King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

إن قضية فلسطين قضية العرب والمسلمين الأولى، في العصر الحديث، وقد هزّت كيانهم، ولا زالت همّهم الأكبر.

إلا أنّ عبئها الفعلي إنّما وقع على كاهل العرب، ففلسطين جزء من الوطن العربي جغرافياً، وبشرياً، وتاريخياً. وبما أن العالم العربي جزءٌ من العالم الإسلامي، فهذه القضية عربية إسلامية، أي أنها ذات مستويين؛ عربي وإسلامي (باعتبار الطرف المعني بها).

ولكن في المحيط العربي تعددت واختلفت مواقف القوى السياسية، والاتجاهات الفكرية والثقافية، تجاه القضية، بتأثير عوامل دينية وقومية واجتماعية، وسياسية وتاريخية.. تفاعلت تفاعلاً سلبياً في تاريخ القضية، مما كان له الأثر الأكبر في تكريس واقع العالم العربي، من التجزئة والتفرقة والتناحر والاختلاف، وهذا الواقع كان له الأثر السلبي المباشر على القضية، بل كان – من وجهة نظر – العامل الأول في استمرار الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وما نجم عنه من مآس، تتفاقم كل يوم.. على مستوى العالم العربي كله، بأشكال عديدة، والهدف أن يظل في حالة مزمنة من الضعف والتخلف، فكانت هذه الحالة سبباً ونتيجة لنجاح المشروع الصهيوني في المنطقة العربية.

وتمثلت المشكلة الكبرى لقضية فلسطين، في العالم العربي، باختلاف النظرة إليها، هذا الاختلاف الذي نتج عنه اختلاف المواقف في التعاطي أو التعامل مع القضية، على الصعيد السياسي. وبشكل عام تنقسم وجهات النظر إلى القضية بين اتجاهين رئيسيين (ديني، وقومي)، فبينما ينظر الاتجاه الأول إلى القضية على أنها قضية إسلامية، يرى الاتجاه الآخر أنها قضية قومية عربية، ولكل من الاتجاهين منطلقاته...

وكان أمراً طبيعياً أن انعكست القضية الفلسطينية على الأدب العربي، ولا سيما الشعر، فظل يحمل هموم الأمة العربية والإسلامية، ويجسّد نبض ضميرها، على اختلاف وجهات النظر والمواقف تجاه القضية. والهدف في هذه الدراسة هو تحليل النصوص الشعرية على الرؤية للقضية الفلسطينية في الشعر السعودي المعاصر،وهي على ثلاثة مستويات؛ الرؤية الإسلامية، والقومية، والاجتماعية. و هو يتمحور على العلاقة بين المضمون والرؤية الشعرية، وللوقوف على هذه العلاقة ينبغي استيضاح مفهومي المضمون والرؤية الشعرية، ومكانة كل منهما في التجربة الشعرية.

 

أما المضمون في الشعر فيعرف بأنه "المعاني والخواطر التي يرمز لها بالألفاظ والصيغ الأدبية"(فالمضمون أحد جانبي العمل الأدبي، والجانب الآخر هو الشكل أو الأسلوب، ولا ينفصل أو يستغنى أحدهما عن الآخر، فهما متلازمان تلازم الجسد والروح، وبهما يقوم النص الشعري، بصفته تجربة شعرية قد تكون مكتملة أو غير مكتملة إنّ قضية الرؤية في التجربة الشعرية، وعلاقتها بالمضمون تندرج في قضية المبنى والمعنى أو الشكل والمضمون، والنظرة إلى الشعر.

وبالنسبة للشعراء السعوديين تختلف نظرتهم ومناهجهم في تجاربهم الشعرية، اختلافاً يتمايزون فيه من جيل إلى آخر، فشعراء الجيل الأول كانوا اهتمامهم ينصب على المعنى، بينما جيل الابتداعيين نظروا إلى المضمون بأنّه وسيلةً للإفضاء بما في نفس الشاعر، فتردّدوا بين المضمون والرؤية. وأما جيل الشباب من الشعراء المعاصرين فأكثرهم من شعراء الرؤية([1])، في مستويات واتجاهات أدبية فنية مختلفة،

و الرؤية الإسلامية لقضية فلسطين – أدبياً وفكرياً – تنبثق من التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة، وتستند إلى العقيدة الإيمانية، ولذلك تتميز بالشمولية، فهي تحيط بكل جوانب القضية وأبعادها، من خلال حيثياتها وخلفياتها، فليست في حقيقتها نزاعاً على (أرض/ وطن) بين شعبين أو أمتين فيمكن تسويته ([2]). إنها قضية صراع عقيدي قديم، يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، إلى عهد أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، حيث هاجر إلى فلسطين فارتبطت منذ ذلك التاريخ بالوحي الإلهي، بالرسالات السماوية ([3])، فكان الصراع بين الحق والباطل، بين الدعوة إلى الله وبين اليهود الذين حاربوا جميع الرسالات السماوية،     

والأدب في النظرة الإسلامية، وباعتباره فناً؛ هو "رؤية للواقع من خلال ذلك الانفعال الذاتي الخاص بالأشياء والأشخاص والأحداث و"تفسير" لهذا الواقع في ذلك الضوء الخاص، تفسيراً شعورياً – لا فلسفياً فكرياً – كما أنه "رؤيا" للمستقبل، وللمجهول، وللماضي كذلك بنفس الشروط"([4]).

ولكن بلغت  والإسلامية في هذا العصر مبلغاً من الضعف يبعث على شعور باليأس والإحباط، عبّر عنه بعض الشعراء، في مثل قول الشاعر علي أحمد النّعمي:([5]) من (البسيط)

ها قد غَضِبْنَا وَحبَّرْنَا مواجِعَنَا
قولاً.. وَلِلقولِ دورٌ في قَضِيَّتنَا
وَأَنّهُ رَغْمَ كلّ الْجُهْدِ يعجزُ عن
فقد مَحَى السّيفُ مسلولاً بَلاغَتَنَا

 

وما نُقاسيهِ في شعرٍ، وفي خُطَبِ
لكنّهُ دونَ فِعْلٍ فاتِرَ السَّبَبِ
رَدْعِ الطّغاةِ وكسبِ الفَوْزِ والغَلَبِ
و"السّيفُ أصدقُ إنباءً مِنَ الكُتُبِ"

 

وفي المعنى نفسه يقول الشاعر عبد الله بن زيد آل داود:([6]) (من البسيط)

قَصائِدِي لملميها اليومَ يا نارُ

 

أَنْشَدْتُ لَكِنْ أباة الضَّيمِ ما ثَارُوا

 

ويقول:

هذي الحجارة أبياتُ القصيدِ وذي

 

أيدي الأباةِ مزاميرٌ وَأَوْتَارُ

 

وكلا الشاعرين يرمي إلى ضرورة الفعل العملي في الصراع ضد العدو، فما نفع القول شعراً أو غير شعر – فيما يخصّ القضيّة – إن لم يعدله العمل، وكلا الشاعرين أيضاً عبّر عن ضيقه بحالة الاستكانة التي آلت إليها الأمة الإسلامية. ومن هنا تبدأ رحلة هموم القضية ومعاناتها، لدى شعراء الرؤية الإسلامية، من الشعراء السعوديين المعاصرين.

ويرسم الشاعر أيمن عبد الحق صورةً لشخصية الإنسان الفلسطيني في معاناته، يتمثل فيها شخصيّة الصحابي الجليل بلال بن رباح – رضي الله عنه – الذي قهر أئمّة الكفر والشرك، في بداية عهد النبوّة، بصبره على أذاهم، وثباته على الإيمان والحق. يقول الشاعر على لسان الإنسان الفلسطيني:([7]) (من بحر الكامل)

أحدٌ أحدْ

شَرِقَتْ بها أمّي

وَقَدْرَ أنينها انكفأتْ

لِتحرقَ صمتَكُمْ وتسُفَّ في أحداقِكمْ

نارَ الكمدْ

وبذلك يعرّي واقع المسلمين اليوم، في مواقفهم المتخاذلة تجاه الطغيان الصهيوني، فلم يعد المسلمون في حاضرهم كما كانوا (كالجسد الواحد..).

وفي مقطع آخر من القصيدة يقول الشاعر:([8])

أحدٌ أحدْ

يا وجه أمّي

يا زماناً فرّ مِنْ وَجْهِ الزّمانِ

ولم يعدْ

 

 

و  في الشعر السعوي المعاصر فقد كانت الانتفاضة انعطافةً جديدة، وجد فيها الشعراء السعوديون صوابية الرؤية الإسلامية، وعبّروا عن ابتهاجهم بها، فقد فتحت آفاقاً جديدة في الصراع مع العدو، وغيّرت كثيراً من وجهات النظر والرؤى تجاه قضية فلسطين، خاصةً وأنها منذ بدايتها كانت ذات طابع ديني إسلامي، تجسّد الروح الجهادية الإيمانية، فاستقطبت اهتمام العالم أجمع، واحتفت بها جماهير الأمة الإسلامية. ومنذ أن قامت واكبها الشعراء السعوديون في حركتها الجهادية، وبعضهم أفرد لها مجموعاتً ودواوين شعرية، ومنها – على سبيل المثال – انتفاضة القصائد، وصوت الحجارة وأصداء الصهيل؛ للشاعر عبد الله سالم الحميد، وشموخ في زمن الانكسار، للشاعر عبد الرحمن العشماوي، وبعض المجموعات والدواوين ضمّت قصائد عن فلسطين، واشتملت على قصائد للانتفاضة، مثل مجموعة (نزيف الشهداء) للشاعر زاهر عواض الألمعي.

 

ومن نماذج شعر الانتفاضة قصيدة (نشيد النصر)([9]) للشاعر عيسى علي جرابا، تقع في تسعةٍ وعشرين بيتاً. استهلها يقول:([10]) (من بحر الكامل)

 

ضُمَّ الحجارةَ واسقِهَا ماءَ الهُدَى
أَحْرِقْ وجوه الغاصبينَ ولا تدعْ
لا تَسْتمعْ لِلنّاعقين وَسِرْ على
واثْأَرْ لِمَنْ عَشِقَ البطولةَ وامتطى
واغْسلْ بِشلاّلِ الدّماءِ ثراكَ مِنْ

 

فبها ستُصْبِحُ فوقَ أرضِكَ سيّدا
أبداً عليها خائناً أو مُلْحِدا
دَرْبِ الجهادِ مُكَبّراً وَمُوَحِّدا
إيمانَهُ حتّى هوى مُسْتَشْهِدا
رجسِ اليهودِ وَروِّ منه المسجِدا

 

 

ثم يستحضر الشاعر مشهد استشهاد الطفل الفلسطيني (محمّد الدرّة) لينسف به كلّ دعوات السلام الزائف مع إسرائيل. يقول:([11])

أين السلام؟ وأينَ مَنْ يهذي بِهِ؟
قد كانَ خلفَ أبيهِ يصرخُ خائفاً
وعليهما صَبَّ العدوُّ حِمامَهُ
فهوى شهيداً غارِقاً بدمائِهِ

 

أَوَ مَا رأى طفلَ الفدا محمّدا؟
وأبوهُ يصرخُ في الورى مُسْتَنْجِدا
حِقْداً يُصَيّرُ كلّ رابيةٍ مُدى
طفلاً على كَفَّيْ أَبيهِ مُمَدّدا

 

 .

وللشاعر محمد بن ناصر الخليف قصيدة (مَنْ أَنَا) "في طفل الحجارة الفلسطيني"([12]). قال فيها على لسانه:([13]) (من بحر الوافر)

أَنَا طِفْلٌ، ولكنْ لستُ أَلْهُوا
بنورِ اللهِ صرتُ الآنَ أحيا
على تكبيرِ أمِّي كنتُ أغفو
وأسرارَ التشهّدِ لقّنتْني

 

وشيخٌ في صبا يومي المورّدْ
لأَغْرسَ أنجماً بالليلِ تُرصدْ
وفي السّجَدَاتِ أرقبُهَا وأشهدْ
رموزَ العزِّ كانَتْ لي تُجَسِّدْ

 

وهذه لفتةٌ مهمّةٌ وذكيّةُ من الشاعر، فقد تردّدَ كثيراً تعبير "أطفال الحجارة" ولا سيما في بدايات الانتفاضة، وربّما ظُنّ بهذا التعبير أو أُريد به – وقتداك – أنّ الأمرَ لا يعدو كونه ظاهرة شغبٍ يقوم بها الأطفال الفلسطينيون، ولكن الحقيقة، كما عبّر عنها الشاعر في هذه القصيدة، هي أن هذا الطفل لا يقاس إدراكه بعمره الزمني، وإنما بعمر المأساة التي يعشها الشعب الفلسطيني منذ عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانية وَ أربعين للميلاد ، بشكل دائم ومتواصل عبر الأجيال، فهذا الطفل اختصر العقود من الزمان على يدي والديه وذويه، ونشأ على واقعٍ يعيه..، فهو طفل ولكن بداخله شيخٌ.. بداخله أم وأب وأخ ومواطنون.. ودماء شهداء.. ودموع وَمأساة، أيقن أنّها لا تزول إلاّ بالمواجهة الشجاعة، فالانتفاضة صدرت عن عقيدة وإيمان، بأن الجهاد المقدّس هو السبيل إلى الحياة الحرّة الكريمة، وكما يقول الشاعر، على لسان الطفل الفلسطيني:([14])

فمنْ يعجبْ لسيرتنا فإنّا

 

جنودُ اللهِ مِنْ أطفال (أحمدْ)

 

ومن قصائد الانتفاضة قصيدة "إلى أبطال الحجارة" للشاعر عبد الله بن سليم الرشيد، يقول فيها:([15]) (من بحر البسيط)

أقبلْتُ مِنْ أُجُمِ الآسادِ، مُخْتَضِبًا – دماً،

 

أُغِذُّ إلى دنياكُمُ السَّفرا

 

ويقول:

في سَفْحِ حِطّينَ قد خلّفْتُ نائحةً
تبكي جوادَ (صلاح الدين) عفّرَهُ

 

تبكي عليهِ جواداً باتَ مُنْعَفِرَا
علجُ اليهودُ وعفّى بعدَهُ الأثرَا

 

وبهذه الصورة العكسيّة لشخصيّة صلاح الدين يعبّر عن تألمّه للمفارقة بين الماضي والحاضر في تصوير المأساة الفلسطينية، فيرتدّ إلى فجر التاريخ الإسلامي لفلسطين، حيث يقول:([16])

والقدسُ، في دَمِها الموّار صارخةٌ

 

مَنْ ذا يُعيدُلنا في عدله عمرا

 

والعودة إلى التاريخ الماضي، اوستدعاء رموزه، إنّما يعبّر به الشعراء عن تردّي وضع الأمة في تا

 

 

وأما الرؤية القومية للقضية، فتقوم على اعتبار أنها قضية عربية بالدرجة الأولى، فيركز الشاعر على معالجتها في واقعها العربي، في جانب من جوانبها، أي يهتم بها كقضية قومية، ويمكن أن نضيف أنّه يعالجها من منظور عربي أو من وجهة نظر عربية، وليس بالضرورة أن تتضاد الرؤية القومية مع الرؤية الإسلامية، بل لا يُتَوَقّع ذلك، خاصة وأن جميع الشعراء السعوديين عربٌ مسلمون، فكثيراً ما تتداخل في أشعارهم الرؤيتان الإسلامية والقومية في معالجاتهم لقضية فلسطين، بحكم عروبتهم وإسلاميّتهم، حسبما تملي عليهم مواقفهم، فثمة شعراءٌ يعدّهم النقّاد قوميين، قد عالجوا القضية برؤيةٍ إسلامية،    ، في موضوع واحد، هو مذابح ومجازر المخيمات الفلسطينيّة في صبرا وشاتيلا على أيدي الصهاينة وعملائهم.

 

فأصحاب الاتجاه القومي من الشعراء السعوديين المعاصرين لا تتنافى رؤاهم للقضيّة الفلسطينيّة مع الرؤية الإسلاميّة، وإنما تعاملوا مع القضيّة من موقع الإنسان العربي المسلم الذي يرى أنّ هذه القضيّة تخصّ قومه (العرب). وسيتضح ذلك في الفقرات التالية:

 

-   ، ومن الشعراء الذين كانت لهم هذه الرؤية في القضيّة الفلسطينيّة؛ في محيطها وواقعها العربي؛ الشاعر   غازي القضيبي:

يقول القصيبي في قصيدته المذكورة: ([17]) (من بحر البسيط)

نهرٌ مِنَ الدَّمِ.. فامشي فيه واغتسلي
تأمّلي جُثَثَ الأطفالِ... وانفعلي
ماذا يُخيفُكِ؟ هَلْ بعدَ الحِمامٍ ردى؟
هَلْ أنْتِ مُتِّ... فقومي الآنَ وانتفضي

 

مِنَ الجنابَةِ... يا أُنْثى بلا خجلِ
وَطالعي جُثَثَ الأشياخِ... واشتعلي
وهل سِوى الأجَلِ المحتومِ مِنْ أجلِ؟
قدْ يصبحُ الموتُ ميعاداً معَ الأزلِ

لم يكن التعبير في المطلع لائقاً، وكان بوسع الشاعر أن يتجنّب هذه الألفاظ، ولا شكّ أن الحدث كان مأساة، ومِمّا يزيد في مأساوية هذا الحدث، أن نهر الدم هذا؛ كما يقول الشاعر – أنّه:

ما مات فيه عدوّي مات فيه أخي

 

بطعنةٍ مِنْ أخي مسمومةَ القُبَلِ

ثم يقول في مخاطبته تلك الأُنثى:([18])

نهرٌ من الدَّمِ... فامشي فيه وارتشفي

 

حتّى الثُّمالةِ... يا أُضحوكة الدولِ

 

ثم يعرض القصيبي لفلسطين؛ فيقول:

قالوا فلسطينُ.. قلْنا الحيْنُ عاجلَهَا

 

فاستسلمتْ لمُدَى الجاني على عَجَلِ

وما مكّن الجاني منها إلا الزعامات العربية، أبو فلان.. وأبو فلان.. وترى كل واحدٍ من هؤلاء يلقي اللوم على الآخر، بل يتهمه بالتواطئ والتخاذل. فيقول القصيبي:

قتلتموها جميعاً!... إنّ واحدَكُمْ

 

"أبا الخديعَةِ" أضحى.. أو "أبا الدجَلِ"

 

ويرى القصيبي أنّ جناية ضياع فلسطين لا تقتصر على الزعامات العربية، بل من ورائهم الجماهير العربية، ذلك حيث قال: ([19])

ونحنُ يا سادتي ما بَيْنَنَا رجلٌ

 

إلاّ وطلّق طوعاً نخوةُ الرّجُلِ

 

ثم يعرض أبرز خصائص الزعامات العربية المتفردة، وبها قد تمثلت عروبة الزمن الرديء. فيبدأ بهذا العرض حيث يقول: ([20])

قالوا العروبةُ قلْنا أمّةٌ دَرَجَتْ
في كلِّ شبرٍ زعيمٌ رافعٌ عَلَماً
تمشي الهزيمةُ عاراً فوقَ منكِبهِ
في كلِّ شبرٍ.. زعيمٌ مدّ قبضَتَهُ
وكيف ينطِقُ مَنْ سَدُّوا حناجَرهُ؟

 

على الشّقاقِ فأَضحَتْ مضربَ المثلِ
يقولُ إنِّي وحيدُ النّاسِ في مُثُلِي
لكنَّهُ باحتفالِ النّصرِ في شُغُلِ
على الجموعِ.. فلم تفعل.. ولم تَقُلِ
وكيفَ يمشي بعبْءِ القيدِ ذو شللِ؟

 

فلا همّ لهؤلاء الزعماء سوى الزّعامة، وفي سبيلها يفعلون كل شيء، فهي أرضهم الحرام، وحماهم الذي لا يرام، وبها قد تمزّقت العروبة أشلاءً، في نزعةٍ ردّتها إلى جاهليتها، فكما يقول القصيبي:

فداحسٌ لم تزلْ بالثأرِ مُولعةً
وقادةُ العربِ سَلُّوا السيفَ وارتجزوا

 

ونشوةُ الحربِ في الغبراءِ لم تَزَلِ
يا أُمَّةَ العربِ سُلّي السيفَ واقتتلي!

 

هذا هو واقع التجزئة القطريّة؛ تكرّسه الزعامات العربية، فمن لقضية فلسطين من العرب؟ وهل ثمة أملٌ نتعلّق به؟.. إنّ للشاعر رؤيةً في ذلك حيث يقول:([21])

نهرٌ من الدّمِ.. عبرَ اليأسِ وشوشني
وقالَ إنّ دمَ الأطفالِ مُبْتَهِلٌ
وقالَ إنّ خيولُ اللهِ قادمةٌ

 

بأنَّهُ سوفَ يسقي الكون بالأملِ
عند الذي لم يُضَيّعْ جرحَ مُبْتَهِلِ
وقالَ إِنّ بنودَ اللهِ لم تَمُلِ

 

إنه يصدر في رؤيته عن إيمانٍ بأن الله سبحانه وتعالى لا تضيع عنده دعوة مظلوم، وأنّ لكلّ ظالمٍ نهاية، فلا بدّ أن ينتصر الحقّ على الباطل مهما تجبّر الطغاة وتمادوا في غيّهم، فعلى الرغم من كل بواعث اليأس؛ فإنّ روح الجهاد وحبّ الشهادة لا زالت جذوتها حيّة في النفوس المؤمنة، وفي ذلك يقول:

نهرٌ من الدَّمِ في قلبي.. يبشّرني

 

كما أبشّرُهُ.. إِنّ الشهادةَ لِي

 

وبهذه الرؤية فإنه يبعث الأمل في الخلاص من جوف المأساة، فنهر الدم هذا لن يذهب هدراً، ولَسَوْفَ يكون له ما يعد له من ثورة ضدّ الطغاة، ويصدقُ ذلك أعمال المقاومة الفلسطينية، والتي نقلت ساحة الصراع مع العدو إلى داخل الأرض المحتلة بشكل غير مُتَوَقع، في وقت وظرفٍ سياسي كان لصالح إسرائيل بكلّ جوانبه وعلى كل المستويات.

ولقد كان للانتفاضة الفلسطينية أبعادها في الشعر السعودي المعاصر، في رؤى الشعراء، في اتجاهات مختلفة بين رؤية إسلامية –   – ورؤيةٍ قومية (في هذه الفقرة) وذلك من خلال قصيدة الانتفاضة التي استقطبت طاقاتهم، في معالجة القضية الفلسطينية وخاصةً في جانب الصراع العربي الصهيوني. ومِمّا تجب ملاحظته بدايةً أنّ قصيدة الانتفاضة في الشعر السعودي المعاصر؛ تنشأ في إحدى حالتين: الأولى – أن يكون للقصيدة مناسبة معيّنة، من حوادث الانتفاضة، في المواجهات الدامية مع قوات الاحتلال الإسرائيلي. والثانية – لا يكون للقصيدة مناسبة معينة من ذلك، إنما تكون الانتفاضة بحدّ ذاتها هي المناسبة..

وفي كلتا الحالتين؛ الهدف في هذا الموضع هو الوقوف على طبيعة الرؤية القومية وحدودها، تجاه القضية الفلسطينية عامة، والانتفاضة خاصة، لدى الشعراء السعوديين المعاصرين، من خلال بعض القصائد.

أما في الحالة الأولى؛ فيكون للقصيدة مناسبة معيّنة، ومن الأمثلة على ذلك قصيدة (الانتفاضة قِبْلَتُنا والإمامُ الحجرُ)([22]) للشاعر جاسم الصحيح، وقد أهداها لروح الطفل الشهيد محمد الدرة.

يبدأ الشاعر قصيدته بنظرةٍ إلى حادث استشهاد الطفل محمد الدرة، فلا يراه بحدوده الملموسة الظاهرية، بأنه مجرد حادث قتل مؤلم، بل نظر إلى الحدث بما يعنيه، باحتفالية إيمانية تعطيه أبعاده في الفعل والإرادة. وذلك حيث بدأ، يقول:([23]) (من بحر المتقارب)

(بُراقٌ) مِن الزّغرداتِ

يمدُّ جناحَيْهِ ملءَ الشْفاهِ..

فلا تبتئسْ يا (محمَّدُ)

معراجُكَ الآنَ يمتدُّ عبر الفضاءِ الحديديِّ

حيثُ الزغاريدُ عالِمةٌ بالمجرَّاتِ

فاخلعْ ضلوعَكَ درعاً على جَسَدِ (القدسِ)

واعرجْ إلى قمَّةِ الانعتاقْ

وَحينَ تَهِمُّ (الصّواريخُ)

صوِّبْ صلاتَكَ..

 

 

(محمَّدُ) جرحٌ على خدِّ تفَّاحةٍ

لم يزلْ دمُها عالقاً بالرصيفِ

يطرّزُ إسفلتَهُ بالذَهَبْ

جاءني.. والعروبةُ ما بين أضلاعِه تنتحبْ

وأهدى إلى العَرَبيِّ المكبَّلِ في جُثَّتي وردةً من عَتَبْ:

لماذا تظلُّ (الشهادةُ) نائمةً في الكُتُبْ ؟

لماذا تطيرُ اليمامةُ أقصرَ من خوذةِ العسكريِّ

....

هُنا في فضاءِ العَرَبْ ؟

إذنْ كيف نرجم طائرةً

بالأَذَانِ الذي لا يُطيلُ رقابَ المآذنِ !!

بعضُ المآذن قد هَرْوَلَتْ للجهادِ

ازحفي يا شهادةُ..

محرابُنا العنفوانُ المقدَّسُ

و(الانتفاضةُ) قِبلُتنا

فازحفي يا شهادةُ..

إنَّ المقاليعَ قد دَخَلَتْ في الصلاةِ

تُسبِّح خلفَ الإمامِ/ الحَجَرْ

تلك هي رؤيته لبعض ملامح الواقع العربي، يظهرها من خلال نظرة الشهيد وموقفه من قومه، فالشهادة لم تعد فعلاً واقعيًّا، أو واقعاً تعيشه الأمة عندما يقتضي الأمر، ولذا كان الشهيد عاتباً، وهذا العتب هو موقف الشهيد – كرمزٍ – لكل المقاومين، والمعنى: لماذا لم ينصر العرب قومهم في فلسطين؟ فظلت الشهادة بكل معانيها وقيمها حبيسةً في بطون الكتب؟ وثمة أسئلة ينطوي عليها عتب الشهيد، فيما قاله جاسم الصحيح.

 والرؤية الاجتماعية والمقصود بهذه الرؤية الجانب الاجتماعي في معاناة الشعب الفلسطيني، بدوافع إنسانية، وكما ذُكر في المبحث السابق، فإن الشعراء السعوديين اهتموا بهذه القضية بحكم أبعادها؛ الإسلامي، والعربي، "وبحكم بعدها الإنساني، من حيث الوضع المأساوي الذي يعانيه الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الصهيوني البغيض، الذي يواجه أبشع ألوان الهمجية والعسف والطغيان والعنصرية"([24]). وذلك من خلال بعض النماذج الشعرية، التي تضمنت اهتمام الشعراء بموضوعات اجتماعية (الجانب الاجتماعي) في حياة الشعب الفلسطيني، لإثارة المشاعر الإنسانية نحوه، والاهتمام بعدالة قضيته على المستوى العالمي. وعلى ذلك ستكون دراسة المادة الشعرية – موضوعياً – بالتركيز على جانبين:

أولاً: دراسة الموضوعات الاجتماعية من واقع مأساة الشعب الفلسطيني ومعاناته.

ثانياً: الرؤية الاجتماعية للقضية الفلسطينية، بمفهومها الإنساني، بمعنى النظرة الإنسانية للقضية.

فهذا الشاعر حمد سعد الحجي يؤرّقه الهم الإنساني الكبير، في قصيدته (ليل الاستعمار)([25]) فيجسّد صرخات الإنسان وعذاباته،    ، وقد عبّر الشاعر عن مشاعر هذا الإنسان – بمعناه العام – من خلال شخصيات أدبية، وكان الشاعر نفسه أحد هذه الشخصيات. يقول:([26]) (من بحر الكامل)

وسمعته والليل يعلوه السكون

والظلمة السوداء جَلّلَتِ السّهولَ مع الحزون

يدعو على المستعمرين

ويضمّدُ الجرحَ العميقَ بصدرِهِ

ويقاتلُ المتحكِِّمين بأمرِهِ

ويردِّدُ الصيحات..

وكل ذلك بينه وبين نفسه، في حالةٍ من الهمّ والقلق، يساهر الليل، لا يجد لأزمته مخرجاً، ويصف الشاعر صيحات هذا الإنسان بأنها كانت:

صيحات طوالٍ في خفوت

لكن ذاكَ الصوت يخنقه السكوت

 

وطبيعيٌ أَنْ ينتابهم اليأس، وأن يملأ نفوسهم الغيظ، ولكن ماذا يمكن لهم أن يفعلوا وقد صاروا إلى هذه الحال، التي ينقل منها الشاعر هذه الصور البائسة المحزنة، ومنها ما تضمنه المقطع التالي من مشاهد تصوّر معاناة الشعب الفلسطيني، في حياة التشرّد والعذاب. يقول الشاعر:([27])

ألارحمتاهُ لطفلٍ صغيرْ!

غذتْهُ يدُ اليُتْمِ ثدياً كسيرْ

أطلّ وليلُ الأسى مسدلُ

وهلّ وسهمُ الضّنا مرسلُ

ألا رَحْمَتاهُ لشيخٍ كبيرْ

تردّى مِن الثّكلِ ثوبَ الأجيرْ

وأعمى يسيرُ ولا مَنْ يقودْ

وَخَوْدٍ تشبّ بعمرِ الورودْ

مهلهلةُ الثوبِ في طَرْفِهَا

ظِلالُ الغَدِ المظلم الحائِرِ

ألا رحمتاهُ لهذا الشبابْ

سقتْهُ الحياةُ كؤوسَ العذاب!

 .

 

-    ومن الصور المأساوية التي تستثير المشاعر الإنسانية؛ صورة المرأة المشردة، كما في قصيدة (الجناح المهيض)([28]) للشاعر محمد هاشم رشيد. قال فيها:([29]) (من بحر المتقارب)

 

 

أطلّتْ وفي ناظريْها.. نداءٌ
وَذلُّ توشّحَهُ الكبرياءُ
وَمَدّتْ إليّ يداً تنطوي
وفي هدْبِهَا رعشةٌ لم تزلْ

 

نداءٌ.. يجلجلُ.. في أَضْلُعي
وترويه.. بالأمل المْمُمْرِعِ
على لقمةٍ عفّرتْها الرّياح
تخطّ بصدري.. طريق الجراح

 

وقال:([30])

وتصمتُ والدّمعُ خلفَ الجفون
تكفكفه.. وهو في ثورةٍ

 

يبوح.. بأعمقِ أسرارها
تذوبُ الأعاصيرُ في نارِها

 

 

مشرّدةٌ.. جرّعتْها الليالي
فسارتْ مكبّلةً.. بالقيود

 

كؤوساً.. يعربدُ فيها الشّقاء
على الشّوك.. تَنْشُدُ بعض العزاء

فبأي شيءٍ تتعزى امرأةٌ مشردة؟ إنها تمثل مأساة الشعب الفلسطيني، وقد صار إلى حياة جحيم لا تطاق، وكلّ فردٍ منه يحمل همّ وأسى المأساة بكاملها، لفقد الوطن، ولضياع الكيان الإنساني، والإحساس بالوجود الذي لا يحسّه الإنسان إلا داخل وطنه، بل إلا عند ما يكون له وطن حر.

وفي نهاية القصيدة يرفع الشاعر نداءً من أجل اللاجئين. فيقول:([31])

نداء الحيارى، الجياع، العراه
وقد عفّر البؤس غرّ الجباه

 

يبيتونَ، تحتَ الأسى والظلام
ناموا مع الموت، تَحْتَ الخيام

 

ولم يقف الشعراء السعوديون عند صور معاناة الإنسان الفلسطيني في مأساته، بل جسّدوا إحساسه بالألم، بكلّ شرائحه، ومنها المرأة، فقد صوروا معاناتها، في الشتات، وداخل الوطن المحتل، ونقلوا إحساسها بهذه المعاناة، بل نقلوا على لسانها فصولاً من المأساة، في مثل قصيدة (حديث أم) للشاعر عبد السلام هاشم حافظ، فقد استحضر شخصيّة الأم الفلسطينيّة، في الأرض المحتلة، فتقمّصها ليروي حديثاً تبثّه لابنها، فاستهل يقول:([32]) (من بحر البسيط)

بُنَيَّ.. ماذا عرا أحياءنا الخضرا
ماذا رأيتَ من الشبّاكِ يُفزِعُنا؟

 

بُسْتاننا والبيوتَ البيضَ والنّهرا؟
ماذا عرفْتَ من العدوان استشرا؟

 :

بُنَيّ مهلاً.. فإنّي اليومَ راويةً
فأنْتَ لم تشهْدِ المأساةِ طاعنةً

 

لك الأعاجيبَ مِمّا كان أو مرّا
إخوانَنَا والرّبا والحقلَ والزّهرا

 

وَقَدْ تمادى العدوّ الوغدُ في النقَمِ

 

               

 ، بل ضرورته، لما له من أبعاد، فهو الأساس في ربط أجيال الفلسطينيين بوطنهم، وإعدادهم لمواجهة العدو الصهيوني. فإذا استطاعت يدُ الغدر والعدوان أن تسلب أرض فلسطين وتشرّد أهلها؛ فإنّه يستحيل عليها أن تنزع فلسطين من قلوب أبنائها، فها هي الأمّ الفلسطينيّة تدفع بفلذة كبدها إلى ميادين التضحية وَالفداء، ولا تبالي، وهذه كانت غاية حديثها، فاسمعها تخاطب ابنها؛ تقول:([33])

 

هيّا بُنَيّ وأنت الكلُّ في ثقةٍ
كلُّ الشباب فدائيّونَ.. انطلقوا

 

تُعيدُ موطِنَنا.. مَنْ غيرُهُ يُفْتَدَى؟
بلْ شيبَةً، ونساءً نحنُ أهل الفِدَا

 

نفدي فِلَسْطيننا بالرّوحِ والهِمَمِ

 

 

إنّ معاناة الشعب الفلسطيني قاسيةٌ ومؤلمة، إنه يعاني مأساة نوعية متميزة، في كل مراحل تطورات قضيّته. ولا تنفصل معاناة فئة منه عن فئة أخرى، إلا أن هناك تمايزاً بين حالةٍ وحالة، وبين فئة وأخرى، فالشباب والرجال أكثر تحملاً من النساء والشيوخ والعجّز، والأطفال، ولذلك نجد الشعراء السعوديين قد عالجوا جوانب المعاناة على مستوى الشعب الفلسطيني بكل فئاته، داخل الأرض المحتلة وخارجها، هذا من جهة، ومن جهةٍ ثانية خصّوا كلّ فئةٍ بقصائد خاصة في تصوير معاناتها، على نحو ما كان في قصيدتي (الجناح المهيض) للشاعر محمد هاشم رشيد، وقصيدة (حديث أم) للشاعر عبد السلام هاشم حافظ، وذلك لخصوصية وضع المرأة وطبيعتها، ولنذكر هنا أن جميع الشرائع والقوانين تراعي خصوصية النساء والأطفال، والعجزة والمسنّين، كما أن المواثيق والأعراف الدولية في العصر الحديث تمنع الإعتداء على هذه الفئات حتى في الحروب التي تنشأ بين الدول، بل وتمنع الاعتداء على المدنيين الآمنين كافة. فبكل المقاييس والمفاهيم كانت مأساة الشعب الفلسطيني مأساةً فريدة، وجريمة بحجم المجتمع العالمي المعاصر، ومخالفةً لكل الشرائع والقيم والأعراف... وآلم ما كان فيها معاناة العاجزين والمسنين والنساء والأطفال.

وَالأطفال أكثر معاناةً من غيرهم، من الفئات الأخرى، نظراً لطبيعة الطفولة في براءتها، فمعاناتهم أشد إيلاماً في النفس الإنسانية، فنجد الشعراء السعوديين قد عنوا بمعاناة الأطفال الفلسطينيين عنايةً خاصة، في شعرٍ حمل بثّهم وحزنهم تجاه أطفال فلسطين، فصوّروا ألوان معاناتهم، وجسّدوا أحاسيسهم، بل شاطروهم المأساة في أشعارهم. ومن ذلك قصيدة (صوت فلسطيني صغير) للشاعر حسين سهيل، أنشأها على لسان أبٍ فلسطيني، يروي ما كان من طفله الصغير. يقول:([34]) ( من بحر الرجز)

يقول لي طفلي الصغيرُ

يا أبي..

متى نعودُ يا أبي إلى "الخليلْ"

متى نعودُ يا أبي لساحِهِ الجميلْ

لواحةِ النخيل..

لظلّها الظليل..

أحبّ زهرَها وماءَها

وليلَها البليل

 :([35])

إلى متى يظلّ يا أبي الخريف؟

كنتُ أحبّ يا أبي الخريف..

لأنّه إذا أتى..

يخرج ضاربوا الدفوفْ

وناقشوا الكفوفْ

ويرقصون بالرّماح والعصيّ والسّيوف

هكذا كان الخريف، كما يحسّه ويراه الطفل الفلسطيني، يومَ كان في وطنه، وقتاً يحتفل فيه الناس بنهاية الموسم وجني المحاصيل، في احتفالية تشبه أجواء الملهاة اليونانية القديمة. كما في هذه الصور التي يرسمها الشاعر على لسان الطفل الفلسطيني المشرّد، وهي صورٌ اجتماعيّة تفصح عن الخصائص والسمات الشعبيّة للشعب الفلسطيني، وتجسّد بعض ملامحه الاجتماعيّة.

ولكن خارج الوطن، تبدّلت صورة الخريف لدى الطفل المشرد، فصار رمزاً لاصفرار الحياة، بما يعنيه من الإشراف على النهاية البائسة، فبدا الكون؛ وقد غشيه شحوب، يوحي بالموت، فكذا صار الخريف مخيفاً، حيث يسأل الطفل أباه يقول:([36])

إلى متى يظلّ يا أبي الخريف؟
أجدُني أكرهه..
ولا أطيقُ أنْ أراه..
جاثماً على الصدور..
بوجهه المخيف..

 

ومن صور العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني اجتياح لبنان عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين للميلاد، ومجاز صبرا وشاتيلا، فضلا عمّا ذهب من ضحايا جرّاء ذاك الاجتياح العدواني.

وقد استأثر هذا الحدث غير المسبوق باهتمام الشعراء السعوديين، إذْ ذُهلوا له، وشعروا بالصدمة والخيبة من موقف العرب خاصةً، والمسلمين عامة، فتناولوه بقصائد عديدة، وأعطوه أبعاده، وحذّروا الأمة العربية والإسلامية من التهاون والتجاهل لحقيقة العدو الصهيوني.

كان ذاك الاجتياح يستهدف وجود الفلسطينيين في لبنان سياسياً وعسكرياً واجتماعياً، وبنفس الوقت هو اعتداء على لبنان، وقد تحمل مع الفلسطينيين ما نتج عنه من أضرار في كافة المجالات، بالإضافة إلى أنه يُعَدُّ اعتداءً على العرب والمسلمين بأجمعهم. وبهذه النظرة الشموليّة تناول العديد من الشعراء السعوديين حدث اجتياح إسرائيل للبنان، ومنهم الشاعر عبد الله بن إدريس، في قصيدته (واخجلتاه)([37]) وهي قصيدة مطّولة تقع في خمسةٍ وأربعين بيتاً، استهلها بقوله:([38]) (من بحر الكامل)

واخجلتاهُ لأمّتي ولديني
واخجلتاه لأمتّي أيدوسُها
يجتاحُ لبنانَ الجميل مُدَمِّراً
واخجلتاهُ يُبادُ شعبٌ مسلمٌ

 

مِنْ موقفٍ مُتَخَاذِلٍ مأفونِ
شعبُ المهانة مِنْ بني صهيوني؟
ما شاده الإنسانُ عبرَ قرونِ
بمدافع "الريجانِ" و"البِيْغيني"

 

 

ليستْ بحربٍ كالحروب سماتُها
شعبُ الشجاعةِ والمهارة "والفدا"

 

بَلْ ذبحُ شعبٍ جيّدَ التكويني
من (لاجئ) الأقصى وَمِنْ حطّينِ

 

ليستْ بحربٍ كالحروب سماتُها
شعبُ الشجاعةِ والمهارة "والفدا"

 

بَلْ ذبحُ شعبٍ جيّدَ التكويني
من (لاجئ) الأقصى وَمِنْ حطّينِ

 

وما كان ذنب هؤلاء الذين داهمهم العدوان الصهيوني إلاّ أنّهم لم يستكينوا له، كما يقول الشاعر:([39])

ما ذنبُهم إلاّ افتداء بلادهم

 

من غاصبٍ مُتَعْجرفٍ ملعونِ

 

وإنّما أراد الصهاينة قتل روح المقاومة في نفوس الفلسطينيين واللبنانيين من غير عملاء الصهاينة آنذاك، على حدٍّ سواء، ثم يذكر الشاعرُ أنّ:([40])

مليونُ نَفْسٍ قُتِّلُوا أو شُرِّدوا
"مليونُ" نَفْسٍ قُتّلُوا أَوْ شُرِّدوا

 

ومدائنُ دُكّتْ كيوم الدّينِ
مِنْ غيرِ ما مُسْتَقْبَلٍ ميمونِ

اَلطّفلُ أعياهُ البْكاءُ مِنَ الطّوى
والشيخُ يبحثُ في الحطامِ مُهَمْهِماً
وحليلةٍ أرخَتْ ذوائبَ شعرِها
حَسِبُوا – ذهولاً أو لشدّة ما رأوا
في الجوّ أو في البحرِ أو فوقَ الثّرى

 

وضياعِ أمٍّ أو أبٍ مدفونِ
عن أيّ شيءٍ..؟ عنْ سناً يهديني
تبكي حليلاً راح ضِمْنَ كَمِينِ
أنّ القيامةَ ما جرى في الحينِ
جاءَ الْيهودُ كعاصفِ الطّاعونِ

 

  رؤية الشاعر. وقد ردّ أسباب الطغيان إلى ضعف المسلمين، واستكانتهم.

ومِمّن تناولوا اجتياح إسرائيل للبنان؛ الشاعر محمد جبر الحربي، في قصيدة له رمزية مطوّلة، عنوانها (ما لم تقله الحرب)([41]) وهي قصيدة في مجموعتها التي حملت عنوانها، ويدور موضوع القصيدة حول الأمة العربية، وهموم الإنسان العربي في هذا العصر، والهمّ الكبير وجود العدو الصهيوني كشوكة في جسد الأمة العربية.. وفي القسم الأخير من القصيدة عرض لمجزرة صبرا وشاتيلا، وتمحور كلامه حول صبرا خاصةً، ذلك حيث جاء على ذكرها بنهاية المقطع الثالث من القصيدة (ما قبل الأخير)، فقال:([42]) (من بحر الكامل)

صبرا تنامْ

صبرا تقوم مع الحمامْ

لتخبّرَ النّاجينَ يوماً

عن حكاياها الشّهيدهْ

صبرا القصيدةُ

والقصيدةُ دفقُ خافقِها

صبرا

لحظةٌ

بين استلابِ الحقّ

والقيم البليدهْ

 

فصبرا ملحمةٌ، أو قصّةٌ تحكي ذلك الحدث الذي جرى فيه الاعتداء، فأخذ مداه، وهو بلغة الشاعر (استلاب حق) وهذه حقيقة، وما حصل ذلك إلا نتيجة تبلّد أصاب الأمة، وهي تنظر لما جرى بصبرا، وذكرها يستدعي (شاتيلا) ففيهما معاً حدثت المجازر والمذابح.

وفي المقطع الأخير من القصيدة قال:([43])

صبرا المواعيدُ الجديدهْ

ضحكتْ فتاةٌ

كانتْ السكّينُ تتبَعُها

مِنْ صرخةِ الميلاد

حتّى آخر الطلقات

في جوف السماء

وَخُلّفَتْ

وقدْ كانتِ السكّينُ تتبعها

وضحكتها الوحيدهْ

صبرا الحكايةُ كلُّها

 

 

صبرا الحكايةُ كلّها

حرفاً

فحرفا.

سوف تركضُ في مسامِعنَا

 

فهذه صورة مكثفة لمعاناة أبناء فلسطين مع مأساتهم، وهم في محيطهم العربي، بل وهم في أحضان أمتهم العربية.

وليست مذابح صبرا وشاتيلا آخر المآسي، ولَئِنْ كانت صبرا آخر الصرخات يوم كتب الشاعر القصيدة، فإنّه كان بعدها صرخات وصرخات، لكن ليس ثمة مجيب، سوى شاعر مثل محمد جبر الحربي، لا يملك أو يقدر سوى أنْ يعطي قلبه لأمته.. ولفلسطين، وبهذا المعنى يقول:([44])

ولأنّ صبرا لا تنامُ وحيدةً

ولأنّ صبرا آخرُ الصرخات في "الزّعتر"

ولأنّها تبكي على "ياسين"

ولأنّنا ندري ولا ندري

ولأنّنا عارٌ على الآتين

أعطيكِ هذا القلبْ

أعطيك هذا القلبْ

أعطيكِ هذا القلبْ

فتعلّلي بدمي

وتفجّري في الدّربْ

قُلْنَا على الورقِ

ما لم تقله الحربْ.

 

إذا دلّ حادث الاجتياح الإسرائيلي للبنان على شيء، فإنّما يدلّ على أن دولة إسرائيل الصهيونية، مصمّمة على مناصبة الفلسطينيين العداء حتى النهاية، وهي تعمل جاهدة ليس على اضطهادهم فحسب، وإنما تريد أن تقضي على وجود هذا الشعب ما استطاعت، فهي تلاحق الفلسطينيين بقواتها العسكرية داخل فلسطين وخارجَها.

وكانت مذابح المخيمات الفلسطينية في لبنان دليلاً واضحاً على ذلك، فتلك المذابح لا تعني أنّها أحداث حرب، ومآسٍ فقط – على فظاعتها – إنما لها غايةٌ أبعد من ذلك، إنّها صراعٌ على الوجود الذي يقتضي استهداف وجود الخصم، أي إبادته.

 .

ولهذه المعاناة أشكال متعدّدة، قد عني الشعراء السعوديون بها في أشعارهم، فصوروها من جميع جوانبها، برؤى متعددة. وكان الهدف في هذا المبحث دراسة الرؤية الاجتماعيّة لقضيّة فلسطين، في نماذج من الشعر السعودي المعاصر، والمقصود بالرؤية الاجتماعيّة، النظر في القضيّة من زاوية إنسانيّة، من حيث ما يعانيه الشعب الفلسطيني في حياته جرّاء الاحتلال الصهيوني وطغيانه واستبداده. فهذه هي قضيّة الشعب الفلسطيني وهذه هي معاناته، وللمعاناة وجوه وأشكال، من القتل والتشريد، والاضطهاد، فعانى الفلسطينيون ذلك وما ينتج عنه بطبيعة الحال من الفقر والجوع والحرمان وكلّ أصناف الشقاء والعذاب المادي والنفسي، على نحو ما كان من صور شتى عرض لها الشعراء في تجاربهم، التي تمّ التعرّض لها، وثمّة تجارب كثيرة، بل إنّ جميع الشعراء السعوديين قد تمثّلوا معاناة الشعب الفلسطيني في أشعارهم على اختلاف موضوعات القضيّة الفلسطينيّة، ومن ذلك، على سبيل المثال، لا الحصر – قصائد، مثل: (نكسة 1967م) للشاعر أسامة عبد الرحمن([45])، و(واقعة الصفيح)([46]) لسعد البواردي، و(فلسطين الجريحة)([47]) لعبد الرحمن إبراهيم الحقيل، و(شجونٌ وراء الحدود)([48]) لعبد الله الصالح العثيمين، و(رسالة إلى القدس)([49]) لحسن الزهراني، و(صرخة الطفل الكبير)([50]) لأحمد سليمان اللهيب، وقصيدة ليس لها عنوان لزاهر عبد الرحمن عثمان، مطلعها: ([51])

امضِ إلى القَدَرِ المتربِّصِ

في حذرٍ.. وَحْدَكْ

 

 يعني الابتعاد عن نقطة معينة، تمثل المألوف المعتاد، أي الأساس للعنصر اللغوي سواءً في ذلك المفردة أو التركيب، أو المعنى.. أو غير ذلك من عناصر العمل الفني في الشعر.

والانزياح؛ كما يدل مفهومه إنما يحصل في عمليّة الاختيار، بمفارقة المعتاد الحقيقي، ولنقل بمفارقة النقطة التي تمثل أو تحدّد المعتاد، فهي معيار الانزياح، والاختيار يتم تقويمه وتقييمه بالمقارنة مع حالة الحياد، أو الأسلوب المحايد (باستخدام المعتاد) وهو ما يعرف بالدرجة صفر([52])، وهي النقطة الأساسية التي تحدد معيار الانزياح، وبمعنى آخر مدى الابتعاد عن هذه الدرجة/ النقطة صفر، وجدوى هذا الابتعاد (الانزياح) وفائدته في العمل الفني.

وعلى ذلك فإن الانزياح في الشعر يمثل جوهر العمل الفني، ذلك عندما يكون عن خبرة ودراية، طالما أنّ الشاعر يمارسه عن قصد، وإلاّ كان غموضماً وإبهاماً، وكما قال عبد الرحمن إبراهيم المهوس آنفاً (وإلا عُدّ مظهر ضعف).

وللانزياح أساليب وأشكال عديدة، من التعبير بالكناية والمجاز، والرمز، والصور الفنية، واستخدام المعاني. وما إلى ذلك مما يتم فعليًّا باستخدام عنصر اللغة، في التجارب الشعرية،

1-     الانزياح اللغوي في النمط التناظري:

الانزياح بكلّ أنواعه وأشكاله هو استخدام العنصر اللغوي في غير المعتاد، سواءً المفردات أو التراكيب، أي أن قضية الانزياح تتمثل بأسلوب استخدام اللغة في الشعر، في كلّ أشكاله. وعلى ذلك يمكن اعتبار الانزياح مدخلاً لدراسة التجارب الشعريّة، وأحد مقاييس اللغة الشعرية.

وذلك ما يمكن استيضاحه في بعض القصائد التناظرية المعاصرة، من الشعر السعودي المعاصر في القضية الفلسطينية، ومن ذلك قصيدة (متحف الموتى) ([53]) للشاعر منصور الحازمي. وموضوعها تصوير حالة الانكسار أمام العدو الصهيوني، وقد عمد الشاعر فيها إلى أسلوب التصوير، وكانت القصيدة أقرب ما تكون إلى المسرحيّة الشعرية، إذ يطالعنا منذ مستهل القصيدة بالمشهد التالي: ([54]) ( من بحر المتدارك / الخبيب)

أشباحٌ تقبعُ خَلْفَ البابْ
خَلْفَ القضبان الذهبيّةْ
مَتْحفُنَا قلعةُ معتوهٍ
 

 

وَدُمًى وجَماجِمُ وَحِرابْ
أكوام هياكِل وذبابْ
من عصرِ الحاكمِ َقدْ آبْ

في البيتين الأوليين مشهد خيالي ابتدعه الشاعر ليعبّر به عن حالة الانكسار أمام العدو. وفي البيت الثالث يفيد بأن هذا مشهد متحفنا نحن العرب، ثم شبهه بـ(قلعة معتوه). فلفظة (متحفنا) لم يستخدمها الشاعر للدلالة على حقيقتها وإنما قصد بها موقفنا وحالة الانكسار التي صرنا إليها. ولفظة (قلعة) اسم يدل على شيء معلوم بسماته، لكن انزاحت في التركيب عن هذه الدلالة إلى منحى آخر، إِذْ نسبها الشاعر إلى معتوه. ففي صدر البيت صورة بيانية، تشبيه المتحف بقلعة معتوه، وتكونت هذه الصورة بالتركيب، الذي أعطى للمفردات دلالات مغايرة لدلالاتها الحقيقية المعتادة. كما أنّ في تركيب عبارة البيت تشخيص لـ(متحفنا) إذ قال الشاعر عنه أنه (قد آب) بنهاية البيت، وفعل الإياب ليس من صفات المتحف (غير عاقل) ولكن الشاعر أسنده إلى ضمير المتحف إسناداً مجازيًّا، وبهذا أيضاً انزياح لفظة (المتحف) عن صفاتها، بل عن صفات مدلولها، إذ منحه الشاعر صفة ليست له أصلاً. وهذا الانزياح فعليًّا كان بتأثير من انزياح الفعل (آب) في عملية الإسناد.

وبنهاية المقطع الأول للقصيدة قال: ([55])

لا تعبرْ فالدّربُ نصولٌ
لا تعبرْ فالكلّ عيونٌ
 

 

ولكلّ مَمَرّ بٍوَّابْ
أو ظفرٌ ينهشُ أو نابْ

في عبارة (الدربُ نصولٌ) أيضاً صورة بيانية (تشبيه بليغ) والانزياح في أنّه جعل الدرب (نصول) وهذا ليس من الحقيقة، بمدلول كل من اللفظتين، وإنما أراد أن ثمة أناس أو حرّاس بأيديهم (نصول) والغاية منها قتل من يمرّ أو يعبر هذا الدرب.

فعمليّة الانزياح تظهر في التركيب اللغوي والعبارة جملة اسميّة (مبتدأ وخبر) والخبر وصف للمبتدأ، قد أزاحه عن حقيقته، فالدرب غير النصول جمع نصل، ومدلوله معروف.

وكذلك في البيت السابق انزياح حيث جعل مدلول (الكل) في التركيب (عيوناً) أو ظفراً أو ناباً.

ومن أشكال الانزياح التحوّل بالمعنى، أي تحويل المعنى إلى معنى آخر في فكرة معيّنة، كما في رباعية (حرب لا سلم) ([56]) للشاعر طاهر زمخشري، يقول فيها:(من بحر الرمل)

دعوةُ السّلمِ أراها أصبحَتْ
فالدّمُ المسفوحُ في كلّ حِمًى
فهو يبدو حَمَلاً مُستأنِساً
والصّواريخُ أراها انطلقَتْ
 

 

أنّةَ الشاكي، وصوتَ النادِبِ
ليس إلاّ مِن دماءِ الغاصبِ
ثمّ يرمي باغياً باللاهبِ
تحملُ "الذرَّ" ليومٍ عاصِبِ

 

الفكرة أن العدو الصهيوني يدّعي أنه يريد السلم، ويدعي أنه مظلوم وفي خطر، والحقيقة معلومة..

وأما في أسلوب التعبير فالشاعر في البيت الأول يرى الدعوة (للسلم) من قبل العدو قد أصبحت (أنّه مُشاكي) فالفكرة لدى الشاعر أن العدو في دعوته للسلم مخادع كاذب، فقد أخذ يدعو للسلم من موقع الضعيف، فبدا شاكياً، فعبّر الشاعر عن ذلك موضوعيًّا (دعوة السلم أراها أصبحتْ أَنَّه الشاكيَ) ففي النسق اللغوي الفعل والفاعل والمفعول الأول (أراها) وجملة (أصبحت واسمها وخبرها) المفعول الثاني وأصل هذين المفعولين جملة اسمية (دعوة السلم أَنَّةَ الشاكي) وهذه صورة بيانية، والانزياح فيها تحوُّل المشبّه إلى عين المشبّه به، أي من معنى المسالمة أو الدعوة للسلم – كما في تعبير الشاعر – إلى معنى الشكايّة. وكلاهما مجرد، المشبه والمشبه به. ومثل ذلك في البيت الثالث: (فهو يبدو – أي العدو – حملاً مستأنساً) ففي هذه الصورة شبه العدو بالحمل، أي أعطاه صفة الحمل، وهذا انزياح أيضاً من حقيقة مدلول العدو (فاعل يبدو) إلى معنى (الحمل).

ومما تقدّم يلاحظ أن الانزياح بمعنى اللفظ أو التعبير إنّما يحصل في التركيب في الأنساق اللغوية والبيانية، وفي الصورة البيانية يتم الانزياح بمعنى المشبّه، بنقله من صفة إلى صفة أخرى يكتسبها من المشبّه به، وكذلك في المجاز والاستعارة.

إنّ الانزياح يمثّل حقيقة استخدام اللغة في الشعر، فهو طريقة فنيّة، مقصودة من الشاعر، لتحقيق هدف أو أهدافٍ معيّنة في التجربة الشعريّة، وهذا يتوقف على إمكانات الشاعر وخبرته الفنية، ويُقوّم الانزياح بمدى أثره في التجربة الشعرية، من حيث مناسبته لها، فإذا كان خروجاً على المعتاد، فما هي فائدة هذا الخروج، وما الغاية منه؟ ومثل هذا التساؤل ينبغي أن تُواجه به عمليّة الانزياح في التجربة الشعرية، أي في ما وُظِّفَتْ له عملية الانزياح، طالما أنه ظاهرة أسلوبية لا تكاد تخلو منه تجربة شعرية أصيلة، في مثل موضوعات القضية الفلسطينية.

ومن صور الانزياح أن يستخدم اللفظ بنفس معناه، ولكن في مقام معيّن، كما في قصيدة (اسأل التاريخ) ([57]) للشاعر جلوي يحيى حسين الحكمي، حيث تطرّق للهجرة النبويّة، فقال: ([58])

كيفَ كانَ الغارُ متراً
 

 

كانَ للإثنين حِصْنا؟

 

والمعنى أنّ الغار كان حصناً للنبي r وأبي بكر، إذ التجآ إليه، يحتميان به من أعين المشركين، فكان الغار – بإذن الله تعالى – حفظاً وحمايةً لهما، وحصناً بالمعنى المجرد، أي حصنهما من أذى المشركين، وفي عبارة الشاعر (كان للإثنين حصنا) أي (الغار حصن) لهما. فلفظة حصن مدلولها معروف، ولكن الشاعر لم يرد هذا المدلول المعروف، وإنما ما يكون منه أو بسببه، فالحصن للحماية واتقاء شر الأعداء، كما هو معتاد حقيقة، فالغار أُعطي صِفة الحصن، من حيث كان سبباً لحماية النبي r، ومعه أبو بكر. وبذلك أزاح اللفظ (حصن) عن مدلوله الملموس فعدل به إلى ما يتسبّب عنه. وبذلك كان هذا الانزياح مناسباً لمعنى البيت وإضافةً إلى ذلك كان مناسباً من حيث الإيقاع باختيار لفظة حصن، بإيقاعها المعبّر، خاصةً وأنها كانت قافية البيت.

ومن هذه الصورة يتضح أن الانزياح باللفظة المفردة، عن معنا أو مدلولها لا يكون  إلاّ من خلال علاقاتها مع غيرها في التركيب، سواءً البلاغي أو اللغوي، باعتبارها جزءاً من معنى الصورة أو العبارة أو الجملة التي تنتظم فيها. فعندما تستخدم الألفاظ في التراكيب بمعانيها ومدلولاتها الحقيقية، تكون عند النقطة أو الدرجة (صفر) أي أنها لم تُزح عن تقريريتها، فتكون لغة نثريّة، حتى وإن كان التركيب موزوناً فالانزياح يحصل من خلال علاقات المفردات ببعضها البعض في التركيب، وهذه العلاقات هي تبادل التأثير، وهذا واضح في الصور البيانيّة، كما في الصورة السابقة (الغار حصن) تشبيه بليغ، وفي التركيب اللغوي (مبتدأ وخبر) فالمفردتان في السياقين البلاغي واللغوي تأثرتا ببعضهما، فبلاغيًّا وجه الشبه الحماية والتحصين أو الحصن، بالمعنى المجرّد. وقد اختار الشاعر لفظة الحصن للتعبير عن هذا المعنى، والمشبه الغار قد اكتسب هذه الصفة من المشبه به، فوجه الشبه هو الصفة الجامعة بين الطرفين/ المفردتين، أي أن كلتاهما انزاحت من مدلولها إلى هذا المعنى (وجه الشبه) التحصين والحماية.

2-     الانزياح اللغوي في النمط التفعيلي:

لا يختلف الانزياح كظاهرة أسلوبية بين نمط وآخر من الأشكال الشعرية، وإنما يخضع لأساليب الشعراء في عمليّة التركيب، وهذه الأساليب في النمط التفعيلي للقصيدة السعودية المعاصرة قد تختلف عن الأساليب التناظريّة، بما لكلٍّ من النمطين من خصائص في عمليّة البناء الشعري.

من قصائد التفعيلة في قضية فلسطين والصراع مع العدو، قصيدة (الخروج من دائرة الحزن) ([59]) للشاعر محمد جبر الحربي. وموضوعها العدوان الصهيوني على لبنان، وحصار بيروت عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين ( ميلادي).

استهل الحربي القصيدة يقول: ([60])

من أين أبدأ ؟

                ها بيروتُ مَرّتْ

هاهُمُ ذهبوا

وها صرتُ الضحيّة

مرّةً أخرى

 

في السطر الثاني (..بيروت مرّتْ) أسند الفعل إلى ضمير بيروت، إسناداً مجازيًّا، أي أنه استخدم الفعل لغير فاعله الحقيقي، فبيروت بمدلولها لا يكون منها فعل المرور، فالانزياح وقع على المسند والمسند إليه. لكن ما المعنى الذي رمى إليه الشاعر؟ . ربّما قصد أن كانت ثم مرّت بمعنى ذهبت، تعبيراً عمّا حلّ بها من عدوان فغيّر من حالها، وفي كل حال كان الانزياح بالتركيب، فاستخدم الفعل بمعناه الحقيقي وكذلك بيروت، ولكن بهذا التركيب كانت العبارة من المجاز العقلي، وهو صورة من صور الانزياح.

ومن الانزياح قوله:

وتبتُ عن البكاء على القضيّة

يفيد ظاهر الجملة أن الشاعر "تاب" عن "البكاء" على القضيّة، هكذا كان المعنى الظاهر واضحاً بمعاني المفردات، لكن المعنى المقصود غير هذا، فالفعل (تاب) يستعمل بمعنى الرجوع عن الذنب، والبكاء ليس ذنباً يُتاب عنه، فالفعل مستخدم في غير معناه الحقيقي، بل استخدم بمعنى (الانقطاع) عن البكاء، وغرض هذا الانزياح التعبير عن أمر آخر، هو سبب الانقطاع عن البكاء، والداعي إليه، فتوحي العبارة بأنّ الشاعر واجه موقفاً ما بسبب ما أفاد في بيتٍ سابق لهذا البيت قال فيه:كتبْتُ قصيدة أخرى.

ثم قال:         وتبتُ...

فللانزياح في هذا التعبير قيمة تعبيريّة، ودلاليّة.

وفي المقطع الثاني من القصيدة يقول: ([61])

مكسورُ

         يا مكسور

ذا زمنٌ لأمرك

حيث كنتَ تنامُ في أسرِ الهديّهْ

                      أتزفّهم ورداً ؟

                      أَتحيط هذا البحرَ

بحراً بالقصائد

                     والطفولهْ؟

لفظة (مكسور) في أول المقطع لها دلالة معيّنة، على حالة شخص أو شيءٍ مكسورٍ، وبمنادات مكسور تحدّدت دلالتها على شخصٍ يقصده الشاعر في هذا الخطاب، فيناديه (يا مكسور). لكن الشاعر لم يبن عن هذا المنادى/ المخاطب كشخصيّة معيّنة أو معروفة والمهم أنه لم يقصد أن مخاطبه مكسور حقيقة، بعضوٍ من أعضائه كما في المعتاد، من دلالة مكسور، بوزن مفعول، بل قصد المعنى المجرّد (الانكسار في الموقف أمام العدو). وبذلك انزياح من المعنى الحقيقي إلى معنى آخر، بطريق (الرمز) فالشاعر رمز لمخاطبه بلفظ مكسور، من حيث الحالة التي هو عليها، وهذا الرمز ممّا يُدعى بالرمز السياقي "وهو الذي يمكن فهمه من السياق"([62]).

ومن القصائد التي قيلت في نفس موضوع قصيدة الحربي هذه؛ قصيدة بعنوان (صوتُ الجرح.. وصوت الهوان) للشاعر عبد الله سالم الحميد، قال فيها: ([63])  ( من بحر الكامل)

شمسٌ على لبنانْ
ظِلٌّ على قلبي
يكتظُ بالأحزان
والعبرة الجرحى
شَهقَتْ ذرى الحمراء
مِنْ رجفةِ القصْفِ
وهَوَتْ على كهفي
بنوازِلٍ.. دهماء([64])
ويلاهُ مِنْ ضعفي!!

يعبّر الشاعر في هذا المقطع في بداية القصيدة عن مشاعره، وتأثّره بما واجهه لبنان وتعرض له من مخاطر ومآسٍ جرّاء الاجتياح الصهيوني.

وقد اتسمت معانيه بالتشخيص، مثل اكتظاظ الأحزان، والعبرة الجرحى وذرا الحمراء شهقت.. وغير ذلك. وذلك باستخدام المفردات في ضروبٍ من المجاز، أي بانزياح اللفظ عن معناه الحقيقي، في توظيفه في السياق. من ذلك في قوله (ظلٌّ على قلبي/ يكتظ بالأحزان) فلفظة (ظل) استعملت في هذه العبارة في غير ما تدل عليه، فقد جعل الظلّ على قلبه أحزاناً مُكتظة. ولفظة (يكتظّ) فعل يُستخدم للمحسوس من الأشياء، وفي هذه العبارة استعارهُ للأحزان وهي مجرّدة، فشخّصها، وبذلك انزاح كلٌّ من الاسم (ظِلٌّ) والفعل (يكتظّ) عن معناه، ليؤدّي وظيفة معيّنة في السياق، للتعبير عن انفعال الشاعر وعواطفه إزاء ما لحق لبنان من أذى.

وقال عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان بأنّه: ([65])

أغبى اجتياح جارْ

خدشَ احترامَ الصلح

واغتال صوتَ الحق

في السطر الأول وصف الاجتياح بأنّه (أغبى اجتياح) وهو مصدر الفعل (اجتاح) يدل على الحدث، ولا يوصف بهذا الوصف في المعتاد.ومعنى ذلك أن لفظة (أغبى) انزاحت في الاستعمال إلى ما ليست له كصفة، في ظاهر الكلام، والمقصود بهذا الوصف هم الأعداء الذين فعلوا هذا الاجتياح.

وفي السطرين الثاني والثالث الفعلان (خدش واغتال) كلاهما يدل على حدث فعلي ملموس، من حيث يقعان على الملموس من الأشياء. ولكن الشاعر استعارهما لمعنيين مجردين، والغرض البلاغي التشخيص، تشخيص (احترام الصلح) و(صوت الحق) والغاية التعبير عن عدوانية الصهاينة، ومدى فظاعتها استهانة بكل القيم والأعراف الإنسانيّة

 

ذلك ممّا كان من طرق الانزياح، في بعض النماذج التناظريّة المعاصرة، وكذلك نجد الانزياح في قصائد التفعيلة من مثل قصيدة (الرمز) ([66]) للشاعر أحمد قرّان الزهراني، حيث يقول في بدايتها: ([67])

قوموا انهضوا

فالليل قد تمزّقْ

وأشرقَتْ شمس

لفظة (الليل) اسم مدلوله معروف، فاستخدمه الشاعر بمعنى آخر بإسناد فعل (تمزّق) إلى ضميره، فبهذه الصورة انزياح عن المعنى الحقيقي لكلٍّ من المسند والمسند إليه، فالمعنى الذي أراده أنْ تغيّر الموقف في الصراع مع العدو، (حالة الذل والاستكانة والانكسار) وهذا جزءٌ من المعنى المعبّر عن قيام الانتفاضة، ونظرة الشاعر إليها، ويكتمل هذا المعنى يقوله (أشرقَتْ شمس) وشروق الشمس في بداية النهار معتاد، لكن المعنى المقصود هو قيام الانتفاضة، التي غيّرت الموقف، من الاستكانة إلى المواجهة بالمقاومة والصدام. إذاً جملة (أشرقت شمس) أُزيحَتْ عن معناه المستفاد من ظاهر اللفظ، إلى معنى آخر، هو قيام الانتفاضة، وذلك أنّ (الشمس) عنى بها الشاعر (الانتفاضة) نفسها، وفعل أشرق من لوازم الشمس بمعناها الحقيقي، وباختصار، هذه الصورة (أشرقت شمس) كناية عن قيام الانتفاضة وفي عبارة الجملتين ( فالليل قد تمزّق / وأشرقت شمس) قد اعتمد الشاعر على رمزيّة (الليل) و(الشمس) فالليل بماهيّته من الظلام يُعبّر به عن الظلم وعن الجهل، وهنا استخدمه الشاعر رمزاً للظلم الصهيوني في فلسطين، واستخدم (الشمس) رمزاً للانتفاضة من حيث نقلت الموقف إلى ما ينبغي أن يكون عليه، وكل من الليل والشمس يُعتبر رمزاً تقليديًّا، استخدم الشاعر مرموزيهما في تجربته، وبذلك انزياح عن مدلوليهما في المتعارف عليه (المعتاد). فالرمز بذلك من صور الانزياح، وكذلك الكناية في مثل قوله: (ونفضتم النوم لبليد) فهذه الجملة كناية عن تنبّه المخاطبين – وهم هنا الأمة – لقيام الانتفاضة، والتي أحدثت صحوة في الوعي العام. فالعبارة أو الجملة مزاحة عن معناها الذي يفيده ظاهر الكلام، فالشاعر يريد معنى آخر، وفي التراكيب انزياح المفردات عن معانيها الحقيقيّة، ففعل النفض لا يقع على النوم كحالة فيزيولوجيّة، وكذلك لا يوصف بـ(البليد) على وجه الحقيقة، ولكن في عبارة الجملة استخدم اللفظ على المجاز، لوصف الحالة التي كانت عليها الأمة قبل الانتفاضة، من السكون والاستكانة أمام العدو.

ومن الكناية قوله: ([68])

وآخرون تجمعوا كالطود

ينَظرون أنياب الرصاص

ورصاصُنا من أرضنا

لا ليس صنعاً أو تجارة

فقد كنّى عن حقد العدو ووحشيته في (أنياب الرصاص) وكنّى عن الحجارة بـ(رَصَاصُنا من أرضنا). فالأنياب استخدمها في غير معناها الحقيقي، وكذلك رصَاصُنا، إذ أراد به الحجارة.

الانزياح في كل ما تقدم يتمثل في مفهوم المجاز الذي تعتمد عليه اللغة الشعريّة الحديثة في التصوير الفني، سواءً البياني البلاغي أو التصوير في تعابير الكلام، وميزته أنه اتساع في استعمال اللغة، ولعل الأبعد من ذلك أو فائدته تفجير طاقة اللغة، مفردات وتراكيب، فاللفظة عند ما تخرج أو يُعدَلُ بها إلى غير معناها ودلالتها، فتوظف في مقام معيّن؛ يعني أنّها اختيرت لوظيفة لم يجد الشاعر أنسب منها لهذه الوظيفة، ولنقل مجازاً (المهمة)، وممّا يوضّح ذلك ما كان في قصيدةٍ ممزوجة (بلا عنوان) ([69]) للشاعر زاهر عبد الرحمن عثمان، حيث يقول: ([70])

يا موعد النصر الذي ما جاءْ

فموضوعيًّا المعنى أنّ (موعد النصر) لم يحن، أي لم يكن وقته أو حينه قد حان فموعد النصر مفهومه من الظرف الزماني، سواءً أكان أم لم يكن، ولكن الشاعر أراد أن يؤكّد أنّه في مرحلة ما قبل الانتفاضة لم يكن النصر، فموعده ما كان، فاستخدم الفعل (جاء) منفيًّا قال (.. ما جاءْ) وفعل المجيء للعاقل، وهو بطبيعته مادي ملموس والنصر مجرّد، فأسند الفعل – وهو من خصائص العاقل/ الإنسان – إلى النصر.

والعبارة (الجملة) في هذا السطر كناية عن أنّه لم يكن ثمة نصر قبل الانتفاضة، ولهذا المعنى أبعاد أخرى، ترمي إلى ما كان الموقف عليه قبل الانتفاضة.ثم قال:

 فسافرَتْ تجرُّهُ

من دارة الجوزاءْ

في موكبِ الإسراءْ

كواكبُ الأطفال

في هذه الأسطر أو الأبيات؛ (كواكبُ الأطفال تجرّ النصر من دارة الجوزاء) فقد جعل – مجازاً – مكان النصر في (دارة الجوزاء) وهذا كناية عن أن منال النصر بعيد، فكأنما استنزله الأطفال من دارة الجوزاء من السماء، وهذا المعنى فيه إكبار لبطولة أطفال الحجارة. ولعله واضح أنّ الشاعر قد جسّد النصر، ليكون العنصر الذي تدور حوله الصورة، ثم استخدم لفظة (كواكب) مضافة إلى الأطفال بإزاحتها عن مفهومها الحقيقي، وذلك أنه يرى في الأطفال كواكب، برؤيته القلبيّة. وبدافع من مشاعره الانفعالية.

فالانزياح أتاح للشاعر إبداع هذه الصورة المعبّرة، فنقل من خلالها فكرته ومشاعره والانتفاضة في رؤية الشاعر ثورة عاصِفة بكل مظاهر الزيف والخوف

وإشكالية (الانزياح) كمصطلح نقدي أنه يتقاطع مع كثير من المسائل والقضايا اللغوية والبلاغية، وهذا هو السبب في اختلاف المصطلحات التي عبرت عنه، في النقد والدراسات العربيّة المعاصرة، فضلاً عمّا كان للدراسات اللغوية والنقدية الغربية من تأثير. وإلى ذلك مصطلحات التراث العربي القديم التي تعبّر في كثيرٍ أو قليل عن مفهوم الانزياح. وكانت حصيلة ذلك أن لم يحدّد تعريف أو مفهوم واحد للانزياح.

ومن خلال الأمثلة التي تمّ التعرّض لها يظهر أنّ أقرب المصطلحات إلى الانزياح؛ العدول، وأنّ كثيراً منها هي بمثابة مظاهر له كطرق في استخدام اللغة، وفي جميع الأحوال مفهوم الابتعاد يجمع بين مفهوم (الانزياح)و (العدول) لأن الابتعاد يشير إلى معيار الانزياح أو العدول وبذلك يظلّ الانزياح يتضمن المفهوم النسبي قياساً إلى المعيار، وهو النقطة أو الدرجة (صفر)، و المقصود بها المعنى أو الدلالة الحقيقية. وعليه فإن الانزياح والعدول        -مفهوم واحد من الابتعاد – لا يعني الانقطاع عمّا تعنيه النقطة/ الدرجة صفر، أو مفارقته مفارقة نهائية، لأنّه في هذه الحال يفتقد العنصر اللغوي المستخدم في الكلام معياره الذي يشير إلى أصله ومَنْشَئِهِ فيبين عن طريقة وغاية انزياحه/ وعدوله. فالابتعاد وإليه المفارقة، قد يبلغ حدّ الانقطاع، فيتجاوز مفاهيم الشذوذ والغرابة، وبهذه الحال يفقد الانزياح مضمونه، ويصبح تشويشاً وضرباً من الإخلال المشوّة للغة، وفي أحسن الأحول يكون غموضاً. ومثل ذلك الرموز التي يتعذر الوصول إلى مرموزياتها. ذلك على اعتبار الرمز من طرق الانزياح. فالابتعاد عن الدرجة/ النقطة (صفر) ينبغي أن يظلّ بحدود المعقول، وأن يكون لغرضٍ يثري التجربة الشعريّة، على الأقل في جانب من جوانبها.

 



([1]) انظر: المصدر السابق، ص464 وما بعد.

([2]) انظر: رؤية دينية للدولة الإسرائيلية، حسن محمد مي، دار الفرقان، ط1، عمان، 1405هـ - 1985م، ص69.

([3]) انظر: المصدر السابق، ص59.

([4]) منهج الفن الإسلامي، محمد قطب، ص182.

([5]) جراح قلب، علي أحمد النعمي، نادي جازان الأدبي، ط1، جازان، 1409هـ - 1989م، ص135 – 136.

([6]) أطياف، عبد الله بن زيد آل داود (المؤلف) ط1، الرياض، 1425هـ - 2004م، ص97.

([7]) حمّى الأحلام، أيمن عبد الحق، نادي جازان الأدبي، ط1، جازان، 1422هـ - 2001م، ص74.

([8]) المصدر السابق، ص75.

([9]) ويورق الخريف، عيسى بن علي جرابا، مكتبة العبيكان، ط1، الرياض، 1425هـ - 2004م، ص85 – 89.

([10]) المصدر السابق، ص85.

([11]) المصدر السابق، ص87.

([12]) خطى وانتظار، محمد بن ناصر الخليف، (المؤلف) ط1، 1412هـ - 1992م، ص29.

([13]) المصدر السابق، ص29.

([14]) المصدر السابق، ص30.

([15]) خاتمة البروق، عبد الله بن سليم الرشيد، النادي الأدبي بالرياض، ط1، الرياض، 1413هـ - 1993م، ص32.

([16]) خاتمة اليروق، عبد الله سليم الرشيد، ص33.

([17]) المصدر – ص 74- 75 .

([18]) المصدر السابق، ص76.

([19]) المصدر السابق، ص77.

([20]) المصدر السابق، ص77-78.

([21]) العودة إلى الأماكن القديمة، غازي عبد الرحمن القصيبي، ص79.

([22]) ظلّي خليفتي عليكم، جاسم الصحيح، (المؤلف)، ط2، الدمام، 1424هـ - 2003م، ص49.

([23]) المصدر السابق، ص49.

([24]) قضية فلسطين في الأدب السعودي، د. محمد حسن الزير ، مصدر سابق، ص53.

([25]) عذاب السنين، حمد بن سعد الحجي، ط1، 1409هـ. ص127 – 130.

([26]) المصدر السابق، ص127.

([27]) ديوان حسن عبد الله القرشي، ج2، ص254 – 255.

([28]) الأعمال الشعرية الكاملة، ج1، محمد هاشم رشيد، نادي المدينة المنورة الأدبي، ط2، 1411هـ - 1990م، ص92-95.

([29]) المصدر السابق، ص92.

([30]) الأعمال الشعرية الكاملة، ج1، محمد هاشم رشيد، ص93.

([31]) المصدر السابق، ص95.

([32]) الأعمال الشعريّة الكاملة، عبد السلام هاشم حافظ، نادي المدينة المنوّرة الأدبي، 1413هـ - 1993م، 2/35.

([33])الأعمال الشعريّة الكاملة، عبد السلام هاشم حافظ، نادي المدينة المنوّرة الأدبي، 1413هـ - 1993م، 2/35.

([34]) أشرعة الصمت، حسين سهيل، نادي جازان الأدبي، ط1، جازان، 1411هـ - 1990م، ص19.

([35]) المصدر السابق، ص20.

([36]) أشرعه الصمت، حسين سهيل، ص21.

([37]) في زورقي، عبد الله بن عبد العزيز بن إدريس، ص87 – 94.

([38]) المصدر السابق، ص87.

([39]) المصدر السابق ، ص88.

([40]) المصدر السابق، ص90.

([41]) ما لم تقله الحرب، محمد جبر الحربي، الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، ط1، الرياض، 1405هـ - 1985م، ص85 – 109.

([42]) المصدر السابق، ص100.

([43]) ما لم تقله الحرب، محمد جبر الحربي، ص105.

([44]) المصدر السابق، ص107 – 108.

([45]) شمعةٌ ظمأى، أسامة عبد الرحمن، ص23.

([46]) تتوكّأ على عكّاز، سعد البواردي، ص16.

([47]) الحصاد، عبد الرحمن إبراهيم الحقيل، ص23.

([48]) لا تسلني، عبد الله الصالح العثيمين، ص61.

([49]) صدى الأشجان، حسن الزهراني، ص57.

([50]) النبع الحزين، أحمد سليمان اللهيب، ص51.

([51]) قصائد خضر ويابسات، زاهر عبد الرحمن عثمان، ص71.

([52]) انظر: المصدر السابق، ص35.

([53]) أشواق وحكايات، منصور الحازمي، دار العلوم، (د. ط) الرياض، 1401هـ - 1981م، ص89.

([54]) المصدر السابق، ص89.

([55]) المصدر السابق، ص89 – 90.

([56]) مجموعة النيل، طاهر زمخشري، تهامة، ط1، جدة، 1404هـ - 1984م، ص424.

([57]) قبل أن ينضب الأمل، جلوي يحيى حسين الحكمي، ص9.

([58]) المصدر السابق، ص9.

([59]) مالم تقله الحرب، محمد جبر الحربي، ص 51-72.

([60]) المصدر السابق، ص51.

([61]) المصدر السابق، ص52.

([62]) مدخل إلى تحليل النص الأدبي، عبد القادر أوب شريفة وَحسين لافي قزق، ص65.

([63]) انتفاضة القصائد، عبد الله سالم الحميد، ص47.

([64]) تنوين ( نوازل) للضرورة الشعرية.

([65]) المصدر السابق، ص47 – 48.

([66]) دماء الثلج، أحمد قرّان الزهراني، ص91.

([67]) المصدر السابق، ص91.

([68]) المصدر السابق، ص92.

([69]) قصائد خضر ويابسات، زاهر عبد الرحمن عثمان، ص50 – 52. [وقصائد هذا الديوان غير معنونة].

([70]) المصدر السابق، ص51.

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx