مجلة جامعة الملك سعود م 17، اللغات والترجمة ص ص 37 - 57 (1425هـ/ 2004م )

 

 

 

 

 

 

 

 

النص الأدبي والمذاهب الترجمية

 

بابكر علي ديومة

أستاذ مشارك، قسم اللغات الأوربية،

كلية اللغات والترجمة، جامعة الملك سعود،

الرياض، المملكة العربية السعودية.

 

 ( قدم للنشر في 5/4/1425هـ وقبل للنشر في 23/7/1425هـ )

ملخص البحث: تجدر الإشارة أولاً إلى أن لفظة " النص " تعنى هنا النص الأدبي كما يدل على ذلك عنوان البحث ذاته. إذ خلافاً للنصوص الإخبارية " علمية، إقتصادية، قانونية وما إلى ذلك من مجالات متخصصة"، حيث يتحد ظاهر المعنى بمضمونه، فإن الأمر لجد مختلف بالنسبة للعمل الأدبي. ففي هذا الأخير، لا يعدو المعنى الظاهري أن يكون سوى محصلة نهائية أو إنعكاس وصدى لعدة دوافع ومؤثرات تكمن وراءه. فهو بمثابة فترينة العرض في المحال التجارية تبرز فقط نماذج لبضائع يرقد جلها داخل هذه المحال أو في المستودعات الملحقة بها.

 

 

 

 

37

 
 


مقدمة

          يشتمل هذا البحث على جزئين : يتعلق أولهما باستعراض للمناهج والأساليب التي تطبقها التيارات الترجمية المختلفة بغرض استنطاق النص. سيكون الاستعراض سريعاً ومقتضباً عند الحديث عن المذاهب الترجمية الهامشية غير المؤثرة أو الأقل  شيوعاً مثل: الترجمة الحرة والموسوعية والترجمة التوافقية أو ما أصبح يعرف بترجمة المواءمة. بيد أننا سنتوقف بعض الشيء عند أهم تيارين يشغلان الساحة حالياً ألا وهما : تيار الترجمة الحرفية والنظرية التفسيرية أو نظرية المعنى.

          أما الجزء الثاني من البحث، فسيتناول تحليلاً لبيتين من الشعر، أحدهما من الفرنسية وثانيهما من العربية، نحاول من خلالهما إيضاح أنه لا يمكن استنباط مجمل المعنى بتطبيق منهجية تيار ترجمي بعينه، وإنما يتطلب الأمر إستعانة المترجم بالأطر المنهجية التي طورتها التيارات جميعها من ناحية وضرورة تحليل النص موضوع الترجمة، من حيث الشكل والمضمون، من ناحية أخرى. ذلك أن مثل هذا التحليل كفيل بإظهار معانٍ ما كانت لتخطر للمترجم على بال إن هو اكتفى بالمدلول الظاهري للكلمات .

          إن أبسط تعريف مُتفق عليه للترجمة هو : " قول ذات الشيء كما ورد في أصله". ولعل أولى إشكالياتها تكمن في تفسير لفظة " ذات الشيء " على وجه التحديد. ومعلوم أن علم اللغة المعاصر، شأنه شأن الترجمة، يواجه ذات الإشكالية في سعيه لتبيان الصلة بين الإطار اللغوي والمعنى الذي يحمله هذا الإطار.

          ويدور كل تاريخ الترجمة، في واقع الأمر، حول قضيتين جوهريتين تتعلق أولاهما بإمكانية الترجمة ذاتها بينما تهتم الثانية بتحديد درجة التقيد والالتزام بما ورد في النص الأصلي. ويبدو أن القضية الأولى قد حُسِمت بالفعل ولم يعد يثيرها إلا القليلون. فطالما كان هنالك مترجمون يزاولون المهنة ونصوص تترجم ومؤتمرات تُعقد بمشاركة أناس يتحدثون بشتى اللغات ويفهم بعضهم بعضاً بفعل العملية الترجمية، فقد أصبحت الترجمة واقعاً ملموساً لا يطاله الشك. ولو لم تكن كذلك، لجعل منها عالم اليوم - بتعقيداته وتشابك مصالحه وتداخل شئونه - أمراً ممكناً بل لازماً بحكم ضرورة الأشياء. تبقى، إذا، القضية الثانية ألا وهي درجة الصدق في نقل مجمل أفكار النص المُراد ترجمته. هنا تتباين مواقف المختصين والباحثين مما أدى لبروز عدة تيارات لها أنصارها ومعارضوها بطبيعة الحال. نذكر من هذه التيارات :

أ/ الترجمة الحرة : La Traduction Libre

          وهو تيار لا يعبأ كثيراً بنقل معاني النص الأصلي. إذ يكون المترجم حراً في تفسير مرامي الكاتب ونواياه، ثم يتمتع بنفس القدر من الحرية عند القيام بصياغة النص في اللغة الهدف. إن علاقة الترجمة بالأصل لجد ضعيفة في هذا النوع من الترجمة. إذ يستخدم المترجم النص الأصلي لصياغة نص جديد.

ب/ الترجمة الموسوعية : Traduction - Erudition

          يستهدف هذا النوع من الترجمة جمهوراً متخصصاً يلم بأطراف وربما بكل جزئيات الموضوع المرُاد ترجمته. لذا يستخدم المترجم النص الأصلي كهدف للدراسة فيدخل عليه تعليقات فلسفية ويصبغ عليه صبغ نفسية ويعطيه أبعاداً تاريخية واجتماعية بحيث تكون المحصلة النهائية إظهاراً لسعة علم المترجم وغزارة ثقافته وتمكنه من شتى ضروب المعرفة أكثر منها ترجمة للنص.

          وكمثال لهاتين الترجمتين، أي الحرة والموسوعية، نقتبس المثال التالي في تعريف لفظة ( الكُفّر ) الواردة في القرآن الكريم. إذ بدل أن يركز المترجم على ترجمة الكلمة على اعتبار أنها إخفاء وإلغاء لوجود الخالق، يقول تدفعه أسباب دعوية:

          " الكُفّر ضرب من الجهل، بل هو، بالأحرى، الجهل بذاته. إذ أي جهل يفوق عدم المعرفة بالله، الخالق مالك الكون؟. فهاهو المرء يشاهد المظاهر المتنوعة للطبيعة ويرى حركة الكون المتناسقة التي لا تتوقف عن الدوران والخلق البديع لجميع الكائنات" .

          ثم يستعرض معرفته بمكونات الجسم البشري فيضيف: " يرى المرء عجائب الكون في جسده، بيد أنه يعجز عن فهم القوة التي أعطته الحياة من خامات لا حياة فيها مثل : الكربون، الكالسيوم، الصوديوم وما إلى ذلك" (1) .

جـ/ الترجمة التوافقية (ترجمة المواءمة ) Traduction - Adaptation

          يدخل هذا التيار في إطار الترجمة الحرة. فهو ، وإن كان يحافظ على الإشارة إلى النص الأصلي، إلا أنه يعمل دوماً على تغيير عنصر من عناصره كمستوى اللغة مثلاً أو الخاصية التي قد يتفرد بها ضرب من ضروب الإبداع الأدبي كالشعر أو الرواية أو المسرحية. أو أن يقوم بتغييرات جوهرية في معالم الحقبة التاريخية للعمل كأن يأخذ ببعض المعطيات التي لم تكن متوفرة لحظة كتابته. وجل من يلجأ لهذا التيار هم المترجمون في قطاعي السينما والمسرح بهدف تقريب مفهوم العمل القديم إلى عقلية المتلقي المعاصر. ويتم التحوير وفقاً لنوعية ومستوى الجمهور المراد مخاطبته أو الغرض من الخطاب أو لاعتبارات أخرى شخصية يقدرها المترجم.

          نعطى لهذا النوع من الترجمة مثالاً نورده من ترجمة لذات الداعية الإسلامي يتحدث عن أن الشريعة الإسلامية إنما جاءت، منذ يومها الأول، منادية بحقوق الإنسان. ولشرح هذا المبدأ وتقريبه للقارئ يضيف المترجم في مقارنة بما يجرى في عالمنا المعاصر :

          " أنظر إلى مسألة اللون ، إذ لم يتمكن العالم بعد من إيجاد تواصل منطقي وإنساني من الملونين. فقد قُتِل وعُذِب الآلاف من البشر في الولايات المتحدة بسبب سواد بشرتهم. وضِعت قوانين مختلفة للبيض والسود. حتى أنهم ما كانوا يستطيعون الدراسة تحت سقف واحد أو في ذات المدرسة أو الكلية. استمر هذا الوضع حتى السابع عشر من مايو من العام 1954م حين أفتت المحكمة العليا الأمريكية بعدم قانونية التفرقة ومن أنها ضد المساواة في الحقوق الإنسانية" (2) .

          بيد أن أهم تيارين يشغلان الساحة حالياً هما الترجمة الحرفية ( La Traduction Littérale ) والنظرية التفسيرية أو ما أصبح يُعرف اليوم بترجمة المعنى (La Traduction du Sens) .

          وبالرغم من الاعتقاد السائد في الأوساط الترجمية بوجود اختلافات عميقة بين منهجية هذين التيارين وتباين جذري في إستراتيجيتيهما، إلا أنهما يلتقيان في نقطتين جوهريتين تكمنان في الإجابة على التساؤلين التاليين: هل الترجمة ممكنة أصلاً؟ وإذا كان الرد بالإيجاب، أيهما أفضل: الترجمة الحرفية أم التفسيرية ؟.

          والمتأمل لهذين التساؤلين يجدهما يبحثان عن إجابة للإشكالية التي تعرضنا إليها في بداية هذا البحث ألا وهي تعريف " قول ذات الشيء كما ورد في أصله " .

          لكن، ونظراً لشيوع هذين التيارين، كما سبقت الإشارة، فمن المفيد دراستهما بشيء من التفصيل. ولنبدأ بالترجمة الحرفية.

          وينبغي التفريق، هنا، بين الترجمة الحرفية وترجمة كلمة فكلمة ( La Traduction mot, à mot ). إذ تقوم هذه الأخيرة على الشكل اللغوي والبحث عن المقابلات في اللغة الهدف دون مراعاة لسياق النص ثم صياغة الجملة المترجمة وفقاً لتركيبتها في اللغة المصدر. أما الترجمة الحرفية فهي، وإن كانت تبحث كذلك عن مقابل المفردات في اللغة الهدف دون مراعاة للسياق، إلا أنها تسعى، قدر المستطاع، أن تكون التركيبة اللغوية للغة المصدر مماثلة لنظيرتها في اللغة الهدف. يوضح بيتر نيورمارك هذه الاختلافات المنهجية بين الترجمتين حيث يقول عن ترجمة كلمة فكلمة :

          " توضع مفردات اللغة الهدف تحت مفردات اللغة المصدر مباشرة مع المحافظة على التركيبة اللغوية للغة المصدر. تُترجم كل كلمة بمفردها وتُعطى أكثر المعاني شيوعاً دون مراعاة للسياق. وتُترجم المفردات الثقافية فيها حرفيا " .

          أما عن الترجمة الحرفية، فيقول :

          " تتحول التراكيب اللغوية للغة المصدر إلى أقرب تراكيب لغوية ممكنة تقابلها في اللغة الهدف، لكن تُترجم الكلمات كل على حدة دون مراعاة للسياق " (3) .

          ينطلق أنصار هذه الترجمة الحرفية، من أمثال بيتر نيومارك، من شعارين إثنين هما الحقيقة والدقة. وينادون بضرورة احترام الكلمة الواردة في النص الأصلي والتقيد بها تقيداً مطلقاً، لأننا إنما:

          " نترجم الكلمات فقط. إذ لا يوجد شيء يمكن ترجمته سوى الكلمات ". (4)

          ولهذا ينتقد دعاة هذا التيار أنصار ترجمة المعنى على وجه الخصوص باعتبار أنهم يعتمدون على تحليل النص بدل التقيد بأفكار كاتبه ونقلها للقراء دون مساس. كما يأخذون عليهم إغفالهم بل حتى تجاهلهم للصعوبات التي يمكن أن تطرحها اللغة. يلخص بيتر نيومارك هذين المأخذين بقوله :

          " يعتقد الكثير من المنظرين أن الترجمة ما هي إلا عملية شرح وتأويل وإعادة صياغة لأفكار. وأن دور اللغة لديهم لجد ثانوي. إذ ينظرون للغة كوعاء حامل للمعنى مما يعنى إمكانية ترجمة كل شيء وأن الصعاب التي يمكن أن تطرحها هذه اللغة غير موجودة. أولئك هم أتباع المدرسة السلسكوفتشية للمترجمين الفوريين والتحريريين بباريس " (5) .

          أما النظرية التفسيرية، أو نظرية المعنى، فهي بلا جدال الأكثر شيوعاً في المجالات النظرية للدراسات الترجمية وفي الممارسة العملية كذلك. إذ فتحت مجالاً جديداً وآفاق أكثر رحابة لمفهوم التقيد بما ورد في النص الأصلي .

          ترى هذه النظرية، بادئ ذي بدء، أن المترجم شخص متنازع بين مسئوليتين: رغبته في الترجمة بصدق وأمانة ودون حذف أو إضافة من ناحية وضرورة إقناع قارئ ترجمته من ناحية أخرى مما يحتم عليه، أحياناً، إضافة بعض المعطيات في مسعى لإقناع هذا القارئ دون أن تكون هذه الإضافات مضمنة في النص الأصلي.

          ويطرح أنصار النظريتين، أي الحرفية والتفسيرية، تساؤلات جوهرية: هل يمكن للمترجم التصرف في النص ؟ وهل بمقدوره إضافة أبعاد لم يتطرق إليها كاتبه بغرض إقناع قارئ ترجمته ؟

          في خطوة أولى يتفق أتباع النظريتين، من حيث المبدأ، على ضرورة إحترام شكل النص وأفكار كاتبه ما أمكن ذلك، لأن المترجم :

          " مسئول، قبل كل شيء، أمام الكاتب الذي ينقل في عمله رسالة يحملها شكل معين وتعابير محددة "  (6) .

          ويتفقون، كذلك، على أن الصعاب الحقيقية التي تواجه المترجم تكمن في المجالات التقنية أو في أي مجال يهدف لإبلاغ رسالة مباشرة أو محتوى معين للقارئ. ذلك لأن النص الذي يُكتب لهدف معين ينبغي أن يجيب على تساؤلات القارئ ويساعد في ذيوع المعارف التي يمتلكها الكاتب. نعطى مثالاً لذلك الكتيبات المترجمة المصاحبة لأجهزة البث المرئي. حيث يقوم القارئ باتباع الخطوات التي يشير بها الكُتيب ويتوقع رؤية الصورة على شاشة جهازه عند إتمامه لهذه الخطوات. فقارئ الترجمة - وهو المُستقبِل الأساسي لرسالة مُصنِع هذه الأجهزة - يتوقع أن يفهم وبسرعة. كما يتوقع من الترجمة الإجابة على تساؤلاته لاسيما وأن التشغيل الفعلي لما يمتلك من أجهزة رهين بمثل هذه الإجابة. لذا، فإن بمقدور المترجم، في المجالات التقنية، إضافة أية معلومة من شأنها مساعدة القارئ على إنجاز ما ينوى من عمل. ذلك أن هدف الترجمة في المجالات التقنية عملي تطبيقي مباشر تتطلبه مقتضيات اللحظة، بينما هدفها في المجالات الأدبية إيحائي نظري عام يتطلب التأني ويحتمل الأخذ والرد وتباين الآراء.

          بيد أن الاختلاف الجوهري بين الترجمة الحرفية وترجمة المعنى يكمن في الإجابة على السؤال التالي: هل يجوز للمترجم تحوير بعض معطيات النص الأدبي إذا كانت تحتوي على خطأ واضح ؟

          هنا تتباين المواقف. فبينما ترى الترجمة الحرفية عدم جواز المساس بالنص بتاتاً، ترى نظرية المعنى أن هنالك عدة إحتمالات لورود مثل هذه الأخطاء في النص الأصلي. وأن على المترجم تقدير الحالة والتعامل معها بما تستحق .

          نكتفي هنا بذكر أمثلة لثلاث من هذه الاحتمالات:

أولاً:    أن يخطئ الكاتب خطأ ظاهراً لا مراء فيه مثل الأخطاء في تحديد التواريخ أو تسمية المواقع كأن يقول أحدهم: إن الحرب الكونية الثانية قد ألقت أوزارها في العام 1960م مثلاً أو أن دمشق هي عاصمة المملكة السعودية. هنا يتوجب على المترجم القيام بتصويب الخطأ دونما تردد .

ثانياً :   أن يكون قول الكاتب موجهاً لقرائه الأصليين، أي لقراء البلاد التي أتى منها كرحالة مثلاً. بيد أن قوله يصبح غامضاً أو غير واف لإعطاء صورة متكاملة لقارئ الترجمة في البلاد التي تمت زيارتها. أو أن يتعلق الأمر بمواضيع اقتصادية أو إجتماعية تعود إلى حقب سالفة وتتم ترجمتها في الوقت الراهن. ولعل أكثر مجال لورود مثل هذه المواضيع هو أدب الرحلات. ومنه نقتبس المثال التالي :

         فقد وصف داوتى، وهو رحالة إنكليزي قام بزيارة الأجزاء الشمالية من شبه الجزيرة العربية في منتصف القرن التاسع عشر للميلاد، وصف أسعار لحوم الأغنام بسوق حائل بقوله :

         " وتُباع الخراف الممتازة بسرعة قبل مضى ساعة على شروق الشمس بأقل من بنسين للرطل. وتباع الرجل الصغيرة بست بنسات، في الوقت الذي يباع فيه الخروف كاملاً في حائل بتسع شلنات والشاة بست شلنات " (7) .

         ولعل أول ما يستوقف قارئ الترجمة هنا هو استخدام الرحالة لعملة تختلف عن عملة البلاد التي زارها. فلئن ذكر " البنس " و " الشلن "، فلأنه إنما كان يخاطب جمهوره من القراء بإنكلترا وليس القارئ بحائل .

         عندما يقوم مترجم بنقل النص أعلاه إلى العربية، فإنه يتحتم عليه البحث عن الآليات اللازمة لتحديد القيمة الفعلية للبنس والشلن مقابل العملة التي كانت متداولة بحائل لحظة كتابة النص. وعليه، أي المترجم، اللجوء للإرشيف والوثائق ولبنوك المعلومات الملحقة بوزارات المال أو حتى لمقتنيات المتاحف، إذا لزم الأمر، من أجل تحديد القيمة الفعلية لعملة حائل وقتئذ مقابل البنس والشلن. كما يتوجب عليه إعطاء القارئ السعودي المعاصر فكرة عما يعادله البنس والشلن بحائل في منتصف القرن التاسع عشر بالريال السعودي المتداول حالياً. ذلك لأن أدق التفاصيل تكتسب أهمية قصوى لدى قارئ أدب الرحلات. لاسيما وأن الهدف الرئيسي لهذا الأدب هو رسم صورة صادقة للظروف الحياتية السائدة في زمان ومكان ميلاد النص.

ثالثاً :   أن يتطرق النص إلى ظاهرة غير مألوفة أو أن يصف جهازاً غير متوفر في بلاد قارئ الترجمة. ففي هذه الحالة، تكون الترجمة الحرفية غير ذات جدوى نظراً لعدم قدرتها على شرح الظاهرة أو كيفية عمل الجهاز. هنا، لابدَّ أن يسعى المترجم لتقريب الصورة لقارئه كأن يختار، مثلاً، ظاهرة مقاربة لتلك التي أشار إليها النص الأصلي أو أن يشير إلى جهاز مشابه يتوفر في بيئة القارئ. كما أن بمقدوره استخدام الصور والرسومات التوضيحية لتقريب الصورة لقارئ ترجمته.

في نقد الترجمة الحرفية :

         تنتقد نظرية المعنى أتباع الترجمة الحرفية وتصفهم بأنهم :

         " حبيسو الأبعاد الظاهرية للنص، يتحاشون الصعاب والمعضلات خشية الخوض فيها ومحاولة إيجاد الحلول الناجعة لها " (8) .

          ووفقاً للنظرية التفسيرية، فإن عملية إستخلاص المعنى تتم في ثلاث مراحل:

          أولاً : عملية فهم النص: هنا يضع المترجم كافة قدراته المعرفية، لغوية كانت أم غير لغوية، لفهم النص الأصلي. من القدرات المعرفية التي يلجأ إليها المترجم: التاريخ، العلوم، علم اللغة، علم الاجتماع، الأمثال، الأقوال المأثورة وما إلى ذلك من معارف مساعدة.

          ثانياً : تقود عملية فهم النص الأصلي إلى مرحلة وسيطة تُمثل المرحلة النهائية للفهم والمرحلة الأولى لإعادة صياغة ما فُهم باللغة الهدف. يُطلق على هذه الخطوة : مرحلة تأطير النص.

          ثالثاً : تأتي، أخيراً، مرحلة الصياغة إلى تستدعى، كذلك، إستنفار المترجم لجميع معارفه، لغوية كانت أم غير لغوية، لإيجاد المقابلات اللازمة في اللغة الهدف.

          ترى النظرية التفسيرية، إذاً، أن التقيد بالنص الأصلي إنما يعنى التقيد بالمعنى، بالشيء الذي يود الكاتب قوله، لأن الترجمة:

          " لا تعنى إيجاد مقابل لكلمات لغة في لغة أخرى، إنما تسعى لإيجاد المعنى الذي ترمز إليه تلك الكلمات " (9) .

          أما عند إعادة صياغة المعنى، فعلى المترجم :

          أولاً : الأخذ بالوسائل التعبيرية المتاحة في اللغة الهدف.

         ثانياً : وضع القارئ في دائرة إهتمامه. إذ ينبغي عليه التساؤل : هل سيكـون بمقدور هذا القارئ الفهم أم لا ؟ . وإذا كانت الإجابة بنعم، فهل سيفهم بنفس القدر الذي يفهم به متلقي الرسالة ممن يتحدثون لغة النص الأصلي كلغة أم؟.

          إن المقابل الترجمي ( L'équivalence en Traduction )، بالنسبة للنظرية التفسيرية، لهو بالضرورة المقابل من حيث المعنى. وهو مقابل ديناميكي متحرك يُسْتخلص من خلال الإطار الذي تمت فيه الترجمة لأن المعنى نفسه متحرك يتغير بتغير الظروف الموضوعية والتاريخية. إذ عندما يذكر أبو الطيب المتنبي " القنبلة " في شعره، إنما يريد بها الكوكبة من أحد عشر فارساً وهو تعريف يختلف إختلافاً جذرياً عن معنى "القنبلة" في عالم اليوم. تنظر النظرية التفسيرية إلى المعنى، إذاً، كخليط من المعادلات الظرفية (Contextuelles) ويأخذ في اعتباره البعد التاريخي مما يزيد من معدلاته. ذلك لأنه، ووفقاً لتغير الحقبة الزمنية، تتبدل المواعين اللغوية، المعطيات الثقافية والوسط الاجتماعي الذي يستهدفه المترجم وهو ما يُعرف بالصيغ المتحركة (dynamiques) . هنالك، أيضاً، صيغ ثاتبة (Transcodages) . وهي صيغ صالحة في أية حالة تواصل حقيقي ولأي نص مهما كان نوعه كأسماء الأعلام، الأرقام، صيغ إلقاء التحية، الاعتراض، الصيغ الجاهزة وما إلى ذلك.

          ووفقاً للنظرية التفسيرية، فإن عوامل كثيرة تدخل في عملية الترجمة من أهمها النظرة الذاتية للمترجم. ما يهم هو الترجمة بذكاء ووفقاً لعدة معايير ليس من بينها المحافظة على سلامة شكل النص الأصلي كما يرغب دعاة الترجمة الحرفية. وترى نظرية المعنى أنه إذا ابتعد المترجم عن الشكل الأصلي للنص، فإنما يفعل ذلك لسببين إثنين: أولهما الاقتراب من المعنى المراد وثانيهما إحترام المواعين التعبيرية في اللغة الهدف.

          ويرى أحد أعمدة هذه النظرية التفسيرية، موريس بيرنيي، أنه :

          " حين يَخْلُص اللغوي، بتفحصه للعناصر اللغوية للنص، أن الترجمة غير مطابقة، يستنتج المترجم الذي يعمل على استخلاص المعنى أنها جد مطابقة. بمعنى أن عدم التطابق اللغوي قد يكون تطابقاً من حيث المعنى وأن المترجم المدرك لأبعاد مهمته، لابدَّ أن يسعى جاهداً لاستنباط المعنى غير عابئ بكومة الكلمات " (10) .

          وتصف دينكا سلسكوفيتش، وهي أم النظرية التفسيرية، وقد شاركها في تأطيرها والتنظير لها زملاؤها وطلابها في المدرسة العليا للمترجمين الفوريين والتحريريين بجامعة السوربون، تصف المعنى بالكيمياء والشكل بالفيزياء، حيث تقول :

          " اللغة بمثابة الكيمياء فيما يتعلق بالمعنى، فيزياء فيما يختص بالشكل. كيمياء لأنه، وانطلاقاً من عناصر لغوية محددة، يمكن إستنباط كم هائل من المعاني الجديدة دون أن تفقد العناصر اللغوية هويتها الشكلية تماماً كما هو الحال مع العناصر التي تدخل في التجربة الكيميائية " (11) .

          وترى هذه النظرية وجود تناغم بين المعنى والشكل اللغوي لاسيما عندما لا يتوفر المقابل الترجمي في اللغة الهدف. حينها يلجأ المترجم لإعطاء بعض المقابلات التي قد تكون مثيرة للجدل وقد لا توجد في القواميس أصلاً مثل: ( العلوج/ خارطة الطريق الخ). هنا يعمد المترجم لابتداع مقابل ترجمي متأثر بالشكل اللغوي ونابع من الإطار الظرفي المعين. بيد أنه لا ينبغي خلط مثل هذه المقابلات الترجمية المثيرة للجدل على اعتبار أنها استخدامات توليدية، أي استخدامات جديدة لمفردات قديمة (néologisme) ، أو حتى على اعتبار أنها تحديث أسلوبي (innovation Stylistique). ذلك لأن المترجم يجد نفسه مضطراً لإيجاد سياق كلامي عندما يكون المصطلح المراد ترجمته:

          أ/ لا يمكن ترجمته ترجمة حرفية بحتة.

          ب/ لا يوجد في القواميس الجيدة ثنائية اللغة.

          مثال ذلك: ترجمة التقارب السياسي بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، في منتصف السبعينيات، " بديبلوماسية الكرة الطائرة ". إذ اعتمد المترجمون الفعل اللغوي لأن الانفراج السياسي بين البلدين إنما بدأ بفعل ألا وهو إقامة مباراة في الكرة الطائرة.

          تأخذ النظرية التفسيرية على الترجمة الحرفية، كذلك، تقيدها بالتراكيب اللغوية للغة المصدر مما يؤدى إلى :

          " وضع العقبات أمام نجاح العملية الترجمية بسبب حصرها [أي الترجمة الحرفية] لجهود التحليل وإعادة الصياغة في الأُطر التي حددتها اللغة المصدر سلفاً، بدل السماح للمترجم بالبحث في جميع الاتجاهات. هذا البحث هو السبيل الوحيد لاكتشاف الصيغ الأسلوبية المبتكرة في اللغة الهدف " (12) .

          ويواصل أتباع ترجمة المعنى إنتقاداتهم لأتباع الترجمة الحرفية فيتساءلون: ما الذي يدفع المترجم للتقيد، عند صياغته النص في اللغة الهدف، بالشكل الوارد في اللغة المصدر؟. أو لا يكفي هذه اللغة الهدف أن تكون أصلاً في الموقف الأضعف؟. وهل يجوز إضعافها بصورة أكبر وتشويهها وإفقارها عن طريق التجاهل المستمر لمحسناتها وأساليبها المميزة وصيغها المبتكرة ؟…

          ويضيفون أنه ينبغي الرجوع، في هذا المجال، لتصفح تراجم قام بها مترجمون مهرة للتثبت من أن بمقدور اللغة الهدف التحلي بكل المحاسن الأسلوبية والمقومات الجمالية تماماً كما في لغة النص الأصلي. إذ الترجمة الجيدة، في نظر المتحمسين لنظرية المعنى، هي تلك التي لا تشبه الترجمة.

          لا تكتفي الترجمة الحرفية فقط بإعطاء المدلولات الأكثر شيوعاً للكلمات، وإنما تحرم المترجم كذلك - وفقاً لمنتقديها - من فرصة التأمل والتأني لاستنباط مجمل المعنى. وتشبه النظرية التفسيرية هذا المعنى ببلح البحر (La moule ) . هذا البلح يقبع داخل الصدف الذي يمثل الإطار اللغوي. لابدَّ، إذاً، من كسر الصدف للوصول إلى البلح. ولا يهم من أن يتم الكسر ولا الكيفية التي يتم بها .

          ثم إذا كانت الترجمة الحرفية ترفض إعطاء المترجم أي قدر من الحرية تمكنه من الإبداع والأخذ بالاستنتاجات المنطقية، فإنها بذلك :

          " تنكر على المترجم ما يفرقه عن الآلة: أي الخلق والابتكار وتبنى الخيارات الموضوعية. أضف إلى ذلك أن نظرتها لا تتوافق مع ملاحظات علماء اللغة المعاصرين فيما يتعلق بطبيعة المقابلات الترجمية " (13) .

          ونتفق، من جانبنا، مع دعاة النظرية التفسيرية في القول بأن الترجمة الحرفية قد تحرم المترجم، أحياناً، من التأمل اللازم لاستخلاص المعنى الحقيقي. ونسوق، للدلالة على ذلك، بيتاً للشاعر الزنجي ليوداماس يتحدى فيه المستعمر ويهاجم الاستعمار. يقول :

            " Je suis un hamme cafre.              Je suis le Serpent.

               Je suis un hindou de Calcuta ".  (14)

          وترجمة هذا البيت، أو هذا المقطع بالأحرى، حرفياً هي : " أنا رجل كافر.. أنا الثعبان . أنا هندي من كالكوتا " . وقد ترمز لفظة (كافر) إلى سواد لون البشرة أي الانتماء لمنطقة "La Cafererie" بجنوب أفريقيا كما يورد القاموس.

          والمتأمل لهذه الترجمة الحرفية القاموسية، يجد أنها ترجمة سطحية غير ذات قيمة لأنها تفرغ الكلمات من مضمونها وأغراضها الجوهرية. ذلك لأن الشاعر لا يود إشهار إلحاده والتباهي بلون بشرته بقدر ما يود الإشارة إلى أن محاولات المُسْتَعمِر الهادفة لتنصيره قد باءت بفشل ذريع. ومن أن الاستعمار الذي جاء بالحملات التبشيرية لم يترك أثراً في حياة الإفريقي الذي ما زال يعتز بذاته وكينونته .

          فللفظة ( كافر ) هنا مدلولات عرقية وسياسية إضافة إلى مدلولها الديني. ولا يستطيع المترجم، بالطبع، معرفة ذلك إلا عبر تحليل دقيق للنص، آخذاً في الاعتبار المعطيات اللالغوية كتاريخ الاستعمار مثلاً وعلاقة المسُتَعمِر بالمُستعَمر.

          أما إذا تناولنا كلمة " كافر " من منظور لغوي ديني، فستعطينا، كذلك، معنى ما كان قد يخطر لنا على بال. إذ من حقنا أن نتساءل: لم اختار الشاعر هذه الكلمة، وهي ذات أصل عربي، بينما تزخر الفرنسية بالكلمات التي تدل على الكفر بجميع درجاته مثل :

incroyant - irréligieux – mécréant - impie - païen - incrédule - infidèle.. etc....

          ونميل للإعتقاد أن الشاعر، باستخدامه لكلمة لا تنتمي لأصول لغة المُسْتَعمِر، إنما أراد استهجان هذه اللغة التي طالما عقد عليها المُسْتَعِمر الآمال في التأثير على الإفريقي فكرياً وثقافياً .

في نقد النظرية التفسيرية :

          إضافة للانتقادات التي ساقها خصومها من أتباع الترجمة الحرفية كما رأينا آنفاً، فإن هذه النظرية لم تعط - وهي إحدى المآخذ التي يأخذها عليها أتباع المذاهب الترجمية الأخرى - تعريفاً علمياً دقيقاً للمعنى المراد نقله .

          إذ من حقنا التساؤل في هذا المجال : هل يحمل البيت من الشعر، مثلاً، معنى واحداً لا يقبل التأويل؟. وهل يجوز تحجيم مرامي الشاعر وقصرها على فهم المترجم فقط؟. وإذا كانت هنالك عدة معانٍ محتملة للبيت، فما الذي يعطي المترجم الحق في اختيار إحداها وتجاهل الأخرى؟. ثم هل يلتزم المترجم بذكر كل المعاني المحتملة في سياق ترجمته أم هل تراه يكتفي بإحداها واضعاً البقية في حاشية النص المترجم؟. ثم هل تعتبر الحاشية جزءاً من الترجمة؟. أو لا يخاطر المترجم، عندما يورد الكثير من المعاني ويستخدم الحواشي، بالخروج من الترجمة والولوج في فرع آخر من فروع المعرفة ألا وهو تحليل النص ( analyse textuelle) ؟. وإذا فعل ذلك، ألا يثبت فعلياً مآخذ الترجمة الحرفية على الترجمة التفسيرية بأنها تفسر ولا تترجم ؟.

          لإيضاح إشكالية تعدد المعاني هذه، سنقوم بتحليل بيت للشاعر الجاهلي عوف بن سعد النهشلي، يفتخر بعزة قومه ومنعتهم وشدة بأسهم وتفردهم بين القبائل، حيث يقول :

ونَشربُ إن وَرَدنا الماء صفواً

               ويشربُ غَيرُنا كدراً وطينـــــا

          إذ حاولنا ترجمة هذا البيت حرفياً للفرنسية لأعطانا :

          Si nous abordons de L'eau,

          Nous la boirons limpide.

          Les autres la boiront troublée et boueuse.

          لا ريب أن هذا البيت يطرح أولاً إشكالية حضارية تتمثل في مسألة الوِرْد، وهي إشكالية ينبغي على المترجم تذليلها قبل الخوض في استنباط المعنى. فالمترجم إنما يقوم، بالضرورة، بالترجمة لقراء لا يتحدثون العربية، وقد لا يعرف بعضهم معنى الوِرد لأنهم لم يجربوا العيش في بيئة صحراوية. لقراء من سكان البندقية الإيطالية، مثلاً، يردهم الماء ولا يسعون في طلبه.

          وتزداد المسألة تعقيداً عندما يعكف المترجم على استنباط المعنى. فبالتأمل في هذا البيت وتحليله، يمكننا استخلاص جملة من المعاني، منها :

         أولاً : المعنى الظاهري الشائع والسهل والذي تقدمه الترجمة الحرفية  ألا وهو الفرق بين صفاء الماء وكدره. وهو معنى سطحي لا يخدم قضية الفخر في شيء ولا يأتي سوى بمدلول شائع للغة.

                قمنا بتحليل هذا البيت واستخرجنا منه عدة معانٍ أخرى نحسب أنها تخدم الغرض الفخري للقصيدة. من هذه المعاني :

         ثانياً : نظراً لكثرة عددنا ( والكثرة من دواعي الفخر للقبيلة العربية )، فإننا نحيل الماء، عندما تغرف منه أكُفُنا، من الصفاء إلى العكِر.

         ثالثاً: لكثرة عددنا وكثرة أنعامنا ( وكثرة الأنعام تعطي الثقل الاقتصادي وبالتالي الوزن الاجتماعي )، فإننا نحيل الماء من الصفاء إلى العكر .

         رابعاً : إننا نصد الآخرين عنوة واقتداراً ونمنعهم من الاقتراب من الماء حتى نرتوي وتشرب أنعامنا وفي ذلك دليل على القوة والمنعة وشدة البأس.

         خامساً : إننا من ذوي الهمم العالية والحيوية والنشاط. ننهض باكراً حين يقط الآخرون في سبات عميق. ننهل من الماء وهو في حالة صفاء، حتى إذا جـاء الكسالى فاترو الهمة ( يعنى أفراد القبائل الأخرى ) وجدوه كدراً.

         سادساً : إننا نمتلك أفضل البقاع حيث نقطن الأعالي. حتى إذا هطلت الأمطار، حصلنا على ماء صافٍ . لكن عندما يسيل هذا الماء إلى أسفل، حيث يقطن الآخرون، يتلوث ويختلط بالثرى فيتبدل لونه.

         سابعاً : إننا لا نشرب الماء إلا لماماً. فنظراً لكثرة أنعامنا وما تجود علينا به من حليب وما نصنعه بحليبها من ألبان، ونظراً لكثرة أشجار نخيلنا وما نستخرجه من ثمارها من عصيرات وشراب، لا نلجأ لشرب الماء إلا نادراً. ويتأتي هذا المعني إذا ما استعنا بالفواصل وقرأنا البيت على النحو التالي :

ونشربُ، إن وردنا الماءَ، صفواً  *   ويشرب غَيُرنا كدراً وطينا

          فجملة ( ،إن وردنا الماء، ) جملة إعتراضية تدل على عدم الانتظام في الورد.

         ثامناً : إن كلمة ( ماء ) ، لا تعنى الماء المتعارف عليه، وإنما ترمز لكل مطايب الحياة. أي أننا نحظى بكل بهيج طيب في شتى مناحي الحياة، بينما لا ينال سوانا سوى الغث الهزيل.

         تاسعاً : إننا من العارفين الملمين بقواعد صحة الأبدان، لذلك لا نتناول الماء إلا صافياً. أما الآخرون، ولجهلهم بتلك القواعد، فيشربونه كدراً ملوثاً.

         عاشراً : قد يعنى الشاعر كل ما تقدم من معانٍ .

          بمقدورنا استخلاص كل تلك المعاني، وكثير غيرها ، من هذا البيت الشعري الواحد. ويلاحظ القارئ تركيزنا على المعاني الظاهرة وإغفالنا للمستوى الصوتي، بالرغم من أهميته البالغة في النص الشعري، نظراً لما سيجرنا إليه ذلك من ابتعاد نسبي عن الهدف الرئيسي للدراسة إلا وهو إشكالية تعدد المعاني الظاهرة الناتجة عن عملية تحليل النص.

          والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو :

          أي معنى سيختار المترجم المنطلق من النظرية التفسيرية يا ترى ؟

          في مسعى للإجابة على التساؤل أعلاه، يمكننا القول أنه يتوجب على المترجم، بادئ ذي بدء، حصر جميع المعاني المحتملة. والتركيز، عند الترجمة، على أكثرها بروزاً في سياق النص موضوع الترجمة.

          فإذا حاولنا تطبيق هذا النهج على بيت الشعر العربي الذي قمنا بتحليله للتو، لاتضح لنا بجلاء أن السمة الغالبة عليه لهي الشجاعة والإقدام. لذا فإن أفضل ترجمة له قد تكون في معتقدنا :

          Nous vivons dans L'opulence, parce que nous sommes forts.

          Les autres, et à cause de leur faiblesse, vivent la misère et la médiocrité.

          ولئن دأب أتباع نظرية المعنى على انتقاد أنصار الترجمة الحرفية بسبب اهتمامهم بالعناصر اللغوية والتراكيب الأسلوبية، فإننا لا نوافقهم الرأي تماماً. ونرى أن العناصر اللغوية قد تمكن المترجم من الالتفات لكثير من المعاني التي لم تك تخطر له على بال. فإذا حاولنا تحليل نفس البيت السابق من منطلق لغوي أسلوبي لوجدنا :

ٍ           أولاً : الجملة الاعتراضية: ، إن وردنا الماء، تضيف معنى جديداً توحي به طريقة معينة للقراءة، أي باستخدام الفواصل وهي أدوات لغوية قد تؤدي ، أحياناً، إلى تحوير المعني .

           ثانياً : الدلالة المستقبلية لاستخدام الأفعال ( ونشربُ ويشربُ )، مما يدعم صفة الاستمرارية والديمومة ويعضد من الأغراض الفخرية للقصيدة. فكأن الشاعر يود الإشارة إلى دوام الحال هكذا أبد الآبدين: أي سنكون متفوقين على غيرنا دوماً، نشرب النقي ويتناولون الكَدِرْ .

           ثالثاً : تأمل غياب " الأنا " الفردية وذوبان شخصية الشاعر في القبيلة مما يدل على اجتماع الكلمة.

           رابعاً : قلة حروف العطف في صدر البيت وكثرتها في عجزه. وبما أن المعطوف عليه يكون دوماً أقوى من المعطوف، فقد استخدم الشاعر حروف العطف لتعزيز مراميه الفخرية.

           خامساً : لنتأمل قليلاً في اختيار الشاعر لكلمة ( غَيرُنا )، إذ باستخدامه لها يكون قد وضع قومه في مرتبة لا تختلف فقط في علوها وتميزهــا عن مرتبة بقية القبائل، إنما وضع هذه الأخيرة في مقام الحيوان والنبات والجماد. فكلمة (غَيرُنا ) تشير إلى جميع مخلوقات الله باستثناء قوم الشاعر .

           سادساً : عندما يتعلق الأمر بقومه، يستخدم الشاعر مفعولاً به يقبل الصفة والحال : " ونشربُ إن وردنا الماءَ صفواً " . فالماء هنا يقبل صفات مثل : زلالاً ، عذباً، رقراقاً، سلسبيلاً.. الخ بينما نراه يستخدم للآخرين مفعولاً به لا يقبل صفة ولا حالاً لأنه حال وصفة في حد ذاته. فكلمة ( كدراً ) هي إسم وحال وصفة في ذات الوقت وكذلك كلمة ( طينا ) ..

          سابعاً : تأمل الطباق وهو من المحسنات في اللغة العربية ( صفواً / كدراً ) .

الخاتمة

          يتضح لنا مما سبق أن الترجمة الحرفية ترفض تفسير النص، بينما لا تعير نظرية المعنى بنيته اللغوية وتركيبته الأسلوبية إهتماماً يُذكر. وتبين لنا كذلك، من خلال تحليلنا لبيتين من الشعر، أن تحليل النص - سواء من أجل استخلاص معانيه الخفية أو من منطلق دراسة تركيبته اللغوية - يعتبر غاية في الأهمية بالنسبة للمترجم. إذ أن ذلك يمكنه من الفهم الدقيق للرسالة في اللغة المصدر، ثم نقلها بكفاءة ووضوح إلى اللغة الهدف.

          رأينا أيضاً، من خلال تحليل البيتين الشعريين، أن الترجمة الحرفية، ومن خلال توفرها على دراسة التركيبة اللغوية للنص وخصائصه الأسلوبية، إنما تستنبط بذلك بعض المعاني الجديدة هي الأخرى. وأنها، أي الترجمة الحرفية، تعتبر بذلك مكملة لنظرية المعنى وليست نقيضاً لها.

          ولعل إسناد نظرية المعنى مهمة تفسير النص لشخص المترجم فقط الذي يقرر ما هي المعاني التي يتوجب نقلها للقارئ وتلك التي ينبغي تجاهلها، هو ما دفع بالكثير من المنظرين في مجال الترجمة، وعلى رأسهم موريس بيرنيى، للمناداة بضرورة إشراك كل المذاهب الترجمية من أجل استنطاق العمل الأدبي وإجلاء خفاياه. إذ من المؤكد أنه ليس بوسع تيار ترجمي بعينه الإدعاء بمقدرته، منفرداً، إعطاء الأنموذج المكتمل والمنهجية المثلى للعملية الترجمية.

          مسألتان أخيرتان نختتم بهما هذا البحث ألا وهما :

أولاً:    ضرورة توفر الحس الأدبي لدى المترجم مما سيعينه في اختيار المعنى الأقرب لمرامي الكاتب. نقول المعنى الأقرب، لأن المعنى الحقيقي، في العمل الأدبي، لا يمكن إدراك كنهه ومعرفة أبعاده. ذلك لأن تجربة الإبداع الأدبي تجربة ممعنة في الذاتية، تتسم بالخصوصية وتتعلق بمشاعر مختلطة، متباينة وقد تصل إلى حد التنافر. وتتم مرحلة الإبداع ذاتها عبر عملية مخاض يجهلها الأديب نفسه أحياناً.

ثانياً:    أهمية أن يفرد المترجم وقتاً للبحث بغرض تجويد الأداء. وألا يكتفي بأن يكون صدى باهتاً للنص، وإنما يلعب دوره كموصل جيد لرؤى الكاتب .

ثبت المراجع

أ - مراجع عامة بالإنكليزية :

- Nord (C.). - Text analysis in Translation: Theory, Methodologie, and Didactic Application of a Model for Translation - oriented Text Analysis, Amsterdam, Rodopi, 1990.

- Wilss (W.). - " Towards a multi-facet concept of translation behavior" , Meta XXXIV (1), 129-149, 1989.

ب - مراجع عامة بالفرنسية :

- Delisle (J.). - L'analyse du discours comme méthode de traduction. Ottawa, 1980.

- Hurtado (A.). - La notion de fidélité en traduction. Paris, Didier - Erudition, 1990.

- Nida (E.). - et Taber ( C.). - La Traduction: Théorie et méthode. Londres, 1971.

- Pergnier (M.). - Les Fondements Sociolinguistique de la traduction. Paris, Champion, 1978.

- Seleskovitch (D.) et Lederer (M.). - Interpréter pour traduire. Paris, Didier - Erudition, 1984.

جـ - مراجع أشرنا إليها في متن البحث :

1 -           Abul A'la Mawdudi. - Towards understanding Islam, L.I.F.S.O, 1968, p. 25.

2 -           Ibid., p.153.

3 -           Newmark (p.). - A textbook of translation. New York - London, Prentice Hall International, 1988, pp. 45 - 46.

4 -           Ibid., p. 73.

5-            Ibid., p. 72.

6 -           Herbulot ( Florence).. - Le Traducteur Déchiré, in Etudes Traductologiques, Lettres Modernes. Minard, Paris, 1990, p. 271.

7 -           Doughty ( Charles. M. ). - Travels in Arabian Deserts.- Jonathan Cape, 1921. P. 662.

8 -           Herbulot ( Florence).. - Le Traducteur Déchiré, Op.cit, p.279.

9 -           Delisle ( Jean ). - " formement du sens, la paille des mots ", in Etudes traductologiques, Op. Cit, p. 66.

10 -         Pergnier ( Maurice ). - L'équivalence en traduction, Meta, 32 (4), 1987, pp. 392-402.

11 -         Seleskovitch ( Danica ), - Langage, langues et mémoire. Paris, Lettres Modernes. 1975, pp. 49-50.

12 -         Déjean Le Féal ( Karla ). - " Qu'en est - il au juste du transcodage en traduction écrite? ", Traduire, 133, Oct. 1987, p. 22.

13 -         Delisle ( Jean ). - " Le formement du sens, la paille des mots ", Op. Cit, p. 71.

14 -         Damas ( Léon. G. ). - Poètes d'expression française, 1900- 1945, Seuil, 1947, p. 34.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Literary Texts and Translation Methods

Babiker Ali Dyouma

 

Associate Professor

Department of European Languages and Translation

College of Languages and Translation

King Saud University, Saudi Arabia

( received on  5/4/1425H ; accepted for publication 23/7/1425H )

 

Abstract: Translation theories propose different methods for dealing with literary texts. Extracting the meaning of a text, in order to transfer it into the other language, is the core of translation work. Yet, because of its very special nature, reaching for the meaning of a literary text requires in-depth analysis of its form, together with research carried out in areas as diverse as traditions, history, geography.. ete .. ete, in addition, of course, to a taste for literary writings - appreciating their beauty and understanding what they allude to. It is for this reason that no translation theory is capable, in its own, of providing an adequate approach for translating literary texts. This paper attempts to show that the cooperation of all translation theories is necessary for exploring the entire meaning of literary texts. Examples from French and Arabic are provided to illustrate the necessity for the translator to use all available methods, and, above all, to resort to his own intelligence and knowledge in order to investigate the meaning of literary texts, rather than relying on traditional tools, such as dictionaries, terminologies, or even encyclopedias.