بين الترجمة والنقد الأدبي

دكتور/ بابكر على ديومة

الأستاذ المشارك بكلية اللغات والترجمة / جامعة الملك سعود

قسم اللغات الأوربية والترجمة

الرياض / 1426هـ - 2005 م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بيـن الترجمة والنقـد الأدبي

مقـــدمة: النقد الأدبي عبارة عن خطاب يستند إلى خطاب آخرهو الإبداع الأدبي بشتى ضروبه، بغرض استجلاء معانيه وإزالة ما قد يكتنفه من غموض. ولما كان الهدف الرئيس للترجمة يتلخص في نقل معاني هذا الإبداع لقاريء لغة أخرى، فإنه من الضروري العمل على نقلها بجلاء والاجتهاد في تبيان الأبعاد الحقيقية التى يرمي إليها كاتب النص باللغة المصدر. يلتقي الناقد والمترجم ، إذن ، في نقطة جوهرية تتمثل في محاولة إبراز المعاني الحقيقية للنص. ولا يشترط في الناقد، بطبيعة الحال، الإلمام بمنهجية وعلوم الترجمة لأن بمقدوره استخدام ذات اللغة التى يستخدمها الكاتب. أما المترجم، فقد يجد نفسه مضطرا للإلمام، ولو بجزء يسير، من المعرفة النقدية بوجه عام، والأعمال النقدية التي تناولت العمل الذي يود ترجمته على وجه الخصوص؛ لأن من شأن تلك المعرفة النقدية تسهيل عملية الترجمة من ناحية، وإبراز المعاني الأقرب لمرامي الكاتب من ناحية أخرى. يرتكز هذا البحث على نقطة محورية ينبغي ألا تغيب لحظة عن ذهن قارئه وهي أنه ليس بمقدور المترجم إعطاء ترجمة صادقة ومقنعة دون الانطلاق من تفسير سليم للعمل الذي يود ترجمته. وأن مثل هذا التفسير السليم لا يتأتى إلاعن طريق استخدام الوسائل التي استنبطها وطورها النقد الأدبي .

        تطور النقد الأدبي في الآونة الأخيرة فأصبح علما قائما بذاته له أطره وقواعده ، وتدخل في مكوناته العديد من المعارف المساعدة كعلم النفس وعلمي الاجتماع واللغة. ونظرا لهذا الاتساع غير المسبوق في ميادين النقد، أصبح من العسيرعلى المترجم الإلمام والتفقه في كل هذه المجالات المعرفية، اللهم إلا إذا كان المترجم نفسه ناقدا محترفا في الوقت ذاته .

       لما كان من المفيد أن يخلق المترجم علاقة نقدية مع العمل الذي يعكف على ترجمته لما في ذلك من تسهيل لمهمته كما سبقت الإشارة، فسنعمل على تزويده ( أي المترجم ) في الجزء الأول من هذا البحث بأساسيات نقدية نحسب ألا غنى له عنها إذا ما أراد التفسير السليم لمرامي كاتب النص .

      ولئلا يغلب الجانب النظري على دراستنا، ولكي لا تغيب عن أذهاننا الفكرة الرئيسة للبحث، وهي إظهار العلاقة بين النقد والترجمة، فسنقوم في الفصل الأول من الجزء الثاني بتطبيق عملي لأساسيات النقد التى زودنا بها المترجم في الجزء الأول . يتلخص هذا التطبيق العملي في تحليل مقتضب لأبيات من الديوان الشعرى " أم درمان تحتضر " للشاعرالسوداني محمد يوسف مصطفي المشهور ب " الواثق ". يهدف هذا التطبيق العملي لإظهار أن فكرة  جوهرية بعينها  تسيطر على مجمل إنتاج الشاعر وتمثل مركزه المحوري . ويمكن  الوصول إلي مثل هذه الفكرة عن طريق رصد الصور والكلمات الملحة والمتكررة في مجمل قصائده. معني ذلك أنه قد يكون بمقدورنا ترجمة الأبيات التي تحتوي على هذه الصور المتواترة انطلاقا من مفهوم الفكرة الجوهرية المسيطرة على ذهن شاعرها.

      وسنحاول في الفصل الثاني من الجزء الثاني الإجابة على التساؤل التالي: إذا ما تناولنا أبيات أخرى من قصائد للشاعر نفسه خالية من تلك الصور والكلمات المتكررة ، فهل نقوم بترجمتها انطلاقا من معرفتنا السابقة بالفكرة المسيطرة على ذهن قائلها، أم هل يجب ترجمتها بصورة مستقلة كما ينادى بذلك دعاة بعض المدارس الترجمية ؟. إن الإجابة على هذا التساؤل ستحددها النتائج التي ستخلص إليها هذه الدراسة.                        

           

الجزء الأول :

أولا : استفادة الناقد - المترجم من النقد المسترشد بعلم النفس:

            بالرغم من تعدد التيارات النقدية المنطلقة من علم النفس، إلا أن اتجاهين اثنين فقط أظهرا الغلبة في مضمار الدراسات الأدبية وهما : التحليل النفسي المتأثر بالمدرسة الفرويدية والنقد النفسي الذي أرسى دعائمه وقام بتطويره شارل مورو في الستينيات من القرن المنصرم .  

          يقر كلا الإتجاهين بوجود الشخصية اللاواعية لدى الكاتب، بمعنى أنهما يتفقان على وجود دور حاسم يلعبه اللأوعي في الإبداع الأدبي. وإذا كان علم النفس الفرويدي يعطي الأولوية لتحليل شخصية الكاتب ، فإن شارل مورو يهتم بتحليل العمل الأدبي ذاته. يوضح جان لوغابو الفرق بين هذين الاتجاهين بقوله:

          (بوسع الأسلوب التحليلي المطبق على الأدب أن يأخذ ، وقد أخذ ذلك

           تأريخيا بالفعل، اتجاهين رئيسيين يفضيان إما إلي تحليل الكاتب وإما

          إلى قراءة-تفسير العمل.)                                           < 1ص87 >

    ولأن اهتمامنا ينصب، في المقام الأول، على ترجمة العمل الأدبي وليس على سيرة كاتبه ، فسنركزعلى نظرية شارل مورو باعتبارها الأقدر على تقديم العون للمترجم من ناحية ولاحترامها لخصوصية العمل الأدبي من ناحية أخرى. أما المدرسة الفرويدية، فلا يعنينا منها سوى جانبها المتعلق باللغة. ذلك أن أتباع هذه المدرسة يرون أن العلم الذي يقدمه الكاتب يتسم بالغموض؛ لأن الكاتب نفسه لا يدري أنه يقدم مادة علمية. هنا يكون العمل الأدبي كالحلم. فإذا كان الشخص الذي يحلم لا يعرف معنى حلمه على وجه التحديد، وإذا كان الطبيب النفسي يبحث في الحلم عن مواقف متصارعة، فينبغي أن يرى الناقد- المترجم ذات التجاذبات والمواقف المتضادة المتصارعة في ثنايا العمل الذي يقوم بترجمته. وثمة علاقة شبه أخرى بين الحلم والعمل الأدبي ينبغي أن يفطن إليها من يقوم بالترجمة وهي أن النشاطين يحاولان إخفاء دوافعهما الحقيقية. فلئن درج الحالم على إخفاء شهواته والتستر عليها عندما يكون في حال اليقظة، فإن الكاتب:

        ( يجد نفسه في ذات الموقف عندما يريد تناول مواضيع تمس

         ذوى النفوذ. إذ يجب عليه، وفقا لصرامة الرقابة، إما تحاشي

         بعض أشكال الهجوم أو الاكتفاء بالإشارة وعدم التصريح بما يود

         قوله أو إخفاء أقواله الهجومية تحت ستار من البراءة (. . . ) .

        فكلما كانت الرقابة قاسية، كلما أصبح الإخفاء شاملا وكلما احتاج

        الكاتب إلي حذق ومهارة لتوصيل المعنى الحقيقي للقاريء)           < 2ص130>

            وإذا كان الكاتب يحتاج للحذق والمهارة وتوخي الحذر ليتمكن من نقل رسالته للقاريء؛ فإنه يجب على المترجم اكتشاف الأساليب التي يلجأ إليها الكاتب بغرض إخفاء آرائه. إذ لا يمكن فهم المعاني الحقيقية للنص دون اكتشاف هذه الحيل والتي تتعذر معرفتها دون الإلمام بشيء من الطرائق التي ينتهجها النقد الأدبي لهذا الغرض .

         توجد، إذن، جملة من السمات المشتركة بين الحلم والعمل الأدبي. وبما أن الأول يصدر من اللأوعي، بينما يتكون الثاني من اللغة، فقد توصل أتباع المدرسة الفرويدية إلى حقيقة وجود علاقة بين اللأوعي واللغة. هذه الصلة أعطتهم مشروعية استنطاق العمل الأدبي عن طريق التحليل النفسي. يقول ملنير مؤكدا هذه المشروعية:

       ( للغة واللأوعي صفات مشتركة وتشابه ليس فقط من حيث

        المضمون، ولكن حتى على مستوى قواعد العمل.)               <3ص71 >

       إن الصلة بين التحليل النفسي والإبداع الأدبي لا تقتصر فقط، وفقا لأنصار المدرسة الفرويدية، على التشابه بين الحلم واللغة، وإنما تتعداها إلي حقيقة أكبر وأعمق وهي أن المفردات والتعابير المستخدمة في علم النفس هي من اختراع الأدب أولا؛ لأن

         (تعابير مثل نرجسية، سادية، عقدة أوديب، لا يمكن إستيعابها

          إلا عن طريق الأسطورة، أي عن طريق الكاتب أو العمل الأدبي.) (4ص267 )

        تعرض مشروع النقد الفرويدي، وبخاصة في جانبه الإكلينيكي، إلى العديد من الانتقادات  صدر بعضها من أتباع المدرسة أنفسهم. إذ هاهو ناقد مثل دورا يصف المدرسة الفرويدية بمحدودية الأفق. . . محدودية تقودها دائما إلي اكتشاف الجنون والأعصاب والشهوات الجنسية في ثنايا الإبداع الأدبي. ويرى نقاد آخرون ، مثل بيلا، أن الكاتب المعاصر ليس مضطرا لإخفاء أفكاره. ففي ظل حضارتنا المعاصرة، كما يقول، يستطيع المرء الخوض في القضايا كافة بحرية وشفافية. لذا لم يعد للتحليل الفرويدي من بريق في مجال الإبداع الأدبي. بيد أن بعضهم يطرح السؤال التالي: لمن يوجه بيلا حديثه عندما يقول:(حضارتنا المعاصرة) ؟ هل يخاطب الأوربيين والغربيين على وجه الخصوص ، أم هل تراه يخاطب البشرية جمعاء ؟. إذ لا اعتراض ولا غبار على حجته إن كان خطابه موجها إلى بني جلدته من الغربيين. أما إن كان يعني البشرية قاطبة، فقد يجد من يخالفه الرأي. إذ توجد بقاع كثيرة على ظهر البسيطة لا يزال فيها الكاتب مضطرا للإخفاء والتحوير وأخذ الحيطة والحذر واللجوء للرمز خشية الرقابة.

       هذه المآخذ التي ذكرنا و كثير غيرها ، دفعت شارل مورو لإعداد نقده النفسي والتنظيرله مبتعدا به عن هذا الجانب العلاجى الذي طبقته المدرسة النقدية التحليلية المتأثرة بفكرفرويد. ولعل البطء هو أول ما يميز مدرسة شارل مورو النقدية. حيث ذكر مؤسسها أن تطبيق نظريته على أعمال كاتب واحد ربما استلزم بضع سنوات،لا سيما إن كان إنتاج هذا الكاتب غزيرا. يعني ذلك، بالضرورة، أن عمل المترجم الذي يود إقتفاء خطى هذه المدرسة النقدية سيستغرق وقتا أطول بحكم أن دوره سيكون مزدوجا . إذ يجب عليه القيام بعمل الناقد أولا قبل العكوف على الترجمة. يتلخص عمل الناقد-المترجم، هنا، في دراسة مجمل أعمال الكاتب الذي يود ترجمة كل أو بعض إنتاجه. تهدف هذه الدراسة لاكتشاف ما يسمى بتكتل الكلمات أو الصور الملحة والمتكررة (groupements de mots ou d’images obsédants) . ويمكن التعرف على هذه الكتل وتلك الصور لأن رباطا عاطفيا يربط فيما بينها. يصف مورو هذه الخطوة الأولى والرئيسة بقوله:

           (تقوم الدراسة داخل عقل الناقد نفسه. إذ ينبغي على الناقد، شأنه في ذلك شأن المحلل النفسي، ممارسة ما يسمى بالتركيز العائم ( attention flottante ). ويتحتم عليه معرفة عدة نصوص عن ظهر قلب وأن يكون في حالة تصنت دائم لإحداها في الوقت الذي يكون فيه دائم التفكير في بقيتها. ولا يتعلق الأمر هنا بضرب من ضروب المقارنة وإنما بملاحظة ما يوجد في هذا النص ويكون شبيها بما يوجد في بقية النصوص. حينها يتضح للناقد أن عدة تداخلات تصبح ممكنة وتظهر عدة تطابقات لفظية وبنيوية.) ( 5 ص99 )

         تقوم مدرسة النقد النفسي، في الخطوة التالية، بوضع تلك الصور الملحة والكلمات المتكررة التي ترد في مجمل أعمال كاتب أو شاعر بعينه في قوائم وفقا لتشابهها. تمكننا هذه القوائم من الوصول إلى ما تطلق عليه المدرسة اسم ( الحلقات المترابطة ) أو ما يسميه البعض بالشبكات الإيحائية (réseaux associatifs ). فالحلقة المترابطة هي المركزالذي تتجمع فيه الصور التي يربطها رباط عاطفي، أي موضوع مشترك .

       بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو كيفية تحديد هذه العاطفة، أو هذا الموضوع المشترك الذي يستقطب عدة صور وبالتالي إمكانية وضع حزمة من الصور أو الكلمات المتكررة في حلقة واحدة. تجيب النظرية بأن ذلك يتم وفقا لتشابه الصور والكلمات .

     يظهر هذا التشابه في شكل أوضاع مأساوية تتولد لا شعوريا عند الكاتب ( situations dramatiques ) . تظهر هذه الأوضاع على شكل تداعي أفكار( association d’idées ) حول الحياة، الموت، الحب، الكراهية، القلق الخ .. في الأعمال الغنائية، أي تلك التي لا تحتوى على قصة. أما في الأعمال القصصية، فإنها تظهرعلى هيئة شخوص أسطورية. فالشخصيات الأسطورية التي تظهر في العمل الروائي إنما هي تجسيد لشخصيات لغوية تترجم أفكار الكاتب. بيد أن الأفكار التي تربط بين تلك الشخصيات والأوضاع المأساوية التي تجعلها في حالة مواجهة تتم، وفقا لمدرسة النقد النفسي، دون إرادة الكاتب وعلى غير وعي منه. يظل هذا اللأوعي نشطا طيلة حياة المبدع ، كما يظل متأثرا ومتفاعلا مع الأحداث الاجتماعية والنفسية التي يتعرض لها هذا الأخير. يطلق شارل مورو على هذا اللأوعي إسم ( الوهم ) أو ( الأسطورة الشخصية ( mythe personnel ) ) حيث يقول :

        ( نصل عن طريق الدراسة التجريبية الخالصة إلى الحلقات المترابطة،

         أي إلى افتراض وجود حالة مأساوية داخلية، ذاتية، تتغيرعلى الدوام

         وفقا للحوادث الداخلية أو الخارجية، ولكنها ثابتة ويمكن التعرف عليها .

         هذه الحالة هي ما نسميه، في الواقع، بالوهم أو الأسطورة الشخصية )(5ص195 )

       يمثل النقد النفسي، إذن، أسلوبا لقراءة وبالتالي تفسير العمل الأدبي. يقود هذا التفسير بدوره إلى ترجمة تغوص في أعماق العمل غير مكتفية بنقل معانيه السطحية الظاهرة؛لأنه :

          ( إذا كانت المدرسة النقدية المتأثرة بفكر فرويد تلجأ إلى تداعي الأفكار

            بغرض تحليل الكاتب نفسيا (. . . )، فإن مدرسة شارل مورو تنطلق

            من التواتر ذي المغزى ومن التكرار الموحي في العمل من أجل تحليل

            نفسية كاتبه.)                                                     (6ص110 )

      ولا ينفي مورو الدور الذي يمكن أن تلعبه الغرائز وشهوات اللأوعي عند الإنساان - الأديب. بيد أنه يخالف المدرسة الفرويدية التي تدعو إلى دراسة المبدع أكثر من اهتمامها بتفحص إبداعه،  إذ ينبغي أن تعطى الأولوية، وفقا لمورو، لتقييم النص أولا؛ لأنه :

           ( لا يمكن للمرء إنقاذ الجمال إلا بتركه حيث وضعه الكاتب، في العمل

            وليس في الإنسان.)                                              (6 ص344 )

ويقول في موضع آخر معضدا ذات الفكرة :

           ( ينبغي على علم النفس، أولا، (. . . ) خدمة العمل بدلا عن إستخدامه

            إذا ما أراد تقديم عون فعال للنقد الأدبي.) .                      (7 ص14  )

       ولئن درج النقد التقليدي على الاهتمام بجماليات النص على حساب علميته، وإذا كان النقد الفرويدي المنطلق من اللأوعي يقلل كثيرا من أهمية هذا الدور الجمالي، فإن النقد النفسي يهتم بالبعدين ؛ لأن النزاهة تقتضي كما يقول مورو:

          ( عدم تجاهل الأبعاد العلمية الواضحة ولا النواحي الجمالية الظاهرة .

            إذ لا يهتم النقاد التقليديون بالأولى إلا قليلا، بينما يبتعد التفسير العلاجي

            عن الثانية كثيرا بتغليفه للنصوص في عملية تشخيصية.).       (6ص26 )

       نذكر، أخيرا، أن هذا النقد النفسي يقلل من أهمية الدورالذي يمكن أن تلعبه العوامل الاجتماعية في تكوين الوهم أوالاسطورة الشخصية. إذ يرى، خلافا للمدارس النقدية المسترشدة بعلم الإجتماع كما سنرى ذلك لاحقا، أن لهذه العوامل الإجتماعية مضمونا إراديا (contenu  conscient ) ؛ لأن العوامل الإجتماعية:

          ( وبخاصة الأساطير الجماعية ( . . . ) تلعب دورا خاصة في

           العملية التي تحول الوهم الشخصي اللاشعوري عند الكاتب

            إلى عمل أدبى حقيقى. ( . . . ). وأعتبر، يقول شارل مورو،

           الإيديولوجيات، الأساطير الجماعية ورؤية ما للوجود، أعتبر

            أن كل ذلك إنما يتم عن طريق الوعي. إذ يتلقاه المرء من الخارج

            ويتأقلم عليه تقريبا.)                                               (5 ص 97 )

·        ثانيا : استرشاد الناقد - المترجم بالنقد المستوحى من علم الإجتماع :

    يشتمل النقد الأدبي المنطلق من علم الإجتماع على عدة تيارات مثل نظرية الرؤى  الكونية ( vision du monde ) والتي أصبحت تعرف اليوم بالبنيوية العضوية (structuralisme génétique  ( ونظرية الانعكاس ( théorie du reflet ) والنظرية الإيديولوجية(théorie de l' idéologie ) التي تهتم بممارسات وخطاب الطبقات المهيمنة في المجتمع . وتشترك التيارات الثلاث في اهتمامها بالأطر الإجتماعية للعمل الأدبي واندراجه في وسط بعينه. يصف كابانيس هذا الاندراج بقوله:

     ( يضرب العمل بجذوره في وسط إجتماعي محدد ويحمل ،جزئيا، بصمات

      المجموعة المؤثرة في طبقة إجتماعية أو حقبة زمنية بوجه عام) ( 8 ص75 )

     وثمة خاصية أخرى تشترك فيها  التيارات الثلاث سالفة الذكر وهي تعلقها بالتاريخ . فإذا كانت نظرية الانعكاس ترد العمل إلى الحقبة التاريخية التي شهدت ميلاده ، ترى البنيوية العضوية أن الأطر التي يحملها النص إنما تعرضت لمؤثرات سابقة. إضافة الي أن الكاتب يعطى، عندما يبرز الواقع المعاصر لمجتمعه، إجابات مستقبلية للقضايا التي يطرحها هذا المجتمع. وبالتالي، فإنه يجب الربط بين القضايا التي يطرحها العمل في حقبة تاريخية معينة ودراسة تاريخ هذه الحقبة. يشير لوسيا غولدمان لهذ المعنى عندما يقول: 

            ( إن أية محاولة لطرح تاريخ المجتمع برمته، في حقبة زمنية محددة،

              لا يمكن أن تكون إيجابية إلا إذا تطابقت مع دراسة إيجابية وذات

             مدلول للقضايا التي واجهها الإنسان في تلك الحقبة والتغيرات التي

            طرأت على تلك القضايا. يعنى ذلك التأكيد على أن قضية التاريخ

              وتاريخ القضية، لأية حقبة زمنية، إنما هما اصطلاحان متطابقان

              جزئيا.)                                                        ( 9 ص18 )

     دأبت نظرية الانعكاس على تحديد العلاقة أو العلاقات بين الظروف الاقتصادية والانتاجية من جهة والعمل الأدبي من جهة أخرى مما أدى لأن يكون نقدها ميكانيكيا ينطلق من قائمة معادلات تفسر الإبداع على ضوء ظاهرة أو ظواهر بعينها في الحياة اليومية. أما البنيوية العضوية، فترى أن هدف الإبداع الأدبي لا يقتصر على تصوير الواقع فحسب، وإنما يرمي لتزويد الإنسان – الأديب، في مجال الخيال، بما عجز عن تحقيقه في الواقع المعاش. ذلك ما يرمي إليه غولدمان بقوله:

         ( إن الدور الأكثر أهمية للإبداع الأدبي والفني لهو إعطاء الإنسان،

           في الخيال، هذا الترابط الذي يفتقده في الحياة الواقعية تماما كما

         يحدث للإنسان الذي تعطيه الأحلام والهذيان المادة أو ما يعوض

       عنها، وهو ما لم يستطع الفرد امتلاكه في الواقع المعاش.) (5 ص 207 )

    يعني العمل الأدبي للبنيوية العضوية، إذن، محاولة أفراد مجموعة بعينها لفهم قضايا عصرهم ومعضلاته قبل العمل على إيجاد الحلول الناجعة لها.حيث يستمد العمل الأدبي معناه من الواقع المعاش ؛ لأننى، يقول غولدمان:

         ( أتناول الإبداع الأدبي كتعبير خاص، دقيق وواضح عن القضايا

          التي تعترض الإنسان العادي في حياته اليومية والحلول التي يعطيها

          لتلك القضايا.)                                            (9 ص 31  )

    بيد أن التساؤل الجوهري الذي يطرح نفسه بعد كل هذا الاستعراض النظري هو: كيف يمكن للناقد – المترجم الذي يستعين بالنقد الاجتماعي الوصول إلى المعنى الموضوعي للعمل الذي يعكف على ترجمته ؟ للإجابة على ذلك نقول إن أول خطوة يجب عليه القيام بها هي البحث عن الترابط الداخلى للعمل( ( cohérence interne. هذا الترابط الداخلى هو المركز الذي تتجه صوبه جل إن لم يك كل الأجزاء التي يتكون منها النص، أو كما يقول مؤسس نظرية البنيوية العضوية معرفا الترابط الداخلى بأنه: 

         ( المنظور الذي يمكنني من إسنادغالبية النص لمعنى واحد.) ( 5 ص 233 )

   ينطلق الناقد – المترجم، إذن، من المعنى الغالب( structure immanente )  أو لنقل

      الطاغي في ثنايا النص الذي يقوم بترجمته وذلك لسبب جد بسيط يتمثل في أن:

         ( المجتمع يمثل واقعا شديد التعقيد. إذ لن يتمكن المرء من دراسته

          دون تحديد ما يبحث عنه بدقة وما هي الأسئلة التي يود طرحها عليه

         ويأمل في الحصول على إجابات عليها.)                    ( 10 ص217 )

      عندما يصل الناقد - المترجم إلى هذا الترابط الداخلي، يبدأ البحث عن الفئة الاجتماعية التي يمكن أن يلعب فيها هذا النوع من الترابط دورا فعالا( rôle fonctionnel ). ويتمثل هذا الدور في رؤية تتعلق بجانب من جوانب الحياة الاجتماعية، مثل: الخير، الشر، الحياة، الموت، العدالة، الظلم، الحب، البغض وأية قضايا أخرى ذات طابع حياتى، أخلاقى، نفسى، ثقافي،جمالى وما إلى ذلك.هذا الترابط الداخلي للنص هو ما يطلق عليه غولدمان اسم:( رؤية الكون ) التي يعرفها على أنها:

           ( مجمل الأمانى و العواطف والأفكار التي تجمع وتستقطب أعضاء

             مجموعة إجتماعية( وفي الغالب الأعم أفراد طبقة إجتماعية )

             وتضعهم في مواجهة مع المجموعات الأخرى.)      ( 11 ص ص 14-15 )    

     ووفقا لمنظور هذه المدرسة النقدية، فإن كل فرد من  أفراد المجتمع يتمتع برؤية خاصة للكون وبضمير نسبى  (conscience relative)، أما ضمير الكاتب، فيتسم بالشمولية وبالقدرة على التعبير عن مجمل رؤى أفراد مجتمعه أو طبقته. ولا يزيد دوره، أي الكاتب، عن مجرد تجميع ( الرؤى الكونية ) التي يراها من يشاركه ذات الوضع الاجتماعي أو التاريخي.

     تسعى البنيوية العضوية جاهدة، كذلك، للاهتمام بالبعد الجمالي للعمل الأدبي. ولعل ذلك ما دعانا لدراستها بصورة أوسع من بقية النظريات الاجتماعية العاملة في مجال النقد الأدبي والتي تتجاهل،عموما،خصوصية الإبداع الأدبي ، إذ تربط، أي البنيوية العضوية، بين الجانبين الاجتماعي والجمالي. لذا فقد اختارت لحظتين للنقد هما لحظة الفهم و لحظة الشرح . ونعتبر لحظة الشرح هذه صنوا للحظة الترجمة. ذلك لأن المترجم يكون قد توصل إلى معرفة المرامي الحقيقية لكاتب النص باللغة المصدر، مما يمكنه من نقلها بكفاءة واقتدار لقاريء اللغة الهدف. تمثل لحظة الفهم احترام العمل في خصوصيته الأدبية، في ترابطه الداخلي وفي ثرائه اللغوي دون إضافة أية مؤثرات أو أبعاد خارجية يؤلفها الناقد أو المترجم أو يقومان بتخيلها. أما لحظة الشرح، المرادفة عندنا للحظة الترجمة، فتهتم بالاجتماعي دون إغفال مخل لجماليات النص. 

خلاصة:

         يتضح مما سبق أن النقد: بشقيه النفسي والاجتماعي، ينادى بضرورة احترام تفرد العمل الأدبي وخصوصيته. وبالرغم من أن النقد النفسي يهتم بالإنسان الفرد، وأن النقد الاجتماعي يعطي الأولوية للمجموعة والفئة، فإن كلا النقدين يقترح آليات محددة لاستجلاء خفايا العمل موضوع الدراسة. هذه الآليات هي، بالتحديد، ما يحتاجه المترجم لنقل مرامي الكاتب الحقيقية  لقراء اللغة الهدف. أضف إلى ذلك أن طرق التحليل التي يقترحها النقدان :  النفسي والاجتماعي لا تختلف، تقريبا، إلامن حيث المسميات. فإذا كان الأول يبحث في العمل عن الصور المتواترة والكلمات المتكررة ليكون منها حلقات مترابطة أو شبكات إيحائية للمعاني وصولا للوهم الشخصي للأديب، فإن النقد الثانى يبدأ بالبحث عن المركز الذي يستقطب كل أو جل أجزاء النص محاولا إكتشاف الفئة الاجتماعية التي يمكن أن يعبر عنها الكاتب ويمثل الرؤى الكونية لأفرادها .

      الآن، وقد اتضحت للمترجم نظريا الآليات النقدية، نفسية كانت أم اجتماعية، الكفيلة باستنطاق العمل الأدبي الذي يود ترجمته، كيف يمكنه استخدامها في لحظة  التطبيق العملي، أي عند الترجمة؟

     للإجابة على السؤال المطروح نقول إنه يجب على الناقد – المترجم، أولا، قراءة مجمل إنتاج  الكاتب أو الشاعر الذي يود ترجمة كل أو بعض أعماله. وأن يكون، بفضل الصور المتواترة والكلمات المتكررة و بفضل الموضوع الطاغي على النص، فكرة مسبقة.عليه تحديد السمة الغالبة في النص الذي يود ترجمته كأن يقول، مثلا : أن فكرته الجوهرية هي الحب، البغض، الأمل أواليأس وما إلى ذلك. وتظل هذه الفكرة المسبقة بمثابة الرأي الشخصي إلى أن يتمكن، عن طريق تحليل النص، من التثبت من صحتها والتيقن من صوابها. يبرر شارل مورو لجوء الناقد، وبالتالي الناقد –المترجم، للفكرة المسبقة بقوله :

                ( إن مسألة الفكرة المسبقة (. . . ) موجودة في كل منهج

                  تجريبي وبخاصة في علم النفس (... ) . لكن توضيح

                 التشابه وتكراره والتأكد من أن ذلك لم يك محض صدفة،

                 لهو ما  يؤدي في نهاية المطاف إلى التقارب.)                   ( 5 ص39 )

 

 

                   الجزء الثاني.

 الفصل الأول : تتبع الصور المتواترة في ديوان : " أمدرمان تحتضر ".   

         

       سنعمل -- في الفصل الأول من هذا الجزء -- على تطبيق ما تقدم من مرتكزات نقدية نظرية على أعمال الشاعر السوداني محمد يوسف مصطفى الواثق . فلئن قمنا بقراءة أولية للقصائد التسع الطوال التي يتألف منها ديوانه، وإذا اعتمدنا مبدأ الفكرة المسبقة التي أشرنا إليها في ختام الجزء الأول، لاتضح لنا بجلاء أن سمة الهرب هي ما يميز عمل الشاعر. تتجلى النزعة للهرب بأوجه متعددة وطرائق متباينة منها : التصريح ، التلميح ، المقارنة، التمني ، الانكفاء على الذات، اليأس، القنوط ، ندب الحظ ، والدعاء بالثبورعلى من يشاركه العيش. إذ يعلن الشاعر عداءه لمدينة سودانية بعينها هي( أم درمان)، التي توصف بالعاصمة الوطنية للبلاد. ولعله يستخدم المدينة باعتبارها رمزا لتذمره وعزوفه عن البقاء في السودان . ولاقناع القاريء بصواب فكرتنا المسبقة ومنطقيتها، سنعمل على تحليل بعض ما قاله الشاعر. نبدأ برغبته الصريحة في الهرب. يقول في قصيدة بعنوان ( أم درمان تحتضر )، وهو ذات العنوان الذي أطلقه على ديوان شعره كما ذكرنا سابقا :         

    لا حبذا أنت يا امدرمان من بلد    أمطرتني نكدا لا جادك المطر  ( 1  -1ص11 )

ثلاث مؤشرات تدل على الرغبة في الهرب. أولها نفوره من الديار. . . نفور ظاهر للعيان في الشطر الأول من البيت. ثانيها : السأم و الضجر، و تشير إليهما لفظة(نكدا) . أما ثالثها، فهو الدعاء للقاطنين بأم درمان بعدم السقيا (لا جادك المطر). ويلاحظ أن الشاعر و لفرط ضجره، يدعو على نفسه أيضا. ذلك أن القحط إن حل بساكني أم درمان، لتأثر هو أيضا بتبعاته لمشاركته إياهم العيش في ذات البقعة.

         يتذرع الشاعر، في أحايين كثيرة، بأسباب واهية يبرر بها نزعته للهرب. استمع إليه يقول في  ذات القصيدة يشكو من سفور نساء أم  درمان:

    ولا أحب نساء إن سفرن فقد     تحجر الحسن و الإشراق و الخفر  ( 1 –9ص11)                      فهل يرجع تبرمه من السفور يا ترى لقناعات أخلاقية أو لدوافع تتعلق بحرصه على الحياء والخفر؟ لا يبدو الأمر كذلك. فإثارة أمر التبرج لا يعدو أن يكون حيلة يحاول بها الشاعر تبرير هربه إلى حيث تقيم محبوبته مونيك ذات السفور المحبب للنفس ؛ لأنه يعترف، بعد ثلاثة أبيات فقط من البيت الذي يستهجن فيه سفور نساء أم درمان، بأن ما يشده إلى جبال الألب لهو سفور مونيك على وجه التحديد. يقول:

     قرب الجبال جبال الألب دسكرة      قد خصها الريف لاهم و لا كدر   

     تلقاك مونيك في أفيائها عرضا     غض الإهاب ووجه باغم نضر (1-15|16ص11)

 حسن نساء أم درمان يتحجر إن هن أظهرن وجوههن، أما وجه مونيك فيزيد السفورمن نضارته! التبرج لا يكمن، إذن، وراء رغبة الشاعر في الهرب. إذ الدافع الحقيقى وراء رغبته في الفرار هو التخلص مما تصيبه به المدينة من تبرم وضجر .   

       يكون الشاعر، أحيانا، صادقا مع نفسه، صريحا في إبداء رغبته في ترك الديار كما في قوله:  

   هل تبلغني حقول الرون ناجية      تطوي الفضاء و لا يلفى لها أثر  ( 1-14  ص11)

أو كما في قوله وهو يعتبر الحياة بأم درمان صنوا للموت:

   مونيك قد كانت لنا أم درمان مقبرة      فيها قبرت شبابي كالألى غبروا  ( 1-22ص12  )

         رغبة جامحة في الابتعاد تتملك الشاعر و تملأ عليه جوانح نفسه لدرجة أنه عندما يود  الحلف باسم الله، يختارالعبادة التي تستلزم الهجرة والتنقل وهو ما يعادل الهرب في قاموسه . يقول، مخاطبا محبوبته يبثها لواعجه و كوامن شجنه:

     مونيك إني و من حج الحجيج له     لم يلهني عنكم صحو ولا سكر  (1-18ص12)

فهو لم يقل مثلا: ومن شهد له الخلق بالربوبية ، أو من ركع له الناس خشية و تضرعا ، أو من أنفق  المؤمن وتزكى إبتغاء جزائه ، أو من صام البشر ابتغاء مرضاته. نراه اختار الحج ؛ لأن هذه العبادة لاتتأتى،لا سيما  لغير حاضرى البيت الحرام، إلا بالترحال ومغادرة الديار، وهو ما يشكل هاجس شاعرنا و يجد هوى في نفسه.

         يتوق الشاعر و يتحرق شوقا للقاء مونيك ، بيد أن عوامل تفوق إرادته تحول دون ذلك اللقاء. فهو يبقى مضطرا مكرها و ليس عن قناعة و اختيار. يقول في هذا المعنى:

    كيف اللقاء و قد عز الرحيل وما     يثني عناني سوى ما خطه القدر (1-20ص12  )

ويصرح برغبته الأكيدة في الفراق و هجر الأوطان، حيث يقول:

   يا بعض أهلي سئمت العيش بينكم      و في الرحيل لنا من دونكم وطر ( 1-12ص11)

      يستعين الشاعرعلى بقائه بأم درمان بالشكوى وتجرع المرارات. بيد أن علاج معاناته قد يتطلب، أحيانا، أكثر من الجلد والقدرة على التحمل، لذا تجده يلجأ للروحانيات عله يجد فيها السكينة و راحة البال. من ذلك قوله:

رباه - حلمك- ما ام درمان منزلة     لقد خلقت بها الإنسـان في كبد 

إن كـان حـكمك أنا لا نغادرها        فاجعل لنا أجر من قد مات في أحد

أو هب لنا منك صبرا نستعين به      أو ما حبوت به أيوب من جلد   (3-7|8|9ص19)

        الشاعر مهووس بالرحيل و الهرب. لا يفارقه هاجس هجر الديار لحظة. يلازمه هذا الهاجس حتى في اختيار ما يستخدم من ألفاظ. مثال ذلك قوله في قصيدة : " لكنما أنت يا ام  درمان ": 

غادرتني مثقلا أرعي النجوم ضنى    لا أستقر من البلوى على حال

من بعد ما كنت مثل الفجر منتشرا    أجر فوق أديم الأرض أذيالي  ( 2-4|5ص15  )

 فالفعل "غادرتنى " يعنى، هنا، وجدتنى.كان بمقدور الشاعر استخدام هذا الفعل أو ما هو في معناه مثل خبرتنى أوعرفتنى دون أن يختل وزن البيت. كما كان بمقدوره استخدام فعل مغاير يصف الضيق الذي يعيشه. بيد أن الفعل " غادرتنى " سطره يراعه على غير وعي منه ؛ لأن هاجس  الهرب والمغادرة إنما يسيطرعلى عقله و يملأعليه كيانه.

        يتلهف الرجل و يتحرق شوقا لبلوغ أرض المحبوب. لكن أم درمان تأبى إلا أن يظل حبيسها وأسير قبضتها. سر دفين وسبب غير معلن يقعد به عن الرحيل. موقف درامى  يعيشه الشاعر: اضطراره للبقاء في بقعة لا يشعر إزاءها سوى  بالبغض والكراهية. يعبر عن ذلك الموقف فيقول : 

كيف السبيل إلى باريس وا لهفي    قد صرت أقبع في ام درمان كالوتد  ( 3-14 ص19  )

        لكن لم كل هذا الشوق العارم لباريس ؟! و ما الذي يطمح في الحصول عليه بها و لا يجده في أم درمان ؟ يجيب بنفسه على هذا التساؤل حين يقول:

متى أمرعلى باريس منطلقا       حيث الأنيس وحيث العيشة الرغد    (  3-10  ص19 )

فلئن كانت أرض مونيك ترمز للمودة و الرخاء، فمعنى ذلك أن أم درمان لا تعني العزلة والانكفاء على الذات وشظف العيش فحسب، إنما ترمز، كذلك، للخواء العاطفي والخمول الجسدي.خواء عاطفي يعبرعنه الشاعر وهو ينزلق إلى غزل صريح حين يقول شارحا دواعي وأسباب تعلقه بباريس:

قد كنت ألقى بها مونيك يعجبني     جمالها الغض من لين ومن أود

مجاور ثغرها البسام بعض فمي     وعاقد خصلة من شعرها بيدي  (3-11|12  ص19 )

        إن نشوته ليست عاطفية محضة . إنها عضوية كذلك. فلقيا مونيك تجعل الحياة تدب في أوصال غرست فيها أم درمان الخمول بسبب ما طبعته في النفس من يأس بمصادرتها لكل ماهو مفرح بهيج . لعل ذلك ما يعنيه الشاعر بقوله حين يذكر أيامه الخوالي بباريس . . . أيام كان حبل الود بينه ومونيك موصولا:

وكنت إذ ما دعاني الزهو آونة      أمشي العرضنة في أثوابي الجدد  ( 3-13 ص19 )

        يتكرر ذات الهوس وتعود ذات الرغبة الملحة في الرحيل في قصيدته التي تحمل عنوان: "ثعابين أم درمان "، والتي يتضرع  فيها إلى الحق عز و جل أن ينقذه من تلك البقعة وأن يلقي به في أية رقعة سواها من أرجاء المعمورة ، إذ بلغ به بغض أم درمان شأوا جعله يفضل الموت على الإقامة بها. لماذا ياترى ؟ وعلام كل هذا البغض ؟ ألانه ينشد الحرية كما يدعي ويفضل الموت على البقاء بأم درمان كما في قوله:

نشدتك الله هل في الارض متســع     غربا إلى فاس أو شرقا إلى الصين

شرقا إلى الصين أو من دون ذا بلد      فيـه أحـلق أو قـبر يواريني؟ (4-5|6|ص23 )

        ثم ما يلبث شوق الشاعر لباريس أن يأخذ منحى جديدا . إذ بعد أن كان يحلم بها في صحوه، هاهي مخيلته تفيض بها ويلهج لسانه بذكرها حين تلعب الراح برأسه. ولعله يسعى بذلك، كما يقول النقاد من أتباع علم النفس، للتمتع في عالم  الخيال بماعجزعن تحقيقه، لسبب أو لآخر، في دنيا الواقع . يقول في ذلك : 

حتى أرى في خيال السكر منطلقي   في قلب باريس أو في ضفة السين (4 – 15 ص23  )

       رأينا سابقا أن ما يزين للشاعر فكرة الرحيل هو الشعور بالغربة في عقر داره. أضف إلى ذلك شظف العيش الذي يعاني من منقصاته. و يطالعنا بسبب آخر يكمن في فساد ذمم من يتولي تسيير شؤون الناس. بيد أن الأمر المثير للدهشة يتمثل في خلطه المتعمد بين الأرض وبين من يتولي تصريف الأمور بها. إذ الأرض عنصر محايد. فهي لا توعز بالفساد وخراب الذمم، كما أنها لا ترغم أحدا على البقاء بها دون ما إرادة منه. فمن لم ترق له بقعة  بعينها، فإن أرض الله واسعة رحبة. شاعرنا يفقه، دون أدنى ريب، هذه الحقيقة الأبجدية. لكن يبدو أن للأمر تفسيرا آخر يتلخص في أن الشاعر يصب جام غضبه على ثرى أم درمان لأن هذه الأخيرة لم تفعل بما فيه الكفاية لإزاحة من يجثم على صدرها ويسيء تصريف شؤون الناس بها. نرجح هذا التفسير الأخير ؛ لأن ظاهرة تآمر الأرض مع حكامها واضحة جلية في شعر الواثق. ومهما يكن من أمر، فإن لهذا التواطؤ بين الأرض ومن يتولى زمام الأمور بها نتيجة واحدة مباشرة وهي الحيلولة دون لقاء الشاعر بمن يحب ، إذ لا نرى سوى ذلك من تفسير لقوله:

تحول دونك يا مونيك شرذمة   من الطغّام وأرض كم تعاديني (  4 –18ص24  )

         وبالرغم من أن سبب أو أسباب معاداة أم درمان للرجل أو عدائه لها تظل غامضة مبهمة، فإننا نحمد للشاعر صدقه أحيانا. إذ يطالعنا للمرة الأولى بمسوغ مقنع  يستوجب الرحيل. فقد كان يتذرع، فيما مضى، بأسباب واهية وحجج مضللة تبرر نيته في هجر الديار. يتلخص ذلك السبب المقنع في مسألة تآمر الأرض مع من تعوزه الخبرة والدراية بغرض تضييق الخناق على الشاعرعن طريق تقييد رغباته والعمل على تنغيص حياته. تعرض الشاعر لذلك بقوله في قصيدة "فضيحة أم درمان ":

فما مقامك وام درمان قد ملئت            بكل قزم كبير الصوت نباح 

إن شاعر قد تسامى عن نباحهم         تناوشـوه بأسياف وأرماح

وقد خبرتـهم في كل مـعترك         ما في دلائهم فيض لممتاح

ولا ترى العشب ينمو في منابتهم      فأرضهم سبخة غاصت بأملاح  (7/28-31ص38)

   لا ريب أن أناسا هذا شأنهم لا يمكن إلا أن يقودوا المدينة لانحطاط في كل مناحى الحياة. بيد أن أكثر مايؤذى الشاعر لهو الكساد الثقافي ، وذلك عندما يبدع الأديب ولا يجد من يثمن إبداعه. استمع إليه يتحسر في قصيدة "أم درمان والإنهزام ":   

إن  شاعر قام في أحيائهم رنما       جادوا بصمت فباخ الوزن والكلم   ( 5- 9 ص 27)

  ولئن كان الشاعر ضحية للمدينة، فإن المدينة ذاتها إنما هي ضحية لطغاة من الجهلاء أوردوها مسالك التهلكة. يهرب الشاعر، إذن، من وجه متجبرين تعوزهم الحنكة والمعرفة لكنهم يتولون زمام الامور بأم درمان بالرغم من افتقارهم للكفاءة أو بسبب انعدام تلك الكفاءة على وجه التحديد.  ذلك ما يمكن أن نستشفه من قوله في قصيدة : " أم درمان مهمومة  ":

أودى بها من طغام الناس رجرجة      وأوردتها حياض الموت جرثومة  ( 8- 22ص 42)

        و إذا  كانت دار الإنسان، أي إنسان، هي وطنه الصغير . . . وطن يعيش فيه دفء الحنان الأسري الذي يعتبر امتدادا لمودة من نوع آخر يعيشها المرء في نطاق وطنه الكبير، فإن شاعرنا يمقت أول ما يمقت هذا الوطن الصغير. يمقت الديارالتي يقول عنها في قصيدته : " أم درمان والانهزام ":

لا الدر دار فيهتاج الفؤاد لها       والناس في دورهم من طبعهم خدم  ( 5-7ص27 )

          ومالنا نذهب بعيدا ونكثر من الشواهد الدالة على تبرم الشاعر من الإقامة بأم درمان وسخطه على من يتولى زمام الامور بها ، ورغبته الملحة في هجرها. فهاهو يصور لنا تصويرا دراميا مؤثرا حال بقائه بأم درمان دونما رغبة منه. إنه يعيش حالة وجدانية تماثل حالة المغترب.  و لئن كان الاغتراب خارج حدود الوطن يمثل اجتثاثا مؤقتا لجذور الإنسان ، وتعطيلا جزئيا لدورة ذاكرته الجماعية، فإن اغتراب الفرد، وهو داخل بلاده، ليعد تغييبا لكينونته ، وطمسا لمعالم إنسانيته ، والغاء شاملا لحيزه الزماني من ماض وحاضر ومستقبل. يطالعنا الشاعر بقول مؤثر حتى ليخيل لقارئه أن الدمع يبلل مقلتيه وهو يخاطب مونيك في ذات القصيدة السابقة بقوله:

مونيك ما زلت في ام درمان مغتربا       حتى كأن وجودي عندها عدم    ( 5-12ص27)

         عزاؤه الوحيد، وهو يكتوى بلهيب هذا الاغتراب الداخلى، هو الأمل في الهرب. . . إنتظار مغادرة الديار والذهاب إلى باريس للقاء مونيك ، إذ:    

لا شىء يلهي سوى باريس نذكرها    يحلو شذاها وتسقي أرضها الديمه ( 8-17ص 41 )

        وإذا كان الواثق يكثر من التصريح برغبته الملحة وشوقه الجامح للهرب، فهو يلجأ كذلك إلى أساليب أخرى لإبداء ذات الرغبة. ومن الأساليب التي يلجأ إليها في التعبير:

أ) التلميح :

 مثال ذلك قوله:

هل نسمة جابت الآفاق تنعشني        بعاطر من شذى باريس فواح ( 7-25ص38 )

      و لئن كانت النساء شقائق الرجال، وإذا كان وجود المرأة يعد مكملا لحياة الرجل وشرطا لازما لسعادته، يمكننا القول بأن شاعر " أم درمان تحتضر " قد ألغى هذه الخاصية تماما عن نساء أم درمان باختزاله لجنس المرأة في شخص أنثى واحدة وهي مونيك. وبما أن هذه المونيك يستعصى الوصول إليها، يكون الشاعر قد اكتفى في إقامته الجبرية الأمدرمانية بنصف وجود، إذا علمنا أن الوجود الكامل لا يتأتى إلا بتفاعل جنسين. لنستمع إليه وهو يقصي أنثي أم درمان من حياته تماما حين يقول:

مونيك ما اقتربت أنثى تكلمني      ألا مثلت بطيف واضح الصور (6-78ص34 )

 

ب) الانكفاء على الذات:  

         لما كان الهرب متعذرا، إن لم نقل  مستحيلا، ولما أصبح الفكاك من أسر أم درمان عصيا صعب المنال، لم يبق للشاعر سوى خيارين: التأقلم مع محيطه ، أو التمرد والانعزال . ويبدو جليا اختياره للطريق الثاني . . . طريق التقوقع والانكفاء على الذات. يتخذ هذا الانغلاق عدة أشكال : منها فقدان الوعي المتعمد وذلك عن طريق معاقرة الراح. يقول في ذلك:

فرحت أنشد في الحانوت سلوتها       وأكتم الناس أقوالي وأفعالي    (2-15ص16)

        بيد أن الكأس وما يستتبعها من سلوك إنعزالي وصرم للوشائج الإجتماعية، لم يساعده في الخروج من محنته. بل لعلها أضافت إليه كارثة أخرى تتمثل في تخليه عن قناعاته السابقة. إذ لم يعد يؤمن سوى بالمحسوس الملموس. يقول معلنا تخليه عن كل ما هو غيبي أو معنوي :

فما هناك يقين بت أعلمه        سوى الزجاجة تجلو الشك بالمال      (2-16ص16)

        إن حالة الشاعر لتدعو بحق للشفقة وتستدعي الرثاء. فهو لم يفقد الآخرين فحسب بسبب انطوائه وانزوائه، إنما تعدى ذلك لمرحلة فقدان قناعاته الذاتية وأيمانه باللامحسوس، راهنا بذلك إرادته للأشياء المادية. وماله لا يفعل ذلك وقد أصابه المقام بأم درمان بيأس وقنوط شديدين جعلاه يقدم ليس فقط على هدم كل جسر للثقة بينه وبين الآخر، وإنما على إنكار كل القيم الجميلة التي كانت تعيش سابقا في حنايا قلبه. يقول في بيت نحسبه من أعمق و أروع ما قالت العرب والعجم يحمل فيه شاعر أرضا تبعات ما أصابه من انتكاس في روابطه بالآخرين:

هجنت كل جميل كنت أعشقه       فلا أرى في جميل غير محتال      (2-12ص15)

         يعانى الشاعر، وهو منغلق على ذاته، من حالة تمزق نفسىحاد يتمثل في تناقضات تنم على الحيرة والضياع. فهو ينفي تارة  انتماءه لأم درمان جملة وتفصيلا. لكنه يفطن فجأة إلى أن هذه المدينة التي يمقت تضم بين جنباتها الأهل والعشيرة فيلين ذمه لها ، ويخف تحامله عليها. ثم لا يلبث أن يعود لسيرته الأولى بعد حين - ناسيا أو متناسيا - ما يشده إليها، مؤثرا النجاة بجلده. تأمل فيما يعتمل داخل نفسه من تناقضات في بيتين متتاليين:  

يا صوت دعني فما ام درمان منزلتي    لولا الأواصر من عم ومن خال

مالي إذا الوخز أدماها ومزقها         لا الجلد جلدي ولا السربال سربالي (2-24|25ص1)

        بيد أن الأهل والعشيرة يظلون في سويداء فؤاده. إن حبه لهم وتعلقه بهم ليفوق غرامه بمونيك أضعافا مضاعفة بالرغم من مكابرته وإظهاره خلاف ما يبطن ؛ لأنه يعلنها صراحة أنه لولا خشيته من عدم رؤية أحبائه ثانية، إن هوغادرهم، لما حال أمر دون رحيله. " فالإشفاق والحذر" اللذان سيذكرهما في البيت التالي ليسا سوى الوجل من الرحيل ومفارقة الأحباء بأم درمان. يقول:

راحلتي همتي لا تبتغي وطنا            لكن يقيدها الإشفاق والحذر    (1-21ص12)

    تكمن علة الشاعر في أنه لا يستثمر عزلته وانكفاءه على ذاته في التبصر والتأمل في ما آل إليه حاله ، أو لنقل ،بعبارة أخرى، في إيجاد صيغ تواصل وانسجام مع محيطه. ذلك أنه يضيف إلى عزلته الاجتماعية ضبابية ذهنية تتمثل في لجوئه إلى الراح مما يعطيه شعورا بسعادة زائفة تصرفه عن التعامل بحكمة مع الواقع المعاش. إنه، وبلجوئه للمسكرات، إنما يعيش غربة داخل غربة في مدينة يشعر فيها بأنه مغترب أصلا. يقول معبرا عن هذه الغربة ثلاثية الأبعاد:

مونيك قد عشت في ام درمان معتكفا      أعالج اليأس طول الليل بالراح   (7-24ص38)

      بيد أن للخمر دورا آخر تلعبه في حياة الشاعر. فبالإضافة إلى كونها عنصر تغييب متعمد عن مواجهة الواقع، فهي تؤدي دورا توفيقيا بين قلب قاس أو يتعمد القسوة . . . قلب متحجر ومتمرد إبان صحوه ، وبين نفس شاعرية رقيقة حساسة أثناء سكرها. تلعب الخمر، إذن، دور العامل المساعد، تماما كما في التجارب الكيمائية، بين هذا القلب المتحجرالعاشق للهرب وهذه الروح الشاعرية المتشبثة بالبقاء بين الأهل والعشيرة. هذا التنازع هو ما ينتج الدمع الذي يسيل على مقلتي الشاعر. تمثل الدموع ،إذن، نتاجا طبيعيا لما يدور في أعماق الشاعر من نزاعات وصراع . ولعل ذلك ما يفسر لنا قوله في آخرقصائد الديوان والتي تحمل عنوان:" جنازة أم درمان ":

إن فاحت الخمر مني في جنازتها      قد أشرب الخمر كيما تدمع المقل(9-3ص45)

ج) المقارنة :

    يستخدم الشاعر أسلوب المقارنة لتبريرالرغبة الدفينة التي تحثه على الهرب من بقعة تأزم فيها حاله. يجري، أحيانا، مقارنات يعلم سلفا أنها غير متكافئة ؛ ذلك أن المفاضلة بين أم درمان وديار مونيك غيرعادلة إن لم  نقل غير ممكنة أصلا. إذ الأولى مدينة في إحدى دول العالم الثالث الأكثر فقرا تقع متاخمة للحزام الصحراوى ، بينما توجد الأخرى في إحدى أكثر بلاد العالم تقدما وروعة من حيث الطبيعة و المناخ . فالمقارنة مغلوطة من أساسها. الشاعر يدرك هذه الحقيقة، بيد أنه يسعى لإستغلالها بذكاء لإثبات أنه كان محقا في تبرمه من أم  درمان وضيقه بها. استمع إليه وهو يقارن نباتات حزام السافنا الفقيرة، التي تقع أم درمان في نطاقها، بالأشجار وارفة الظلال والنباتات يانعة الاخضرار التي تنبت بأرض مونيك. قارن بين قوله في وصف طبيعة أم درمان:

ولا أحب بلادا لا ظلال لها         يظلها النيم والهجليج والعشر       (1-3ص11)

وبين قوله يصف الطبيعة الخلابة لمدينة لندن : 

"بدلت لندن بام درمان تلزمها       بدلت زهر الربى بالسدر والضال   (2-22ص16)

     وما ينطبق على الطبيعة ينسحب على البشر أيضا. فلئن كانت طبيعة لندن خضراء زاهية الاخضرار، فإن نساءها يشبهن في بهائهن وعلو همتهن روعة طبيعة بلادهن. أما نساء أم درمان فيشبهن جفاف ديارهن المتمثل في الضمور وثبوط الهمة. فالشاعر بملازمته أم درمان لم يحرم من روعة الطبيعة فحسب، وإنما أفتقد كذلك الجمال البشري الذي يتحسر على فقدانه في قوله مقارنا بين الملامح الجسدية والخصائص السلوكية لأنثى ديار مونيك وتلك التي تتصف بها المرأة الأمدرمانية:

وكل بيضاء ملء الدرع ناهضة     بكل  عجفاء خدر البيت مكسال    (2-23ص16)

          ونهر النيل الذي وصفه بعض الشعراء ب "سليل الفراديس "، نظرا لفضله ، وعذوبة مائه، وخلوه من الشوائب هو، في نظر الشاعر، التلوث بعينه:

والنيل أدكن في سلساله كدر       مما تبول عليه الناس والغنم         (5-8ص27)

أما نهر الرون الذي ينساب في ثرى مونيك، وبالرغم من تشبعه بالمخلفات الصناعية والكيميائية؛ يتغاضى الشاعر عن ذلك ليرى فيه موطنا لعزة الإنسان وكرامته ؛ لأنه:

متى حللت فنهر الرون يشعرني     بأننى بشر من طينة البشر         (6-74ص34)

        فن العمارة بأم درمان لا يسلم، هو الآخر، من نقمة الشاعر الذي آل على نفسه، فيما يبدو، ألا يترك سانحة إلا واهتبلها لتبيان مسالب أم درمان ومواطن القبح بها. يفعل ذلك حتى عندما لا يكون هنلك مجال للمقارنة كما سبقت الإشارة. استمع إليه في البيت التالي وهو يعود بذاكرته إلى الأيام الخوالي حيث كان ومحبوبته بجبال الألب. بيد أنه لا ينسى، وهو في غمرة ذكرياته الغالية، تكدير صفو أم درمان ومقارنتها بجبال الألب دون وجود شبه للمقارنة بين الموقعين أساسا ، إذ ما هو وجه المفاضلة بين مدينة وجبل ياترى ! يقول في ذلك:

شتان بين مصيف الألب يجمعنا      وبين أخربة أم درمان والحفر    (6-79ص34)

د ) الجفوة بين الشاعر ومحيطه البشريء والبيئيء:

        من المؤشرات التي تدل على الرغبة في الهرب نذكر أيضا توترعلاقات الشاعر مع  وسطه، سواء كان هذا الوسط بشرا أم طبيعة. كنا قد ذكرنا آنفا بعض الشواهد على هذه الجفوة، ولا نرى بأسا من  تدعيمها بأخرى . ولسوف نوجز في التعليق هنا لأن الأبيات ذاتها تفصح عن مغزاها. يقول في " أم درمان تحتضر":

ولا أحب رجالا من  جهالتهم       أمسى وأصبح فيهم آمنا زفر      (1-4ص11)

         لم كل هذا الجفاء لساكنى أم درمان؟يجيب الشاعرعلى هذا التساؤل في "ام درمان والانهزام "، مبينا أن مقته لهم تأتى بسبب تبلد مشاعرهم وافتقارها للحس الجمالي ؛ لأنه: 

لا الشعر يبعث في أرواحهم طربا    ولا الزهور لها في أرضهم حرم  (5-11ص27)

         وفي مسعى آخر لاصطياد عذر للهرب، ينصب الشاعر من نفسه واعظا يضع يديه على الداء الذي تعاني منه المدينة، قبل أن يطلب من هذه الأخيرة العمل على اجتثاثه، بل إنه يهددها بالرحيل إن هي فشلت في ذلك. في ثلاثة أبيات متتالية يضع يده على الداء، يصف الدواء ويتوعد، وهذا ما يهمنا في الأمر، بالرحيل إن لم يتأت العلاج:

لقد سئمت رجالا إن دعوت إلى     الجلى توانوا وإن كان الخنا استبقوا

وقد سئمت نساء صار ديدنهن      المشي والسعي حتى ضجت الطرق

وقد سئمتك يام درمان فاستمعي  إما استقيمي وإما اليوم نفترق   (6-38|39|40ص32) 

    إنه يتعمد وضع شرط تعجيزي للمدينة ، إذ كيف يطلب أحد الاستقامة من مدينة برمتها؟! فأمدرمان،كغيرها من بلاد الله، تضم بين جنباتها الخير والشر، الاستقامة واللهو. ولأن الشاعر يعلم في قرارة نفسه أن ما يطلبه من المدينة يعد من المستحيلات، ولأنه أدرك  إفراطه في التقريع والتوبيخ وتبين له عدم جدوى الوعيد والتهديد، هاهو يلجأ لنهج آخرعله يستدرعطف هذه البقعة الصماء فتفك أسره. ولعل ذلك ما يفسر لنا استخدامه لتعبير "أمنا "، وهو يخاطب أم درمان. تأتى أهمية هذه اللفظة من حيث كونها البادرة الحسنة الوحيدة في الديوان برمته التي يحاول فيها الشاعر المصالحة ليس مع المدينة فحسب، وإنما مع من يقطنها كذلك. فالتحدث بلغة الجمع، للمرة الأولى والأخيرة في الديوان، إنما تنم عن رغبة في المصالحة ونية في المهادنة وترميم للجسور بينه وبين من يقيم بينهم. يقول:

يا أمنا ما عقوقا إن رحلت غدا    فقد خجلت وأغرى العار بالسفر   (6-72ص34)

  ه) الدعاء بالويل والثبور على المدينة وقاطنيها:

           إن نية الشاعر في مصالحة محيطه البشري والبيئي ليست بالصادقة ولا بالخالصة ؛ لأن الرغبة في الهرب تطغى على ماعداها من رغبات في نفسه. ولهذا يمكننا القول بأن هذه النية المعلنة في المصالحة والوئام مع من يشاركه العيش، ما هي سوى إستراتيجية أخيرة يلجأ لها الشاعر قبل إعلان هجومه النهائيء الكاسح على المدينة وما فيها من بشر. هجوم يدعو فيه على معاصريه بأصناف عذاب لا يتمناها سوى شخص استبد به اليأس ، وتمتلكه رغبة جامحة ليس فقط في تدمير الأواصر التي تربطه بمحيطه، بل في تدمير محيطه ذاته في حقيقة الأمر. ويبدو الشاعر شديد التأثر في نظمه بقصص الأنبياء والمرسلين ممن قضوا بين أممهم ردحا من الوقت يدعونها لسبل الرشاد.حتى إذا طفح بهم الكيل وضاقوا ذرعا، دعوا بهلاكها. بيد أن هنالك فرقا جوهريا بين اؤلئك المرسلين وبينه. يتلخص هذا الفرق في أنهم لا يحددون ماهية العذاب الذي سيحيق بأممهم، لكن شاعرنا يفعل. ثم إن المرسلين يطلبون إيقاع العذاب على مضض حتى بعد أن تبؤء جهودهم بالفشل، أما شاعرنا فيسارع بطلبه وهو فرحان جزلا. وثمة فرق ثالث بينهم وبينه وهو أنهم يؤمرون بالرحيل قبل وقوع العذاب لئلا يصيبهم الهلاك أو تتأذى نفوسهم، لا سيما وأن من بين الذين سيطالهم العذاب من كانت تربطه بهم وشائج الدم وعلائق الألفة والمودة. أما شاعرنا، وبالرغم من وجود الخؤولة والأعمام ممن ورد ذكرهم في ثنايا ديوانه بين أؤلئك الذين سيصيبهم الدمار، إلا أنه يحبذ أن يكون موجودا بأم درمان لحظة وقوع الكارثة. عجيب أمر هذا الشاعر : يتوق للرحيل حين يكون بمنأى عن الأذى ويتشبث بالبقاء حين يكون وجوده مهددا بالخطر ! وليته  اكتفى بمجرد الحضور الجسدي لحظة وقوع الكارثة ، إذ إختار القيام بدور المذيع الرياضى ينقل مشاهد الخراب لحظة بلحظة. إستمع إليه يقول في " أم درمان تتزوج "، وهو يفصل نوعية العذاب الذي يرجوه للمدينة:

يا ريح عاد تحري أين موقعها        وفجري فوقها غيظ البراكين           

واجعل إلهي لهيب النار ألسنة        مما تكون به ألحان نيرون

واستقص شأفتهم واقطع سلالتهم    واعصف بطينتهم يا خالق الطين  (4/19-21  ص24)

       أما دور المذيع الرياضى الذي يبث تفاصيل ما وقع على ساكني أم درمان من هول، فيتمثل في قوله في قصيدة " أم درمان والانهزام ":

إذ سدت الأفق الغربي جائحة      من الطيور تتالت سيلها عرم

طير أبابيل في منقارها فلق        من الحجارة فيها النار تضطرم

ألقت حمولتها في دورهم بددا      والناس هلعى عليها الدور تنهدم

وصارت الناس أشلاء ممزعة      رأس يطيح وساق ما لها قدم  

تكدست دورهم من نتنهم جيف     والنيل تطفو على تياره الرمم

ثمت عاجت ضباع الأرض متخمة  وحلق البوم والغربان والرخم (5/12-17ص27|28) 

         كيف كان موقف الشاعر أمام هذا الخراب الواسع النطاق وإزاء ذلك الموقف الدرامى المؤلم ؟ ماذا كانت ردة فعله؟هل سقطت دمعة واحدة من مقلتيه؟هل شمرعن ساعد الجد وعمل على إغاثة المنكوبين؟بل هل أشاح بوجهه عن تلك المناظر المؤلمة مما يعد أضعف الإيمان؟كلا إنه لم يفعل شيئا من ذلك. والأدهى والأمر أنه راح  يفكر، في هذا الوقت العصيب، في ذاته وفي رحلته المأمولة إلى ديار مونيك. يقول في قصيدته الأخيرة "جنازة  أم درمان ":

فإن نجوت وطهر الحب يشفع لي     فإنني لثرى مونيك أرتحل  (9/32 ص 46 )

     ألم تثبت صحة فكرتنا المسبقة القائلة بأن الهاجس المسيطر على نظم الشاعر هو الهرب وهجر الديار؟!

 

الفصل الثانى:

إشكالية ترجمة الأبيات الخالية من الصور المتواترة :

         يشتمل ديوان الشاعر الواثق - بطبيعة الحال - على أبيات شعرية لا تشتمل على صور متواترة أو تعابير متكررة تحث على الهرب. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا، وهو السؤال الرئيس لهذه الدراسة هو: هل نترجم مثل هذه الأبيات انطلاقا من منظور الفكرة الجوهرية الغالبة على الديوان وهي فكرة الهرب، أم هل نعمل على ترجمتها بصورة مستقلة وغير مرتبطة بالهاجس الذي يسيطر على ذهن شاعرها ؟. سنعطي، في إجابتنا على هذا السؤال، نماذج لمثل هذه الأبيات. وسنقوم بتفسير كل بيت شعرى، و التفسير هنا صنو للترجمة كما نبهنا لذلك مرارا ، بصورة مستقلة أولا يليه تفسير ثان يكون مرتبطا بالفكرة الجوهرية المسيطرة على عقلية الشاعر. سنرى، حينها، وسيرى معنا قاريء هذه الدراسة أي التفسيرين أجدى وأكثر إقناعا . فمثلا عندما يقول الشاعر:

سألتك الله رب العرش في حرق     إني ابتأست وإني مسني الضرر     (1 /13 ص 11 )

إذا أقدم مترجم لم يقم بدراسة نقدية لشعر الواثق بنقل هذا البيت إلى أية لغة أجنبية، لوجد نفسه في حيرة من أمره. لأنه إن اكتفي بالمعنى الحرفي الظاهر يكون كمن فسر الماء بعد الجهد بالماء. لأن على مثل هذا المترجم أن يتساءل: أي ضرر أصاب الشاعر يا ترى ؟ هل أصيب بعلة يتعذر شفاؤها ؟هل فقدعزيزا على نفسه لا قدر الله ؟هل كسدت تجارته؟هل. . وهل ..وهل. فإن اعتمد أيا من هذه الاحتمالات، يكون قد اقترف خطأين جسيمين: أولهما عدم التثبت مما يقول وثانيهما تضليل قاريء ترجمته بإعطائه تفسيرا لا يعكس حقيقة الأمر. أما المترجم الذي قام بدراسة الديوان، مستعينا بالطرائق التي تقترحها المدارس النقدية التي تطرقنا إليها، فإنه يكون بغنى عن الحيرة وبمنأي عن التخبط. ذلك أنه يعلم علم اليقين أن الضرر الذي يشكو منه الشاعر لا يعدو أن يكون بقاءه ببقعة يتوق لمغادرتها.

مثال ثان: يقول الشاعر في قصيدته ( لكنما أنت يا ام درمان):

غادرتني مثقلا أرعى النجوم ضنى    لا أستقر من البلوى على  حال

من بعد ما كنت مثل الفجر منتشرا    أجر فوق أديم الأرض أذيالي   ( 2/4-5 ص 15 )      

إذا ما تناول أي مترجم هذين البيتين وهوغيرمطلع على الوهم الشخصي للشاعر المتمثل في  الرغبة في النجاة بجلده ، لظن أن الأمر إنما يتعلق بأحد احتمالين: الصحة أو الحالة المادية ؛ لأن (جر الأذيال فوق أديم الأرض)، إنما يرمز للزهو وربما للأنفة والعنجهية المتأتية من صحة في البدن أو وفرة في الرزق. ولعل المقارنة التي أجراها الشاعر بين حاله فيما مضى ووضعه الراهن تساهم في تضليل المترجم الذي سيعتقد، لامحالة، أن معضلة صحية أو كارثة مادية قد ألمت بالرجل. إذ بعد أن كان يتبختر مالئا الدنيا وشاغلا الناس، استحال هنا إلى كم مهمل يجافيه الكرى بسبب ما وقع به من مصاب. أما المترجم الذي عكف على دراسة الديوان نقديا، فلا ينساق وراء الاحتمالات ولا تشغله الظنون. ذلك لأنه يعلم أن ( البلوى) التي أشار إليها الشاعر لا تعدو أن تكون بقاءه بأم درمان. وأن أيام الزهو والخيلاء، أيام كان( مثل الفجر منتشرا)، إنما ترمز للحظات التي قضاها صحبة مونيك.

مثال ثالث: يقول بعد أن أصابه القنوط وتأكدت له استحالة التأقلم مع محيطه البشري:

لما تيقنت ما من نارهم قبس       أنار لى ظلماتي ضوء مصباحي     ( 7- 33 ص39 ) 

فترجمة فكرة (ضوء مصباحي) التي خطها يراع الشاعر في عجز البيت، ستكون عسيرة على مترجم لا يعرف الفكرة الغالبة على الديوان. إذ لا بد له من التساؤل عن ماهية ذلك الضوء. هل هو صحوة وجدانية مفاجئة تدعوه للمشاركة الفاعلة في حياة مجتمعه ؟ أم هل تراه يكون حنينا جارفا يشده لأرض الوطن ؟ ولماذا لا يكون ( الضوء) هبة ربانية هبطت على الشاعر من السماء فجعلته أكثر خبرة ودراية بالناس وبالأشياء ؟. كل هذه الاحتمالات جائزة وغيرها الكثير. ويجب على المترجم إختيار احداها عشوائيا، إذ ليس هنالك معيار يرجح كفة معنى على الآخر. أما المترجم الملم بالوهم الشخصي للشاعر، فلا يجد كبير عناء في معرفة كنه هذا الضوء ، وبالتالي نقله بالصورة السليمة لقاريء اللغة الهدف. فهو يدرك سلفا أن ( الظلمات) التي يشير إليها الشاعر، ما هي سوى حالة الحبس القهري الذي يعيش . وأن (ضوء المصباح) لهو تمني النفس بالانعتاق والرحيل. 

ومثال أخير: عندما ثار النيل وأعمل في أم درمان خرابا وهدما وجاء(طائر غرد) يعلن للملأ طهر المدينة واستقامتها في نهاية المطاف، أنشأ الشاعر يقول:

و أعلن الطائر الميمون أن له       دارا بناها تجافي بقعة النكد         ( 3 –22 ص20)

 لا ريب في أنه سيتبادر لذهن من يترجم هذا البيت، دون معرفة بالاسطورة الشخصية لقائله، أن مدينة أخرى ربما تكون قد أنشئت عوضا عن تلك التي لحقها الخراب وأصابها الدمار. . . موقع جديد قد يكون مجاورا للبقعة المنكوبة أو يبعد عنها بضعة فراسخ. لكن من غاص في عقلية الشاعر،عبر القراءة النقدية لديوانه، لا يجد كبير عناء في معرفة ماهية تلك الدار التي قام الطائر بتشييد موقعها. فهي إما أن تكون لندن أو باريس أو على سفوح جبال الألب أو على إحدى ضفاف نهري السين أو الرون أو حيثما أقامت مونيك. تلك هي البقاع المحببة لقلب الشاعر، القريبة إلى نفسه. فمن المستحيل، إذن، أن تخطئها عين( الطائر) لاسيما وقد وصفه الشاعر ب :( الميمون) وأن يبتني له ( دارا) ببقعة سواها.

 

الخاتمة:

    يلاحظ القاريء الربط الوثيق، في ثنايا هذه الدراسة، بين مفهومي تفسير النص وترجمته . ذلك لأننا نرى فيهما نشاطا واحدا ؛ لأن التفسير الخاطيء لمرامي الكاتب لا بد أن يقود لترجمة خاطئة هي الأخرى. ولعل من مخاطر مثل هذه الترجمة الخاطئة أنها لا تفرغ العمل من محتواه فحسب، وإنما تحرم قاريء اللغة الهدف من حقه الطبيعي في معرفة المرامي الحقيقية للكاتب،لاسيما وأن حاجز اللغة يقف عائقا بين مثل هذا القاريء وبين النص في لغته المصدر مما يجعله تحت رحمة وسيط هو المترجم. من هنا جاء تركيزنا على ضرورة استعانة هذا الوسيط بالوسائل والطرائق التي تمكنه من القيام بوساطته على أتم وجه. ولعل من أولى هذه الوسائل هي إلمامه بشيء من المعرفة النقدية مما سيعينه على تحديد الفكرة الجوهرية الطاغية ، أو لنقل الوصول إلى النقطة المحورية التي تتجه صوبها وتصب فيها كل أو جل أجزاء النص الذي يعكف على ترجمته. نقول أنه يجب على المترجم الأخذ بشيء من المعرفة النقدية، لقناعتنا بأن ممارسة فن النقد تختلف عن مزاولة مهنة الترجمة. قد تتوفر الحاسة النقدية والقدرة على الترجمة في ذات الشخص.هنا تكون المعضلة قد حلت تلقائيا. أما إن كان الأمر غير ذلك ، فسيكون المترجم مضطرا للالمام بمعرفة نقدية ؛ لأن ذلك يعتبر جزءا لا يتجزأ من أدوات عمله. فإن لم يشأ المترجم أو لم يستطع، لسبب أو لآخر، لبس لبوس الناقد ومحاكاته في كيفية استخراج معاني النص، فلا أقل من أن يقرأه قراءة أولية تمكنه من تكوين فكرة عامة مسبقة عنه. بيد أن الركون إلى مثل هذه الفكرة المسبقة وتطبيقها عشوائيا قبل التثبت من صحتها عن طريق تحليل النص، يجافي الروح العلمية وينطوي على مخاطر جمة لعل من أولها تنصيب المترجم من نفسه ديكتاتورا يعتمد ويستبعد ما شاء من معان وفقا لهواه. ولقد رأينا، من خلال تحليل الأبيات الشعرية، إن من شأن هذه الفكرة المسبقة إلقاء الضوء ليس فقط على أجزاء النص التي تشتمل على صور متكررة تستخدم في الإشارة إليها ذات الألفاظ تقريبا، وإنما تكون عونا للمترجم حتى في ترجمة أجزاء النص التي تخلو من مثل تلك الصور.

    نقطة أخيرة، نحسبها جوهرية، نختتم بها هذه الدراسة. إذ بالرغم من قناعتنا الراسخة بأن في مقدور النقد الأدبي أن يكون عونا فاعلا للمترجم ، وعلما لا يستطيع هذا الأخيرالاستغناءعنه، إلا أننا نرى في الإبداع الأدبي،خلافا للكتابة في المجالات العلمية، مجالا ثرا مفتوحا. إذ يمثل عقل الأديب صخرة صماء يصعب ولوجها أحيانا مهما استخدم الناقد – المترجم من أدوات نقدية كانت أم خلافها. فللأدباء خيال جامح ولأقلامهم نزوات يقف أمامها القاريء عاجزا في آحايين كثيرة . بيد أن هذه الخاصية التي يتمتع بها الإبداع الأدبي، والمتمثلة في استعصائه أحيانا على الفهم والتفسير، ينبغي ألا تصرفنا عن الأخذ بالأساليب التي تسعى جاهدة لفك طلاسمه والولوج إلى خفاياه ؛ لأن معرفة الجزءخير من الجهل بالكل. لذلك، فإن للنقد الأدبي الفضل في تسهيل مهمة المترجم بغض النظرعن القدرالضئيل من الضوء الذي قد يسلطه على العمل المراد ترجمته ؛ لأن نورا خافتا، يعد أفضل بكثير من السير في دياجير الظلام.        

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثبت المراجع:

أ - مراجع بالعربية:

1 - الواثق( محمد يوسف مصطفى)  - أم درمان تحتضر، الطبعة الثانية، مطبعة جامعة الخرطوم، الخرطوم، 1989. يشتمل الديوان على القصائد التالية:

     1 – أم درمان تحتضر

     2 – لكنما أنت يا ام درمان

     3 – أم درمان تتزوج

     4 – ثعابين أم درمان

     5 –أم درمان والإنهزام

     6 –نساء أم درمان

     7 –فضيحة أم درمان

     8 – أم درمان مهمومة

     9 – جنازة أم درمان

* ننوه إلى أنه عند اقتباسنا لبيت أو أبيات من ديوان الشاعر، فإن الرقم الأول يشير إلى رقم القصيدة وفقا للترتيب الوارد أعلاه. أما الرقم أو الأرقام التي تليه، فترمز للبيت أو الأبيات المختارة.

2 – ديومة ( بابكر علي)  - في النقد الأدبي الفرنسي المعاصر، منشورات جامعة سبها ( ليبيا )، الدار العربية للنشر والتوزيع،1996.

ب  - مراجع أجنبية:

   * رتبت المراجع حسب ورودها في الدراسة وليس وفقا للترتيب الأبجدي لمؤلفيها .   

 

1-           Le Gaillot ( Jean ). _ Psychanalyse et Langages Littéraires . Théorie et  Pratique, Nathan, 1977 .

2-           Freud ( Sigmund ) . _ L’interprétation des rêves , P .U.F, Paris, 1979.

3-           Milner (Max ) . _ Freud et L’interprétation de la littérature, SEDES, Paris, 1980 . 

4-           Starobinski (Jean ) . _La relation critique, Gallimard , Paris , 1970 .

5-           Mauron (Charles ) . _ “ Les origines d’un mythe personnel chez l’écrivain, in critique sociologique et critique psychanalytique, Editions de L’institut de sociologie, Université libre de Bruxelles, Bruxelles, 1970.

6-            Mauron (Charles ) ._ Des métaphores obsédantes au mythe   personnel, Introduction à la psycho-critique, José Corti, Paris, 1962 .

7-           Mauron (Charles ) . _ L’ inconscient dans l’œuvre et la vie de Racine, José Corti , Paris , 1969 .

8-           Cabanes (Jean _ Louis ) . _Critique littéraire et sciences humaines, Privat , Toulouse , 1974 .

9-            Goldmann (Lucien ) . _ Marxisme et sciences humaines, Gallimard, Collection : Idées, Paris , 1975 .

 

10-      Goldmann (Lucien ). _ Sociologie de la littérature. Recherches récentes et discussions, Editions de l’université de Bruxelles, 1973 .

 

11-      Goldmann (Lucien ) . _ Le Dieu caché, Gallimard, Paris,1959 .

 

 

                       

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Résumée 

             La critique littéraire est un discours sur un autre discours, c’est – à –dire sur l’œuvre littéraire. Son but consiste à explorer le texte non seulement dans ses aspects apparents, mais de lire entre les lignes afin de mettre le lecteur de la traduction au courant des vraies intentions de l’écrivain. Critique et traducteur ont, donc, un objectif commun: éclairer le lecteur.

             Les études sur la littérature ont connu, dernièrement, un progrès considérable et un apport important a été fourni par les sciences humaines telles la psychanalyse, la sociologie et la linguistique. Ces disciplines ont, en effet, révolutionné l’image traditionnelle du discours sur la littérature en proposant d’autres données et sur l’auteur et sur sa création. Puisque les apports de ces sciences profitent au critique, ils profiteront, également, au traducteur de par le fait que les deux activités à savoir critique et traduction partent du même principe qui consiste à bien informer leurs lecteurs.

           Nous avons tenté, dans cette étude, de suggérer au traducteur les méthodes adoptées par la critique contemporaine pour localiser le centre du texte vers lequel convergent la majeure ou toutes les parties. Or, une telle démarche facilite énormément le travail du traducteur dans la mesure où elle lui dévoile le mythe personnel de l’auteur, c’est- à – dire le thème principal qui lui tient au cœur. Ainsi, le traducteur sera guidé par la lumière de la critique au lieu de se perdre dans les ténèbres qui caractérisent, parfois, la création littéraire.

          Pour relier la théorie à la pratique et pour appliquer les démarches suggérées par certaines écoles de critique, nous avons brièvement analysé quelques vers d’un poète afin d’en dégager le thème principal qui oriente la plupart, sinon toute sa création. Ce thème, dégagé par le concours de la critique, sera la phare qui permettra au traducteur, pensons-nous, de réaliser une traduction satisfaisante et convaincante pour le lecteur.