تجارة التقاوي في المملكة ألام و أمال

 

تجارة التقاوي و مشكلات الاستيراد

كان الإنتاج النباتي للمملكة العربية السعودية في السابق يعتمد على الأصناف و السلالات المحلية من المحاصيل المختلفة و التي يتوارثها المزارعون أباً عن جد فلقد أعتاد المزارعين في الماضي على الاحتفاظ ببعض البذور من كل محصول حتى يمكن زراعته في الموسم التالي ولم تكن المساحات المزروعة بالمحاصيل كبيرة لذلك لم تكن تجارة بيع التقاوي معروفة في السابق ولكن إدخال السلالات المحسنة ذات الإنتاجية العالية في أوائل الستينات الميلادية والتطور السريع في الزراعة السعودية بشقيها النباتي و الحيواني في عهد خادم الحرمين الشريفين أدى إلى تكون قطاع نشط لتجارة التقاوي كما كان لسياسة دعم زراعة القمح كسلعة إستراتيجية دور رئيسي في تطور قطاع تجارة التقاوي حيث زادت المساحات المزروعة بالقمح عشرات المرات كذلك تطورت مشاريع إنتاج الخضر في البيوت المحمية خلال الثمانينات مما أوجد طلباً متزايداً على التقاوي، وفي التسعينات انتشرت زراعة الشعير و الأعلاف بعد تقنين زراعة القمح كما انتشرت زراعة البطاطس و البصل كمحاصيل اقتصادية بديلة للقمح.

         وكنتيجة للنمو الكبير في قطاع الإنتاج النباتي فقد تعددت الشركات و المؤسسات العاملة في مجال تجارة التقاوي وأصبحت المملكة منطقة جذب للشركات العالمية العاملة في إنتاج و تجارة التقاوي حتى تضمن لنفسها نصيب من سوق التقاوي المفتوحة في المملكة. فالمملكة اليوم لا تزال تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها من التقاوي ففي عام 1995م  فقط استوردت المملكة ما يزيد على 9640 طن من التقاوي بقيمة 86.7 مليون ريال (جدول 1)  ويتضح من الجدول (1) أن تقاوي محصولا البطاطس والبرسيم الحجازي كانا الأعلى من حيث كميات التقاوي المستوردة و القيمة المدفوعة بينما كانت تقاوي الباذنجان و الفاصوليا الأعلى من حيث الكمية من بين محاصيل الخضر أما بذور الخيار و الطماطم و الكوسة فامتازت بارتفاع أسعارها كما يلاحظ من الجدول أن أهم الدول المصدرة للبذور للمملكة هي الولايات المتحدة و هولندا.

        ويعتقد البعض أنه لا ضير من الاعتماد على الاستيراد لظمآن الحصول على تقاوي محسنة عالية الإنتاجية ولكن المتمعن في تقلبات العالم الخارجي يدرك أن عدم وجود قطاع نشط لإنتاج التقاوي في المملكة يعتبر خلل إستراتيجي قد يتهدد مستقبل الزراعة في المملكة، يضاف إلى ذلك أن شركات التقاوي العالمية لا يهمها سوى بيع منتجاتها حتى لو لم يكن ذلك المنتج هو الأفضل تحت الظروف المحلية ولذلك فهي تقوم بالترويج لمنتجاتها لدى المؤسسات المحلية من خلال مطويات تعريفية عن تلك المنتجات معتمدتاً على بيانات إنتاج مستقاة من مناطق أخرى تختلف عن ظروف الإنتاج في المملكة فمصلحة المزارع ليست من أولويات اهتمام تلك الشركات فعلى سبيل المثال التقيت بأحد تجار التقاوي الأجانب الذي كان يحمل مطوية عن أحد أصناف البرسيم وبعد أن أطلعت على المطوية ذكرت له أن الصنف قد لا يجود تحت ظروف المملكة نظراً لأنه يحتوي على درجة من الكمون أعلى من الأصناف السائدة في المملكة مما يجعل الصنف أقل كفاءة في الموسم البارد كما أن المرض الذي تم تطوير الصنف لأجله لا يشكل مشكلة في المملكة فرد الرجل على وقال لقد تلقيت حتى الآن طلبيات تزيد على 40 طن خلال يومين فقط فهل تتوقع مني أن أقول لهم أبحث عن صنف أكثر ملائمة أعتقد أنها ليست مهمتي،  نعم أنها ليست مهمته فهو مجرد تاجر بذور ولكن على من تقع المسئولية هل هي على الشركات و المؤسسات المحلية التي تعمل في تجارة التقاوي أم على وزارة الزراعة التي تمنح تصاريح استيراد التقاوي؟

        أن الاعتماد على الاستيراد بدون قيود أو أنظمة لتسجيل الأصناف جعلت السوق السعودية ملجئ لكل من أراد أن يتخلص من التقاوي التي بحوزته فحتى الآن كل من يرغب في استيراد بذور ما علية سوى التقدم لوزارة الزراعة وأخذ تصريح من إدارة الأبحاث الزراعية بذلك ولا يوجد قيود على الأنواع أو الأصناف التي يتم استيرادها في ماعدا القمح و الشعير! وهناك نوعين من نماذج تصاريح الاستيراد الأول خاص بالدول العربية وفية لم يشترط أن تكون التقاوي المستوردة تقاوي معتمدة بينما النموذج الخاص بالدول الأجنبية ينص على أن تكون التقاوي معتمدة !!!!! وعندما تصل إرساليات التقاوي تقوم إدارة الحجر الزراعي بمطابقة البيانات الواردة في التصريح مع البيانات التي مع الإرسالية  و تأخذ عينات من الإرسالية إذا كان منصوص عليها في التصريح ثم تقوم بإرسالها إلى المركز الوطني للأبحاث الزراعية ولكن الإرسالية يتم فسحها في حينه بدون الرجوع إلى نتائج الفحص الذي يتم في المركز الوطني.

        وقد أدي عدم وجود نظام لتسجيل التقاوي إلى ظهور العديد من المشاكل التي وصل بعضها إلى المحاكم نتيجة عدم تأقلم بعض الأصناف المزروعة مع الظروف البيئية أو لانخفاض حيوية البذور والأمثلة على تلك المشكلات كثيرة منها أن أحد المزارعين أشتكى من ضعف إنتاج محصول البرسيم الذي زرعه وبعد الكشف على البذور المزروعة وجد أن الصنف من الأنواع الكامنة التي تزرع في المناطق الباردة ولا يعطي أكثر من خمسة حشات في السنة مما سبب خسارة كبيرة للمزارع  مزارع أخر زرع بصل وأستمر يعتني بالمحصول لمدة خمسة أشهر بدون أن يكون أبصال بحجم اقتصادي مما جعل المزارع يفقد كامل محصوله وقد تبين بعد ذلك أن الصنف المزروع من أصناف النهار الطويل التي لا تتلاءم مع ظروف الزراعة في المملكة، فمن يحمي المزارع ويضمن له حقوقه؟

         ومن المشكلات التي تواجه المزارعين مع التقاوي المستوردة هو تعدد الأصناف وتغير الأسماء ففي سوق البذور أصناف مختلفة لكل نوع نباتي مستوردة من مناطق و من شركات مختلفة مما يجعل المزارع في حيرة من أمره فكل مؤسسة تدعي أن أصنافها هي الأفضل بينما لا يوجد أي بيانات مستقلة يمكن أن يعتمد عليها المزارع في اختيار الصنف الذي يزرعه فيلجا بعض المزارعين إلى تجربة أكثر من صنف ثم اختيار الأنسب ولكن المشكلة مع ذلك هو في ظهور أصناف جديدة باستمرار تحل محل الأصناف التي تعود عليها المزارع خاصه في محاصيل الخضر، كما تلجا بعض شركات التقاوي إلى وضع عبارة "جديد و مطور" على عبوات التقاوي المنتجة كوسيلة لرفع المبيعات حتى ولو لم يختلف عن الصنف السابق مما يبقي المزارع في دوامة لا تنتهي وفي الحقيقة المزارعين في المملكة يعتمدون على الثقة مع تاجر التقاوي أكثر من اعتمادهم على أي معلومة علمية.

        كما يرتبط الاعتماد على التقاوي المستوردة كذلك بأخطار دخول الآفات و الأمراض التي قد يكون لها أثار ضارة جداً بالإنتاج النباتي فالعديد من الحشائش الضارة و الحشرات و الأمراض التي تنتشر اليوم في المملكة أدخلت أما عن طريق بذور أو شتلات نباتية تم استيرادها من الخارج، كما أن الاعتماد على التقاوي المستوردة أدى إلى إهمال السلالات المحلية فتضاءلت المساحات المزروعة بالأصناف المحلية نظراً لندرة بذورها على الرغم من جودتها وتأقلمها مع الظروف المحلية ولذلك فسن قوانين لتنظم عمليات الاتجار بالتقاوي و تطوير قطاع محلي لإنتاج التقاوي يعتبر مطلب ضروري لاستمرار وتطور الإنتاج النباتي في المملكة.

تطوير نظام لتسجيل التقاوي:

        إن تطوير نظام لتسجيل التقاوي في المملكة هو ضرورة يحتمها التطور الكبير الذي تشهدة الزراعة السعودية فسن قوانين تحدد المتطلبات اللازمة لإدخال أصناف جديدة للملكة مع تطبيق قوانين الحجر الزراعي بدقة سوف يحل كثير من المشكلات التي يعانيها المزارع مع التقاوي المستوردة، وعملية سن القوانين التي تنظم تجارة التقاوي هي أول مراحل تطوير نظام تسجيل الأصناف يلي ذلك تفعيل دور مراكز الأبحاث لتقوم بدورها الحقيقي في إجراء عمليات التقييم المستمر للأصناف و إعطاء التوصيات للأصناف المتأقلمة مع الظروف المحلية لكل منطقة بناءاً على بيانات الإنتاج لثلاث سنوات على الأقل ويتم تسجيل الصنف الجديد في كل منطقة يتفوق فيها الصنف على الصنف التجاري للمنطقة بما نسبته 5% أو أعلى أو عندما يحمل الصنف صفة مرغوبة تساعد على تحمل الإجهادات البيئية أو الحيوية مثل مقاومة الأمراض و الآفات أو مقاومة الملوحة و الجفاف، ويتم إحلالا أصناف جديدة لكل منطقة من خلال عمليات التقييم الدوري كل ثلاث إلى خمس سنوات بحيث تتم التوصية بزراعة أفضل خمسة أصناف تعطي أحسن نتائج من حيث الإنتاج و الجودة النوعية.

        وبالنظر إلى الوضع الحالي في المملكة نجد أن وزارة الزراعة والمياه تملك مجموعة من مراكز الأبحاث الزراعية الموزعة في مختلف مناطق المملكة والتي قامت و تقوم بتنفيذ العديد من التجارب الإرشادية لاختيار الأصناف الأكثر ملائمة تحت الظروف المحلية ولكن عدم وجود نظام لتسجيل الأصناف التي يمكن زراعتها في كل منطقة قلل من أهمية التوصيات التي تصدرها ومع ذلك فأن هناك حاجة إلى زيادة مراكز الأبحاث بحيث تغطي جميع مناطق المملكة فالمنطقة الشمالية على سبيل المثال من أهم وأكبر المناطق الزراعية في المملكة ومع ذلك لا يوجد فيها أي مركز أبحاث خاص بالإنتاج النباتي! كما أن معظم المراكز القائمة بحاجة ماسة إلى المزيد من التقنية الحديثة والخبرات الفنية المدربة حتى يمكن أن تحقق الدور الذي سوف يناط بها عند إحداث تنظيم لتسجيل التقاوي، وفي نظري أن تطوير مراكز الأبحاث الزراعية يجب أن يصاحبه تطوير لطرق و وسائل الإرشاد الزراعي حتى يتحقق الهدف الأكبر من إنشاء هذه المراكز ألا وهو تطوير الخبرات الزراعية ونقل التكنولوجيا الحديثة إلى المزارعين السعوديين مما ينعكس على قدرتهم في الإنتاج الزراعي وتوفير الأمن الغذائي للوطن.

                                 والله من وراء القصد.

                                                د. عبد الله عبد العزيز الدوس

                                                أستاذ الوراثة و تربية النبات المساعد

                                                قسم الإنتاج النباتي- كلية الزراعة     


جدول (1) واردات المملكة العربية السعودية من تقاوي المحاصيل بالطن و القيمة التقديرية لها .

نوع المحصول

الكمية

القيمة

أهم الدول المصدرة

 

---- طن ----

-- 1000 ريال --

 

محاصيل حقلية

 

 

 

بطاطس

4449

13625

هولندا

برسيم حجازي

2543

33186

أمريكا  أستراليا

ذرة صفراء

354

1523

أمريكا

بصل

150

1028

أمريكا

حشيشة رودس

54

642

جنوب أفريقيا  أستراليا

بذور أعلاف أخرى

254

1377

 

محاصيل الخضر

 

 

 

باذنجان

263

1337

أمريكا  هولندا

فاصوليا

209

1415

أمريكا  هولندا

كوسة

76

3354

أمريكا  هولندا

طماطم

65

5517

هولندا  أمريكا

فلفل

31

606

هولندا  أمريكا

جزر

23

7215

هولندا  أمريكا

خيار

14

7215

هولندا  أمريكا

بذور خضر أخرى

183

2683

 

بذور محاصيل أخرى

973

12446

 

المجموع

9640

86717

 

المصدر: نشرة إحصاءات الواردات لعام 1995م. وزارة التخطيط، مصلحة الإحصاءات العامة- التجارة الخارجية.