بحث منشور في: مجلة العلوم الهندسية، كلية الهندسة، جامعة أسيوط، مصر، المجلد 35، العدد، 3، مايو 2007م.

 

 

 

الفراغ المعماري من الحداثة إلى التفكيك – رؤية نقدية

 

د. نوبي محمد حسن

أستاذ مشارك بقسم العمارة وعلوم البناء

كلية العمارة والتخطيط – جامعة الملك سعود – الرياض

بريد إلكتروني:  nouby3000@yahoo.com

 

 

 

Abstract

The research dilemma of this paper lies in the arguable differences on the directions of deconstruction theory in architecture. The primary inquiry of this study focuses on these differences in addition to identifying the contributions of deconstruction on architectural spaces. However difficult, the paper provides an attempt through a comparison between the architectural theories of modernism and deconstruction (represented by Mies Van Der Rohe and Frank Owen Gehry respectively), in terms of thoughts and works in relation to architectural spaces. 

The research methodology adopts a critical view by conducting a comparative analysis study for architectural spaces in modernism and deconstruction. Some of the important results of this study include asserting that architectural spaces are principally different in deconstruction compared to modernism in their boundaries, status, and the architectural character of buildings enclosing these spaces. The substantial change of the architectural spaces in deconstruction has come out through the variances of space boundaries, their architectural status internally and externally, and examining new shapes that are not bounded to familiar rules. This is in addition to stimulating the observer’s view and attracting the attention while navigating the space wherein exquisite and natural views are utilized.

 

 

ملخص

تظهر إشكالية هذا البحث في جدلية الخلاف القائم حول توجهات عمارة التفكيك، والسؤال الرئيسي الذي يدور حوله الخلاف، هل قدمت عمارة التفكيك جديداً عما قدمته عمارة الحداثة فيما يخص الفراغ المعماري؟

يحاول البحث الإجابة على هذا التساؤل من خلال المقارنة بين الفراغ المعماري في فكر وأعمال كل من؛ المعماري "فرانك أوين جيري" ممثلاً لعمارة التفكيك، والمعماري "ميس فان درروه" ممثلاً لعمارة الحداثة.

لذا فإن منهج البحث يعرض الرؤية النقدية من خلال المنهج التحليلي المقارن للفراغ المعماري في عمارة الحداثة وعمارة التفكيك.

ومن أهم النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة؛ أن الفراغات المعمارية لعمارة التفكيك تختلف جذرياً عن عمارة الحداثة في المحددات والهيئة، وفي الهيئات المعمارية للمباني المغلفة لهذه الفراغات. كما أن لب التغير في فراغات عمارة التفكيك إنما جاء من خلال إحداث تغييرات جذرية في محددات الفراغ المعماري وأسلوب تصميمه وهيئته المعمارية الداخلية والخارجية، واختبار أشكال معمارية جديدة لا تستند إلى قواعد معروفة، بجانب نجاحها في تحقيق استثارة فكر المشاهد وجذب انتباهه أثناء تجوله في الفراغ من خلال المناظر الجميلة والمتغيرة التي يمكنه مشاهدتها، وكأنما تحقيق، وبأسلوب مختلف، لفكرة العلاقة بين الفراغ والزمن.

 

 

1- ماهية الفراغ المعماري، ومحدداته

جدير في هذا الجزء المختصر، والذي يعده البحث مقدمة للموضوع، أن نقدم فكرة عن الفراغ المعماري كمفهوم مؤثر على عملية التصميم المعماري للمباني وكطريق لفهم محتويات المبنى والعلاقات بين العناصر المختلفة، بجانب إلقاء الضوء على التطور الذي حدث لهذا المفهوم في الكتابات حول الفراغ، عبر العصور المختلفة، ومن ثم التوصل إلى مفهوم الفراغ المعماري الذي يرتبط أكثر بأسلوب التصميم. هذا بجانب الإشارة إلى محددات الفراغ، والتي تعد، وبشكل أساسي، العناصر المكونة لهيئة الفراغ.

 

1-1 ماهية الفراغ المعماري

ذكر" سيجفريد جيديون" Sigfrid Giedion في كتابه "الفراغ والزمن والعمارة" Space, Time and Architecture، أن تطور الفراغ المعماري قد مر بثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى، وهي المرحلة التي تكون فيها الفراغ من خلال التفاعل بين الكتل المختلفة، وهي مرحلة العمارة المصرية القديمة والسومرية والإغريقية. والمرحلة الثانية، وهي التي بدأت في منتصف الحضارة الرومانية عندما بدأت مشكلة الفراغ الداخلي والتغطية بالقبوات تأخذ أهمية كبيرة وقد استمرت هذه المرحلة حتى نهاية القرن الثامن عشر. أما المرحلة الثالثة، فهي التي بدأت مع بداية القرن العشرين، وهي إضافة بعد الزمن إلى الفراغ، حيث يتم إدراك الفراغ من خلال الحركة فيه وبالتالي رؤيته من أكثر من نقطة وزاوية، وفي هذا الوقت ألغيت فكرة إدراك الفراغ من خلال المنظور ذو النقطة الواحدة([1]).

أما عن الاهتمام بالكتابة حول الفراغ المعماري، فيمكن القول أنه، وحتى مطلع القرن التاسع عشر، لم يتناول المعماريون والنقاد العمارة إلا من خلال منطق الإنشاء والجمال، ولم ترد في كتاباتهم كلمة فراغ إلا نادراً، وكان "هوراتشيو جرينوه" Greenough هو أول من أشار إلى الفراغ من خلال مقالة أوضح فيها ما أسماه بالتكوين العلمي للفراغات والأشكال، كما استعمل "كونستانت ديفو" Constant Defoux بعد ذلك تعبير "توزيع الفراغات" في إحدى مقالاته التي كتبها عام 1874م، وكذلك أشار "شوازي" Choisy و"دونالدسون" Donaldson إلى الفراغات التي تحويها العمارة الرومانية. والواقع أن كلمة فراغ التي وردت بهذه الكتابات لم تذكر للتعبير عن الفراغ بمعناه الصحيح، ولكن كان ذلك للإشارة إلى الأجزاء المختلفة من المباني. على أن المحتمل  أن تكون البداية الصحيحة لاستعمال هذه الكلمة كان نتيجة لاستعمال الكتّاب الألمان لكلمة Raum في كتاباتهم، والتي تفيد، إلى جانب معناها كفراغ، كلمة (حجرة)، وهو الأمر الذي سهل على هؤلاء الكتاب تصور أي حجرة كجزء اقتطع من فراغ غير محدود، وعلى هذا الأساس أشار الكاتب الألماني "هيجل" Hegel في محاضراته عام 1820م إلى أن الغرض من أي مبنى هو تحديد جزء من الفراغ لاستعمال معين، وقد قام بعد ذلك "هيرنج فولفين" Heinrich Wolflin، بإدخال الفكرة الفراغية كوسيلة للنقد والتحليل([2]).

على أية حال يمكن تعريف الفراغ المعماري بشكل مبسط، يفيد الدراسة الحالية، بأنه جزء من الفراغ العام، تم اقتطاعه بمواصفات ومحددات خاصة، تجعله يصلح لأن يمارس فيه الإنسان أنشطة حياتية خاصة، وتتوقف هذه الأنشطة وطريقة أدائها على طبيعة الجزء المقتطع وحجمه وهيئته التصميمية وعلاقته بالفراغ العام المحيط به([3]). ذلك هو التعريف الذي يرتبط في الأساس ببيان مكونات الفراغ المعماري وطريقة تصميمه وتشكيل هيئته الداخلية وانعكاس كل ذلك على الهيئة المعمارية الخارجية للمبنى، أو انعكاسه أيضاً على الإحساس بالفراغ.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فلا خلاف، تقريباً، على أن الفراغ هو لب التكوينات المعمارية، وقد عبر عن ذلك بعض رواد العمارة، ومنهم "فرانك لويد رايت" Frank Lloyd Wright الذي قال: "إن الحيز الداخلي هو حقيقة المبنى"([4]). كما نجد أن مفهوم "حقيقة العمارة في فراغها الداخلي" واضحاً في مبادئ ومفاهيم الطراز الدولي([5]). فإن كان النظر إلى العمارة على أنها فراغات تنتج عنها هيئات للمباني، أو هيئات للمباني تنقسم داخلياً إلى فراغات، فإن كلاهما يؤكد على القول بأن الفراغ المعماري هو الأساس، لأن فيه الوظيفة وهي التي تميز العمارة عن غيرها من أنواع الفنون الأخرى وخصوصاً فن النحت.

 

1-2 محددات الفراغ المعماري

حدد "شنج" Ching في كتابه Architecture: Form, Space & Order، مجموعة المحددات الأفقية والرأسية لتحديد الفراغ المعماري؛ حيث صنفها إلى الأرضيات والأسقف كمحددات أفقية، والقوائم الرأسية والحوائط كمحددات رأسية، وقد أورد دور كل من هذه المحددات في التأثير على تصميم الفراغ وشكل مكوناته وهيئته المعمارية([6]).

ووفقاً للمفهوم السابق للفراغ فإننا نجد أن لمحددات الفراغ دورها الكبير والمؤثر في كيفية تصميم الفراغ بجانب الإحساس بهيئة الفراغ، بل يمكن القول بأن التغيير في هذه المحددات ولو بأقل التغييرات سينتج هيئة معمارية مختلفة. وللتدليل على ذلك لا نقول أن تغيير حوائط أي فراغ، وليكن قاعة اجتماعات، من الأسطح المستوية إلى الأسطح الدائرية سيجعل هيئة الفراغ تتغير كلية، وقد يتغير أسلوب فرش القاعة، وبالتالي الإحساس داخلها، ولكن بأبسط من هذا فلو تغير لون الحوائط في قاعة حوائطها ذات أسطح مستوية لتغير الإحساس داخل هذه القاعة عن قاعة تتطابق معها في كل شيء إلا في اللون. وهكذا تتغير هيئة الفراغ والإحساس بها بالشكل والمقدار الذي يتم به تغيير مكونات وعناصر هذا الفراغ.

 

2- الدراسات السابقة في مجال البحث، الإشكالية والأهداف، ومنهجية الدراسة

2-1 الدراسات السابقة في مجال البحث

هناك الكثير من الدراسات التي تناولت موضوع الفراغ في العمارة، منذ بداية الكتابة عن فكرة الفراغ بشكل واضح، في مطلع القرن التاسع عشر وحتى الآن، ولعله من الأفضل أن نشير إلى أهم هذه الدراسات، والتي ترتبط بموضوع البحث الحالي، على سبيل المثال لا الحصر.

 ففي كتابه – السابق الإشارة إليه -  يشير "سيجفريد جيديون" إلى علاقة الفراغ الزمني بنظرية النسبية لأينشتين Einstein وكذلك حركات الفن التعبيري، وهو يرى أن عادة الرؤيا للأشياء في حدود أبعاد ثلاثة قد تمكنت في العقل البشري منذ اكتشاف المنظور، وأنه لابد لاستيعاب أي فراغ من إدخال عامل الوقت كقياس للانتقال من مكان لآخر، ويتم هذا الانتقال بواسطة المشاهد نفسه، حيث أن المبنى ثابت لا يتحرك، وهو ما سمي بالبعد الرابع في تصميم الفراغ. الحقيقة أن "بيتر كولنز" Peter Collins يرى رأياً مخالفاً لذلك في كتابه Changing Ideals in Modern Architecture، حيث يرى أنه من الصعوبة إدخال عامل الزمن في تقدير الفراغ نظراً لصعوبة تحديد سرعة قياسية للسير في الفراغ بحيث تجعل من الزمن بعداً رابعاً بطريقة واضحة([7]).

من هنا نلمس أن هناك آراءً حول علاقة الفراغ بالزمن أو بمعنى آخر علاقة الإحساس بالفراغ بالحركة فيه، وهذا في رأينا يرتبط بشكل محددات الفراغ وهيئته المعمارية في المقام الأول، فلو كان الفراغ ذو هيئة بسيطة مقروءة من نظرة واحدة لما كان للحركة فيه أي تأثير، على عكس الفراغ ذو الهيئة المركبة والتي تحتوي على الكثير من المناظر المتغيرة غير المتطابقة والتي يمكن للمشاهد أن يدركها ويستمتع بها.

على أية حال ما يهم البحث من موضوع الدراسات السابقة والآراء المطروحة حول الفراغ المعماري هو أنه لا توجد هناك دراسة تناولت موضوع الورقة البحثية التي بين أيدينا، وهو دراسة التغير الذي حدث في محددات وأسلوب تصميم وهيئة الفراغ في عمارة التفكيك، عنه في حالة عمارة الحداثة.

 

2-2 إشكالية البحث وأهدافه

تظهر إشكالية هذا البحث في جدلية الخلاف القائم حول توجهات عمارة التفكيك، والسؤال الرئيسي الذي يمكن أن يدور حوله الخلاف، في نظرنا، هل قدمت عمارة التفكيك جديداً عما قدمته عمارة الحداثة فيما يخص الفراغ المعماري؟

وحتى يمكن للبحث الإجابة على هذا السؤال فإنه قد حدد مجموعة من الأهداف وهي:

1- توضيح مفهوم وأسلوب تصميم والهيئة الناتجة للفراغات المعمارية لعمارة الحداثة.

2- استقراء جوانب التغير في مفهوم وأسلوب تصميم وهيئة الفراغات المعمارية في عمارة التفكيك.

3- بيان الكيفية التي أنتجت بها عمارة التفكيك فراغاتها المعمارية ومكونات هذه الفراغات، بجانب محاولة الإشارة إلى التأثيرات التي تحدثها هذه الفراغات على عقل المشاهد وإحساسه بالمتعة والجمال.

 

 

2-3 منهجية الدراسة

في محاولة البحث الإجابة على السؤال الرئيسي الذي تتضمنه الإشكالية البحثية، فإن البحث يعتمد على الرؤية النقدية المطروحة من خلال المنهج التحليلي المقارن، لفكر وأعمال رائدين ممثلين تماماً لعمارة الحداثة وعمارة التفكيك؛ وهما "ميس فان درروه" Mies Van Der Rohe كمعماري حداثي، و"فرانك أوين جيري" Frank Owen Gehry كمعماري تفكيكي.

 

3- الرؤية النقدية: الفراغ المعماري من الحداثة إلى التفكيك

3-1 لماذا عمارة الحداثة وعمارة التفكيك؟

عن أهم الأسباب التي جعلت هذا البحث يتجه إلى دراسة الفراغ في عمارة الحداثة وعمارة التفكيك، هو أن كلاهما قد أوجدت تغييراً ملحوظاً وثورة على الفراغ المعماري المعروف قبلها، فمن جهة نجد أن عمارة الحداثة قد أوجدت ثورة واضحة في محددات الفراغ المعماري وهيئته عما كان سائداً في عصر النهضة والباروك وحتى العمارة الكلاسيكية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فقد توجهت عمارة الحداثة بشكل كبير نحو تخليص الفراغ من كل ما هو زائد عن الحاجة.

إلا أنه يمكن القول بأن الإفراط في تبسيط مكونات الفراغ وتشكيله المعماري في عمارة الحداثة، من خلال الاقتصار على ما هو ضروري فقط لتشكيل الفراغ من الناحية الوظيفية، قد أدى إلى علاقة سطحية بين المستخدم ومكونات الفراغ، فباتت المكونات لا تشبع المشاهدين ولا ترضي ذوقياتهم ولا تحقق لهم مطلب التمتع بالتكوينات المعمارية لهيئة الفراغ من الداخل وبالتالي المباني من الخارج. ولعل هذا ما يمكن تفسيره من وجهة نظر أخرى بفقدان العلاقة بين الفراغ والزمن، السابق الإشارة إليها، فنقاء مكونات الفراغ وهندسة أسطح فراغات عمارة الحداثة، ولدت صوراً مرئية تكاد تكون ثابتة للفراغ، فبسهولة شديدة يتمكن المشاهد من إدراك الفراغ ومكوناته، ويصبح منظراً مألوفاً لديه من نظرة واحدة، فسرعان ما يمله، حتى ولو تحرك بداخله، فلا يرى فيه جديداً.

ولعل هذا ما يمكن أن يراه البحث سبباً من ضمن الأسباب التي عجلت بالثورة على عمارة الحداثة في حقبة الستينيات من القرن العشرين، فراح كل اتجاه جديد يحاول، وبجانب محاولة التغلب على إخفاقات الحداثة في الجوانب البيئية والاجتماعية، أن يثري اللغة المعمارية وأن يستثير في المشاهد القيم الحسية والروحية.  

على الجانب الآخر، نجد أن عمارة التفكيك، مثلها مثل عمارة ما بعد الحداثة، قد أوجدت الثورة على الثورة، حيث جاءت بثورة جديدة على الفراغات المعمارية المميزة لعمارة الحداثة. صحيح أن عمارة التفكيك لم تتجه نحو المفردات والطرز الكلاسيكية والتاريخية للأخذ منها واستثارة مقومات الجمال العاطفي لدى المشاهد، كما هو الحال في اتجاهات عمارة ما بعد الحداثة الكلاسيكية والتاريخية، لكنها اتجهت توجهاً آخراً للعب بمحددات الفراغ وبالعلاقة بين مكوناته، مما أوجد هيئات فراغية مثيرة، تستثير عقل المشاهد من خلال محاولته، على الأقل، فهم كيفية تحقيق هذه الهيئات، بجانب تزويده بالصور البصرية المتغيرة داخل الفراغ، في كل ركن من أركانه، وما أن يتحرك خطوة في الفراغ، حتى تتغير المناظر وتختلف الأحاسيس. 

على أية حال يمكن تصنيف رواد عمارة التفكيك من ضمن هؤلاء المعارضين لمبدأ العودة إلى التراث، وفي نفس الوقت يريدون أن يزيلوا من فكرهم ما انتقدوا به غيرهم به، وهو الجمود والسكون وعدم التقدم إلى الأمام، فهم أرادوا أن يجددوا عمارة الحداثة بدون الرجوع إلى التراث([8]).

وبغض النظر عن الاختلافات الفكرية القائمة حول التفكيكية، كحركة فكرية في الآداب والفنون، ومنها وبشكل خاص صبغتها الأيديولوجية، بجانب الرفض القاطع لآراء الكاتب "جاك دريدا" Jacques Derrida مؤسس حركة التفكيك في الأدب حيث نادى بتفكيك اللغة وهدم قواعدها المعروفة([9])، إلا إنه يوجد لها بعض الإيجابيات، والتي يمكن الاستفادة منها في الجانب المعماري. فالتفكيكية تنطوي على قوة شحذ هائلة للعقل والفكر، وهو ما يحقق للمشاهد لذة ومتعة عظيمة في تحقيق نفسه كذات مفكرة ومبدعة([10]). إجمالاً يمكن القول بأن ما أحدثته عمارة التفكيك، على الأقل خلافاً لعمارة الحداثة، في طريقة تصميم الفراغ المعماري، وبالتالي في الهيئات الفراغية التي نتجت عن ذلك، لهو شيء يستحق الدراسة والتحليل.

 

3-2 الحالة الدراسية: فكر وأعمال ميس فان درروه وفرانك أوين جيري

لكي تكون الدراسة أكثر تركيزاً ووضوحاً، فقد رؤى أنه من الأفضل أن يتم الاعتماد في هذا الجزء على المنهج التحليلي المقارن، حيث توجه البحث نحو دراسة فكر وأعمال رائدين؛ أحدهما تعبر أفكاره وأعماله عن عمارة الحداثة وهو المعماري "ميس فان درروه" (1886-1969) Mies Van Der Rohe([11])، والآخر تعبر أفكاره وأعماله عن عمارة التفكيك وهو المعماري "فرانك أوين جيري" (1929 – الآن) Frank Owen Gehry([12]). وما يؤكد على تعبير هذين الرائدين كل عن اتجاهه المعماري، أنه ما يكاد يذكر لفظ عمارة الحداثة وإلا و"ميس" يأتي من أوائل مجموعة الرواد الذي ساهموا في تطور فكرها من خلال فكره وأعماله، وأيضاً ما تكاد تذكر عمارة التفكيك إلا و"جيري" يكون من أوائل مجموعة الرواد الذين ساهموا في وضوح فكرها من خلال فكره وأعماله أيضاً.

 

3-2-1 الفراغ المعماري في فكر ميس وجيري

يعد "ميس" أحد رواد عمارة الحداثة، الذين قدموا أعمالهم وفق منهجها التصميمي الداعي إلى البساطة في كل شيء، ولعل أعمال "ميس" تعد أبلغ الأمثلة على ذلك، وقد عبر عن ذلك بمقولته الشهيرة "القليل يتيح الكثير Less is more"([13])، وهو إنما أراد بمقولته هذه، التخلص من الزخارف والإضافات التي تزيد عن احتياجات الفراغ، كما عبر عن ذلك، وبشكل أكثر وضوحاً، بقوله: "نحن نرغب في الطراز الذي يعطي كل شيء مكانه المناسب، كما نرغب في أن يمتلك كل شيء مكانه المناسب طبقاً لطبيعته"([14]).

إن فلسفة "ميس" التصميمية تدعو بشكل واضح إلى ضرورة اختزال وتجريد المبنى إلى حد اللاشيء، والحقيقة أن شعار "ميس" "القليل يتيح الكثير، كان رمزاً لعمارة الحداثة بشكل عام، بدلالة أنه عندما أراد المعماري الأمريكي "روبرت فينتوري" Robert Venturi  بيان القصور الذي وقعت فيه الفلسفات الحداثية لعمارة القرن العشرين، لم يجد أفضل من البدء بدحض تلك العبارة، بقوله "القليل لا يكفي" لأن "الأقل ممل" Less is bore([15]).

أما فكرة الفراغ المعماري عند "ميس" فقد كانت تعتمد على فكرة الفراغ الشامل Universal Space، وهو فراغ يمكن تقسيمه حسب الحاجة بمرونة فائقة، بواسطة قواطيع شفافة أو صماء، لا تتقيد في توزيعها بنقاط الارتكاز، ولا تؤثر في الشعور بتكامل الفراغ كوحدة واحدة([16])، حيث أن هذه القواطيع لا تصل إلى السقف.

أما عن فكر "فرانك جيري" فقد صنفه "تشارلز جينكر" Charles Jencks ضمن اتجاه فرعي في التفكيكية أسماه ”التفكيك واللا ترابط“ وتتلخص رؤية "جيري" المعمارية داخل هذا الاتجاه في تفكيك الكل إلى أجزاء ومن ثم إعادة التركيب بأسلوب فني غير تقليدي، يشعر المشاهد بعدم ترابط أجزاء العمل المعماري، كما استهدف بذلك تحطيم الصورة الذهنية التقليدية المتماسكة للأعمال المعمارية لدى المشاهد لتحل محلها أخرى يغلب عليها التفكيك واللا ترابط([17]).

أما عن فكرة الفراغ المعماري عند "جيري" فإنه يمكن القول بأنها تناهض تماماً فكرة "ميس"، حيث أن أعمال "جيري" تظهر رغبته في تفكيك المبنى إلى فراغات واضحة لكل منها كتلة خاصة تميزها، وقد لجأ في كثير من الأحيان إلى تمييز الكتل عن بعضها بشكل واضح ومستقل.

 

3-2-2 نقد الفراغ المعماري في أعمال ميس وجيري

3-2-2-1 محددات الفراغ: من المحدد إلى اللا محدد

بالنظر إلى مفهوم الفراغ السابق توضيحه، والذي يربط فكرة الفراغ بمحدداته التي تم اقتطاعه بها من الفراغ العام، نجد أن فراغات عمارة الحداثة التي تمثلها هنا أعمال "ميس" تتسم بالتحديد التام والوضوح في نفس الوقت، حيث يمكن تمييز محددات الفراغ بسهولة، حتى مع وجود الحوائط الزجاجية الشفافة كمحددات رأسية، ورغم شفافيتها إلا أنه يمكن تمييزها كمحددات مستقلة من خلال الأسطح المستوية المغلفة للفراغ. وهذا يظهر بصورة على عكس الصورة التي تظهر بها أعمال "جيري" حيث يصعب تحديد محددات الفراغ وفصل مكوناتها عن بعضها، وهذا إنما يتطلب إعمال الفكر لإدراك أعمال "جيري" بشكل أكبر عن أعمال "ميس"، مما يثير الانتباه ويبعث على التشويق في أعمال عمارة التفكيك عنها في حالة عمارة الحداثة.

فهيئات الفراغات الداخلية في أعمال "ميس" يمكن إدراكها بسهولة، وكذلك الهيئات الخارجية لمبانيه، على عكس فراغات ومباني "جيري"، فمن الداخل يتطلب الأمر التجول في الفراغ أكثر من جولة لإدراك المحددات الفراغية والعلاقات بينها، كما يتطلب الأمر في الخارج الدوران حول المبنى ورؤيته من زوايا عديدة لمحاولة فهمه، والتعرف على محددات هيئتة الخارجية.

 

3-2-2-2 تصميم الفراغ: من النظام إلى اللا نظام

ينطوي تصميم الفراغات المعمارية في أعمال "ميس" على قواعد مديولية واضحة، تحكم التباعدات الإنشائية بين العناصر، انطلاقاً من فكر الحداثة الداعي إلى تبسيط المكونات، والحفاظ على هيئة الفراغات، ومحاولة الاستفادة قدر الإمكان من مسطحات الفراغات بدون هدر، الشكل رقم (1).

وقد استقر، بناءً على فكر الحداثة في تصميم الفراغات، أن عدم النظام يؤدي إلى الفوضى، وإلى ضياع مسطحات الفراغات بدون استخدام مدروس.

أما عن عمارة التفكيك فيمكن القول بأنها لا تعتمد في الأصل على أية قواعد في التصميم المعماري للفراغات، سواء في البعدين أو ثلاثة أبعاد. يقول المعماري "بيتر آيزنمان" Peter Eisenman: "عمارة التفكيك هي البحث بين القبيح ضمن الجميل، واللا منطقي ضمن المنطقي"([18]).

ولكن رغم هذا فإن فراغات "جيري" قد كشفت عن إمكانات هائلة للأشكال غير المنتظمة، حيث أنه يمكن بها تحقيق هيئات فراغية مثيرة وجذابة بالنسبة للمشاهد.

 

 

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 


الشكل رقم (1). المسقط الأفقي في أعمال "ميس"(القواعد الواضحة في التصميم).

 

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الشكل رقم (2). المسقط الأفقي في أعمال "جيري"(لا توجد قواعد واضحة).

 

 

3-2-2-3 هيئة الفراغ: من الهندسية إلى اللا هندسية

باستثناء القليل من الأعمال المعمارية لعمارة الحداثة، فإن أعمال "ميس" لا تختلف عن معظم الأعمال الحداثية التي يغلب عليها الأسطح الهندسية المستوية؛ سواء للأرضيات، أو الحوائط أو الأسقف، الشكل رقم (3).

فالهيئة المعمارية لفراغات "ميس" تتكون من عدد قليل من الأسطح المستوية مستطيلة الشكل، بعضها على هيئة حوائط شفافة أو مصمتة، وبعضها على هيئة سقف وأرضية، وجميع التلاقيات على زوايا قائمة، وتحصر هذه الأسطح فراغاً واحداً (الفراغ الشامل) منساباً في جميع الاتجاهات الأفقية. ففي مبنى "مدرسة العمارة بمعهد إلينوي للتكنولوجيا" Crown Hall, IIinois Institute of Technology (1959م) وضح التطور الكبير لفكرة هيئة الفراغ الداخلي، فالمبنى عبارة عن متوازي مستطيلات من الحديد والزجاج، وسقف مستوي، والفراغ الداخلي مقسم بواسطة قواطيع رأسية لا تصل إلى السقف، مما يتيح رؤية امتداد كافة أجزاء الفراغ، ويتأكد الشعور بوحدة الفراغ([19]).

أما في أعمال "جيري" فنجد الأشكال العضوية ذات الأسطح المنحنية غير الهندسية، فهي بدون قواعد تتحكم فيها، الشكل رقم (4). ورغم هذا نشعر من خلال هذه الفراغات بأنه يكاد يكون بدأ التفكير فيها باستخدام أشكال هندسية، ثم تحولت إلى غير هندسية، عن طريق إحداث تغييرات جذرية وهائلة في العلاقات بين أسطح الفراغات، فتحولت هيئة الفراغ من الهندسية إلى اللا هندسية. أو بمعنى آخر كان يبدأ العمل بأشكال بسيطة ثم تتحول إلى أشكال نحتية([20]).

نأتي إلى الإحساس داخل فراغات عمارة الحداثة ذات الأشكال الهندسية، وفراغات عمارة التفكيك ذات الأشكال غير الهندسية، فيمكننا القول بأنه استقر في الأذهان منذ زمن العمارة الكلاسيكية وعمارة الحداثة أن الأشكال الهندسية المنتظمة وحتى شبه المنتظمة هي الأشكال التي يمكنها أن تلبي رغبات المعماري حينما يبحث عن الشكل الذي يسقط فيه فكرته، بل كانت النصائح توجه له، بما يكاد يصل إلى عدم الاقتراب من الأشكال غير المنتظمة والتي لا توجد لها قواعد تتحكم فيها، وها هي عمارة التفكيك تكشف لنا عن إمكانات هائلة للأشكال غير المنتظمة، فهي تحدث علاقات جديدة بين أسطح الفراغات تتولد فيها امتدادات غير منتهية لهيئة الفراغ بجانب التأثير بالإضاءة الطبيعية وحتى الصناعية في هذه التداخلات الفراغية مما يثري الإحساس داخل الفراغ المعماري في النهاية. ليس هذا فحسب، بل تكاد تكون عمارة التفكيك، وباستخدامها لهذه الأشكال غير المنتظمة، أن تؤكد لنا على مبدأ تصميمي تشكيلي في الفراغات المعمارية، ومفاده أن كل الأشكال خاضعة للاستخدام في أية وظيفية، طالما هناك إمكانية لاستخدامها بالشكل الذي يحقق الوظيفة المطلوبة، ويثري التشكيل المعماري لهيئة الفراغ.

لاشك أن الإحساس داخل الهيئات الفراغية لعمارة التفكيك إحساس مثير وجذاب، وهو ما يمكن أن يلبي رغبة المشاهد عن طريق تحقيق المتعة له، بإطالة النظر داخل هذه الفراغات، ومن خلال الصور الذهنية المتغيرة باستمرار، مختلفة بذلك جذرياً، ليس عن عمارة الحداثة ذات الأسطح الهندسية النقية، بل حتى عن عمارة ما بعد الحداثة التي لجأت لتحقيق مثل هذه الأحاسيس عن طريق الاقتباس من العمارة الكلاسيكية أو عمل تشكيلات لونية وزخرفية بصرية تحقق للمستخدم متعة المشاهدة أثناء استخدامه للفراغ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الشكل رقم (3). نماذج لهيئات فراغية من أعمال "ميس" (هندسية ومحددة الأسطح).

 

 

3-2-2-4 العلاقة بين الداخل والخارج (الهيئة الخارجية): من البساطة إلى التعقيد

نشير هنا إلى أن الهيئة الخارجية للمبنى والفراغ المعماري الداخلي متلازمان وحال دراسة الفراغ فإنما ندرس الهيئة التي نتجت عنه، كما يأتي مصطلح الهيئة المعمارية تعبيراً عن العلاقة بين الداخل والخارج في المبنى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الشكل رقم (4). نماذج لهيئات فراغية من أعمال "جيري" (غير هندسية وغير محددة الأسطح).

 

وعن العلاقة بين الداخل والخارج في أعمال "ميس" نجد أنه بفكرة الفراغ الشامل قد تحددت عملية التشكيل المعماري للمبنى من الخارج، من خلال تأكيد الوحدة الفراغية الداخلية، فظهر الشكل الخارجي معبراً عن حقيقة الفراغ الداخلي([21])، الشكل رقم (5)، ولم تظهر في مبانيه نزعة نحو تمييز عناصر الهيئة الخارجية بشكل مستقل، فالواجهات الخارجية عبارة عن أغلفة من الزجاج، ولذا فهي ذات شفافية كاملة، معبرة عن حقيقة الفراغ الداخلي وليس عن وظيفة المبنى. لذا نجد التشابه، الذي قد يصل إلى حد التطابق، في تصميم واجهات المباني التي صممها "ميس". ولعل "ميس" قد نجح إلى حد كبير في حل الإشكالية الخاصة بالتعبير المعماري للهيئة الخارجية عن داخل المبنى، فلم يلجأ للتعبير الوظيفي، وهو ما فيه من تعقيد وفلسفات قد تصل إلى الرمزية الصريحة، ولكن لجأ للتعبير عن حقيقة الفراغ الداخلي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الشكل رقم (5). الهيئة المعمارية الخارجية لفراغات أعمال "ميس" (البساطة المتناهية).

 

الحقيقة أن الإحساس الذي يمكن أن يتولد عند المستخدم لفراغات "ميس" أنه وكأنما يتواجد داخل صندوق زجاجي، بل أنه يعيش في مبنى لا يعزله عن الفراغ الخارجي المحيط. لقد عبر "رينر بانهام" Ryner Banham عن ذلك بقوله عن " مدرسة العمارة بمعهد إلينوي للتكنولوجيا": "إنها علبة بللورية للهدوء التأملي"([22]).

كما ظهرت في أعمال "ميس" فكرة التشكيل بالهيكل الإنشائي، المصنوع من الحديد، في الواجهات الخارجية، وقد عبر عن ذلك، وفي نفس الوقت منتقداً أسلوب البناء في القرن التاسع عشر على وجه الخصوص، بقوله: "إن النظام (يقصد الهيكلي) في المباني التقليدية يخبأ بواسطة التشويش (الاختلاط) بين التشكيلات فاقدة المعنى والمبتذلة، ونحن نستطيع أن نرى أسس الإنشاء الجديدة أكثر وضوحاً عندما نستخدم الزجاج في الحوائط الخارجية"([23]). فلا يمكن في هذا السياق أن نفصل بين المبنى من الخارج والهيئة التي عليها فراغاته الداخلية، وخصوصاً عندما تكون هيئات الفراغات الداخلية وأسطحها تظهر بصورة جلية في الهيئات الخارجية للمباني.

على الجانب الآخر نجد أن إمعان النظر في الهيئة الفراغية لأعمال "ميس" يظهر عدم ثراء لغة التشكيل المعماري، وخصوصاً مع التشابه الكبير للواجهات، فكل واجهاته عبارة عن هيكل الحديد الظاهر والذي تملأ البانوهات بين عناصره بالحوائط الزجاجية، وحتى في "عمارة سيجرام" (1954- 1958م) في نيويورك Seagram Building, Park Avenue, New York، ورغم أنه حاول تحويل البانوهات إلى حوائط ستائرية إلا أنه أوجد قطاعات من الحديد ظاهرة فوق السطح الزجاجي الخارجي.

أما في أعمال "جيري"، فنجد الصورة المدركة في النهاية من المبنى تعبر عن تعقيد عال في تركيب الكتل بعناصرها المختلفة. كما أن الكتل المنحنية والمتداخلة مع بعضها في مبانيه قد تم صياغتها بشكل جديد، وفي تكوين فريد يعبر عن فكرة التفكيك والتجميع بعلاقات كتلية جديدة وغريبة في الكثير من الأحيان. وبالتالي فإنه يصعب إدراك وفهم كتل المبنى دون الدوران حولها، الشكل رقم (6) ولعل هذا ما يمكن أن يثري النظر إلى هذه الكتل، من خلال المناظر المتغيرة أثناء الحركة حول هذه المباني.

 

3-2-2-5 بنية الفراغ: من عصر الآلة إلى عصر الثورة الرقمية

رغم أن الوسائل المستخدمة في تنفيذ الفراغات في أعمال "ميس" و"جيري" وكذا الصورة الناتجة مغايرة تماماً، إلا أننا يمكن أن نلمس خطاً مشابهاً لكل منهما، انتهجه في تنفيذ فراغاته، حيث نلمس دور الإنشاء، وبشكل خاص الحديد، واضحاً في تصميم هذه الفراغات. فسواء كانت الفراغات هندسية الهيئة كما في أعمال "ميس"، فقد كان الحديد هو المادة السهلة في تكوين بنية هذه الفراغات من خلال تشكيل قطاعات الحديد في قطاعات ذات أسطح مستوية وزوايا قائمة. وسواء كانت الفراغات عضوية الهيئة وليس لها شكل محدد كما في أعمال "جيري" فقد كان الحديد، وبما توفر له من تقنيات رقمية وآلات تساعد في حسابات القطاعات وتشكيلها، بمرونة فائقة، هو أيضاً المادة الطيعة وذات الإمكانات العالية في تحمل قوى الشد، والتي ساهمت في تشكيل هذه الفراغات.

لاشك في أن لبنية فراغات كل من "ميس" و"جيري" علاقة واضحة بالإنشاء، وبأسلوب الإنشاء المستخدم في إنتاج هذه الفراغات. فها هو "ميس" يعبر عن علاقة الإنشاء بفراغاته التي أنتجها قائلاً: "المسقط الحر (المفتوح) والإنشاء الواضح لا يمكن أن ينفصلوا، فالإنشاء هو العمود الفقري للمبنى في الإجمال، فهو يسمح بعمل المسقط الحر، وبدون الإنشاء لا يتحقق شيء"([24]).

كذلك الحال بالنسبة إلى "جيري" والذي نلمس في أعماله المعمارية وفراغاته التي تحتويها بشكل خاص طفرة كبيرة لاستخدام إمكانات الإنشاء بالحديد في العمارة، فقد أصبح بالإمكان تشكيل قطاعات الحديد في أشكال حرة، وتلتقي مع بعضها في مناطق وأجزاء غير تلك التي كانت لازمة لأعمال الإنشاء التقليدي، ولعل استخدام "جيري" لإمكانات الثورة الرقمية وبشكل خاص برامج الحسابات والمحاكاة للنماذج، قد ساعده في تحقيق ما كان يهدف إليه من إنتاج هذه الأشكال النحتية الغريبة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الشكل رقم (6). الهيئة المعمارية الخارجية لفراغات أعمال "جيري" (التعقيد العالي).

 

 

ففي بنك DG (1995-2001) في برلين بألمانيا، تم تصميم مركز المؤتمرات على شكل رأس حصان ليكون مغطى بغلاف من الإستانلس ستيل Stainless Steel، وهو من القطع القليلة التي بناها "جيري" مستخدماً الشد والضغط Stretched and Compressed للألواح المعدنية، أما بقية العناصر فتعتمد على قدرة الحديد على الثني، وقد تم تنفيذ المنحنيات المركبة لرأس الحصان كما ينفذ جسم السيارة بالاستخدام المباشر للمعلومات الرقمية للنموذج الرقمي للمشروع، كما تم استخدام 306 لوحاً من مادة ستايروفوم Styrofoam بواسطة جهاز CNC Router أو Computer Numerical Control Router وهو جهاز مؤتمت يستخدم المعلومات الرقمية لتشكيل ألواح من مواد مختلفة، وقد تم تغطية الهيكل في النهاية بألواح إستانلس ستيل Stainless Steel بسماكة 4 ملليمتر، تم تجميعها حول الهيكل الحديدي المنحني. ويتمتع مركز المؤتمرات بتصميم داخلي رائع به تفاصيل جميلة، كما أن كل المكاتب على الفناء الداخلي والمقسم بواسطة ألواح خشبية تتمتع برؤية خاصة لرأس الحصان، كل من زاويته الخاصة([25])، راجع شكل رقم (6). كما ساعدت مواد البناء الحديثة وأهمها "التيتنيوم" Titanium، "جيري" في تنفيذ الأسطح الخارجية غير المنتظمة لفراغاته.

 

 

3-3 نتائج دراسة الفراغ المعماري في أعمال ميس وجيري

يوضح الجدول رقم (1). ملخص نتيجة التحليل المقارن لأعمال كل من "ميس فان درروه" كمعماري تعبر أفكاره وأعماله عن عمارة الحداثة، و"فرانك أوين جيري" كمعماري تعبر أفكاره وأعماله عن اتجاه عمارة التفكيك.

 

الجدول رقم (1). ملخص التحليل المقارن بين الفراغ المعماري في أعمال "ميس" و"جيري".

 

 

جوانب تحليل الفراغ المعماري

محددات الفراغ

تصميم الفراغ

هيئة الفراغ

هيئة المبنى

بنية الفراغ

 

أعمال

ميس فان درروه

 

يسهل تمييز المحددات الأفقية والرأسية، فلكل منها كيانه المستقل.

يعتمد تصميم الفراغات على قواعد مديولية واضحة تحدد التباعدات الإنشائية.

هندسية وتبدو صارمة، ذات أسطح مستوية، تتقابل في زوايا قائمة.

بسيطة بشكل كبير، وتعبر تماماً عن بساطة هيئة الفراغات وهندسيتها.

للإنشاء دوراً واضحاً، وبشكل خاص الحديد، وتشكيله في قطاعات هندسية قائمة الزوايا.

 

 

أعمال

فرانك أوين جيري

 

 

يصعب تمييز المحددات بسبب تداخلها الكبير نتيجة للأشكال العضوية المتداخلة في الفراغات.

لا يوجد أية قواعد واضحة لتصميم الفراغات فهناك أشكال حرة يتم تجميعها بشكل حر أيضاً.

لا هندسية وذات أشكال غير منتظمة، والعلاقات بين عناصر الفراغ جديدة ومثيرة.

معقدة بشكل كبير، وتعبر تماماً عن تعقيد هيئة الفراغات اللا هندسية.

للإنشاء دوراً واضحاً، وبشكل خاص الحديد والإمكانات الجديدة في تشكيله في أشكال حرة، باعتماد قوى الشد.

 

5- الخلاصة

مما سبق يمكن استخلاص النقاط التالية:

1- لا خلاف بين عمارة الحداثة وعمارة التفكيك على أن الفراغ المعماري هو لب التكوين المعماري للمبنى، ومنه تتشكل الهيئات الخارجية، فإن كانت الهيئات المعمارية لمباني الحداثة تتسم بالبساطة فإنما هي تعبير عن بساطة هيئات الحيزات الداخلية التي احتوتها، وإن كانت الهيئات المعمارية لمباني التفكيكية قد اتسمت بالتعقيد والتناقض فإنما هي معبرة عن هيئات الحيزات الداخلية التي احتوتها أيضاً.

2- حققت عمارة الحداثة إنجازاً كبيراً في تخليص الفراغات المعمارية، بمحدداتها وعلاقة هذه المحددات ببعضها، وهيئاتها الداخلية، وهيئات المباني الناتجة عنها، من قيود الطرز القديمة، ولكن محاولة تحول عمارة الحداثة إلى طراز ( وهو ما سمي بالطراز الدولي) أفقد فراغات عمارة الحداثة هدفها الرئيسي، وخصوصاً بعدما تزامنت مشكلات عمارة الحداثة البيئية والاجتماعية مع الملل الذي ساد العلاقة بين الفراغات والمستخدم والمشاهد.

3- توجهت عمارة التفكيك نحو محددات الفراغ المعماري، في إطار سعيها للتغلب على العلاقة المملة والصامتة بين الفراغات والمستخدمين والمشاهدين، فعن طريق التغيير فيها نتجت الهيئات الجديدة وعن طريق التغيير في علاقة المحددات مع بعضها نتجت العلاقات المثيرة الجديدة. وهي إنما بذلك قد حققت العلاقة بين الفراغ والزمن بأسلوب مختلف وجديد.

4- تحقق الهيئات الهندسية البسيطة ذات الأسطح المستوية والزوايا القائمة، وهي السمات الغالبة للفراغات المعمارية لعمارة الحداثة، البساطة في التعبير المعماري، بجانب التوفير في التكلفة، ولكنها تفتقر إلى التنوع والتغيير المطلوب في الرؤيا، والذي يحقق للمشاهد الإدهاش والمتعة، على عكس هيئات فراغات عمارة التفكيك والتي تنطوي على تنوع وتغيير كبيرين.

5- للتقنيات الدور الكبير في تحقيق توجه المعماري، سواء ناحية التبسيط أو التعقيد، فمع السرعة المطلوبة في البناء، ولتميز بعض المواد عن بعضها بالقدرة على التشكيل في هيئات وأشكال منتظمة أو غير منتظمة، كان للحديد الدور الواضح في تشكيل هيئات الفراغات في أعمال كل من "ميس" و"جيري" وإن اختلفت الطريقة التي استخدم بها، سواء في أشكال هندسية منتظمة في أعمال "ميس" أو في أشكال عضوية غير منتظمة ولا هندسية في أعمال "جيري".

6- وأخيراً، يبقى الإشارة إلى ما لم تستطع الدراسة الحالية بحثه أو الإجابة عليه، وهو الحكم على مدى تأثير الحياة في فراغات عمارة التفكيك على الحالة النفسية والفكرية للمستخدمين، فهذا يتطلب القيام بدراسات مطولة ومعقدة ومتشعبة قد تستغرق أعواماً كثيرة، كما تتطلب أن تقوم بها فرق بحثية متنوعة التخصصات (النفسية والصحية والاجتماعية)، لمعرفة التأثير الذي يمكن أن تحدثه هذه الفراغات على عقول المستخدمين، وإن كانت مثل هذه الدراسات لم تتم في الأصل على فراغات عمارة الحداثة التي نسكنها ونتعلم فيها ونعالج ونعمل فيها ونمضي فيها معظم أوقات حياتنا، ونحن لم ندرس بعد ما إذا كان لها تأثيراً إيجابياً أو سلبياً على قدراتنا وفكرنا وشخصياتنا.

 

المراجع

أبو دية، نبيل (2002م)، من النهضة إلى الحداثة، تاريخ العمارة الغربية ونظرياتها، الجامعة الأردنية، بيروت.

بدر، عصام عبده، ومحمد سامي الشافعي (1968م)، مفهوم الفراغ في العمارة، مجلة جمعية المهندسين المصرية، القاهرة، المجلد 7، العدد 4.

حسن، نوبي محمد (1997م)، التفكير الإبداعي في عملية التصميم المعماري، رسالة دكتوراه، قسم العمارة، كلية الهندسة، جامعة أسيوط، مصر.

حسن، نوبي محمد (2001م)، نظريات العمارة (2)، الناشر المؤلف، أسيوط.

زيتون، صلاح (1993م)، عمارة القرن العشرين، مطابع الأهرام، القاهرة.

الطاشكندي، فرحات (2003م)، عمارة التفكيك، مجلة عمران، الرياض، العدد 4، سبتمبر.

علي، خالد علي يوسف (2001). العمارة المعاصرة والمردود الفكري والتطبيقي على العمارة المصرية القديمة (دراسة تحليلية)، رسالة ماجستير، قسم العمارة، كلية الهندسة، جامعة أسيوط، مصر.

الكردي، محمد علي، دريدا والحوار المستحيل، جريدة الأهرام، القاهرة.

محمود، حاتم محمود فتحي، ومحمد أيمن عبد المجيد، ونوبي محمد حسن (2005م)، الثورة الرقمية والتقنيات المستخدمة في العمارة – التصميم والتنفيذ، المؤتمر المعماري الدولي السادس "الثورة الرقمية وتأثيرها على العمارة والعمران"، قسم العمارة، كلية الهندسة، جامعة أسيوط، مصر، 15- 17 مارس.

 

Asensio, N. (2004). Great Architects, Atrium Group, Barcelona, Spain.

Banham, R. (1975). Age of Masters, The Architectural Press, London.

Ching, F. D. K.(1974). Architecture: Form, Space & Order, Van Nostrand Company, Inc., New York

Giedion, S.(1967). Space, Time and Architecture, Cambridge, Massachustts Harvard University Press.

Kaufmann, E. & Ben Raeburn. (1960). Frank Lloyd Wright, Writings & Buildings, Horizon Press, INC, U.S.A.

Norberg-Schulz C.(1974). Meaning in Western Architecture, Studio Vista, London.

 

الصور الواردة في هذا البحث مأخوذة من المراجع والمواقع التالية:

http://members.aol.com/richpat/860/Picnew.htm

http://www.bc.edu/bc_org/avp/cas/fnart/fa267/mies.html

http://www.bluffton.edu/~sullivanm/iit/iit.html

http://www.bluffton.edu/~sullivanm/spain/barcelona/mies/pavilion.html

http://www.bluffton.edu/~sullivanm/spain/bilbao/gehryguggenheim/guggenheimindex.html

http://www.cc.columbia.edu/cu/gsapp/BT/GATEWAY/FARNSWTH/images.html

http://www.greatbuildings.com/buildings/Guggenheim_Bilbao.html

http://www.lostandfoundproductions.org/glass.html

http://www.miesbcn.com/Pabelloneng01.htm

http://www.vitruvio.ch/arc/contemporary/1946-2000/americancenter.htm

http://www.vitruvio.ch/arc/contemporary/1946-2000/seagrambuilding.html

http://www.vitruvio.ch/arc/contemporary/1946-2000/vitradesignmuseum.htm

http://www.volny.cz/tugendhat/

Saggio, A. (2001). Digital Gehry: Material Resistance / Digital Construct, Birkhauser.



(1)  Giedion, S.(1967). Space, Time and Architecture.

(2) بدر، عصام عبده، ومحمد سامي الشافعي (1968م). مفهوم الفراغ في العمارة، ص25

(3) حسن، نوبي محمد (2001م). نظريات العمارة (2)، ص5

(5)Kaufmann, E. & Ben Raeburn. (1960). Frank Lloyd Wright, Writings & Buildings, p.284

(6) علي، خالد علي يوسف (2001م). العمارة المعاصرة والمردود الفكري والتطبيقي على العمارة المصرية المعاصرة (دراسة تحليلية).

(4) 107- 174 pp.  Ching, F. D. K.(1979). Architecture: Form, Space & Order,

(7) بدر، عصام عبده، ومحمد سامي الشافعي (1968م). مفهوم الفراغ في العمارة، ص ص، 23، 24

(8) الطاشكندي، فرحات (2003م). عمارة التفكيك، ص40.

(9) جدير هنا أن نشير إلى أن فكر الحداثة هو الآخر قد نادى، وبشكل واضح، بقطع الصلة تماماً بالماضي والتاريخ، بجانب القول بأن التاريخ لا يحمل سوى أخطاء الماضي، ويلزم التفكير بمنطق اليوم، وهو ما تمت معارضته أيضاً، وبشكل واضح في الثورة التي قامت على فكر الحداثة عموماً في حقبة الستينيات من القرن العشرين.

(10) الكردي، محمد علي، دريدا والحوار المستحيل.

(11) معماري ألماني، ترك بصمات واضحة على العمارة العالمية في القرن العشرين بصفة عامة، وعلى الألمانية والأمريكية - بعد انتقاله إلى أمريكا - بصفة خاصة. تميز بشخصية جادة ومحبة للنظام والوضوح والصدق، فكانت عاملاً في سرعة تقدمه ونجاحه، لمع أسمه من بين الذين قدموا فكراً جديداً وأعمالاً معمارية متميزة في القرن العشرين، مما جعل البعض يعتبره من رواد الجيل الأول الذين ساهموا في تقدم العمارة وإعطاء سمة واضحة للعمارة الحديثة في القرن العشرين.

(12) معماري أمريكي، تعلم في جامعة كاليفورنيا الجنوبية في لوس أنجلوس، وتخرج عام 1954م، درس علم تخطيط المدن في جامعة هارفارد. عام 1962م افتتح مكتبه الخاص في لوس أنجلوس، وهو ما يعرف بمؤسسة فرانك جيري. يعد من أهم وأشهر رواد عمارة التفكيك المعاصرين.

(13) زيتون، صلاح (1993م). عمارة القرن العشرين، ص ص 46، 231

(14)Giedion, S. (1967). Space, Time and Architecture , p.616

(15) أبو دية، نبيل (2002م). من النهضة إلى الحداثة، تاريخ العمارة الغربية ونظرياتها، ص ص 454، 455

(16) بدر، عصام عبده، ومحمد سامي الشافعي (1968م). مفهوم الفراغ في العمارة، ص35

(17) علي، خالد علي يوسف (2001م). العمارة المعاصرة والمردود الفكري والتطبيقي على العمارة المصرية المعاصرة (دراسة تحليلية).

(18) الطاشكندي، فرحات (2003م). عمارة التفكيك، ص40.

(19) حسن، نوبي محمد (1997م). التفكير الإبداعي في عملية التصميم المعماري، ص ص 188، 191

(20) Asensio, N. (2004). Great Architects, p.196

(21) حسن، نوبي محمد (1997م). التفكير الإبداعي في عملية التصميم المعماري، ص178

(22) المرجع السابق، ص178

(23) Banham, R. (1975). Age of Masters.

(24) p.183 Norberg-Schulz C. (1974). Meaning in Western Architecture,

(25) محمود، حاتم محمود فتحي، ومحمد أيمن عبد المجيد، ونوبي محمد حسن (2005م). الثورة الرقمية والتقنيات المستخدمة في العمارة – التصميم والتنفيذ.