faculty
Sign In
 

 

العلاج بالفن التشكيلي 

تأليف 

د. عوض مبارك سعد اليامي

معالج بالفن التشكيلي

أستاذ التربية الفنية المشارك

جامعة الملك سعود

مشرف

وحدة العلاج بالفن التشكيلي

مستشفى التأهيل الطبي

مدينة الملك فهد الطبية

 

 

الفصل الأول

 

 

مدخل إلى العلاج بالفن التشكيلي

      - نبذة تاريخية .

      - الفن التشكيلي.

      - مفهوم العلاج بالفن التشكيلي .

      - الفوائد الإكلينيكية للعلاج بالفن .

             - الإبداع .

             - الموضوعية والانعكاسات الحقيقية .

             - الإنتاج الفني بوصفه مادة علاجية فريدة .

 

 

مدخل

 

نبذة تاريخية

      إن تاريخ العلاج بالفن التشكيلي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ مزاولة الفن وبداياته الأولى. وتزداد الرؤية وضوحاً عندما ينظر الدارس إلى ماهية الفن ودوره في حياة البشر. ويرى معظم المؤرخون للفن بأن الإنسان قد اعتمد على ممارساته الفنية منذ بداية حياته البشرية، حيث مارس الفنان البدائي التشكيل الفني (بأنواعه المختلفة) لأسباب نفعية وطرق للتواصل والتعبير عن الأفكار والمعتقدات والمشاعر. (الرصيص، 1988م، ص 17) .

      ويظهر ذلك جلياً من خلال التمعن في تاريخ فنون ما قبل التاريخ والعصور الحجرية التي رصدها الفنان الأول على جدران الكهوف وتكويناته الحجرية على سفاح الجبال في الكثير من المناطق مثل أفريقيا وأسبانيا وغيرها من المناطق التي تشهد اللمسات الأولى للتعبير الفني. ويزداد الأمر وضوحاً عندما نتمعن في الفنون الأفريقية القديمة وفنون الهنود الحمر اللذان يمثلان شواهداً حية للتعبير الفني البدائي. ذلك الفن الذي امتلأت مجالاته بالتعبير الصادق المفطور على صدق التعبير الداخلي للفنان البدائي عن حياته بأكملها بما فيها التعبير عن مخاوفه وتوسلاته وحتى طرق استشفائه من الأمراض المختلفة  (Freedberg, 1984, p. 161 ).

      وعندما ننظر بعين المتمعن في الدور الذي يقوم به الفن التشكيلي الفطري في أفريقيا - على سبيل المثال - نجده يقدم أمثلة غاية في الأهمية لما تبوأه الفن في تلك الثقافة؛ حيث نجده يقوم مقام الطب، بل كان هو الطب في حد ذاته عندما كان يقوم الفنان (المداوي) بإنتاج مجسماً فنياً يضع بداخله أدوية شعبية لها أثر دوائي على المريض الذي يقتنيه ( Koloss, 1990, pp. 33,54,62.) .

      وهناك أمثلة مشابهة في معظم الثقافات والحضارات الأخرى حول العالم تحمل نفس الفلسفة والاتجاه العلاجي. ومن ضمنها الكثير في البلدان العربية التي تعاملت مع هذه النوعية من العلاج قبل ظهور الطب النفسي الحديث في أرجائها المختلفة. ولا تزال بعض الحضارات تستعمل نفس الوسائل العلاجية حتى في عصرنا الحاضر مع علمها بالطب الحديث وفاعليته .

      وقد جاء الطب الحديث والفلسفات الحديثة بأنواعها لتحذر وتمنع مثل تلك المزاولات الدوائية دافعة  بذلك النوع من الطب إلى الأحراش والمناطق النائية ليحل محلها الطب الحديث .

      أما بالنسبة للفن المصري القديم فقد كان في معظم أطروحاته يبحث في الحياة بعد الموت مما أدى إلى انصراف الفنان المصري القديم عن التعبير عن صراعات الحياة اليومية ، على عكس ما يتضح عليه الفن التشكيلي المصري المعاصر واندماجه بشكل انفعالي مع الحياة اليومية للفنان ومجتمعه .  ومع ذلك فقد كان هناك اهتماماً واضحاً بالموسيقي بوصفها إحدى الفنون التي كان لها دوراً مهماً في الصحة النفسية لدى المصريين القدماء .

      وإذا نظرنا إلى الحضارة الإغريقية، نجدها تستعمل الموسيقى أيضاً بوصفها مادة علاجية. إلا أن ذلك كان محدوداً على الاستماع للموسيقي فقط. وكان الرقص والحركة لدى الإغريق يؤديان دوراً وقائياً من الأمراض النفسية. حُظيت الفنون البصرية باعتراف وإعجاب الإغريق ومورست على نطاق واسع لما لتلك الفنون؛ مثل الرسم والتجسيم، من دور مهم في إضفاء التوازن على الشخصية.وقد عاد ظهور تلك الفكرة  مرة أخرى في فلسفة العصر الذهبي الأوروبي الذي تبنى فكرة العقل والجسد المكونة للشخصية .

      أما في القرن الثامن عشر فإن ظهور الفن ودوره السيكولوجي يعزى إلى تكشف رسوم المرضى النفسيين أو ما يسمى أحياناً " فنون المجانين ". ويعود  تاريخ فنون المرضى النفسيين في الحضارة الغربية إلى عام 1735م عندما نشر الفنان ويليام هوغارث William Hogarth مجموعة من فنون الحفر ( الجرافيك ) تحت عنوان " تتالي الحطـــام The Rake's Progress " ( شكل 1 )، والتي تصور نزيلاً نفسياً في مصحة بيت لحم Badlam Asylum  ( شكل 2 ) يحدق بنظره في مجموعة من الرسومات الرمزية، يعتقد بأنه قد قام برسمها على حائط تلك المصحة . وقد أثارت تلك المجموعة من فنون الحفر فضول بعض الأطباء النفسيين آنذاك ليدرسوا خصائص الأمراض النفسية من خلال رسومات مرضاهم ( MacGregory, 1989, p. 17 ) .

      وفي ألمانيا فقد توالت بحوث الأطباء النفسيين في فنون المجانين إذ بدأت بالأعمال البحثية للطبيب النفسي فريتز مور Fritz Mohr (1874- 1966م). وقد نشرت أعماله البحثية بدءاً من عام 1959م وتوصلت لأن تكون ضمن الوسائل التشخيصية الرائدة في استعمال الرسم بوصفه مادة أساسية للتشخيص النفسي، علماً بأن أبحاث مور اعتمدت بشكل أساس على بحوث ماكس سيمون Max Simon الذي سبقه في ذلك المسار. هذا بالإضافة إلى أن اكتشافات مور في الرسم التشخيصي أدت إلى بناء العديد من الوسائل التشخيصية الاسقاطية مثل اختبار روشارخ واختبار تفهم الموضوع (TAT) المتداولين حتى وقتنا الحاضر وفي مجتمعات مختلفة ( Kruger, 1978P and Macgregory, 1989) .


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


شكل (1). ويليام هوغارث, "تتالي الحطام". 1735م. حفر, متحف جامعة برنستون للفنون, نيوجيرسي.

 

 

 

شكل (2). روبرت هووك, "مستشفى بيت لحم". 1764-1766م.

مستشفى بيت لحم الأميري, لندن.

 

 

 

 

 

 


      بالإضافة إلى ما قدمته بحوث مور من تركيز على خصائص المرض النفسي، فقد خلقت فاصلاً واضحاً في النظر إلى علم نفس الفنون إذ انبعث منها  اتجاهين هما :

      أولاً : التعبير النفسي الفني ، وثانياً: سيكولوجية الفن. وهما مجالين مختلفين تماماً. إذ يدرس التعبير النفسي الفني التعبيرات الفنية النفسية المنعكسة في أعمال الرسام،  سواءًا أكان مريضاً أم صحيحاً، ومن الممكن الخروج من خلالها بخصائص سيكولوجية مرضية، وتطور ذلك المجال لأن يشمل العمليات العلاجية بالفن وسمى مؤخراً بالعلاج بالفن .  أما سيكولوجية الفن فهي تدرس معاناة الفنان النفسية ومجريات العملية الفنية خلال نقله لأفكاره وأحاسيسه ومشاعره وما تعكسه تلك الأشكال والألوان والخطوط من تأثير نفسي على المشاهد. وقد عرف الدكتور أبو طالب سعيد أستاذ علم النفس الفني بكلية الفنون بجامعة بغداد علم النفس الفني بأنه " أحد فروع علم النفس التطبيقي الذي يدرس الخصائص النفسية للإبداع الفني والإدراك والأعمال الأدبية والتربية الفنية والتربية الجمالية وتكوين الذوق الفني" ( سعيد، 1990م، ص 35 ). هذا بالإضافة إلى أن سيكولوجية الفن تركز بشكل أساسي على دراسة عملية الإبداع الفني وما له علاقة بالتفاعل المباشر بين الفنان والعمل الفني من حيث الإبصار والتفاعل ونقل الخبرة المباشرة للحدث بشكل فني مفلسف .

      وقد استمرت الحال كما هي عليه من حيث النظر إلى رسومات المرضى وتحليلها  بشكل مماثل للأسلوب الذي قدمه مور من حيث استنباط الخصائص الفنية للأمراض النفسية واضطرابات الشخصية حتى وقتنا الحاضر. واجتهد علماء النفس الفني في ابتكار الكثير من المقاييس المعتمدة على الرسم والتي يطلق عليها في وقتنا الحاضر المقاييس الاسقاطية (Hammer, 1958) Projective Techniques والجدير بالذكر أن أقسام علم النفس تقوم بتدريس هذه التقنيات لطلابنا في التعليم العالي ويتبعها المعالجون النفسيون في كثير من تعاملاتهم العلاجية مع مرضاهم، إلا أن الكثير منهم يصر على إبقاء تلك المهارة الفنية في حدود ذلك الإطار التشخيصي فقط ضاربين عرض الحائط بما للفن التشكيلي من قدرات علاجية، تفوق أحياناً المهارات اللفظية (Horowitz,1983, p.259,& Numburg,1987, P.1) .

      أما بالنسبة للعلاج بالفن التشكيلي، الذي قد تخفي تفاصيله على كثير من الاختصاصيين النفسيين، فقد كانت بداياته الحديثة مع الأب الروحي للعلاج النفسي فرويد Freud الذي هو نفسه تابع رصد الخصائص المرضية من خلال الفن عندما حلل إنتاج بعض الفنانين السابقين والمعاصرين له مما أدى إلى التركيز على القيمة التعبيرية والتنفيسية للفن التي لها أن تحرر اللاشعور من ما اختزنه من عقد نفسية. إلا أن فرويد لم يتعمق في دراسة جدوى العلاج بالفن التشكيلي بعكس ما قدمه العالم النفسي يونغ Jung ، المعاصر لفرويد ؛ حيث كان ولعاً بالفن وتبوء لديه مركزاً خاصاً؛ إذ كان نفسه رساماً بارعاً أنتج العديد من رسومات المندالا التي لعبت دوراً مهماً في حياته وجلبت له التوازن النفسي الذي كان يطمح إليه شخصياً.  ( شكل 3 ) . وبالإضافة إلى أن يونغ كان ممارساً للفن فقد كان يشجع مرضاه على التعبير الفني للفائدة الإكلينيكية (Edwaeds, in Rubin, 1987, p. 92, and MacGregor, 1989,p. 20)  .

 

 

 

 شكل ( 3 ),

من أعمال

العالم النفسي يونغ,

ماندالا

 

 

 

 

 


     

     

 

 

 

      لقد كانت محاولات فرويد ويونغ الخجولة في مجال العلاج بالفن التشكيلي بمثابة الشرارة الأولى في مجال العلاج بالفن. إذ أن ما أنتجوه من نظريات في العلاج النفسي وسيكولوجية الشخصية كانت منبعاً لكثير من المجالات التي لها علاقة بعلم النفس، وقد تبنى معظمها المعالجون بالفن التشكيليون من بعدهم. وفي ذلك الإطار نجد بأن مارغريت نومبيرغ Naumburg والتي تعتبر الرائدة الأولى في العلاج بالفن، قد تبنت تلك النظريات، بعد أن تعمقت في دراساتها، وخرجت بما أسمته مؤخراً العلاج بالفن  "Art Therapy" . وقد اختلف في إطاره عن ما يسلكه النفسانيين في التعامل مع الفن التشكيلي. هنا ركزت نومبيرغ على الفائدة الإكلينيكية من وراء العمليات الفنية ؛ أي أصبح الفن لديها يحمل فوائد علاجية بالإضافة إلى الفوائد التشخيصية التي يعرفها النفسانيين . وبعين ثاقبة استطاعت نومبيرغ التربوية أن تخرج بأسلوب علاجي بالفن يسمح لمحتوى اللاشعور بالتمثل في الرموز الفنية التي يحتويها العمل الفني. وقد سمت ذلك الأسلوب (التعبير الفني الحر ( Naumburg, 1987,p.1 ) ( Free Art Expression .

      في الأربعينيات من القرن العشرين وبينما كانت نومبيرغ تركز على العلميات  النفسية في الفن بقصد الفوائد الإكلينيكية الكامنة في العمليات الفنية، ظهرت على ساحة الريادة في العلاج بالفن في الخمسينات من ذلك القرن في الولايات المتحدة الأمريكية معلمة للتربية الفنية تدعى إديث كريمر Edith Kramer التي رأت في الفن والعمليات الابتكارية الفنية دوراً مهماً في العلاج بالفن ( Wadeson, 1980, p.13 ) . ومن هنا بدأ العلاج بالفن ينهج منهجين تطبيقيين إحداهما يركز على العمليات النفسية والآخر يركز على  الفن في حد ذاته وعملياته الابتكارية من أجل تكشف العمليات النفسية واستنتاج الفوائد الكلينيكية من خلالها .

      الجدير بالذكر أن كلا الرائدتين تحملان خلفية تربوية فنية مما جعل العلاج بالفن ذو علاقة قريبة من مجال الفن والتربية الفنية أكثر منه إلى مجال علم النفس. وبحكم أن الرائدتين كانتا تعملان في حقل التعليم فقد جذب ذلك المجال الجديد عدد كبير من المختصين في التربية الفنية أكثر من غيره من المجالات العلمية الأخرى ذات العلاقة. ومع ذلك فقد كانت ماغريت نومبيرغ تحاضر عن العلاج بالفن لفئات مختلفة منهم الأطباء والمعالجون النفسيون والممرضون والعاملون في مجال تأهيل الفئات الخاصة بالإضافة إلى المختصون في التربية الفنية . وبينما ركزت كريمر ، بحكم أنها كانت تعمل أستاذة للتربية الفنية بجامعة نيويورك، على معلمي ومعلمات التربية الفنية والفنون بشكل أكثر وضوحاً من الفئات الأخرى من الاختصاصين الذين تألف منهم العاملين في مجال العلاج بالفن التشكيلي مؤخراً.

      كان مجهود هاتان الرائدتان كبير في سبيل نشر العلاج بالفن التشكيلي ليس في الولايات المتحدة الأمريكية فقط بل في دول أخرى أوروبية مما أدى إلى نشر أفكارهما خارج نطاق إقامتهما الأساسية. الجدير بالذكر أن لانتشار العلاج بالفن في الولايات المتحدة وخارجها على يد هاتين الرائدتين عوامل عدة نذكر منها :

1 -  أن نومبيرغ كانت على علاقة عملية وثيقة بالأطباء النفسيين الذين ساهموا بشكل مباشر في نشر وإقناع من كان في مجالهم بأساليب العلاج بالفن بشكل عملي وعن طريق الاختبارات البحثية الميدانية مع الفئات التي كان يعمل معهم الأطباء النفسيون أنفسهم .

2 -  ساهم موقع كريمر ونومبيرغ الأكاديمي ، بوصفهما أعضاء هيئة التدريس في إحدى الجامعات الأمريكية المرموقة ( جامعة نيويورك ) في تدريس بعض المقررات الدراسية للطلبة من خلال برنامج التربية الفنية .

3 -  ساهم استيعاب ودراسة نومبيرغ للتحليل النفسي في قدرتها على استخراج أساليب علاجية مفهومة وذات قدرات فاعلة مما يظهر أنها أقنعت المختصين بجدوى تلك الأساليب ومدى فائدتها العملية للمرضى النفسيون.

4 -  اعتمدت كريمير على العملية الابتكارية الفنية والتي استخرجت من خلالها أساليب فاعلة للعلاج بالفن مما أدى إلى إقناع التربيون بمدى فاعلية العلاج بالفن وفائدته التربوية والنفسية من خلال التربية الفنية .

5 -  ساعدت إمكانات الرائدتين اللغوية في نشر أفكارهما عن العلاج بالفن التشكيلي خارج نطاق الولايات المتحدة، وبالتحديد أوروبا؛ إذ كانتا تتحدثان لغات أخرى غير الإنجليزية. وساهم ذلك في تقوية أفكار الأوروبيون عن العلاج بالفن؛ حيث كان الأوروبيون جاهزون لتلقي مثل تلك الأفكار بحكم أنهم ممارسون للعمليات التشخيصية بالفن ولهم تجارب مماثلة في العلاج بالفن .

6 -  ساهمت الحقبة الزمنية التي ظهر فيها العلاج بالفن على أيدي الرائدتين على تقبل المجتمع الأمريكي لذلك النوع من العلاج؛ إذ كانت تعم الولايات المتحدة آنذاك الحركة التقدمية Progressive Movement  ، وانتشار تطبيق العلاج التحليلي بشكل واسع .

7 -  أسهمت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بشكل مباشر على تقبل الأفكار التي يطرحها العلاج بالفن بوصفه تعبيراً عن الانفعالات الداخلية؛ حيث ظهرت خلال  وبعد الحرب العالمية الثانية اتجاهات تقدمية أكثر تحرراً من القيود الفلسفية القديمة أسهمت في حد ذاتها بإعطاء الفرص للعائدين من الحرب العالمية الثانية من أفراد الجيش وعائلاتهم للانضمام إلى برامج ترويحية إضافة إلى البرامج الطبية، والتي كان من ضمنها عدة مجالات مثل العلاج بالموسيقي، والعلاج الوظيفي (العلاج بالعمل)، والعلاج بالفن، مما أدى إلى تأسيس برامج للعلاج بالفن في المستشفيات والمصحات الخاصة بالجيش .

8 -  كانت نظرية التحليل النفسي في أوج انتشارها في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية . وقد درست نومبيرغ هذه النظرية واتخذت منها أساساً بنت عليه نظريتها في العلاج بالفن مما أدى إلى استيعاب المجتمع المهني للأفكار التي يقدمها الفن بوصفه علاجاً دينامياً لكثير  من الاضطرابات النفسية.  واستطاعت نومبيرغ تطبيق أفكارها                                            التحليلية، والتي كانت تلقى قبولاً منقطع النظير في الأوساط الأكاديمية والإكلينيكية مما جعل انتشار فكرة العلاج بالفن والتعبير الفني الحر فكرة مستساغه لدى الكثير من المهتمين بالطب النفسي مع الفئات ذات العلاقة. مع العلم بأن الاتجاهات التنظيرية للعلاج بالفن التشكيلي في وقتنا الحاضر قد خرجت عن ذلك الإطار إلى ما هو مقبول الآن وتتركز عليه الأنظار في العلاج النفسي مثل الاتجاه المعرفي السلوكي وغيره من الاتجاهات التنظيرية الحديثة .

9 -  كانت نومبيرغ على قدر رفيع المستوى من حيث فهم تاريخ الفن والدور السيكولوجي للفن التشكيلي مما ساعدها على عمل العلاقات العملية المناسبة لربط الفن بالإنسان والتعبير من خلال الفن، الشيء الذي مهد لها الطريق في تأسيس العلاج بالفن على قواعد متينة مصدرها الأساسي حاجة الفرد إلى التعبير الفني بغير قيود.

10 - كان لتفشي الأمراض النفسية وحاجة الناس إلى الاستشفاء منها دوراً أساسياً في نشر العلاج بالفن في الولايات المتحدة الأمريكية. وكان العلاج بالفن متوفراً وله نتائج فاعلة مما أدى إلى قبوله من قبل المجتمع وتشجيعه كونه أسلوباً علاجياً يسهم في الصحة النفسية لأفراد المجتمع .

      وبعد أن أسست نومبيرغ العلاج بالفن عن طريق إلقاء المحاضرات, والمعارض الفنية لأعمال المرضى, وإبراز الشواهد على فاعليته وفوائده من خلال البحوث الميدانية بتأسيسه أكاديمياً من خلال جامعة نيويورك في عام 1958م؛ حيث قدمت، من خلال الجامعة ثلاثة مقررات دراسية كانت تدرس في قسم التربية الفنية ثم نقلت فيما بعد إلى قسم علم النفس بالجامعة. وكان يرتاد تلك المقررات طلاب من التربية الفنية وعلم النفس والعلاج الوظيفي وغيرهم من الطلبة الذين كانوا يبحثون عن التخصص في ذلك المجال الجديد. ولم تتوقف نومبيرغ في نشرها لذلك التخصص عند الطلبة في الجامعة بل ذهبت لتحاضر وتقدم العروض الفنية في المستشفيات والجمعيات المتخصصة ذات العلاقة مما أدى إلى تعرف الكثير من العاملين والمهتمين بشؤون المرضى النفسيون والتعليميون بهذا المجال. الشيء الذي جذب الكثير إلى التخصص في هذا المجال واتباع خطوات مماثلة للخطوات التي أسستها نومبيرغ .

      وكان بالإمكان لأفكار نومبيرغ أن تذهب مع الرياح وتعصف بها العواصف المعارضة والجاهلة لماهية الفن ودوره في النفس البشرية، إلا أن جهود الكثير من المختصين والمهتمين والمتعطشين المؤمنين بهذا الدور استمروا في إعلاء أصواتهم بجانب نومبيرغ لينشروا هذا الدور. هنا ظهرت إلينور ألمان  Ulmanعلى الساحة بتأسيسها أول دورية في العلاج بالفن عام 1961م The Bulletin of Art Therapy التي غيّر أسمها في عام 1969م إلى المجلة الأمريكية للعلاج بالفن  The American Journal of Art Therapy . فقد قامت هذه المجلة منذ أول عدد أصدر منها بجمع شتات المهتمون والمختصون في العلاج بالفن؛ حيث كانت المصدر الوحيد - آنذاك - الذي يجمع الأفكار والطموحات ويناقش فيها المختصون شؤون مجالهم بالإضافة إلى عرض تجاربهم مع المرضى النفسيين وتلاميذ المدارس. وقد احتوت تلك الدورية على مقالات تنظيرية ، وتقارير ميدانية، وتعليمات تطبيقية، ودراسات تحليلية، وأخبار العلاج بالفن حول العالم .

      في عام 1969م، أيضاً ومن خلال تلك الدورية، لوحظ تزايد عدد الممارسين والمهتمين بالعلاج بالفن مما شجع على الدعوة لتأسيس جمعية عمومية للعلاج بالفن. وبالفعل تم ذلك في العام نفسه وقد قام بذلك المجهود مجموعة تقدر بخمسون عضواً اجتمعوا في مدينة لويزفل وأعلنوا تأسيس الجمعية الأمريكية للعلاج بالفن The American Art Therapy Association . وكان أول مؤتمر للجمعية في شهر سبتمبر عام 1970م في مدينة وورنتن فرجينيا التي تبعد 45 ميلاً من مدينة واشنطن العاصمة الأمريكية . وحضر المؤتمر الأول مائة عضو وبلغت العضوية في ذلك العام إلى 142 مائة واثنين وأربعون عضواً. واستمرت الجمعية في النمو حتى بلغت في عام 2003م 4750 عضواً. والجدير بالذكر أن الجمعية تقيم مؤتمراً سنوياً في إحدى مدن الولايات المتحدة, ويقصدها العديد من المختصين والمهتمين من جميع أنحاء العالم لمعرفة الجديد في المجال والتعرف على أعضاء من مختلف أنحاء العالم, وتبادل الخبرات. ومن المهم أن نذكر بأن الجمعية قد أخذت على عاتقها الكثير من المسؤوليات لتطوير مجال العلاج بالفن ومن ضمن تلك المسؤوليات منح شهادات الممارسة واختبارات البورد والاعتراف بالبرامج التعليمية التي تقدم دراسات أكاديمية في العلاج بالفن في الولايات المتحدة الأمريكية .

      كما أن الجمعية تضم مجموعة لا بأس بها من أعضاء معالجون بالفن من خارج الولايات المتحدة الأمريكية ولهم مجموعة خاصة منبثقة من الجمعية الأساسية يطلق عليها " جماعة التواصل العالمية للمعالجين بالفن " The International Networking Group of Art Therapists , (ING/AT ) ، والذي ينتمي إليها المؤلف ويعمل فيها حالياً مراسلاً عن المملكة العربية السعودية .

      وبتأسيس الجمعية الأمريكية للعلاج بالفن بدأ العمل الجماعي في تحديد المجال ودراسة جميع جوانبه وتهذيب نظرياته ومجالات العمل فيه . وقد اهتمت الجمعية بالجانب الأكاديمي والمهني ونظمت القوانين للإعداد الأكاديمي وآداب المهنة. وأصبح العلاج بالفن يدرس في عدد كبير من الجامعات والأكاديميات المرموقة في الولايات المتحدة الأمريكية. ويزاول العلاج بالفن في العديد من المؤسسات الصحية والتعليمية والتأهيلية والدور الخاصة. أما نظريات العلاج بالفن فقد تطورت بشكل كبير حيث توصلت إلى الدمج بين نظريات العلاج النفسي الحديث والعمليات الابتكارية الفنية مما ساهم في كسبها الثقة بين الأوساط الطبية في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبريطانيا واليابان وغيرها من الدول المتقدمة .  وقد تعددت الممارسات في هذا المجال ولم يعد العلاج بالفن يخدم الفئات الخاصة أو المرض النفسي المتعارف عليه  بل توصل إلى التعامل مع المرضى المصابين بالسرطان ومرضى انخفاض المناعة ( الإيدز )، ومجموعات مرضية أخرى . (Weishaar, 1999, Richardson, 2001, Wood, 2002, and, Oppenheim, et al, 2000) .

      أما إذا نظرنا إلى العلاج بالفن التشكيلي في الأوساط العربية بشكله المعاصر فإننا نجده لا يزال في بداياته الأولى على الرغم من معرفة البعض به منذ الإرهاصات الأولى للعلاج بالفن في الولايات المتحدة وبريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن لم تتضح له معالم واضحة إلا عندما بدأ الدكتور لويس كامل مليكة بالبحث في مجال التشخيص بالرسم في خمسينيات القرن العشرين الذي تبلور إلى كتابه المشهور " دراسة الشخصية عن طريق الرسم " والذي طبع لأول مرة في عام 1960م واستمر حتى الطبعة السابعة عام 1994م وهي آخر طبعة لهذا الكتاب حتى كتابة كتابنا هذا .

      وتدل تجربة مليكة على التصاق الفن بعلم النفس في مصر منذ زمن بعيد. وقد اتجه مليكة في هذا المجال اتجاه النفسيون في استعمال الفن التشكيلي في الصحة النفسية؛ أي أن الفن هو بمثابة أداة تشخيصية ليس إلا . هذا مع تنويهه للفائدة العلاجية للفن في طبعتي كتابه الأخيرتين .

      وفي مصر أيضاً يلاحظ الباحث أن دراسة العلاج بالفن قد حظيت باهتمام كبير من قبل الدارسين والباحثين في بداية السبعينيات من القرن العشرين في مصر، وبالتحديد في عام 1972م؛ حيث خرجت مجموعة من رسائل الماجستير تبحث في ذلك المجال بالإضافة إلى كتاب ( التربية الفنية والتحليل النفسي ) للدكتور محمود البسيوني. والجدير بالذكر أن البسيوني - رحمه الله - كان مستوعباً للعلاج بالفن التشكيلي ودور الفن في الصحة النفسية بالإضافة إلى ريادته للتربية الفنية في الوطن العربي. وقد يكون السبب في حدوث تركيز نسبي في البحث في موضوعات العلاج بالفن في عام 1972م عائد إلى إشراف الدكتور البسيوني على تلك الرسائل العلمية التي خرجت في ذلك العام .

      ومن ضمن أوائل الباحثين الذين تتلمذوا على يد البسيوني في مصر وأكملوا مشوارهم في مجال العلاج بالفن الدكتورة عايده عبد الحميد, والدكتور أحمد عامر. والجدير بالذكر أن عامر قد اتجه اتجاهاً يختلف عن التخصص الصريح في العلاج بالفن,  ويعد أسلوبه ضمن العلاج الوظيفي (العلاج بالعمل) لكونه عسكرياً إختصاصي في الفن  في مستشفى القوات المسلحة بالقاهرة ولم تظهر له نشاطات واضحة في مجال العلاج بالفن بعد رسالته في الدكتوراه التي كانت مثالاً للبحث العلمي في مجال العلاج بالفن في الوطن العربي يضاهي أعمال الرواد في العلاج بالفن في أمريكيا. أما الدكتورة عايده عبد الحميد فهي المختصة أكاديمياً في العلاج بالفن في مصر؛ إذ بعد حصولها على الماجستير من المعهد العالي للتربية الفنية بالقاهرة توجهت إلى دراسة العلاج بالفن التشكيلي من الولايات المتحدة الأمريكية وحصلت على درجة الدكتوراه في هذا المجال. وبعد عودتها إلى مصر عملت أستاذاً للتربية الفنية بكلية التربية الفنية بجامعة حلوان وعملت في السعودية بعضاً من الوقت. والدكتورة عايده عبد الحميد، باعتبارها المختص الوحيدة في العلاج بالفن المعاصر، هي الوحيدة التي ظهرت كتاباتها ومحاضراتها بالشكل الذي يركز على العملية الفنية بوصفها علاجاً نفسياً في علم النفس والتربية الفنية. ولم يوفقها الحظ -حتى الآن- في أن تمارس العلاج بالفن بالشكل الذي تطمح إليه في المجتمع المصري لعدم توفر العوامل المساعدة لذلك. وعل في المستقبل القريب تسنح لها الفرصة بذلك إذا تظافرت جهود المختصين في الوطن العربي.

      وفي مصر أيضاً خرجت أقسام علم النفس العديد من الدارسين الذين تمحورت اهتماماتهم حول استعمال الفن في عمليات التشخيص والاختبارات الاسقاطية وخصائص بعض الاضطرابات النفسية من خلال الرسم، إلا أننا لا نستطيع أن ننسبها إلى المحاولات في مجال العلاج بالفن مباشرة لأنها تتبع الأساليب التي طالما اتبعها النفسانيون في التعامل مع الفن التشكيلي. ومع ذلك فإن  ظهور دراسات الدكتور عادل خضر تميزت بالخصوصية والتوافق مع ما يتبعه المعالجون بالفن في الوقت الحاضر. ويعتبر من الرواد في هذا المجال ولديه الكثير مما قد يثرى مجال العلاج بالفن وخاصة أن تأهيله النفسي الأكاديمي جعل منه معالجاً نفسياً قبل أن يكون معالجاً بالفن التشكيلي.

      أما في المملكة العربية السعودية نجد بأن مؤلف هذا الكتاب هو من أحد الناشطين في هذه المجال. إذ بعد حصوله على درجة البكالوريوس في التربية الفنية ذهب للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية ليتخرج بشهادة الدكتوراه في التربية الفنية والعلاج بالفن التشكيلي. وكان شغوفاً بفكرة العلاج عن طريق الفن منذ أن سمع عنها لأول مرة عندما كان في مرحلة البكالوريوس بجامعة الملك سعود؛ إذ كان يدرس على يد الدكتور لطفي زكي - رحمه الله - الذي كان دائم البحث عن الجديد في التربية الفنية وأسهم في تطورها في الوطن العربي. وبعد تخرج المؤلف من جامعة الملك سعود اتجه في دراسته بمرحلتي الماجستير والدكتوراه للتركيز على العلاج بالفن. ففي مرحلة الماجستير تعلم المداخل إلى العلاج بالفن التشكيلي وزار العديد من المستشفيات التي تقدم تلك الخدمة لمرضاها. ومن ضمنها مستشفى جامعة إنديانا بإنديانا بولس حيث التقى بالأخصائي في العلاج بالفن جيم بايت مان الذي كان له الأثر الكبير على الإجابة على الكثير من التساؤلات, وتصفية بعض الأفكار المعتمة في مخيلة اليامي آنذاك. وحصلت له الفرص العديدة في حضور ومراقبة العمليات التشخيصية والعلاجية بالفن والتعامل مع المرضى وأعضاء الفرق العلاجية مما زاد من شغفه بالمجال لما رآه من نتائج وتغييرات في سلوك المرضى عن طريق الفن. كان جيم بايت مان رجلاً مثقفاً وفناناً حقيقياً مما أهله لأن يكون بمثابة المرشد المهني للمؤلف آنذاك  فقد كانت طلباته كثيرة من حيث إعداد المؤلف لأن يكون معالجاً مثقفاً بالفن في المستقبل ، فقد كان يطلب من المؤلف قراءة السيرة الذاتية للرواد في هذا المجال، وكان إذا صعب على المؤلف شيئاً لا يجيبه عليه بل يطلب منه أن يتحدث مع المصدر الأساسي مثل التحدث مع ويديسون  Wadesonوعاقل Akel  وغيرهما من رواد المجال؛ مما أسهم في إعداد المؤلف إعداداً حقيقياً عن الريادة في هذا المجال وزاد من خبرته في فهم مجال العلاج بالفن. ومع معرفة بايت مان بسوء لغة المؤلف في تلك المرحلة إلا أنه كان يطلب منه أن يقرأ الجرائد ويتحدث مع الناس ويتداخل معهم اجتماعياً، حتى أسس في داخل المؤلف مفهوم معرفة المجتمع الذي تتعامل معه علاجياً.

      وبعد أن أنهى المؤلف دراسته في انديانا توجه إلى نورمل الينوي ليدرس الدكتوراه في العلاج بالفن بجامعة ولاية إلينوي. وفيها درس العلاج بالفن بشكل أكاديمي. ومن ضمن الأساتذة الذين درس على يدهم الدكتوراه فرانسيس أندرسون, المختصة في العلاج بالفن للفئات الخاصة ومن رواد العلاج بالفن في أمريكيا . وفي جامعة إلينوى استطاع اليامي أن يلم بجوانب عدة في العلاج بالفن واكتملت خبرته  الأكاديمية بالتدريب الميداني المقرر من قبل الجمعية الأمريكية للعلاج بالفن؛ إذا مضى اليامي ستة أشهر من التدريب الميداني في مستشفى بروكو ( مستشفى برومان حالياً ), تحت إشراف الدكتورة مارلين نوبي إحدى الناشطات في مجال التربية الفنية والعلاج بالفن. وكانت خبرة التدريب الميداني في ذلك المستشفى بمثابة الصقل للخبرات, والإعداد للمجال المهني في العلاج بالفن. هناك - في مستشفى بروكو - عمل اليامي وتعلم الكثير عن الأمراض النفسية, والعلاج النفسي, والعلاج بالفن. وتعرف على كيفية التعامل مع المختصين المختلفين في فريق العمل, وتنفيذ الجلسات العلاجية الفردية والجماعية، وغير ذلك من خبرات أثرت خلفيته المهنية. وبعد أن قضت فترة التدريب الميداني حصل اليامي على وظيفة معالج بالفن في نفس المستشفى. وبعد ذلك انتقل اليامي إلى جامعة ولاية بنسلفانيا ليقضي فيها خمس سنوات أخرى ينهي فيها برنامج دكتوراة الفلسفة في التربية الفنية والعلاج بالفن حسب طلب الجهة التي ابتعثته للدراسة في الخارج. وفي بنسلفانيا قضى اليامي وقته في الدراسة والتخطيط للمستقبل في المملكة والتفكير في ابتداع مجال العلاج بالفن فيها بوصفه معالجاً ممارساً للعلاج بالفن التشكيلي. وابتدأ خطته بتطبيق بحث رسالة الدكتوراه في الرياض تمهيداً لعودته إليها .

      وبعد أن أنهى اليامي دراسته للعلاج بالفن في الولايات المتحدة الأمريكية عاد إلى وطنه متحمساً يطمح إلى أن يؤسس أول عيادة للعلاج بالفن التشكيلي. وتسنى له ذلك بعد عناء كبير وصراع طويل مع الجهات المختصة في الطب والعلاج النفسي بالمملكة. ولكن بفضل الله وفضل المؤمنين بجدوى الفن في المملكة استطاع التغلب على الكثير من المصاعب التي صادفته في سبيل تأسيس أول عيادة للعلاج بالفن التشكيلي. وربما كانت عيادة العلاج بالفن في مجمع عيادات ميدى كير التخصيصية هي أول عيادة تختص بالعلاج بالفن في الوطن العربي. وصدر الترخيص لها في تاريخ 22/12/1420هـ الموافق 28/3/2000م . بعد أن تمت إضافة مهنة (معالج بالفن التشكيلي ) إلى قائمة المهن الصحية بوزارة الصحة السعودية بتاريخ 27/11/1420هـ الموافق 4/3/2000م.

      وبالإضافة إلى جهود اليامي في تأسيس عيادة العلاج بالفن كان ولا يزال يقوم بالتدريس بقسم التربية الفنية بجامعة سعود الذي يقدم فيها مقررات في التربية للفئات الخاصة التي تتضمن بعض العلوم في مجال العلاج بالفن. هذا بالإضافة إلى أن اليامي نشط في مجال البحث العلمي في هذا المجال وله عدة بحوث في العلاج بالفن. وتتضمن خطة اليامي لتأسيس العلاج بالفن إلقاء المحاضرات العامة والعروض الفنية لفنه ولفن مرضاه والتحدث عن المجال كلما سنحت الفرص سواء في المؤتمرات العلمية أو عبر وسائل الإعلام. ويقوم اليامي أيضاً بتدريب الراغبين من المختصين على الطرق المختلفة في العلاج بالفن من خلال مركز التأهيل بالفن التشكيلي بالرياض ويطمح في أن ينتشر العلاج بالفن لأن يكون ضمن الأقسام العلاجية بالمستشفيات بالمملكة. وقد لا يكون اليامي مبالغاً في أحلامه عندما يتحدث عن أن (عدوى) تأسيس العلاج بالفن سوف تنتقل إلى الكثير من مستشفيات ومراكز الخدمات الإنسانية الأخرى المملكة و معظم الدولة العربية المجاورة للمملكة العربية السعودية؛ إذ بدت بوادر تلك الأحلام والطموحات بوجود بعض من المختصين في مصر والكويت الذين، إذا ما وجدوا الدعم المناسب، سوف يقومون بدورهم التأسيسي في بلدانهم على أكمل وجه.

      وفي الآونة الأخيرة وبعد عدة سنين من المحاولة الأولى في عام 1420هـ, برز داعمون آخرون للفكرة حيث استظافت مدينة الملك فهد الطبية بالرياض والتابعة لوزارة الصحة السعودية اليامي, لتأسيس أول برنامج رسمي للعلاج بالفن التشكيلي بالمملكة؛ حيث تأسس ذلك البرنامج في 25من جماد الأول عام 1425هـ بمجهود من اليامي والأخصائية آمال عليان ليصبح بعد ثلاثة اشهر من تأسيسه وحدة علاجية كبيرة تخدم مرضى التأهيل الصحي في المدينة ومخطط لها بأن تترعرع لتخد مجموعة مستشفيات المدينة الأربعة بدعم من سعادة المدير التنفيذي للمدينة الدكتور عبدالله العمرو ومتابعة إدارية راقية من سعادة مدير مستشفى التأهيل الصحي الدكتور أحمد أبو عباة وتشجيع منقطع النظير من سعادة رئيس قسم التأهيل الشامل الدكتور ليث الفلاحي الذي لايألو جهدا في السعي وراء إنجاح هذه الوحدة بشكل يقتدى به. وقد شارك في تأسيس تلك الوحدة من الناحية العملية كل من أ.فهد الفهيد المعيد بقسم التربية الفنية وطالبة الدراسات العليا بقسم التربية الفنية بجامعة الملك سعود الأستاذة أريج الحمود متطوعين بمجهودهما وأوقاتهما الشخصية في سبيل الدعم العملي لهذه الوحدة, وعمل في البرنامج بعد تطويره إلى وحدة كل من الأخصائية ندى العمراني و كميليا البراهيم بعد تدريبهم في مجال العلاج بالفن التشكيلي لفترة معينة في مركز التأهيل بالفن التشكيلي بالرياض وتابعت أريج الحمود تطوعها كأخصائية في العلاج بالفن التشكيلي بالوحدة حتى كتابة هذه السطور.

      وفي السعودية أيضاً تقوم جامعة أم القرى بدور رائد في السماح لطلبة الدراسات العليا في قسم التربية الفنية بإجراء الدراسات والبحوث في مجالات العلاج بالفن المختلفة؛ إذ تم حتى الآن عمل عدد لا بأس به من رسائل الماجستير في بعض مواضيع المجال. إلا أن الحاصلين على تلك الشهادات لا يرى لهم أثر من حيث الممارسة أو متابعة دراساتهم. ربما يعود ذلك إلى عدم إعدادهم الإعداد الأكاديمي المناسب الذي يؤهلهم لأن يكونوا معالجين بالفن اعتماداً على الخطة الدراسية لبرنامج الماجستير في التربية الفنية بجامعة أم القرى في الوقت الحالي . كما ساهم برنامج الماجستير في التربية الفنية بقسم التربية الفنية بجامعة الملك سعود في تخريج مجموعة لابأس بها من الدارسين الذين ركزو في مشاريع تخرجهم على الناحية البحثية والتجريبية في مجال العلاج بالفن التشكيلي.

      هذه هي الخطوط العريضة لتاريخ العلاج بالفن. ويتضح لنا بأن خط سير الفن في مساعدة الإنسان قد بدأ منذ التعبيرات الأولى للإنسان على جدران الكهوف ماراً بالحضارات القديمة البدائية منها والإغريقية وعصر النهضة الأوروبي حتى القرن التاسع عشر الميلادي. إلا أن القرن العشرين جاء بالتنوير العلمي الحديث وظهرت الفلسفات التي اتخذ منها رواد مجال العلاج بالفن أسلوباً ومنهاجاً لتكوين المسارات المنهجية العلمية والتي بدورها خلقت مجال العلاج بالفن الذي يهدف إلى أن يكون الفن وعاءاً للتنفيس عن المشاعر وكشف الغامض منها وتوظيف الفن التشكيلي في خدمة الإنسان لتصفو نفسه ويكون  له علاجاً.

 

الفن التشكيلي

 

مقدمة:

          الفن بشكل عام كلمة واسعة المعاني والارتباطات. ولكنها في نفس الوقت محددة في إطار واحد ومعروف وهو المجال الإبداعي. ولكن بحكم امتداد معانيها يختلط على البعض تفسيرها وربطها بفن دون الآخر. وتصل تعقيدات تفسير وربط هذا المصطلح بمعانيها إلى درجة التخصص الدقيق والمايكرو. فعندما يتحدث مهندس معماري, على سبيل المثال, عن الفن فانه يتحدث عن مفردات مثل؛ المساحة والإضاءة والزخرفة والتعتيق وأساليب المعيشة والأثاث وغير ذلك كثير. وعندما يتحدث شاعر عن فنه فهو يتحدث عن الوزن والقافية والتأثير العاطفي للكلمة وكثير من ذلك, وعندما يتحدث الفنان التشكيلي عن الفن فإنه يتحدث عن اللون والشكل والملامس وغيرها, وعندما يتحدث الموسيقار عن الفن فإنه يسهب في التحدث عن النغمات وطبقات الصوت ومدى تأثيرها على الأذنين...تلك عدة فنون وليست كل الفنون ويلقى بعضها انتشارا أوسع من الآخر. وبناءا على ذلك تجد الشعوب تنجذب إلى نوع معين من الفنون أكثر من غيره وتتخذه مرجعا Default لكلمة "فن". ويعود ذلك إلى عدة عوامل منها الخاصة بالفرد والبعض ذو علاقة بثقافة المجتمع. فإذا نظرنا إلى المجتمع الغربي على سبيل المثال ومرجعية الفن لدى شعوبه نجدها تنطلق لفهم المصطلح على أنه الفن التشكيلي عدى المختصين كل في مجاله وذلك لما للفن التشكيلي من دور وتاريخ عريق في ثقافة الغربيون. وبالمقابل تجد في المجتمع السعودي الذي نعيش فيه مرجعا Default لكلمة "فن"؛ إذ عندما ينطق شخص بهذه الكلمة تمتلئ مخيلة الفرد بصور فناني الموسيقى وأغانيهم والفيديو كليبات. وقد يعود السبب في ذلك إلى عدة عوامل منها قدرة الموسيقى للوصول إلى المجتمع عبر العديد من وسائل الإعلام وتأصل هذا النوع من الفنون في تاريخ الشعوب العربية منذ العصور البدائية وقدرة الفنانين في هذا المجال على ربط الموسيقى والأغنية بالشعب وعواطفه وحياته اليومية أكثر من الفنون الأخرى من أمثال الفن التشكيلي. وقد يذهب البعض من العرب إلى رفض كلمة "فن" لمجرد سماعها ودون العناء في إرجاعها لنوع الفن المقصود. ولماذا يرفض الكلمة؟ يرفضها لما لها من ارتباطات ومعاني لا تتفق مع ثقافته واتجاهاته الخاصة وما تعنيه كلمة فن لديه ومرجعية كلمة فن لديه His/her art Default. وهو حر في ذلك. ولدينا الكثير ممن لديهم هذه المرجعية مع العلم بأنه لو أعطى الفرد نفسه فرصة للتعرف على نوعية ذلك الفن لعرف ما لمقصود بذلك الفن, وفي حالتنا نقصد به الفن التشكيلي, ومع ذلك تجد من يعرض عنه لما لخلفيته الثقافية أو خبرته الخاصة مع الفن التشكيلي من أثر سلبي يحتم عليه تجنبه. ولكن هل يعرف الجميع الدور الإيجابي للفن التشكيلي؟ ربما. ولكن دعنا نحاول تعريف الفن التشكيلي كما نراه إيجابيا في مجالنا "العلاج بالفن التشكيلي".

 

تعريف الفن التشكيلي:

          تعددت التعاريف لهذا النوع من الفنون كل حسب اتجاهه وتخصصه وخبرته وثقافته وعلمه. ومع ذلك استمرت الكتب والدراسات تردد نفس الشيء المكتوب عن الكتاب العظام في القرن الماضي من جون ديوي "الفن خبرة" إلى البسيوني واتجاهاته المتعددة دون تغيير مسلمة بنفس الفلسفات التشكيلية مع تجدد الخبرات الشخصية والفلسفات الحديثة في الفنون التشكيلية.

إننا ننظر إلى الفن التشكيلي من زاويتنا على أنه عمل سيكولوجي يأخذ زاويتي علم النفس العام وعلم النفس الاكلينيكي. فهو نتاج مخاض النفس والعقل والبدن. فالتفاعل بين العقل والبدن ينتج فنا تشكيليا كما هو الحال أيضا في معظم الفنون. فهو في أضيق الأمور خبرة بصرية ميكانيكية الطابع, معلومة بصرية تستقبلها العينين وتمر خلال قنوات الدماغ العصبية وتتفاعل مع مالها به من ارتباطات سابقة مختزنة في خلايا الدماغ العصبية ثم تنتج انفعالات واستجابات محددة تختلف في فحواها من فرد إلى آخر. هو أيضا ناتج خبرة الفرد الاجتماعية التي تكوّن لديه المفاهيم التي يريد التعبير عنها في فنه فتخرج محملة بما يحتويه الشعور واللاشعور. والفنان في إبداعه لفنه يشبه العالم في بحثه عن العلاقات بين الأشياء ليستنتج علاقات جديدة بينها لتسهل الحياة للناس وتشع نورا على مواضيع لم يتم تكشفها بعد.

إن الفن التشكيلي من الناحية النفسية يقوم بإعطاء الفرصة للفرد: أي فرد للخوض في حوار داخلي بينه وبين نفسه, خلفيته الثقافية, أفكاره, أحاسيسه, مشاعره, آلامه وأحزانه, مجتمعه, إعاقاته, إمكاناته, مخاوفه وتفاؤلاته... وينتج عن ذلك مايراه هو تعبير عن نفسه سواءا جاء ذلك الإنتاج خاضعا لقوانين التشكيل الفني أم ابتعد عنها بأميال عدة. إن الهدف من الفن التشكيلي في العلاج بالفن إذن هو ليس بحرفية الناتج الفني بل المحتوى المعبر الصادق الأصيل الذي لو تم اخضاعه لقوانين الفن المتعارف عليها لفقد من أصالة ومحتوى تفكيره الشيئ الكثير وأصبح فنه ليرضي نخبة العارفين في الفن وليس العامة أمثاله ونفسه أولا وأخيرا. وفي واقع الأم فإن الفنانون الذين نعمل معهم ليسو بحاجة لنقد فنونهم بل يجب أن يتجنب النقاد النظر إلى هذه الفنون بعيونهم الناقدة حتى لا يسهمو في خلق معانات من نوع آخر لايحتاج فنانونا إليها. إن فنهم لهم ولمن يستطيع استحسانه وهو ليس للتجار به أبدا.

إن الحرفية المهارية في الفن التشكيلي التي يراها الكثير غاية في الإبداع قد لانراها مجدية للنفس في حالات عديدة؛ إذ يبحث عنها الدارسون للفن التشكيلي بحرص شديد وقد تخلو منها أرواحهم فتظهر عملا فنيا من الناحية الحرفية خالية من التعبير عن الفنان نفسه لكي يحضى برضى نخبة من النقاد الفنيين أو ليحضى بلقب "فنان" بينما هو في داخله قد عانى الأمرّين ليصل إلى إرضاء أولائك الحكام بينما تركت في نفسه آثار معاناة هو بحاجة إلى التعبير عنها بينه وبين نفسه لإرضاء ذاته. إن الأخير هو في وجهة نظرنا هو الفن الأصيل النابع من الداخل ليقوم بدور المعالج للروح نتيجة لعنائه من الفن من أجل الفن ذاته حتى لو فلسف عمله الفني بأرقى الفلسفات وتقمص أحسن الأساليب الفنية التي ترضي نقاد الفن التشكيلي.

عندما ننظر إلى فنون أحد المصابين بالتلف الدماغي وغيرهم من المصابين بالاضطرابات النفسية فإننا نرى صورة حقيقية للتفاعلات الميكانيكية للرسم والتعبير الفني يعكس تارة مكانزمات الدفاع النفسية وتارة يكشف أعطاب الخلايا والموصلات العصبية في المخ البشري مما يجعلنا نؤمن بأن الفن التشكيلي ليس صورة لمعاناة المجتمع كما فلسفه بيكاسو ولا فلسفة لحرفية مايكل أنجلو التي مع حرفيته البالغة الدقة جعلته يحتاج لأن يقول لأحدى تماثيله (موسى) بأن ينطق. إنه بذالك ومع كل ما قيل عنه لم يكن قادرا على التعبير عن نفسه. لذا فالفن تعبير عن النفس وعن الفنان من الناحية النفسية والبدنية ولينتفع منه الآخرون عندما يرون فيه ما يرتبط بخلفياتهم الثقافية والبدنية والنفسية والاجتماعية. 

إذن ماهو الفن التشكيلي؟ الفن التشكيلي هو نوع من السلوك البشري الخاص الموجه نحو عالم الفنان نفسه وبيئته ويتضافر في إنتاجه العقل والبدن ليعكس ذلك العالم الخاص المفعم بخبرته ومحتوى ذاته الانفعالي والفكري الذي لا يخلو من انتمائه وتفاعله مع مجتمعه الذي هو جزء منه ويؤثر فيه ويتأثر به. إنه التعامل الشخصي السري بينه وبين خامات فنه التشكيلية الذي يتضح من خلاله طريقة تفكيره وتفاعلاته الداخلة والخارجية ليصبح قادرا على الاستبصار بنفسه وبيئته مبتكرا من خلاله عالم جديد يعكس آمالا وآفاقا جديدة ذات واقع ذاتي جديد طموح وإيجابي. 

 

مجالات الفن التشكيلي:

يمارس الفنان التشكيلي فنه من خلال وسائط فنية تسمى الخامات الفنية. وصنف الفنانون هذه الخامات إلى مجالات فنية توسعت الاستعمالات الفنية فيها بشكل كبير حتى أصبحت مجالات تشكيلية كل يتبع قوانين وأساليب مختلفة نرى ضرورة إلقاء الضوء على بعضها في عجالة حتى يتمكن القارئ من ربط الفن التشكيلي بالعمليات العلاجية التي تم الحديث عنها في أماكن عدة من هذا الكتاب. 

 

الرسم والتصوير التشكيلي: 

هما مجالان تشكيليان منفصلان ولكنهما وسيلتان تعبيريتان قويتان يستطيع الفرد التعبير عن طريقهما ببساطة ويسر وبشكل سريع عن ما يريد. ويتغلب الرسم التشكيلي على التصوير التشكيلي في إعطاء الرسام طريقة تعبيرية أسهل من التصوير لبساطة خاماته وسهولة التعامل مع أدواته وتوافرها في الوقت المناسب للتعبير عن النفس أكثر من التصوير التشكيلي الذي يحتاج فيه الرسام إلى ظروف أكثر خصوصية ومناسبة ومهارات فنية أعلى لكي يصبح قادرا على التعبير عن طريقه.

وللرسم أدوات كثيرة منها الأقلام والطباشيروأعواد الخشب والمسامير والفرش وغيرها التي تأتي بأشكال وألوان وماركات مختلفة. يقوم فيها الرسام برصد تعبيراته مبتدئا بخطوط قد تتطور إلى أشكال قد يكون منها ممتللأً أو فارغا. وقد تكون تلك الأشكال عشوائية أو مقصودة, رمزية أو تصويرية لأشياء عينية. وعادة ما ينفذ الرسام تلك التعبيرات على أسطح مختلفة منها الورق بأنواعه وأشكاله ومسطحاته الخشنة والناعمة وغير ذلك. وقد ترى بعض الرسومات قد تم تنفيذها على أي سطح في أي مكان من أمثال الجدران وعلب المناديل وأسطح الطاولات وحتى الأرض وحواشي الكتب والملابس والأحجار وحتى أوراق الأشجار. فالرسم مجال مرن نستطيع أن نراه في أماكن وبخامات كثيرة وصلت مؤخرا إلى الرسم عن طريق الحاسب الآلي.

وللرسم في مجالنا دور كبير وهام من حيث عمليات التقييم والعلاج؛ إذ تعتمد الكثير من أدوات التقييم والتشخيص في العلاج بالفن التشكيلي على الرسم من أمثال مقياس سلسلة الرسم التشخيصية الذي ينفذ بالطباشير الملونة والمستعمل في فحص الاضطرابات النفسية, واختبار رسم ساعة الحائط الذي ينفذ بالقلم الرصاص والمستخدم في تقييم النواحي العصبية والتلف الدماغي, واختبار رسم العائلة والذي يعتمد على أقلام الفلوماسترالملونة... وغيرها الكثير من الأمثلة رصدت في مجال التشخيص والتقييم عن طريق الفن.

أما في العمليات العلاجية والتأهيلية نجد العديد من المعالجين ومرضاهم يفضلون الرسم على معظم المجالات الأخرى للوصول إلى النتائج التي يخططون للوصول إليها. وكما هو الحال فإن العمليات العلاجية تتحكم فيها الخطط العلاجية التي قد تحتوي على الرسم أوغيره من أساليب علاجية أو تأهيلية أخرى.

 

أشغال الورق:

يفضل عدد لابأس به من المعالجين والمرضى معالجة المشكلات واكتساب بعض المهارات المعرفية والانفعالية والحركية خاصة في حالات التأهيل بالفن التشكيلي عن طريق التفنن بالورق. وقد يعود السبب في ذلك إلى سهولة الحصول على تلك الخامة بأشكال وأحجام وألوان مختلفة تساعد المعالج على ابتكار حلول تعبيرية ومعرفية وحركية تسهم بشكل مباشر في الوصول إلى الأهداف العلاجية والتأهيلية بطرق مقبولة ومعقولة يستجيب إليها المريض بصدر رحب.

تلعب أشغال الورق في العلاج بالفن التشكيلي أدوارا عديدة منها التقييمية والعلاجية والتأهيلية: ففي التشخيص يستطيع المعالج بالفن التشكيلي ابتداع أساليب متعددة وعلى مستويات مختلفة ليتكشف المشكلات لدى مريضه سواءا أكانت مشكلات انفعالية أم صعوبات بدنية. على سبيل المثال, قد يستفيد المعالج من عمليات القص واللصق لنوعيات محددة من الورق وأساليب عدة من ادوات وأساليب القص والقطع واللصق لتحديد بعض الصعوبات والمشكلات التي قد يعاني منها مريض يعاني من مشكلات في عضلات اليدين من حيث القوة والاتزان والحركة والتنسيق البصري اليدوي. ومثال آخر عندما يقوم المسترشد بتكوين قطعة كولاج من قصاصات المجلات الملونة ليعبر بها عن حياته أو ليبحث عن مايمثل معاناته أو طموحاته.

تمتلئ صفحات الإنترنت والكتب والمجلات الفنية بطرق التشكيل الفني بالورق ومنها طرق القص واللصق, وعجينة الورق, والكولاج, والتشكيل بالكرتون, والأريجامي, والنسيج الورقي, والتشكيل الحر وغيرها الكثير. ومن الممكن للمعالج بالفن اختيار النشاطات الفنية المناسبة للمشكلة التي يعاني منها مسترشده أو مريضه.

من خلال خبرات المعالجين بالفن التشكيلي بإمكاننا ملاحظة استعمالاتهم الاكلينيكية للورق في عمل الأقنعة الورقية التي تخدم بشكل ناجح في عمليات المواجهة والتعرّض والاستبصار ورفع الروح المعنوية والتأقلم مع المخاوف والقلق وغيرها. وفي عمليات الكولاج نرى المعانات والطموحات لدى المرضى تأخذ شكلا مصورا وواضحا يهندسها المعالج بالفن لتكون مواد علاجية سهلة المنال والانتاج تسجل لحظات نمو ذلك المريض من بداياته إلى درجة الوصول إلى الهدف المرسوم مسبقا. أما الناحية الابداعية تبدو جلية في أعمال العجائن الورقية التي يتعلم المريض من خلالها التركيز والمتابعة وحساب التوقعات وقياس الوقت والتخطيط والانتظار والمفاجأة واللاستمتاع بلحظات النتائج المفاجئة والتعلم من تراكم الخبرات. الشيئ الذي يستطيع أن يوظفه في حياته اليومية, وغير ذلك الكثير.

 

أشغال الجلد:

مجال فني آخر نستفيد منه في العمليات العلاجية والتأهيلية بالفن التشكيلي. ويتوافر فيه فرص عديدة للإبتكار وتنمية الناحية الإدراكية بشكل واضح وبسيط. وبسبب تقنيات العمل على الجلود المتعاقبة يجد المريض نفسه أمام عمليات معرفية كثيرة متنامية من عمل التخطيطات الأولية ثم عمل النموذج الورقي ثم عمليات الاختيار لأصلح خامات الجلد واتخاذ القرارات المناسبة ثم التأكد من نجاح النموذج ثم عملية التنفيذ النهائية والعمل على الجلد ومايتخلله من عمليات اتباع الخطط المرسومة مسبقا ثم نقل الزخارف وتلوين الجلد وتخريمه وربط أجزائه وخياطتها والاستمرار في العملية التشكيلية حتى إتمامها بنجاح وعرضها.

وبحكم أننا نؤمن بانتقال الخبرات فإن فيما سبق خبرات بسيطة تأهيلية من الممكن نقلها إلى الحياة اليومية؛ فمن خلال أشغال الجلود يستطيع المعالج توظيف تلك التقنيات في اكساب عميله تمارين في اتخاذ القرار, وتكوين خطط وتعلم استراتيجيات التخطيط الناجح, والنمذجة, والتدرب على المتابعة للوصول إلى الهدف المرسوم مسبقا, تعلم الصبر في الانتاجية, ودراسة المشكلة من نواحي متعددة, وابتكار أفضل الحلول للوصول إلى نتائج أكثر نجاحا, ثم الشعور بالنجاح في الإنتاجية والفاعلية. ومن ناحية أخرى فالعمل في فنون الجلود ينمي التركيز, والتآزر الحركي البصري, ويساعد على الهدوء, ويحول التفكير إلى التركيز على الناحية العملية (تشتيت Diversion), ويساعد على حل مشكلة خلل معرفة الاتجاهات. ومن الممكن العمل في مجاميع مما يساهم في خلق الجو الجماعي واكتساب مهارات أخرى متعددة منها مهارات التواصل والدعم النفسي. ومن الممكن الاستفادة من أشغال الجلود في تقوية القبضة بطريقة غير مباشرة على سبيل المثال, عندما يقوم المريض باستعمال أدوات الثقب اليدوية والربط والحياكة والحرق على الجلود. ويستعمل العلاج الوظيفي أشغال الجلود وتجليد الكتب لما في ذلك من فوائد إضافية مثل شغل وقت فراغ المريض لفترات مناسبة.

 

الطباعة:

يدور تعريف الطباعة حول تشكيل قالب أو شكل أساسي الذي من الممكن أن يتم استنساخ عدة نسخ من الشكل الأصلي أو صورة القالب.. وفي عملية الطباعة يتم وضع الأحبار على القالب لينتج عنه تلك النسخة الفنية سواءا كانت بلون واحد أو عدة ألوان. ومن الممكن أن يكون القالب من ابتكار الفنان أو استخراج القالب من الطبيعة والطباعة به مباشرة بعد وضع الأحبار عليه. ومن الممكن الطباعة بالقوالب على القماش أو الورق أو على أي سطح كان مع مراعاة الأحبار المناسبة لكل سطح.

وتأتي الاستفادة الاكلينيكية من الطباعة بشكل غير مباشر. و نستفيد منها في علاج أو تأهيل المرضى ضمن الخطط العلاجية أو التأهيلية المصممة لعلاج مشكلة معينة. فمن خبرات المعالجين بالفن التشكيلي تم تكشفت بعض الفوائد التي من الممكن ذكرها كبناء الروح المعنوية, وتنمية الروح الإنتاجية, وبناء المهارات الاجتماعية, وهي مجال يجد المرضى فيه طريق للتركيز وتصفية الإنفعالات, كما أن بعض الطرق تساهم في خفض الشعور بالغضب وتساعد على التحكم به, وتساعد ممارسة الطباعة على الحركة والتعامل مع الفراغ المحيط وتعلم التوزيع والتنظيم وترتيب مساحة العمل. كما أن بعض الدراسات تؤكد الدور التأهيلي البدني للطباعة من حيث تحسين مجال المدى الحركي في الذراعين والناحية الحركية بشكل عام. وتساعد الطباعة على تشجيع الدمج البدني وتحريك العديد من أجزاء الجسم في عمليات الطباعة. وهي تنمي النواحي الاجتماعية كما تنمي النواحي البدنية. فمن خلال التفاعل بين أفراد يكوّنون عملا فنيا تحدث العلاقات الاجتماعية ويتم التحدث وخلق التفاعلات الانفعالية والتعاطف وتبادل المعلومات والخبرات. ومن النواحي الانفعالية تخدم الطباعة المرضى في التنفيس عن مشاعرهم وتشتيت التفكير السلبي والتركيز على النواحي الانتاجية الإيجابية. وبحكم أن عمليات الطباعة تتطلب التكرار فمزاولتها بشكل مستمر يساهم وبشكل كبير على أن يتخطى المريض مرحلة الصدمات وتقليل الحساسية تجاهها وتجاه المواضيع التي عادة ما تحتاج إلى وقت لكي يتم الإقلال من حساسيتها. كما أن للطباعة فوائد أخرى مثل تنمية النواحي الحسية والتمعن في الأشكال واختبارها والتفكير فيها و تفحصها مما يساعد المريض على الانتقال إلى نوع مسالم من التفكير والتركيز على نواحي أقل سلبية مما يعاني منه.

 

 

النسيج والسجاد:

في النسيج والسجاد فوائد اكلينيكية كثيرة؛ إذ من ملاحظاتنا أنها تشغل وقت فراغ المريض أو من يرافقه في إنتاج عمل فني ذو طابع نفعي مما يشعر أي منهم بالاستفادة من وقت الفراغ والتركيز على المفيد. هذا وقد وجدنا في العمل مع المعاقين والذين تضطرهم ظروفهم الصحية إلى الإقامة الطويلة والمملة في المستشفيات ودور النقاهة والعجزة بأنها ذات طابع نفعي يساهم في رفع الروح المعنوية وقد يدر نفعا ماديا لماهي عليه من بساطة وتتيح للفرد بأن يبتكر لنفسه ولغيره من منتجات لها مردووداتها المادية مثل عمل الطواقي وجوارب الجوالات وغيرها من منتجات النسيج الصغيرة. وهذا في حد ذاته يعطي المعاق أو كبير السن احساس بالإنتاجية ويبدأ بالتفكير السليم نحو الشعور بالجدوى بدل الشعور بالعجز والعوز. وتذكر إحدى الدراسات بأن لنسيج أدوارا نفسية من حيث التعرض والاسترخاء واتباع التعليمات والتمعن الداخلي لتصفية النفس وترتيب الانفعالات بطريقة غير مباشرة مما يؤدي إلى تحسين الناحية النفسية والبدنية بشكل أسرع.

وللنسيج خامات وأدوات مختلفة بعضها بدائي والآخر حديث مما يتيح للكثير من المرضى الذين قد تعددت خلفياتهم الاستفادة من هذه المجالات التشكيلية حسب خبراتهم المحلية التي قد تسهم في مساعدتهم على التمعن في مجتمعاتهم الأصلية التي عادة ما يشتاق الكبير إلى العودة إليها عندما تزدحم حياتهم بالخبرات التي قد لاتكون سعيدة مما يجعل الفرد يعيد حساباته في أموره ويجذبه إلى التفكير في البحث عن الصفاء الذهني الذي يبحث عنه كل فرد منا.

أما من الناحية البدنية فالنسيج له صفة التعامل مع العضلات الدقيقة والإبصار والتآزر الحركي البصري. وفي النسيج بالورق والخياطة والحياكة تمارين تسهم وبشكل مباشر في الوصول إلى تلك الفوائد الاكلينيكية وبشكل مرغوب يحبذه الكثير على التمارين الرياضية المؤلمة وخصوصا لدى المصابين بشلل الأطراف العليا.

 

أشغال الخزف والصلصال:

الصلصال مادة تشكيلية لدنة ومرنة وسهلة التشكيل. تعددت أنواعها وألوانها. فمنها الطبيعي والصناعي. وهي مادة محببة لدى الكثير من الناس ويتفنن الفنانون في إنتاج أعمال فنية غاية في الجمال. ويستعملها المعلمون في المراحل الدراسية العامة لما لها من طواعية وقرب من الأطفال فينتجو منها الكثير من الأعمال الجمالية.

وفي العلاج بالفن التشكيلي نرى الصلصال يحتل مكانة عالية في الاستعمال بين مجالات التشكيل الفني العلاجي؛ إذ لاحظنا فائدتها النفسية والجسمية على مرضى من مختلف الفئات.

وقد أوضحت دراسة فكتوريا خان (1988م) مدى اسهام الخزف والصلصال في تنمية الناحية الانفعالية والجمالية والحركية لدى مجموعة مختلفة من الفئات الخاصة الذين تراوحت أعمارهم من 6 إلى 18 سنة ؛ حيث جاءت نتائج دراستها تشير إلى تعديل السلوكيات السلبية لدى أفراد العينة.

ومن خبرات المعالجين بالفن التشكيلي مع مختلف الفئات تكرر استعمال الصلصال في تفريغ الغضب بوصفه مادة آمنة من الممكن للفرد أن يستعملها كرمز لما يغضبه ومن ثم يعبر عن انفعالاته عبر تلك المادة مما قد يعود عليه بفائدة التأقلم مع غضبه بدلا من كبت تلك الانفعالات والمشاعر أو التعبير عنها بشكل غير مقبول قد تكون له عواقبه الوخيمة.

ومن إحدى النشاطات التي نستعملها كثيرا في مجال الصلصال هو التفاعل الخيالي وأحيانا اللفظي من خلال قطعة الصلصال التي تعيرنا نفسها لتكون موضوع علاقة Object Relation لنتفاعل معها ونؤقلم أنفسنا لتستمر حياتنا من غير تعثر ونعبر من خلالها عن انفعالاتنا كيفما نشاء. وتبعا لذلك فالصلصال مادة مناسبة للتعبير عن الانفعالات بأشكال وأساليب مختلفة.

أما من الناحية البدنية فالصلصال مادة أثبتت أنها تنمي الناحية الحسية لما لها من خصائص حسية قلما تجدها متوفرة في خامة أخرى؛ حيث استعملها المعالجون بالفن التشكيلي في تحسين وتقوية عضلات اليدين والذراعين وتحسين الناحية الحسية والاستعاضات البصرية وغيرها مع عينات منها المرضى المصابين بالجلطات الدماغية وفاقدي البصر والتخلف العقلي والتوحد وصعوبات التعلم وغيرهم.

 

مجالات تشكيلية أخرى:

يدرك المؤلف بأن هناك مجالات تشكيلية أخرى لها فوائدها الاكلينيكية مثل النجارة وأشغال الخشب, والموزايك, والمعادن, والخامات البيئية والمستهلكة, والحاسب الآلي, والتصوير الفوتوغرافي, وغيرها من التي لم يتسع لنا عرضها في هذا الكتاب لما قد يتطلبه الأمر من توسع بحثي وتجارب جديدة وخلفيات تنظيرية لكل المجالات السابقة الذكر. وبحكم أن هذا الكتاب هو مقدمة عربية للعلاج عن طريق الفن التشكيلي رأى المؤلف عدم ذكرها حاليا مع التنويه الشديد على أهميتها وأدوارها المتعددة في العلاج بالفن التشكيلي. آملا أن تسنح الفرصة له أو لباحث آخر أن يسهب في طرحها بشكل يليق بها من الناحية البحثية والعلمية مع ذكر أن العلاج بالفن لايقتصر فقط على ما ذكر من مجالات تشكيلية في الصفحات السابقة.

 

الخامات التشكيلية وطرق التشكيل:

من المعروف أن الخامات التشكيلية لكل مجال من مجالات الفن التشكيلي متعددة كما تتعدد فيها العدد والأدوات لكل مجال وخاماته. وأيضا تتعدد الأساليب وطرق التشكيل الفني. وهنا يذكر المؤلف بأن طرق تشكيل الخامات لم تجد لها مكانا في هذا الكتاب لما قد تأخذه من وقت وجهد ومساحة من هذا الكتاب التقديمي, في حين أن الكتب الفنية تزخر بها وتتوافر فيها ابداعات الفنانين. لذلك يود الباحث إحالة القاريئ إلى كتاب: مجالات التربية الفنية في معاهد المعلمين ومعاهد التربية الفنية (1397هـ) لما يحتويه هذا الكتاب من تعليمات ووصف دقيق لخامات كل مجال من مجالات التشكيل الفني.

 

خاتمة:

تطرقنا في هذا الفصل القصير إلى الفن التشكيلي: تعريفه وبعض مجالاته. وتم تعريف الفن التشكيلي من زاوية العلاج بالفن التشكيلي بعيدا عن التعريفات المختلفة بهدف توضيح علاقة الفن التشكيلي بالعلاج. وتبع ذلك وصف لبعض مجالات التشكيل الفني والتي حاولنا طرحها من زاوية العلاج بالفن وتوضيح العلاقة وصلة كل مجال العناصر الاكلينيكية التي من الممكن أن يحتويها كل من المجالات المطروحة. آملين أن تكون بداية توجه بحثي للمعالجين بالفن التشكيلي في وطننا العربي حيث نحن بحاجة ماسة في هذه المرحلة من عمر العلاج بالفن لدينا لتوضيح علاقة الفن التشكيلي بالعلاج النفسي والتأهيل الصحي.

مفهوم العلاج بالفن التشكيلي

      منذ ولادة الفكرة الأولى في استعمال الفن في العمليات العلاجية لدى نومبيرغ كانت تسميته بالعلاج بالفن تكوِّن مشكلة حقيقية وولَّدت صراعات حميمة في مجال الطب النفسي بين الأطباء النفسيين ومن يقوم بوظيفة الفن بوصفه مادة علاجية. وبحكم طبيعة المجال فهو مجال يضم الاثنين : العلاج النفسي والفن التشكيلي. وقد طرحت ألمان مشكلة تحديد تسمية العلاج بالفن في مقالة أعيد نشرها مؤخراً في المجلة الأمريكية للعلاج بالفن تناولت بعض الجوانب الأساسية في هذه المشكلة ( Ulmam, 2001, p. 16 ). وفي حقيقة الأمر أن المشكلة كانت متشعبة وتضمنت دمج الفن مع العلاج ليكون علاجاً بالفن وما احتاجته تلك الفكرة من دمج فلسفي وفكري بين العمليات العلاجية والعمليات الابتكارية الفنية. هذا بالإضافة  إلى أنه كان في بداية الأمر من الصعوبة بمكان أن يتفهم مجتمع الأطباء النفسيين فكرة ممارسة العلاج بدون شهادة في الطب في الولايات المتحدة الأمريكية. بينما كان فرويد نفسه وعدد كبير من الأطباء والمحللين النفسيين في أوروبا لا يعارضون ممارسة العلاج النفسي من قبل الأفراد المؤهلين بشكل جيد لممارسة العلاج النفسي. أما في أمريكا؛ حتى المعالجون النفسيون اضطروا لأن يصارعوا من أجل أن يسمح لهم بممارسة مهنتهم من غير تضييق  الخناق عليهم من قبل الأطباء النفسيين (Nucho, 1987, p. 67 ). وهنا - في الوطن العربي- نرى التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى عند ما صارع المؤلف الأطباء النفسيون والجهات المسؤولة في المملكة العربية السعودية ليؤسس شيء مماثل لما أسسه رواد العلاج بالفن الأوائل في الولايات المتحدة الأمريكية ( اليامي، 2001، ص 30).

      ولم يكن الأمر سهلاً على نومبيرغ في تسمية هذا المجال بالعلاج بالفن منذ بداياته، فقد كانت نومبيرغ تستعمل عناوين منبثقة منه في كتاباتها ومحاضراتها لكي تصل في وقت لاحق إلى التصريح باسمه المتعارف عليه حالياً. فعندما كانت نومبيرغ تعمل باحثة خاصة في مستشفى ولاية نيويورك النفسي أخرجت مجموعة من البحوث  (أعمالها البحثية الأولى في المجال) تخرج بعناوين تبدأ بكلمة "دراسة في ... " ولم تتضمن الاسم المعروف لدينا الآن. ولكن تضمنت تلك الدراسات الخطوط الأولى للعلاج بالفن. ولم تظهر تلك التسمية معنونة نشاطاتها إلا في كتالوج المعرض الثاني الذي أقامته مصاحباً لفعاليات المؤتمر الخامس لطب الأطفال في مدينة نيويورك عام 1947م. وكان عنوان المعرض: " العلاج بالفن في تشخيص وعلاج طفل يعاني من اضطرابات سلوكية" (Nuncho, 1987, p. 68).

      وعادت نومبيرغ مرة أخرى لاستعمال العناوين الفرعية في محاضراتها في الجامعات والمستشفيات النفسية حتى عام 1955م. لربما كان تراجعها ذلك عن العنوان لفترة من الزمن يعزى إلى عدة عوامل منها: اختبارها لجوانب نظريتها المختلفة، وربما أيضاً لاختبار ردود الفعل من الأوساط الطبية والعلاجية النفسية على ما صرحت به من عنوان لمجالها الذي سعت جاهدة لتأسيسه. وعندما اكتملت الصورة في مخيلتها عن الجوانب المختلفة لنظريتها أقامت محاضرة في مركز التعليم فوق العالي للمعالجين النفسيين في نيويورك عام 1955م بعنوان : "النظرية والتطبيق في العلاج بالفن". وبهذه المحاضرة اكتملت ولادة مجال العلاج بالفن التشكيلي في الأوساط المهنية بالولايات المتحدة الأمريكية.

      وفي ضوء ما سبق من مقدمة عن محاولات نومبيرغ للتعريف بالعلاج بالفن فإنه - تبعاً لذلك - يأتي الفن بمثابة الوعاء الذي يسقط فيه الرسام (المعبِّر ) ما بداخله من مشاعر بطريقة حرة غير مقيدة بتعليمات من المعالج ليخرج ما بداخل اللاشعور من عقد ومشكلات وأحلام ودوافع عن طريق الأشكال الرمزية، التي يقوم الرسام - بمساعدة المعالج - على فك شفرتها وحل معضلاتها، ومن ثم تنطلق تلك الطاقة النفسية الداخلية لتحرر الفرد من القيود النفسية التي طالما تسببت في إيذائه نفسياً. وسعياً وراء الأمانة العلمية ومحاولة في إعطاء القارئ صورة حقيقية لنظرية نومبيرغ فضَّل المؤلف أن يورد نص تعريف نومبيرغ لأسلوبها في العلاج بالفن كما كتبته بنفسها فيما يلي :

      " يعتمد العلاج بالفن الدينامي على معرفة أن أفكار المرء الأساسية ومشاعره ناشئة عن اللاشعور، وفي العادة فهو يعبر عنها شكلياً بأسلوب أفضل من الكلمات. وعن طريق الإسقاط التشكيلي فإن العلاج بالفن يسلك طريقاً رمزية في التواصل بين المريض والمعالج، تعكس الأحلام ، والخيال ، وأحلام اليقظة ، والخوف، والعقد وذكريات الطفولة. وتستند تقنيات العلاج بالفن على معرفة أن كل فرد ... لديه قدرة كامنة ليعكس صراعاته الداخلية في صيغة أشكال بصرية. وعندما يصور المريض خبراته الداخلية يصبح قادراً على لفظها... إن المعالجون بالفن لا يفسرون التعبير الرمزي الصادر من المريض، ولكنهم يشجعونهم على أن يتكشفون بأنفسهم معاني أعمالهم الفنية. حتى لو أن مريضاً لم يكن قادراً - في بداية الأمر - على تفهم ما تتضمنه سلسلة من تصاميمه الرمزية حتى إن لم يكن قادراً على التعرف على معانيها، فمن الممكن له، عن طريق توظيف التداعي الحر وتكشف المزاج  والظروف التي أنتجت فيها تلك التصاميم ، تكشف المعاني الداخلية الشخصية. وكما هو الحال في التحليل النفسي فإن قوة التعرف على الرموز التعبيرية تكمن في ما تتضمنه العلاقة العلاجية ( بين المريض والمعالج ) . هنا يبدأ المريض بإظهار صوراً لا يجروء على إظهارها لفظياً. فعندما يحدث ذلك، يواجه المريض بشواهد من الصور المتناغمة والمتقنة مع ما يحتويه باطنه ... من خلال الرسم أو التصوير أو التشكيل المجسم. فعندما تجد الدوافع المحظورة متنفس لها في مثل هذه النشاطات أو الأوعية خارج النفس فإنها تنفصل عن العقده مما يجعل الشخص قادراً على تفحص المشكلة بموضوعية متنامية " . (Naumburg. 1978,pp. 103)

      جاءت الخطوط العريضة لنظرية نومبيرغ في العلاج بالفن بمثابة المظلة الكبيرة التي شملت ممارسات عديدة في العلاج الدينامي بأشكال مختلفة. فعلى سبيل المثال؛ مارست كريمر العلاج بالفن بطريقة مختلفة بعض الشيء عن نومبيرغ ولكن تحت ظل النظرية الدينامية؛ حيث أبدت اهتماماً واضحاً بالعملية الابتكارية الفنية في العلاج بالفن. وعلى هذا الأساس فهي ترى بأنه من الضرورة بمكان أن يركز العلاج بالفن على العمل الفني بوصفه الأساس في العملية العلاجية، ويوظف الفن في التعبير عن الطاقات الكامنة في اللاشعور. وفي ذلك تقول:

      " ينظر إلى العلاج بالفن بشكل أساسي على أنه طريقة لتعزيز الأنا Ego بانيا للذات وداعياً إلى النمو بشكل عام. عملة الأساسي يلاحظ في قوة الفن في المساعدة على نمو التنظيم النفسي الذي يستطيع العمل تحت الضغوط دون إنهيار أو حاجة إلى ميكانيزمات دفاعية واهية. وبالنظر إلى العلاج بالفن من هذه الزاوية فإنه يأتي بمثابة عنصراً أساسياً في الصحة العامة وشكل من العلاج الذي يكمل أو يساعد العلاج النفسي ولا يلغيه " . ( Kramer, 1998, 103 )

      وبتركيز كريمر على العمل الفني بشكل أكبر من التحليل النفسي للفن والبعد عن جعله وسيلة تستعمل في إظهار الاضطرابــات الداخلية، فهي تنظر إليه وكأنه كيان مستقل يجد فيه الفرد ذاته ويتكشف خصائصه بشكل أعمق، الشيء الذي يجعله قادراً على التعرف على ذاته والرقي بهـــا إلى ما تطمح إليــــــه ( Kramer, 2002, p. 222 ) .

      وقد حظي موضوع الانتماء في العلاج بالفن باهتمام كبير من المعالجين بالفن وظهر ذلك الاهتمام من خلال الجمعية الأمريكية للعلاج بالفن؛ إذ خصصت الجمعية المؤتمر السابع لمناقشة هذا الموضوع من جوانبه المتعددة (AATA,1976). في ذلك المؤتمر اتضحت كثير من النقاط حول انتماء المعالجين بالفن؛ فمنهم من كان ينظر إلى العلاج بالفن بأنه علاج نفسي بالفن والبعض ينظر إليه من زاوية أن الفن هو العلاج الأساسي بدون الاعتماد كلياً على تفاصيل العلاج النفسي، وهناك فئة أخرى من المعالجين بالفن خرجت عن النظرية التحليلية الأساسية في وقت مبكر من نشأة العلاج بالفن ونظرو إليه من وجهة نظر الجشتلت. ومع اختلاف الاتجاهات التنظيرية إلا أن  الأساس  ظل في موضوع الفن سواء بوصفه علاجاً جشتلتياً أو سيكوديناميكياً أم علاجاً فنياً ابتكارياً (Shoemaker, 1976, pp. 86 - 90) وحديثاً علاجاً معرفيا سلوكياً بالفن التشكيلي. ( Reynolds, 1999, p. 165 )

      والجدير بالذكر هنا أن مؤتمر عام 1976م، كان مميزاً في إطلاق الحرية للمعالجين بالفن للنظر في الاتجاهات المختلفة التي من الممكن للفن أن يجد فيه طريقاً مميزاً للوصول إلى خدمة الفرد. مع العلم أن تعريف الجمعية للعلاج بالفن في تلك الآونة كان محدوداً في وصفه للاتجاهات التي يطرقها المعالجون بالفن في الولايات المتحدة الأمريكية.

      " يقدم العلاج بالفن فرصاً للتعبير والتواصل الغير لفظي. وهناك أسلوبين في تطبيق هذا المجال: استعمال الفن بوصفه علاجاً يشير إلى أن العمليات الابتكارية تأتي بوصفها طرقاً إصلاحية للمشاكل الانفعالية ويعزز الوعي الذاتي والنمو الشخصي. وعند إذ يستعمل الفن بوصفه وسيلة علاجية نفسية، فكل من المنتج الفني والأصول الترابطية تستعمل كمساعي من أجل مساعدة الفرد ليجد العلاقات بين عالمه الداخلي والخارجي المناسب له . والعلاج بالفن مثله في ذلك مثل التربية الفنية له أن يعلم مهارات تقنية ووسائطية. فعندما يستعمل الفن كعلاج، تأتي التعليمات بمثابة أداة نقل للتعبير الذاتي، والتواصل، والنمو. والمعالج بالفن يركز على الخبرات الداخلية بشكل أكبر من الإنتاج الفني. وتأتي العملية والشكل والمحتوى، والعلاقات الترابطية من أجل أن تعكس النمو الشخصي، وسمات الشخصية واللاشعور" . (AATA, 1977, p.111).

      وانطلق العلاج بالفن في الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك المؤتمر لتتوالي نجاحاته وتشعباته في العمليات التنظيرية والفلسفية. وكان أساسها جميعاً البحث عن المنطلقات الأكثر مناسبة للفن كعلاج نفسي. وقد جاءت دوافع ذلك الانتشار من جراء ما دعت إليه كريمر وألمان في مقالتهما اللاحقة للمؤتمر السابق ذكره ، إذ أكدتا على أن يكون المعالج بالفن باحثاً في مناهجه. مما دعى آرثر ربنز Arthr Robbins ، والذي يعتبر من الرواد اللاحقين في العلاج بالفن ، إلى أن يعارض الفكرة التي طرحت من قبل المحاضرين في ندوة" العلاج بالفن: بحث في المفاهيم"، بأن يجب على المعالجين بالفن التركيز والبقاء على مفاهيمهم عن العلاج بالفن والبعد عن توظيف الكثير عن العلميات النفسية ، بل طرح بعض من المحاضرين أن يلغى مصطلح " ا لعلاج النفسي بالفن " والبعد عن عمليات التحول Transference . عارض ربنز الفكرة قائلاً بأن هناك حاجة للمعالج بالفن بأن يكون معالجاً عارفاً ومستوعباً للعمليات العلاجية النفسية حتى يكون قادراً على العلاج في موقع ممارسته بدلاً من أن يدع مريضه معلقاً ينتظر المعالج النفسي الكفؤ ( الذي قد يأتي أو لا يأتي ) ليكمل له العلمية العلاجية ( Shoemaker, 1976,p 95).

      قوبلت تلك الفكرة المعارضة بإعجاب الجمهور الذي لم يكن متخوفاً من الانطلاق ومتشوقاً لمعرفة ما يمكن أن يصل إليه الفن في العمليات العلاجية. في تلك السنة وما يليها من سنوات عدة بدأت البحوث التي تنشر في اتجاهات مختلفة من العلاج بالفن وظهرت اتجاهات متباينة في الانتماء التنظيري. وشيئاً فشيئاً بدأت ممارسات العلاج بالفن  وتطبيقاته تختلف تبعاً لنتائج الدراسات الجديدة التي كان ينشرها أفراد الجمعية الأمريكية للعلاج بالفن عن طريق مجلة الجمعية (العلاج بالفن Art Therapy )، ومجلة إلينور ألمان (المجلة الأمريكية للعلاج بالفن  The American Journal of Art Therapy) ، وفي وقت لاحق مجلة ( الفن في العلاج النفسي Arts in Psychotherapy  ) و (مجلة معهد برات للعلاج بالفن Pratt Institute Journal of Art Therapy  ). وتحمل تلك الدوريات شواهداً على تلك النقلة النوعية والكمية في مجال الممارسات التطبيقية الخارجة عن الأساليب التقليدية في العلاج بالفن التي بنتها نومبيرغ عند النشأة الأولى للعلاج بالفن . وتبعاً لذلك بدأت الجمعية تغير في تعريفها للعلاج بالفن شيئاً فشيئاً لتتمشى مع محدثات الأمور في مجال العلاج بالفن. فعلى سبيل المثال جاء تعريف العلاج بالفن، حسب تعريف الجمعية في الثمانينيات وحتى التسعينيات أكثر شمولاً وتنوعاً مبتعدة عن الفصل بين العلاج النفسي بالفن والعلاج بالفن، وتنوعت مجالات العمل به. وقد جاء التعريف كالتالي:

      " مجال للخدمة الإنسانية يقدم فرصاً استكشافية للمشكلات الشخصية من خلال التعبير اللفظي وغير اللفظي، وينمي الخبرات الجسمية والانفعالية والتعليمية من خلال ممارسة النشاطات الفنية العلاجية. وبما أن أشكال التعبير البصرى كانت أساسية عند المجتمعات خلال التاريخ المسجل، إلا أن العلاج بالفن ظهر في ثلاثينيات القرن العشرين كمجال واضح متفرد لخدمة المجتمع. إن العلاج بالفن يسلم بأن العمليات الفنية، والأشكال، والمحتوى، والعلاقات الناتجة عن إنعكاسات لنمو الفرد، وقدراته، وشخصيته، ورغباته، واهتماماته. إن استعمال العلاج بالفن يعني أن العملية الابتكارية من الممكن أن تكون وسيلة لإصلاح الصراعات الانفعالية، ويساعد على النمو الإدراكي والشخصي. وإن فوائد الخبرات العلاجية بالفن صالحة للفئات الخاصة ذات الاحتياجات الخاصة. ومن الممكن للعلاج بالفن أن يكون أساسياً منفرداً، أو مسانداً، أو مشتركاً في مراكز العلاج النفسي، والعيادات الطبية، والمراكز الاجتماعية، والسجون، والوحدات التنموية، والمراكز الصحية، والمستشفيات العامة، والعيادات والمؤسسات التعليمية والإصلاحيات الأخرى" . (AATA, 1994,p.1 ).

      جاءت أواخر الثمانينات من القرن العشرين بتطورات كثيرة في مجال ممارسة العلاج بالفن. إذ كثر الممارسون المؤهلون للعلاج وكثرت وتنوعت المراكز التي يعملون بها مما أتاح لهم الفرص المتعددة للعمل مع عينات مرضية مختلفة، كما جاء في تعريف الجمعية السابق ذكره. ومن ضمن العينات المرضية التي بدأ المعالجون بالفن العمل معهم في هذه الفترة على سبيل المثال ليس الحصر. ذوي الأمراض الجسدية مثل مرضى انعدام المناعة ( الإيدز) ، ومرضى السرطان. واجتهدوا في تصميم برامج علاجية ذات فوائد إيجابية تهدف إلى تحسين النواحي النفسية لدى المرضى الذين يعانون من تلك الأمراض. وعلَّ ما يقدمه العلاج بالفن لهذه الفئات حتى الوقت الحاضر هو في تفحص انعكاسات الأمراض الجسدية من خـــــلال الفن ومساعدة بعض المرضى في التقــــدم الصحي من خلال التعبير الحر عن معاناتهم الجسدية    Malchiodi, 1993,p. 66 )) . ويمثل مجال العمل مع المرضى من هذا النوع حقلاً بحثياً غنياً قد ينتج عنه فوائد علمية وإنسانية عدّة.

      وبظهور مجالات ممارسة جديدة في العلاج بالفن ظهرت أيضاً فلسفات جديدة. ومن ضمن تلك الفلسفات الحديثة محاولات متعددة في مجال الخروج بالعلاج بالفن من دائرة الفلسفة التحليلية إلى الفلسفات المعرفية والمعرفية السلوكية ( Burgess, A, 1993, p. 161, Glaister, J. 1994, p. 16, Roasahogyi, 1997,p.v., Reynolds, F. 1999, p. 165, Gluister, 2000, and  (.

      وتعتبر الفلسفة الجديدة هي خروج صريح عن انتماء الفئة المؤسسة للعلاج بالفن. إذ لم يعد العلاج بالفن اليوم يعتمد على الرموز التي يفسرها المريض والمعالج واكتشاف محتوى اللاشعور لتكشف لهم المشكلات الناتجة عن الدوافع الجنسية المكبوتة، وإنما تتركز الفكرة على أن الفن هو نشاط معرفي يعكس تفكير الفرد وأحاسيسه ومشاعره، ومن خلال الفن يتضح للفرد والمعالج بالفن نوعية أفكار المريض إما سلبية أو إيجابية، تشاؤمية أم تفاؤلية تنعكس تبعاً لها تصرفات الفرد السلوكية ويكون العلاج عن طريق تعديل تلك الأفكار وإكسابه بعض المهارات الابتكارية الفنية المصممة تبعاً لما يؤمن به العميل ويتفق معه إيجابياً ويعمل على تخفيض حدة القلق لديه ومن ثم تعديل سلوكه الخارجي .

      ويلقى هذا  الاتجاه  الأخير في العلاج بالفن قبولاً لدى الكثير من الممارسين للعلاج بالفن، كما يلقى قبولاً لدى بعض العينات  من المرضى؛ إذ يلاحظ المريض نوعاً من التفاعل الإيجابي مع المعالج مما يزيد من قوة العلاقة العلاجية التي هي الأساس في تعاون المريض ومساهمته في العلاج النفسي. ولا تزال تلك الفلسفة بحاجة إلى الكثير من التركيز والدراسة مع عينات متعددة من الأفراد والجماعات التي تتعامل بالعلاج بالفن حتى يمكن للفلسفة الجديدة أن تكون ذات فائدة على نطاق أوسع مما هي عليه الآن. وباعتبار المؤلف من المختصين الذين تعاملوا مع هذا الاتجاه - يرى شخصياً - بأنه إتجاها ثرياً كما هو مليء بالنقاط والجوانب التي تحتاج إلى توضيح واختبار وإعادة اختبار حتى تتضح معالمه .

      وعلى ضوء كل تلك المستجدات في العلاج بالفن في التسعينات وبداية القرن الحالي بدأت الجمعية الأمريكية تعد نفسها لتتماشى مع تلك المستحدثات. وتبعاً لذلك فقد بدأت الجمعية بإعادة صياغة تعريف مجال العلاج بالفن بشكل أكثر شمولاً ليتضمن أكبر قدر ممكن من المرونة ويسمح للباحثين والناشطين في مجال الممارسات الميدانية للعلاج بالفن أن ينطلقوا في تطوير مجالهم . وعلى ضوء ذلك جاء آخر تعريف للعلاج بالفن كالتالي :

      " العلاج بالفن هو الاستعمال العلاجي للإنتاج الفني، وفي حدود علاقة مهنية، من قبل أفراد يعانون من المرض، أو صدمة، أو مصاعب في الحياة، ومن قبل أفراد يسعون للنمو الشخصي. من خلال ابتكار الفن والتمعن في إنتاجه وعملياته يستطيع الأفراد أن يرفعوا من درجة إدراكهم لأنفسهم والآخرين، والتأقلم مع أعراضهم المرضية، والضغوط التي تنتابهم، والصدمات التي يمرون بها، فيحسنون من قدراتهم المعرفية؛ ويستمتعون بمتعة الحياة الأكيدة من خلال عمل الفن...  والمعالجون  بالفن هم مهنيون مدربون في كل من الفن والعلاج. فهم مطلعون بالنمو الإنساني ، والنظريات النفسية، والتطبيق الإكلينيكي، والقدرة الشفائية للفن. يستعملون الفن في التشخيص والبحث، ويقدمون مشورات إسترشادية للمهنيين من تخصصات حليفة, ويعمل المعالجون بالفن مع الأفراد من كل الأعمار؛ أفراداً ، وجماعات، وأزواج، وعائلات، والجماهير العامة. يقدمون خدماتهم بشكل انفرادي أو ضمن فريق علاجي في مواضع مختلفة في الصحة النفسية، والتأهيل، والطب ، والمؤسسات الجنائية؛ وبرامج التأهيل الاجتماعي الشامل، والمراكز الصحية؛ والمدارس ، ودور المسنين والعجزة، والشركات,  والاستوديوهات الفنية، والممارسات المستقلة ( العيادات الخاصة ) ". ( AATA, 2003, p.4 ) .

      ويتضح من التعريف السابق بأن العلاج بالفن قد خطى خطوات واسعة في مجال استعمال الفن في العلاج . فمن مجرد استعماله كتنفيس عن النفس من خلال الشكل إلى كونه مجال متنامي الأفكار والممارسات. ومن كونه مجال يسير في ظل العلاج التحليلي النفسي إلى مجال منفرد يعمل المختصون فيه لخدمة الإنسان في فروع كثيرة من الخدمة البشرية .

الفوائد الإكلينيكية للعلاج بالفن

      عبر كل تلك السنين التي خدم فيها العلاج بالفن كل من احتاج إليه، وخلال كل مقابلة أو محاضرة أو حتى حديثاً عابراً عن العلاج بالفن كان ولا يزال هناك سؤال يتردد؛ لماذا العلاج بالفن بينما يتواجد العديد من أنواع العلاج والطب؟ ما الفائدة الإكلينيكية للعلاج بالفن ؟

      إن مجرد الحديث عن الفوائد الإكلينيكية للعلاج بالفن، أو حتى محاولة الإجابة على لماذا العلاج بالفن دون غيره يعني أن يقوم المجيب بطرح الأدلة المادية لجدوى الفن العلاجية. وإن الحديث عن ذلك بالطرق التجريدية قد يؤدى إلى عدم استيعاب من طرح السؤال للجواب أو حتى تشويه حقيقة العلاج بالفن وكأن شرح فوائد العلاج بالفن شيء يشبه، كما قالت ويديسون ؛ " شرح طعم الشوكولاته لشخص لم يذق طمعها أبداً " (Wadeson, 1987. p.8 ). وكطريقة للإجابة على تلك التساؤلات لم يعد الكاتب قلقاً من حيث فائدة العلاج بالفن؛ إذا اتضح له بأن محاولة الإجابة بالألفاظ التجريدية شيء تتفاوت نتائجه بين الناس، لذا فقد اتبع الأسلوب التطبيقي للإجابة. فعند كل محاضرة أو لقاء يطلب الكاتب من المستمعين القيام بتجربة بسيطة لكي يستوعب الجمهور الحديث . والتجربة هي أن يتخيل الفرد ليمونة كبيرة صفراء ناضجة يقوم بقطعها بسكينة حادة كبيرة، فتتساقط من الليمونة قطرات من عصير الليمون الذي لو وضع على الأضراس لأصاب الفم بالتفاعل وسيلان اللعاب، هنا يشعر الفرد بتفاعل جسمه مع الأشكال البصرية التي تمر في مخيلته. فترى البعض يبلع لعابه والبعض يحاول مقاومة ذلك بتحريك وضعية جسمه بطريقة ما. فما الذي يحدث هنا في الاستجابة الجسمية للصور الذهنية إلا مثال واحد بسيط من عدة عمليات داخلية يحدثها التعامل مع الأشكال والألوان والحركة وغيرها من عناصر الفن التشكيلي. وأن العملية التشكيلية ليست بالبساطة التي يتصورها البعض بأنها مجرد مسك قلم الرصاص والشخبطة على الورق ليكون منها شكلاً أو يحدث أثراً على الورقة أو السطح المرسوم عليه. إنها عملية معقدة ذات صلة وثيقة بالتكوين الجسدي للإنسان ممثلة في تفاعل الجسم مع الصورة والتكوين المعرفي سواء أكانت صورة بصرية ملموسة أم صورة ذهنية متخيلة. وعلى هذا تأتي الفائدة الإكلينيكية للعلاج بالفن. ومن هذا المنطلق سوف يقوم الكاتب بالتحدث عن بعض الفوائد الإكلينيكية للعلاج بالفن في الأسطر التالية :

الصورة الشكلية والذهنية

      يتعامل المعالج والعميل في العلاج بالفن عن طريق الصور بوصفها الأساس المعتمد في العلاج بالفن. وسواءً كانت الصورة بصرية مرئية ملموسة أم ذهنية متخيلة لشيء ما، فهي الأساس في العملية العلاجية بالفن التشكيلي. ومن خلالها يتم تكشف المشاعر والأحاسيس والأفكار وحتى حالات الجسم المنعكسة من الداخل كما أظهرته مؤخراً التقارير الميدانية مع مرضى الأمراض الجسدية (Weishaar,1999, p.173 و Borgmann, 2002, p. 245 و Heywood, 2003, p. 125 ).

      والذي يميز العلاج بالفن عن غيره من أنواع العلاج هو أن هذا المجال يركز بشكل أساسي على القدرات الكامنة في الصورة . وأن لتلك الصور إمكانات مختلفة عن غيرها من الوسائل التعبيرية الأخرى تمكن من يتعامل معها الوصول إلى فوائد مختلفة لا تستطيع غيرها من وسائل التعبير الوصول إليها بسبب خصائصها المميزة لها عن غيرها.

      ويشير بعض العلماء على أن الطفل منذ أيامه الأولى، يبدأ بتكوين معجمه الشكلي الذي يستطيع من خلاله التعامل مع البيئة المحيطة به . يستطيع الطفل رؤية الأشياء منذ فترة مبكرة في حياته، ويستطيع الرؤية بشكل جيد, ومتابعة الأشكال المتحركة في نطاق مجال رؤيته  ( Vulliamy & Others, 1987, P.35 ) . وفي فترة الطفولة, يتعلم الطفل مفردات شكلية كثيرة تكوِّن جزءاً كبيراً من مفاهيمه وشخصيته ومعجم معلوماته ، وعن طريقها يستطيع التعبير عما يريد. ولكننا اعتدنا على التعبير اللفظي عن كل ما يدور في خواطرنا عن طريق الصور اللفظية ، ونحينا الصور الشكلية جانباً, علماً بأن الصور الشكلية قد تكون -أحياناً- أكثر قدرة على توصيل الشعور واللاشعور (Horowitz, 1983, PP. 274-275, and Lazarus, 1977, P.17)  .

      يقول الكثير من علماء النفس, إن الشخصية تبدأ في التكون منذ السنوات الأولى من عمر الفرد (Smith & Vetter,1982, PP.147-167,200)    حيث يبدأ في تعلم الكثير من أنماط السلوك المختلفة التي يكوِّن لنفسه عن طريقها شخصية مميزة خاصة به . وفي تلك الفترة أيضاً , يكتسب الطفل معظم مفرداته اللفظية من خلال التعامل مع المجتمع المباشر؛ كالأم, والأب, والمعلمين, وزملاء الدراسة والتعلم عموماً. ونرى أن الطفل بجانب تعلمه السلوك واللغة اللفظية أيضاً ، فإنه يتعلم التعبير الفني واستعمال الصور الشكلية للتعبير عما في ذهنه وبطريقته الخاصة . وقد يساعد تصنيف لونفيلد لمراحل نمو التعبير الفني عند الأطفال ، في توضيح ما نقصد عندما نقول إن الإنسان يستطيع التعبير عن نفسه من خلال الرسم منذ السنين الأولى في حياته  ( Lowenfeld & Britten, 1970, P.89 ) .

      يبدأ الطفل بتكوين مفرداته الشكلية مبكراً ، لذا فإنه يرى الضوء ويحاول التركيز فيه ، ويرى الأشياء الأقرب إلى مجال بصره . ويوماً بعد يوم ، أثناء نموه, يبدأ في التركيز على الأشياء التي أمامه ، ويستطيع التمييز بينها ؛ فعلى سبيل المثال ، يركز الطفل في بداية حياته على الأضواء الموجودة في البيئة المحيطة به. وكلما نمت قدراته البصرية ، أصبح تركيزه أكثر وأقوى . وبعد ذلك يبدأ في اختيار الأشكال التي يحبذ أن يراها . ومن الأشياء التي نجد أن الطفل مهيّأ أو مفطور لتعلمها تلك الأشياء ذات التركيب المعقد . وربما يعزى السبب في ذلك، أنه سوف يواجه عالماً بصرياً مركباً ومعقداً . ومن الأمور اللافتة للنظر لدى الأطفال ، أنهم يركزون أول مايركزون على وجه الإنسان, ويستطيع الطفل التعرف على وجه والديه في وقت قصير جداً من بدء حياته  (Vulliamy & Others, 1987, P.35) . وكلما كبر , تعلم المزيد من المفردات الشكلية. وتكوِّن كلُّ تلك المفردات مجتمعة معجماً شكلياً ثرياً يستطيع الطفل التعبير به عن أفكاره وأحاسيسه ومشاعره . وعندما يصير عمره سنتين تقريباً، يبدأ بمحاولة التعبير الحسي - الحركي عن طريق التخطيط العشوائي ، ثم التخطيط المنظم . وفي عمر الثالثة والنصف تقريباً, يبدأ التعبير الفني عنده بالوضوح إلى حدما وذلك عندما يرسم أشكالاً منظمة يطلق عليها أسماء . يتبع ذلك تطور تلك الأشكال إلى قصص, ثم إلى نقل مباشر لما يدور في مخيلة الطفل ومفهومه عن العالم الخارجي  ( Lowenfeld & Brittain, 1970, P.113 ). تلك التعبيرات التي تبدأ بالعشوائية وتتدرج إلى أن تصل إلى التعبير الحقيقي عن أفكار الطفل وأحاسيسه, ما هي إلا نقل للصور الذهنية على الورق . وبذا تكون تلك الصور الذهنية التي يكونها الطفل وينظمها تنظيماً حسبما يروق له, (مزاجياً) على الورق, أو الحائط, أو على الأرض, بمثابة مفردات شكلية أو صور نمت عنده منذ الولادة ثم رسخت في ذهنه ، ثم أخذت بالخروج إلى العالم المرئي لتكون بدورها طريقة للتعبير.

      عندما يرسم الطفل شيئاً ما، فإنه يعكس لنا بذلك فكرة ما تدور في مخيلته . إذن فالرسم يعدُّ في هذه الحالة وسيلة للتعبير عن فكره. ولكن عندما تحمل تلك الفكرة شعوراً أو إحساساً أو عاطفة معينة، فإنها بذلك تعبر لنا عن مشاعر وأحاسيس يريد أن ينقلها ذلك الطفل, فهو عندئذ يتخذ من الرسم أداة للتعبير عن الأحاسيس والمشاعر. وإذا عدنا إلى مفهوم العلاج بالفن، فإننا نجده نوعاً من العلاج يهتم بالأحاسيس والمشاعر والأفكار التي تتجسد من خلال الرسم أو التشكيل الفني. إذن فالصور الذهنية التي تنعكس على هيئة صور شكلية أو مجسمة، من الممكن الاستفادة منها في الوقوف على الأحاسيس والمشاعر والعواطف والأفكار والانفعالات التي تعتمل داخل الفرد . وتعدُّ بذلك طريقاً لمعرفة ما يدور في مخيلة الفرد من أفراح  أو أتراح أوحتى أفكار عابرة. وإذا مانظرنا إلى تلك التعبيرات بعين الاختصاصي النفسي، فإننا قد نجد فيها انعكاساً لما يدور في ذهن الفرد، ومن الممكن إذن قراءتها بوصفها معلومات تعكس شخصية الفرد ؛ أفكاره ، وأحاسيسه، وانفعالاته , ومن ثم يمكن التعامل معها تبعاً لذلك  ( Cohen & Others, 1988, PP. 11- 21).

الإبـــــــداع:

      يرتبط الإبداع بالفن ارتباطاً وثيقاً . وعادة ما يربط الناس الفنان بالإبداع والعمل الإبداعي. وقد اختلفت تعريفات الإبداع بشكل كبير وتباينت من مجال إلى آخر. إلا أنها تتفق على أن هناك قدرات أساسية في الإبداع ذكرها خليفة (2000م) كما يلي:

1.  الطلاقة : تتميز بإنتاج عدد كبير من الأفكار والتصورات في مدة زمنية محددة. وقد تبين من الدراسات التي أجريت على " الطلاقة " وجود أربعة عوامل هي :

      أ  - طلاقة الكلمات  Word Fluency : في اللغة المنطوقة أو وحدات التعبير كاللقطات في لغة التصوير. أي سرعة إنتاج كلمات ( أو وحدات للتعبير ) وفقاً لشروط معينة في بنائها أو تركيبها .

      ب - طلاقة التداعي :Association Fluency : أي سرعة إنتاج كلمات أو صور ذات خصائص محددة في المعنى .

      جـ - طلاقة الأفكار  Ideational Fluency : أي سرعة إبراز عدد كبير من الأفكار أو الصور الفكرية في أحد المواقف، ولا يهتم هنا بنوع الاستجابة وجودتها وإنما يهتم فقط بعدد الاستجابات .

      د  - الطلاقة التعبيرية : وهي القدرة على التعبير عن الأفكار وسهولة صياغتها في كلمات أو صور للتعبير عن هذه الأفكار بطريقة تكون فيها متصلة بغيرها وملائمة لها .

2.  المرونة في التفكير  Flexibility in Thinking : وتتمثل في العمليات الفعلية التي من شأنها أن تميز بين الشخص الذي لديه القدرة على تغيير زاوية تفكيره عن الشخص الذي يجمد تفكيره في اتجاه معين .

3.  الأصالة Originality : وينظر إليها على أنها مرادفة للإبداع نفسه ، ويقصد بهذه القدرة تلك المظاهر التي تبدو في سلوك الفرد عندما يبتكر  بالفعل إنتاجاً  جديداً. فالأصالة تعنى الجدة أو الطرافة ، ولكن هناك شرطاً آخر لابد من توفره إلى جانب الجدة لكي يكون الإنتاج أصيلاً ، هو أن يكون مناسباً للهدف أو الوظيفة التي سيؤديها العمل المبتكر .

4.  الحساسية للمشكلات Sensitivity to Problems : ويعرفها جيلفورد بأنها قدرة الشخص على رؤية المشكلات في أشياء أو أدوات أو نظم اجتماعية قد لا يراها الآخرون فيها، أو التفكير في إدخال تحسينات يمكن إدخالها على هذه النظم أو هذه الأشياء.

5.  الاحتفاظ بالاتجاه Mainainance of Direction : ويقصد به القدرة على التركيز المصحوب بالانتباه طويل الأمد علي هدف معين،  من خلال مشتتات أو معوقات سواء في المواقف الخارجية أو نتيجة لتعديلات حدثت في مضمون الهدف، وتظهر هذه القدرة في إمكانية المفحوص متابعة هدف معين، وتخطى أية مشتتات والالتفاف حولها بأسلوب يتسم بالمرونة (خليفة، 2000م، ص ص 34 - 38).

      وليس الهدف من العلاج بالفن أن يكون العميل مبدعاً فنياً مثله مثل الفنان التشكيلي الذي يصب كل جهده وهمه على أن ينتج عملاً فنياً مبتكراً. وإنما الإبداع؛ في العمليات العلاجية أن يصل العميل إلى درجة معينة وواقعية من الإبداع؛ إذ أنه من المطلوب أن يكون الفرد قادراً على إحداث نوع من التفكير الابتكاري في سبيل أن يصل إلى معرفة محتويات نفسه ومن ثم تعديل سلوكه تبعاً لما يتطلبه الوضع الاجتماعي ورغبات الفرد نفسه، ليعيش متوافقاً مع نفسه ومجتمعه. وقد اقترح لونفيلد بأن يعطى الأطفال فرص لأن  يخبرو  الابتكار والإبداع وأن يكون ذلك أساساً في تعليمهم العام في سبيل تحقيق القدرة على التفكير الإبداعي  ( Lowenfeld and Brittain, 1970,p. 44 ) .

      والعلاج بالفن التشكيلي بوصفه أسلوباً علاجياً يتيح الفرصة للفرد بأن يكون مبتكراً ويوظف ذلك الابتكار في التعامل مع مشكلاته الشخصية التي لها علاقة بظهور أعراض الاضطراب لديه أو المشكلات التي يعاني منها. فعندما ننظر إلى العمليات الخاصة بالتشخيص أو العلاج فإننا نلاحظ بأن الفن يسمح للفرد بتكشف تلك المشكلات والتعبير عنها بطرق غير مألوفة وقد تكون مبتكرة لدى الكثير من عملاء العلاج بالفن. وسواء أكان العلاج بالفن تحليلياً أم معرفياً أو غيرهما فإن العملية الابتكارية الفنية تكون هي الأداة والأسلوب الذي يتكشف عن طريقه العميل معاناته ويبحث من خلاله ليجد حلاً مناسباً لها.

      والذي يقدمه العلاج بالفن التشكيلي مقابل ما تقدمه أنواع العلاج الأخرى أنه يسمح للفرد بأن يكون مبدعاً مما يجعله طليقاً في حياته غير مقيداً بما يحتويه فكره من تركيزه في حدود ضيقة مثل حدود المرض. والعلاج بالفن، باستعماله الفن التشكيلي بوصفه وسيلة تعليمية ووسيط بين الفرد وأنماط السلوك ومنابعها، فهو بذلك نوع من العلاج يمنح الفرد وسيلة جديدة له أن يستعملها في مراجعة سلوكياته وما ينتج عنها من أثر على حياته اليومية .

      وكما هو الحال في معظم الحالات، يأتي العميل محمّلاً بهمومه مركزاً عليها تركيزاً قد يوقفه عن متابعة حياته الطبيعية. فعندما تقدم إليه الخامات والأدوات الفنية تجده ينتقل إلى عالم آخر، عالم ليس بالبعيد . يسمح له بأن يفكر بطريقة أخرى. أو بمعنى آخر يعبر عن مشاعره وأحاسيسه وأفكاره عن طريق الفن وليس عن طريق الحديث المتكرر في مخيلته الذي يركز على تلك  الهموم . بل إنها طريقة غير مألوفة للتعبير عن تلك المشكلات. فتجده يصارع تلك الطريقة - في بادئ الأمر - ثم تجده بعد فترة قصيرة يشعر بالمتعة في البحث وتكشف أسرار نفسه من خلال الأشكال والألوان والخطوط التي تأتي مؤخراً بمثابة اللغة الحقيقية الصادقة عن  مشاعره وأمنياته، والتي يجد من خلالها طريقاً يرسمه لمستقبله. وضمن تلك العمليات المتكررة تجده يتفاعل مع الخامة والأدوات مما يحرك أعضاء جسمه بدلاً من المشاركة السلبية التي تهيمن على الكثير من الأساليب العلاجية الأخرى وتجعله يشعر بأنه عنصراً مشاركاً في العملية العلاجية. الشيء الذي له الأثر الإيجابي على الناتج العام في سلوكياته (Platner,2003,p.35 & Wadeson,1990, p.11).

      وبالإضافة إلى الكثير من الفوائد الإكلينيكية للإبداع في العلاج بالفن، نرى الطبيب النفسي بلاتنر, (Platner, 2003, p. 36 )  يشيد بما يقدمه الإبداع الفني في العلميات العلاجية النفسية. إذ يذكر بأن للإبداع الفني ديناميات عدة لها أن تغذي العملية العلاجية:

1 - الهزلية Playfulness : إن العمليات الفنية غير حادة الطباع ولا مقيدة للحرية وتسمح بوقوع الخطأ المحمود الذي يتوقع فيه الفرد أن يعاقب عليه فتحد من حرية التعبير فيه. ومن خلال اللعب الفني يجد الفرد فرصاً غير محدودة للنظر إلى المشكلة من زوايا مختلفة مما يؤدى إلى الإخلال بردود الفعل النمطية التي تعود عليها المريض. وفيها أيضاً أن لا يأخذ الفرد الموضوع بشكل جدي مما يسمح له بأن يتحرر من القيود التي لا تسمح له بالخطأ والتجرؤ على اتباع طرقاً غير معتادة لديه مما قد يكون لها بالغ الأثر في تكشفه لنفسه وما يطمح لأن يصل إليه .

2 - التخيل Fantacy : وفي التخيل يتعامل الفرد مع الصور والتصور الذي هو في حد ذاته يغذي العملية الابتكارية ومن خلال التخيل والخيال يستطيع الفرد أن يصور الحدث ويضيف إليه العنصر اللالفظى والذي لا يتعامل مع التجريدية اللفظية الغير قادرة على تجسيم الشعور واللاشعور. وهنا  يتكشف الفرد تعبيراً صادقاً ملموساً من خلال الشكل الذي يعكس حقيقة اللاشعور الخفي عن إدراك الفرد.

3 - الحوار Dialogue : ويحدث الحوار في العلاج بالفن التشكيلي على مستويات مختلفة بين العميل والعمل الفني وبين المعالج. فبينما يقوم العميل بالعملية الفنية فهو في حوار داخلي بينه وبين ما يرسمه أو يجسمه، وبعد انتهائه من إنتاج عنصر ما فهو يحاوره وكأنه شيء ممثل أمامه يرمز لشيء ما أو شخص ما، ثم يأتي بعد ذلك حوار العميل مع المعالج عن ذلك العنصر أو الرمز. وفي نهاية المطاف فإن العنصر المرسوم يحقق للعميل بديلاً رمزياً يستطيع التعامل معه لحل معضلة ما أو الوصول إلى حلول قد لا يتصور الوصول إليها بدونه . ولنأخذ على سبيل المثال ما قدمه الرسم لأحد المرضى ومثله كثير من أن يجد في رسمه فرص للتحدث والحوار الرمزي مع أبويه اللذان قد توفيا منذ فترة بعيدة ( شكل 4 ) . فقد استطاع (محمد) أن يسامح والديه عن تعاملهم القاسي معه في طفولته. شيء لم يكن يخطر على ذهنه أن يكون له فائدة لولا أنه حصل على التشجيع من قبل المعالج بأن يجد في الرموز المرسومة بديلاً سيكولوجياً ووعاءاً يحوى مشاعر وأحاسيس صادقة طالما بحثت عن طريق للخروج والتمثل الواقعي.

شكل (4), محمد, "أنا وأبي", حواراً تخيليا بين الميض ووالده المتوفي منذ زمن بعيد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 


4 - بناء المهارات Skill Building : يقوم العلاج بالفن التشكيلي على بناء المهارات التعبيرية لدى الفرد. وبغض النظر عن درجة توجه المعالج بالفن في بناء المهارة التشكيلية لدى عميله ، ومن خلال تعلم الفرد لغة تعبيرية بالإضافة إلى اللغة التعبيرية الأم - لغة الكلام - فإنه بذلك يساعد الفرد على تعلم لغة إضافية يستطيع العودة إليها واستعمالها في التعبير عن الأحاسيس والمشاعر والأفكار عندما تعجز لغة الكلام عن القيام بذلك . أو ربما باستعمال لغة التعبير الفني بمثابة اللغة المساندة للتعبير اللفظي .

5 - الدمج Integration : يقوم العلاج بالفن بالدمج بين مختلف أنواع الخبرات العلاجية في آن واحد. فهو يوفر صورة حقيقية لنمو الفرد في الخبرات العلاجية المختلفة من خلال ما يعكسه على الورقة أو العمل الفني المجسم . ومن خلال العمل الفني يستطيع المعالج أن يلاحظ مدى النمو العقلي لدى العميل والتفاعل معه تبعاً لذلك .

      وبهذا فإن الإبداع الفني, بوصفه الأساس الذي ينبع منه العلاج بالفن التشكيلي, يمثل ميزة علاجية غير متوفرة  في بعض الطرق العلاجية الأخرى إلا أنها تتجسم في العلاج بالفن وتمثل أسلوباً علاجياً ذو كيان خاص يعطي الفرصة للعميل بأن يكون قادراً على تكشف مشاعره ومتابعة حياة صحية ذات طابع متميز عن طريق الفن التشكيلي.

الموضوعية والانعكاسات الحقيقية:

      يقوم الفرد في العلاج بالفن التشكيلي بالتعبير الفني لما يمليه عليه كل من الشعور واللاشعور معاً ومن خلال تلك التعبيرات تظهر مشاعره وأحاسيسه وأفكاره  بشكل واضح. ولهذه العملية مميزات عدة تميزها عن الطرق العلاجية الأخرى؛ إذ يحتاج - في الكثير من الأوقات - المعالج بغير الفن أن يعتمد على ذاكرته وقدرته على تسجيل أو تذكر كل ما يدلى به المريض من أحداث وأقوال في سبيل أن تتمثل أمامه حالة مريضة. ومع مرور الوقت قد لا يكون الأمر سهلاً عليه الرجوع إلى تلك الأحاسيس والمشاعر بالطريقة التي صدرت من المريض أول مرة. وهنا قد يتسبب ذلك في ظهور بعض المصاعب في العملية العلاجية. ولكن التعبير الفني التشكيلي شيء مختلف عن ذلك؛ إذ يمثل العمل الفني حقيقة الحدث والذي يحتوي على مشاعر وأحاسيس المريض التي أدلى بها أول مرة. وهنا يستطيع الاثنين الرجوع إليها في أي وقت يشاءون للتزود من خلالها بما يساهم في سير العملية العلاجية ومراجعة الحالة والاستفادة منها فيما بعد .

      وميزة أخرى للتعبير الفني نلاحظها في تكشف المريض لحقيقة مشاعره من خلال العمل الفني؛ إذ يعكس إنتاج العميل مشاعر وأحاسيس قد لا يكون مدركاً لها؛ فعلى سبيل المثال طلب من أحدى الفتيات أن ترسم مشاعرها وأحاسيسها في شكل رقم (5), واتضح من خلال مناقشة اللوحة ظهور مشاعر تختلف تماماً عن ما أدلت به عن نفسها قبل المناقشة؛ إذ أفصحت بأنها كان مسترخية وغير قلقة ولا تحمل أي مشاعر انفعالية حادة في ذلك الوقت. ولكن عند مناقشتها في علاقات الألوان والأشكال المرسومة اتضح عكس ذلك تماماً, واتضح بأنها قلقة تجاه الفترة التي تمر بها والتي تشعر فيها بعدم الاستقرار تجاه مستقبلها. مما قد يشير إلى أن الرسم - في هذه الحالة - قد يعكس ويساعد في تكشف حقيقة المشاعر والأحاسيس التي قد يحاول البعض إظهارها للآخرين. وبما أن العلاج بغير الفن يعطي الفرصة للفرد بأن يتقمص الشخصية التي يريدها فقد يخفى على المعالج معرفته الحقيقة وراء التعبير اللفظي الذي يدلى به العميل. وتعتمد الحالة هنا على مدى الثقة المتبادلة بين المريض والمعالج التي قد تكون مزيفة وغير قابلة لأن تكتشف بالطرق المعهودة.  فالتعبير الفني التشكيلي يحمل ميزة الكشف عن واقع المشاعر والأحاسيس الداخلية عن طريق كشف اللاشعور حتى لو كان ذلك واقعياً بالنسبة للعميل. وقد لا يكون العميل في تعبيره الفني يقصد بأن ( يغش ) المعالج أو يخفي عنه الحقيقة فإن بعض العملاء يؤمن بأن واقعه الذي يتحدث من خلاله هو ما يعكسه للمعالج بينما إذا ما خضع ذلك الواقع للتعبير عنه فنياً اتضح عكس ذلك مما يساهم في تبصر الفرد بحقيقة واقعه بعد التحقق منه في الواقع. وهنا يأتي دور العلاج بالفن التشكيلي وهو التعبير عن سلوكيات الفرد  من خلال التعبير العميق عن النفس.

     

 

 

 

 

  شكل (5), هنادي     العمر: 25سنة.

 "مشاعر وأحاسيس."

 

                                                          

ويقصد بذلك - في العلاج الدينامي - تخطي ا لمرشحات والعوائق التي تحسن الناتج التعبيري من أجل نقل صورة حسنة عن النفس. ففي العلاج بالفن ينتقل الفرد من التعبير المتبع في الأساليب المنطقية المنظمة إلى التعبير الحر الطليق الذي لا يخضع إلى تخطيط مسبق أو تعديل لفظي منمق. وفي التعبير الفني الطليق تنعكس حقيقة الشخص اللاشعورية لتظهر ما بداخل الفرد من مشاعر طالما نقّحتها المرشحات الدفاعية لتظهر بالشكل المقبول والملائم غير المؤلم. تَظهر الأشكال بشكل خام متخطية كل تلك المرشحات في ذلك الأسلوب الجديد عليها من غير التعرف عليها في شكل رموز شكلية خطية أو لونية بطريق غير مباشر ليتعرف على حقيقتها الفرد بنفسه عندما يناقشها بشكل واعٍ .

      والتعبير العميق عن النفس في العلاج بالفن يختلف عنه في الطرق العلاجية الأخرى من حيث الأداء، والحرية، وتكشف محتوى اللاشعور، والأفكار، والسلوكيات، والعادات، وتكشف المواهب التعبيرية الكامنة. ففي حلقات العلاج بالفن يختلف أداء العميل عن ما إذا كان في حلقات العلاج أو الكشف الطبي - وبدون قصد المؤلف من تهميش دور الأنواع العلاجية الأخرى- فإن أداء العميل في العلاج بالفن ينتج كمية كبيرة من المعلومات التي تسهم في عمليته العلاجية؛ إذ قد تتراوح مدة الجلسة العلاجية في العلاج بالفن بين النصف ساعة إلى الساعة والنصف يتخللها العديد من النشاطات العلاجية؛ ففيها يناقش المعالج الموضوع المحدد للجلسة ويلاحظ سلوكيات عميله من خلال تعامله مع النشاط الفني الذي هو في حد ذاته صورة مماثلة إلى حد ما، لطريقة تعامله مع البيئة خارج الجلسة العلاجية. ومن هنا يستطيع المعالج متابعة تطور أنماط السلوك التي يسلكها العميل في التعامل مع البيئة بدون أن يتصور أو يتوقع بشكل تجريدي كيفية تعامل عميله مع البيئة وأسلوب حياته. ومن خلال سير الجلسات واستمراريتها يتعلم المعالج كيفية التعامل مع عميله ويستطيع غرس بعض المفاهيم والسلوكيات المقررة مسبقاً بوصفه فناناً تشكيلياً ممارساً للعمليات الفنية التي يمارسها جنباً إلى جنب مع عميله الذي يكتسب منه تلك المفاهيم والسلوكيات. وبطريق غير مباشر يستطيع العميل تأدية دوره في العملية العلاجية بشكل قد لا يسمح به الوقت أو المجال في الطرق العلاجية الأخرى كالطب النفسي والعلاج النفسي التقليدي.

      وفي جلسات العلاج بالفن يجد العميل نفسه حراً في التعبير عن نفسه ويجد المساعدة المتخصصة في الكشف عن ما اختزن في لاشعوره وداخله من مشاعر وأحاسيس وأفكار وما قد يخفي عليه من مواهب تعبيرية لم يسمح لها وضعه السابق في تكشفها ثم يتعلمها ليستعملها في صالح صحته النفسية العامة. وقد تتكشف للمعالج من خلال جلسات العلاج بالفن والتعامل مع الخامات الفنية المتعددة سلوكيات العميل ورغباته وطموحاته وطاقاته الجسمية والابتكارية وعاداته في التعامل مع ما حوله من أشياء قد يكون في تكشفه لها فرصة للتعرف عليها وترك ما لا يناسبه منها. وعن طريق العلاقة العلاجية التي يبنيها العميل مع معالجه بالفن طوال الساعة أو الساعة والنصف المتكررة أسبوعياً  يجد العميل نفسه قد خلق علاقة إنسانية وعلاجية تمكنه من معرفة ما إذا كان قادراً على أن يثق بمعالجه أم لا. وعندما يمنح العميل معالجه الثقة التي تعتمد عليها العملية العلاجية، تبدأ العملية العلاجية كما يريدها الاثنان وحسب البرنامج العلاجي المتفق عليه مسبقاً. تلك العناصر تعتبر عناصر ذات أهمية كبيرة في العملية العلاجية وقد تسرع عملية العلاج والسيطرة على الاضطرابات النفسية ( Naumburg, 1987,p.8 ) .

الإنتاج الفني بوصفه مادة علاجية فريدة:

      يعتبر الإنتاج الفني الذي ينتجه العميل - وفي بعض الحالات ماينتجه المعالج وغيره صُلب العملية العلاجية. وقد يتجرأ الكاتب ويمثله - مجازياً - بالدواء الذي يصفه الطبيب لمريضه. فهو المرآة التي يرى العميل نفسه من خلالها وهو الوسيلة التي  يعتمد عليها ليصل إلى ما يستطيع الوصول إليه في طريق الصحة العقلية.

      إن إحدى منافع الإنتاج الفني الصريحة في العلاج بالفن والتي تضفي عليه صفة التفرد هي قدرته على أن يكون وعاءاً خارجياً للنفس لتفرغ فيه الطاقة النفسية حتى تختبر ويستفاد منها. وهنا يأتي دور الرموز الفنية في العمل الفني. وهذا ليس بالشيء الغريب على الفن التشكيلي بل قد يكون الأساس في بعض المدارس الفنية مثل السريالية والتجريدية على وجه التحديد وربما جميع المدارس الفنية إذا أردنا أن ننظر إليها بنظرة شمولية تضم حتى الكلاسيكية القديمة والواقعية لأن كل ما يوضع على لوحة الرسم أو أي شكل مجسم هو في حد ذاته رمزاً لما يمثله في الواقع ليس إلا. ومع معرفة الكاتب بأهمية موضوع الرمزية في العلاج بالفن ومدى حاجتنا إلى التعرف عليها في كتاب تقديمي عن العلاج بالفن إلا أن ما يسمح به تنظيم هذا الكتاب شيء قليل ولا يفي بأهمية دراسة الرمزية في الفن والعلاج والوصول إلى شيء من العدالة في هذا الموضوع, لذلك فإن الكاتب يرجع القارئ إلى كتابات الدكتور عادل خضر في هذا المجال على أقل تقدير .

      ومتابعة للدور العلاجي للإنتاج الرمزي في العلاج بالفن يرى الكاتب بأن الإنتاج الفني الرمزي يساعد الفرد بأن يفرغ شحنات قد تكون لها نتائجها العصابية, وطاقات سلبية ذات طابع عصابي إذا لم تفرغ في وعاء آمن مثل العمل الفني. وقد تحدثت الدكتوره ميهالي سكزنتاميهالي Cskszentmihalyi وهي اختصاصية في التنمية البشرية حاضرت في المؤتمر السابع للجمعية الأمريكية للعلاج بالفن السابق ذكره. تحدثت عن خبرتها الشخصية في التعبير الرمزي بالفن : وذكرت بأنها عندما كانت في فترة المراهقة في أوروبا قامت بإنتاج الكثير من الأعمال الفنية التي لو عرضت على المعالجين بالفن - الذين كانت تحاضرهم - لخرجوا بتشخيص قد لا يروق لها. كانت لوحاتها تضم " العديد من الشخوص المعلقين برؤسهم المتدلين من شجر، ونسور وحشية تحلق بين الغيوم، وكاثيدرائيات تشتعل ناراً، ومناظر بحرية كئيبة . أذكر بأنني كلما رسمت لوحات أكثر إزعاجاً، كلما شعرت بالراحة بعدها " . ( Cskszentmihalyi, 1976,p.97 ) .

      إن ما  يؤديه العمل الفني هنا هو نوع من إشباع للرغبات الداخلية وتفريغ لشحنات وطاقات نفسية ولها طعم خاص لا يعشر به إلا من مارس الفن من أجل المتعة الذاتية والتعبير عن النفس، وذلك شيء قلما يجده العميل في كثير من مجالات العلاج التقليدية.

      وتظهر فائدة أخرى للإنتاج الفني تجعله متفرداً بخصائص علاجية أخرى وهي التجسيد المستمر البقاء للتعبير. إذ يتميز العلاج بالفن التشكيلي بالحفاظ على التعبير الفني كما صدر من صاحبه من غير تشويه أو تزيف أو نسيان. وفي ذلك فوائد علاجية متعددة تحدث عنها الكثير من أصحاب التخصص ويخبرها الكاتب مع كل عميل .

      يمثل العمل الفني سجلاً دائماً لتطور العملية العلاجية منذ بدايتها حتى أن يكتب لها النهاية، وبغض النظر عن نجاحها أو فشلها فهي في حد ذاتها خطوة نحو  النجاح يستفيد منها العميل والمعالج في كثير من مراحل العملية العلاجية. ومن ملاحظات الكاتب في هذا المجال فإن السجل الفني للعميل المدون في أعماله الفنية عدة نقاط علاجية نلخصها فيما يلي :

      - يكوّن العمل الفني سجلاً تذكارياً لكل جلسة علاجية من خلال العمل الإبداعي .

      - يمكن العميل والمعالج من الرجوع المتكرر للخبرات واللحظات الهامة والاستفادة منها في تحسين العملية العلاجية واختبار تطورها في ظل الخطة العلاجية.

      - تأتي الأعمال الفنية المنتجة بمثابة الجسور الواصلة بين الجلسات العلاجية والتي تخدم في تواصل العملية العلاجية بشكل واضح .

      - تمكن مراجعة الأعمال الفنية المنتجة خلال العملية العلاجية من تكشف بعض النقاط الهامة التي لم يكن بالإمكان إدراكها في الجلسات التي أنتجت بها ومن ثم التعامل معها وتوظيفها في العملية العلاجية.

      - تمكن الأعمال الفنية المعالج من الاستمرار في البحث في مشاعر العمل المتمثلة في أعماله الفنية حتى في لحظة غياب العميل واستنتاج نقاط قد تكون ذات أهمية في سير العملية العلاجية.

      - تمكن المراجعة الدائمة للأعمال الفنية من النظرة الشاملة للحالة النفسية واختلافات المزاج ونوعية التفكير وتطوره مما قد يساعد المعالج في معرفة درجة التطور في العملية العلاجية وما يجب اتخاذه من إجراءات في الخطة العلاجية، إذا ما حدثت تلك المراجعة من حين إلى آخر في الفترة العلاجية.

      - مقارنة بدايات التعبير الفني مع نهاياته تعطي المعالج صورة واضحة في مدى تطور العملية العلاجية وفائدتها الإكلينيكية بشكل قد لا يشوبه اشتباه أو تردد .

      - ملاحظة العميل لتطوره في العملية العلاجية من خلال إنتاجه الفني يعزز من دافعيته ويرفع من معنوياته واستمراريته للوصول إلى ما يصبو إليه من صحة نفسية .

      هذه بعض الفوائد التي من الممكن أن تتضح من خلال التعامل مع المادة التشكيلية في العلاج بالفن. مع العلم بأن فوائد العلاج بالفن تتعدى ما ذكر هنا بكثير ولكن لطبيعة الكتاب الحالي لم تسمح لنا إلا بجرعات قليلة من الفوائد الإكلينيكية للعلاج بالفن والتي يرجو الكاتب أن تكون قد ألقت الضوء على الإجابة على الأسئلة التي عادة ما يصادفها المختص في هذا المجال في مجتمع متشوق إلى معرفة دور الفن في سيكولوجية الفرد .

الخلاصة

      شمل هذا  الفصل من الكتاب عدة نقاط تمهيدية لمجال العلاج بالفن التشكيلي. ابتدأت بتاريخ الصورة في خدمة سيكولوجية الفرد وانتهت بالفوائد الإكلينيكية التي قد يتضمنها التعامل مع الصورة والتشكيل الفني. وبين تلك النقطتين مواضيع مختلفة يدرك الكاتب بأنها مواضيع كبيرة تحتاج إلى التعمق فيها بشكل أكبر مما هي عليه ولكن كما تكرر القول  بأن طبيعة هذا الكتاب بوصفه مدخلاً إلى العلاج بالفن التشكيلي في الوطن العربي لا تسمح بالإطالة والاسترسال والشرح المستوفي لجميع ما ذكر فيه.