King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

                    العولمة وأثرها على البيئة الحضرية

 

شهدت العملية التخطيطية تحولات وتغيرات متعددة عبر العقود الماضية منذ مطلع هذا القرن . إذ ارتبطت العملية التخطيطية منذ بداياتها بالحاجة لتوفير الاسكان والخدمات الضرورية للسكان وذلك نتيجة النمو الكبير الذي شهدته المدن الرئيسية خلال القرنين الماضيين ، وفي نفس الوقت برز التركيز على توفير بيئة صحية وسليمة للتقليل من مشاكل الاكتضاض والتلوث وانتشار الأمراض المعدية . وفي مراحل لاحقة ركزت العملية التخطيطية على تجميل المدينة وذلك كرد فعل للبيئة الصناعية الملوثة والغير جمالية التي عاشتها الكثير من المدن الغربية في ذلك الوقت .

 

ولم يتخلف الجانب الاجتماعي والإنساني والحضاري عن التأثير على وقيادة العملية التخطيطية بعد الحرب العالمية الثانية وذلك من خلال سياسات التنمية الاجتماعية والمحافظة على المناطق التاريخية . ولكن مع ارتفاع تكلفة التطوير والمحافظة برزت حركة تخطيطية تركز على جعل المدينة أكثر كفاءة اقتصادية (City Efficient) . ومع بدء الاهتمام بتأثير التنمية الحضرية على البيئة الطبيعية بدأ التركيز على حماية البيئة وتبني مفهوم المخططات الشاملة وذلك للتعامل مع مختلف الجوانب الحضرية . تزامن ذلك مع محاولات المحافظة على حقوق الاقليات وذوي الدول المحدودة من خلال المحاماة والمحامين كعنصر جديد في العملية التخطيطية . وأخيراً شهد العقدين الماضيين توجهات جديدة تعني بالاستفادة من التطور في التقنيات الحديثة وتطوير الاستراتيجيات الحضرية ذات الأبعاد الاقتصادية وذلك لقيادة عملية التنمية الحضرية .

 

ويشهد هذا العقد بروز ظاهرة جديدة تسمى "العولمة" كظاهرة اقتصادية ترتبط بالتجارة الحرة والانفتاح الاقتصادية بين دول العالم ومؤسساته الاقتصادية . وتشجع منظمة التجارة العالمية أو ما يسمى باتفاقية الجات على دخول الاستثمارات والرساميل الأجنبية بدون قيود إلى البلدان المنظمة في الاتفاقية والانتقال الحر لرأس المال بين تلك البلدان . وهذا سيؤدي إلى المساعدة في تمويل المشاريع الحضرية سواء المرتبطة بالمجالات العقارية أو في مجال توفير الخدمات والمرافق الأساسية في حالة تخصيصها . كما أن مواقع الصناعات والمراكز الاقتصادية ستصبح مجالاً تنافسياً بين المدن الراغبة في جذب مثل هذه الاستثمارات وذلك لرفع مستوى الدخول الاقتصادية للمدن وسكانها .

 

وتمثل ظاهرة العولمة والانفتاح الاقتصادي بأبعادها المتنوعة اتجاها جديداً في مجالات التنمية الوطنية وخاصة المتعلقة بالتنمية الحضرية . حيث تختلف العولمة بمفهومها الحالي عن الاتجاهات السابقة المؤثرة في العملية التخطيطية من نواحي متعددة تشمل عالمية التأثير وارتباطها بقوى ومؤثرات خارج نطاق القوى المحلية التي سادت العملية التخطيطية خلال هذا القرن . كما ترتكز ظاهرة العولمة على الجوانب الاقتصادية العالمية وتتأثر بها مقارنة بالاتجاهات السابقة والتي تراوحت بين الجوانب الصحية والعمرانية والتاريخية والاجتماعية وبصورة محدودة بالجوانب الاقتصادية المتعلقة بتحسين كفاءة الأداء العام . هذه الاختلافات تجعل من ظاهرة العولمة التي بدأت تتشكل في معظم دول العالم ظاهرة جديدة ذات تحديات كبيرة للقائمين على إدارة التنمية الحضرية وخاصة في المدن الرئيسية .  

 

وسيشهد المستقبل الحديث توجهات جديدة للمدن والتنمية الحضرية في عصر العولمة . حيث يمكن أن تبرز المدن وخاصة الكبيرة منها ككيانات اقتصادية جديدة (Enterprises) تقاد كمؤسسات اقتصادية ترتبط باقتصاديات السوق والأساليب التمويلية . وإجمالا فان الأدوار الجديدة للمدن سينتج عنها تغيرات تتضمن ما يلي :

§               تغيرات في الإدارة الحضرية وذلك نحو شفافية أكثر للمؤسسات القائمة ومشاركة أوسع للقطاعات المؤثرة نتيجة الحاجة لتظافر الجهود للدخول في عالم المنافسة الاقتصادية مع المدن الأخرى .

§               إعادة تنظيم دور الحكومات المحلية (البلديات) من التشريع المقنن والتحكم القوي في عملية التنمية الحضرية إلى التنظيم والمشاركة في الاستثمارات وتشجيع جذب الاستثمارات الخارجية وذلك بتسهيل الإجراءات وتقنين الأنظمة لتحسين الصبغة التنافسية للمدينة .

§               تقليص دور التخطيط كقائد ومنظم لعملية التنمية وتغيير دور المخطط من الأدوار الفنية والإدارية إلى دور الميسر والمفاوض والمنسق وفتح المجال للأفكار المتجددة والتوجهات المرنة وذلك لاستيعاب المستجدات الحديثة والتي ستسمر في التغير بوتيرة قد تكون أسرع من العقود الماضية .

§               التحول نحو اقتصاديات السوق وذلك بالتركيز على دراسات العائد على الاستثمار والتركيز على الاستثمارات العقارية والخدمية وسيطرة أساليب التمويل الاقتصادية على قرارات التطوير والاستثمار ومشاركة الكثير من القطاعات الغير حكومية والأهلية كمستثمرين وصناع للقرار مع الجهات الحكومية الأخرى .

 

هذه التغيرات الناتجة من الأدوار الجديدة للمدن والقطاعات الاقتصادية ستؤدي بالتأكيد إلى خلق بيئة حضرية مفتوحة تحركها القوى الاقتصادية المحلية والأجنبية من خلال سيطرة الاقتصاد الحر على متطلبات واحتياجات التنمية . وهنا يبرز تساؤلات مهمة عن مدى تأثير هذه المستجدات على الجوانب الاجتماعية للتنمية الحضرية وخاصة المتعلقة بأهداف التخطيط الأساسية كالعدالة والمساواة ؟ وهل سيبرز لنا العقد القادم صورة أخرى مكررة للظروف التي نشأت فيها ظاهرة المحاماة والمحامين في العملية التخطيطية خلال الستينات الميلادية وذلك للمحافظة على مصالح الاقليات والفئات المحرومة في المجتمع ؟ أم ستقوم الحكومات المحلية بالمحافظة على التوازن بين المصلحة العامة وحقوق مختلف فئات المجتمع والفائدة الاقتصادية المدفوعة باقتصاديات السوق ؟ هذه التساؤلات ستشكل الدور الذي يمكن أن يلعبه المخطط الحضري في تنظيم وقيادة عملية التنمية الحضرية ، وقد تبرز لنا أدواراً جديدة للمخطط تتجاوب مع هذه المتغيرات وتتأقلم معها .

 

15-6-1420 هجريه.

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx