماء النفس حاولوا تصنيف مراحل عملية التفكير الإبداعى، وبالرغم من الاختلاف فى الترتيب، فإن معظم الكتاب يبدون أنهم موافقون على خمس مراحل هى: التبصر، والإعداد، والحضانة، والبزوغ (الوميض)، وأخيرا التحقق شكل رقم (3)[5] [6] . ولأن رواد العمارة فى العصور المختلفة لم يتركوا فكر معمارى مكتوب يوضح كيفية الوصول إلى الحلول الإبداعية التى تم التوصل إليها، فإنه وبالنظر إلى مراحل العملية الإبداعية السابقة نجد أنها يمكن أن تتوافق مع مراحل العملية الإبداعية فى عملية التصميم المعمارى، وبالتالى يمكن اعتبارهذه المراحل أساسا لمراحل العملية الإبداعية فى عملية التصميم المعمارى، وفيما يلى توضيحها بشكل تفصيليى.
1- التبصر: First Insight
وهى مرحلة تفهم المشكلة التصميمية، وتتضمن تعريف المشكلة المطلوب حلها وتوضيحها مع تعهد بحلها، وهذه الفترة قد تبقى لمدة ساعات أو أيام وربما أعوام، كما أن مجهودا كبيرا يبذل فى هذه المرحلة فى فهم المشكلة بعمق.

شكل رقم (3) مراحل عملية التفكير الإبداعى لنلر
(from: Lawson, Bryan: how Designers Think? p. 108)
2- الإعداد: Preparation
يتفق الباحثون على أن هذه المرحلة أولية وضرورية باستثناء "شتاين" M.I.Stein -من علماء النفس- الذى لاينفيها، ولكنه يعتبرها كطور تحضيرى لعملية الإبداع، دون أن يجعل منها جزءا مندرجا فيها، والتى تبدأ حسب رأيه بالفرضية، حيث أن أى فعل إبداعى يستلزم تحضيرا واعيا وقويا لفترة طويلة، وهذا التحضير يكون عاما وخاصا، أما التحضير العام فهو يتعلق بالاختصاص كفرع من العلم (العمارة مثلا)، بينما التحضير الخاص فهو يرتبط بالمشكلة المبحوثة مباشرة (تصميم أى مبنى مثلا)[7] .
والمعمارى فى هذه المرحلة يقرأ، ويلاحظ، ويسأل، ويجمع، ويشرح، فهو يقدم الحلول الممكنة ويزن قوتها وضعفها. كما تتضمن هذه المرحلة مجهود واع (مدرك) لينمى الفكرة أو يحل المشكلة. كما أنه يوجد كثيرا من الذهاب والإياب بين هذه المرحلة ومرحلة التبصرحتى تتكون المشكلة ويتم معرفتها وإدراكها جيدا. ويبدأ فى هذه المرحلة عمل المخزون من الفكر المعمارى فى عقل المعمارى؛ حيث يسترجع ما تعلمه وخبرته السابقة، والأعمال المشابهة التى رآها أو استعملها، فأعمال الآخرين أوأعماله السابقة ربما تمثل الحافز فى تغذية تفكيره بالمواد الخام التى تجعله يعمل العمل اٌلإبداعى، والذى يتم الحكم على مدى إبداعيته بمقارنته بهذه الأعمال.
كما يبدأ التفكير فى الوسط الإبداعى (البيئة المحيطة) ومتطلبات باقى الأطراف، وإمكانية العمل والظروف المحيطة به، وعليه أن يضع خبرته وأعمال الآخرين جانبا ليعطى تفكيره الفرصة للإبداع والابتكار.
3- الحضانة: Incubation
وهى مرحلة المجهود الفكرى غير المدرك أو ما يسمى بعمل العقل الباطن، فبعد عمل العقل المدرك فى مرحلة الإعداد، تبدأ مرحلة من النشاط غير الحسى. وهنا يأتى دور الإلهام، الذى لا يأتى إلا إذا بدأ العقل الباطن فى العمل -وقد تستمر هذه الفترة دقائق أو ساعات أو شهور- بعد أن يغرق المرء ذهنه فى المشكلة، مع توفر خلفية غنية من المعرفة والخبرة فى مجاله، ففى ميدان العلوم ينبغى أن ينشغل المرء بجد ودأب كى يجد جواب المسألة، أو يصوغ مجموعة من الحقائق غير المترابطة ظاهريا على شكل واحد فى ذهنه، وفى مجال الفنون عليه أن يحلم بحل المشكلة، والذى يشعر أنه هناك، لكن يصعب إخراجه إلى حيز الوجود، إنه يجاهد كى ينقل إلى الواقع الفعلى تلك التصورات الغامضة نصف المتشكلة التى ينتجها خياله، وغالبا ما يحدث أن يدون ملاحظات أو خطوط عامة، ثم يخطو باتجاه موضوعه غير المترابط[8] .
إن العمليات الإبداعية التى تتم فى اللاشعور قد تكون مغايرة لتلك التى تتم فى ساحة الشعور والعقل الواعى، وعندما يكون الفرد مستغرقا فى التفكير بمسألة من المسائل، ساعيا لحلها فى ذهنه، فالعقل الباطن يرفض من بين الحشد الهائل من الصور والأفكار المختلطة العشوائية بعض التركيبات ويلقيها جانبا باعتبارها غير مهمة أو غير مواتية، بينما يدرك أهمية التركيبات الأخرى ويتبناها، وبواسطته يتم هنا تمييز النظام الفكرى، والجمالى، وربما النظام الروحى من الفوضى والعشوائية[9] .
كما أن دور اللاشعور فى العملية الإبداعية ينطلق من أنه عمل ممكن، بل هو مثمر بالتأكيد إذا كانت قد سبقته فترة من العمل الشعورى الواعى من جهة، وتبعته فترة أخرى من هذا العمل من جهة أخرى. على أن هذه الإلهامات المفاجئة لا تحدث أبدا إلا بعد بضعة أيام من الجهد الإرادى الذى يظهر أنه عقيم تماما، وبالتالى يبدو كأنه لن يخرج بطائل بل حتى الأسلوب المتبع يبدو خاطئا كليا، والحقيقة أن هذه الجهود لا تكون عقيمة كما يحسبها المرء، بل إنها تحرك آلة اللاوعى، والتى بدونها لا تتحرك أو تعمل، وبالتالى لا تنتج شيئا[10] .
والمعمارى فى هذه المرحلة يتعايش مع المشكلة، ويستمر فى التفكير فيها ربما فى مرسمه أو فى مكتبه أو فى مسكنه أو فى طريقه، أو أثناء ممارسة أى نشاط حياتى يومى. كما تلعب ظاهرة التحول الفكرى المتعمد serendepity هنا دروا كبيرا[**] ، وقد يؤدى المعمارى فى هذه المرحلة أنشطة أو يصدر حركات أو حتى أصوات تعبر عن حالة اللاوعى التى يمر بها؛ فالإلهام لايمكن أن يطلب بالأمر ولكن الظروف المواتية يمكن أن توجده.
4- البزوغ (الوميض الإبداعى): Illumination
لحظة البزوغ أو الوميض تقود العملية الإبداعية إلى الذروة، فجأة يستطيع المعمارى حل المشكلة، أو التوصل إلى الفكرة أو مجموعة الأفكار. ففى لحظة الإلهام يقع كل شئ فى المكان المحدد، وتبدأ نتيجة عمل العقل الباطن فى الظهور.
وهذه اللحظة تمثل مفاجأة ولا يمتلك المعمارى القدرة على التحكم فيها. فعلى سبيل المثال بعد سنوات طويلة من الإعداد، رأى "إسحق نيوتن" (عام 1685) تفاحة تقع فى حديقته؛ فتوصل إلى قانون الجاذبية، وبنفس الأسلوب توصل "أرشميدس" إلى قانون الطفو[11] .
5- التحقق: Verification
وهنا قد تكون العملية الإبداعية قد دخلت فى أخر وجه، وفيها يبدأ المعمارى فى إظهار الفكرة أومجموعة الأفكار التى توصل إليها، حيث يبدأ التفكير والحكم والتقييم فى إتمام العمل الذى بدأه التخيل، مع التمييز بين المواد الصالحة وانتقائها من المواد الأخرى الغير صالحة، وقد تستمر هذه العملية -أيضا- وقتا طويلا، كما يحدث انتقالات فكرية بين هذه المرحلة ومرحلة التبصر، فربما يقود التحقق إلى تبصر أخر مختلف.
وعموما فإن العملية الإبداعية لا تسير بهذه الخطوات تحديدا، إنها مستمرة ومتداخلة فى مختلف اللحظات والمظاهر كافة.
الهوامش والمراجع:
[1] Lawson, Bryan: How Designers Think? pp 30-33
[2] Lawson, Bryan: Ibid pp.110 - 112
[*] سيأتى توضيح لهذه الأساليب فى الحلقة القادمة من حلقات التفكير الإبداعى فى مجال العمارة.
[3] سايمنتن، دين كيث: العبقرية والإبداع والقيادة. ص 172
[4] عبد الحميد، شاكر: العملية الإبداعية فى فن التصوير. ص 121
[5] Lawson, Bryan: Ibid p.106
[6] Kneller, G.F: The Art and Science of creativity. pp.47-57
[7] روشكا، ألكسندرو: الإبداع العام والخاص. ص 39
[8] سينوت، ى. و: الحياة وقدراتها الإبداعية. ص 38
[9] سينوت، ى. و: المرجع السابق. ص 39،40
[10] بوانكاريه، هـ: الإبداع والرياضيات. ص 124
[**] مجمل هذه الظاهرة أن يتم التوقف عن التفكير فى المشكلة، والانشغال بأى عمل أو نشاط مختلف أو الاسترخاء والراحة، ففى أغلب الأحوال يقفز الحل إلى الذهن؛ حيث أن مجاهدة النفس فى الوصول لحل مشكلة متعذرة قد يكف أحيانا ولايساعد على التوصل إلى الحل الصحيح، ومن خلال التحول الفكرى يتبدد هذا الكف وتتيسر العملية الإبداعية. (إبراهيم، عبد الستار: الإنسان وعلم النفس. ص 315).
[11] سينوت، ى. و: المرجع السابق. ص 37