faculty
menu-title
123
Sign In
 

 

الانحراف الفكري

 

 

 

 

 

  

 المبحث الأول : مفهوم الانحراف الفكري ، وآثاره ومخاطره ، ووسائله  " عوامل انتشاره " :

مفهوم الانحراف الفكري :

 

الانحراف في اللغة :

 من : " حَرَف عَنْهُ حَرْفاً : مالَ وعَدَل ، وحَرَف الشيءَ عن وجهه حَرْفاً : صرَفَه وغيَّره ، وحَرَّفَ الشيءَ : أماله ، وحَرَّفَ الكلام : غيّره وصرفه عن معانيه ، وانْحَرَفَ : مال ، ويُقال : انْحراف مزاجُه : مال عن الاعتدال " [1] ،" وحَرْفُ الشيء : ناحيته ، وفلان على حَرْفٍ من أمره : أي ناحية منه كأنه ينتظر ويتوقع ، فإن رأى من ناحية ما يُحب ، وإلا مال إلى غيرها ، وحَرَفَ عن الشيء يَحْرِفُ حَرْفاً وانْحَرَفَ تَحَرَّفَ : عدل ، وإذا مال الإنسان عن شيء يُقال : تَحَرَّف وانحرف ، وتحريف الكلم عن مواضعه : تغييره ، والانحراف عن الشيء : الميل عنه " [2] ، و " الحَرْفُ من كُلِّ شيءٍ : طَرَفُهُ وشَفيرهُ وحَدُّهُ " [3] .

 

الانحراف في الاصطلاح :

الانحراف بمعناه الواسع هو : " انتهاك للتوقعات والمعايير الاجتماعية ، والفعل المنحرف ليس أكثر من أنه حالة من التصرفات السيئة " [4] .

وهو : " ضد الاستقامة التي أمر الله بها ورسوله ، وهو الميل عن طاعة الله ورسوله ، والوقوع في المحرمات فيما يتعلق بالعبادات ،                             والمعاملات ، والأخلاق " [5] .

 وبهذا فهو : " ارتكاب أي فعل نهت الشريعة الإسلامية عن ارتكابه ، أو ترك أي فعل أوجبت الشريعة الإسلامية القيام به ، دون أن يكون للفعل أو للترك عذر شرعي مُعتبر " [6] .

وهناك من يرى أن الانحراف ما هو إلا : " الخروج من جادة الصواب ، والبُعد عن الوسط المعتدل ، وترك الاتزان " [7] .

أما مفهوم الفكر فقد سبق توضيحه والحديث عنه في المبحث الثالث من الفصل التمهيدي .

 

 الانحراف الفكري في الاصطلاح :

يُعد مصطلح " الانحراف الفكري " من المصطلحات الحديثة ؛ ولذلك لم تذكر معاجم اللغة العربية تعريفاً له .

ويتصف مفهوم الانحراف الفكري بأنه " مفهوم نسبي متغير ، فما يُعد انحرافاً فكرياً في مجتمع ما لا يُعد كذلك في مجتمع آخر ؛ وذلك لاختلاف القيم والمعايير الدينية والاجتماعية والسائدة " [8]  ؛  ولذلك فقد عُرِّف الانحراف الفكري بتعاريف عدة ، ومنها :

أنه " ذلك النوع من الفكر الذي يُخالف القيم الروحية والأخلاقية والحضارية للمجتمع ، ويُخالف الضمير المجتمعي ، وأهم من ذلك كله هو ذلك النوع من الفكر الذي يُخالف المنطق والتفكير السليم ، ويؤدي إلى ضرب وتفكك وحدة وكيان المجتمع " [9] .

وهو : " عدم اتساق أو تطابق الفكر الشخصي بانطباعاته ، وتصوراته ، وآرائه ، مع مجموعة المبادئ والقيم العقائدية والثقافية ، أو السياسات المستقرة في المجتمع " [10] .

وفي نفس السياق عُرِّف الانحراف الفكري بأنه : " انتهاك للمعايير المتعارف عليها ، ومحاولة الخروج على قيم وضوابط الجماعة " [11] ، فهو " ذلك الفكر الذي لا يلتزم بالقواعد الدينية والأعراف والنظم الاجتماعية ، أي أنه ذلك الفكر الشاذ الذي يحيد بالمجتمع عن تقاليده الحميدة ، ويُخالف تعاليم الإسلام الحنيف ، والقيم السمحة " [12] .

وهناك من يرى " أن الانحراف الفكري مُرادف للتطرف والغلو الذي يترتب عليه العنف والإرهاب ؛ لأن التطرف والغلو مُجاوزة حد الاعتدال وعدم التوسط ، فالتقصير في التكاليف الشرعية والتفريط فيها تطرف ، كما أن الغلو والتشديد فيها تطرف " [13] ، وبذلك فهو " الخروج عن الوسيطة والاعتدال في فهم الأمور الدينية وتطبيقاتها ، مما يُشكّل خطراً على نظام الدولة وأمنها الوطني بكل مقوماتها " [14] .

ومن خلال التعريفات السابقة يتضح التالي :

أ. أن الانحراف الفكري يُخالف عقيدة المجتمع ، وما يؤمن به من قيم وأخلاق ، وما يسود فيه من ثقافة .

ب. أن الانحراف الفكري خروج عن الوسطية والاعتدال ، فهو إما يتجه للغلو والتشدد في الدين ، أو يتجه إلى التفريط والتقصير في القيام بالواجبات الشرعية .  

جـ. أن المنحرف فكرياً يعيش في عزلة اجتماعية ؛ لأن تصوراته وآراءه ، وما يؤمن به من فكر تُخالف ما هو سائد بين أفراد المجتمع .

د. أنه سبب مهم من أسباب تفكك المجتمع وانحلاله ، وهو خطر على النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي .

هـ. أن الانحراف الفكري مُخالف للإسلام ؛ لأنه لا يلتزم بما يدعو له الإسلام من الإلتزام بمنهج الوسطية والاعتدال ، وأداء الواجبات الشرعية ، والبُعد عن المحرمات .

وبذلك يُمكن تعريف الانحراف الفكري بأنه : " ميل الفكر ومُخالفته لدين المجتمع وما يؤمن به من قيم وأخلاق ، وما تسود فيه من ثقافة ، وما تحكمه من أنظمة وقوانين ، وانحرافه عن الوسطية والاعتدال باتجاه التطرف سواء في التشدد أو التفريط " .

 

 آثار الانحراف الفكري ومخاطره :

الحفاظ على فكر الأفراد وصيانته من الانحراف هو القاعدة الأساس لتحقيق الأمن والاستقرار في المجتمع .

فالفكر السليم يُشكّل ركيزة مهمة في الحفاظ على الأمن وتحققه ، فبسلامة الفكر يستقيم السلوك ، فتُحفظ الدماء ، والأموال ، وتُصان الأعراض ، فيتحقق الأمن بكافة جوانبه .

أما إذا انحرف الفكر ، وخالف عقيدة المجتمع ، وناقض ثوابت الأمة ، فقد وقع البلاء ، وعمت الفوضى ، وظهر الفساد ، " فالفكر المنحرف يستهدف قيم وأخلاق وروح المجتمع في الصميم ، وله تأثير مدمر إن تمكّن من بلوغ أهدافه ، وإذا لم يتلق ردة فعل قوية من عموم المجتمع " [15] .

" فالانحراف الفكري يُعد من أهم مُهددات الأمن والنظام العام ، ومن أبرز وسائل تقويض الأمن الوطني بمُقوّماته المختلفة ، حيث يهدف إلى زعزعة القناعات الفكرية ، والثوابت العقدية ، والمُقوّمات الأخلاقية والاجتماعية ، ولا شك أن جميع الانحرافات الفكرية والسلوكية ، والنشاطات الُمضرة بمصالح الناس ومقاصد الشرع يكون وراؤها فكراً منحرفاً " [16] .

والانحراف الفكري له آثار مُدمرة ، ومخاطر كبيرة على الفرد والمجتمع ، وكيان الدولة واستقرارها السياسي والاجتماعي والاقتصادي .

وضرر الانحراف الفكري يبدأ بصاحبه ، ثم يلحق المحيطين به من أسرته ، ثم يصيب مجتمعه ، وبلده .

وتزداد خطورة الانحراف الفكري ، وتعظم آثاره المدمرة إذا تُرجم ذلك الانحراف إلى أفعال يقوم بها الفرد ، أو إلى سلوك ينتهجه مُتمثل في الظلم ، والاعتداء ، والإفساد في الأرض .

ومن أهم مخاطر الانحراف الفكر وآثاره السلبية على حياة الفرد والمجتمع ، وكيان الدولة ما يلي :

أ. أنه يُضر بعقيدة الأمة ، ودين المجتمع بما يحمله من أفكار مُخالفة لشريعة الإسلام ، ومُناقضة لأركانه ، ومُنافية لمنهجه القائم على الوسطية والاعتدال .

ب. أنه سبيل لنشر البدع والشركيات ، وطريق لانتشار السحر والشعوذة المفسدة للعقيدة ، والمخلة بالدين .

جـ. فيه تشويه لصورة الإسلام وقيمه النبيلة ، المتمثلة في الرحمة والعدل والتسامح والشورى وغيرها ، وهو سبب للتنفير من الدخول فيه واعتناقه ، فالقيام بالأعمال الإرهابية التي " تزعزع الأمن والاستقرار يترتب عليه تشويه سمعة الإسلام وتنفير الناس منه ، وإلصاق تهم الإسلام منها براء ، بل يُحذّر الإسلام من الإرهاب ، ومن أصحاب الفكر المتطرف ، وينهى عن الميل والتجاوز والتطرف والغلو في      الدين " [17] .

د. أنه يُسهم في التشكيك في ثوابت الأمة ويهز قناعات أفرادها في عقيدتهم ، وذلك من خلال ما تنشره المذاهب المنحرفة ، وما تدعو له التيارات الهدامة كالعلمانية والشيوعية ، والحداثة ، والتغريب ، وغيرها من أفكار تُخالف    الإسلام ، وتُشكك في صلاحية لهذا الزمان ، ومُناسبته لأحوال الناس وظروفهم .

هـ. أنه سبب في الإفساد في الأرض وتهديد للضرورات الخمس التي أمر الإسلام بحفظها ، ووضع الحدود ، ورتّب العقوبات على من انتهك حُرمتها ، فهو طريق لسفك الدماء وانتهاك الأعراض ، والإضرار بالأموال والممتلكات ،               " فالعمليات الإرهابية المرتكبة من قبل أصحاب الفكر المنحرف هي من قبل  الإفساد ، سواء بقتل الأفراد أو تدمير ممتلكاتهم ، وإتلاف أموالهم ، أو إخافتهم      وترويعهم " [18] .

و. يؤدي إلى التشرذم ، والفرقة ، ويُضعف الصف ، ويُحقق الانقسام ، ويُهدد الوحدة الوطنية ويبث روح الكراهية بين مختلف طبقات المجتمع ويعود بالمجتمع إلى دعاوي الجاهلية من خلال تشجيعه على التعصب الطائفي والقبلي والفئوي والمناطقي .

 

 وسائل الانحراف الفكري " عوامل انتشاره " :

أ. الجهل :

فالجهل بالدين ، وما يلحق به من ضعف العلم الشرعي ، وقِلة الفقه ، والجهل بدلالات النصوص وبمقاصد الشريعة " من العوامل المؤدية إلى ظهور الانحرافات ، حيث أن البيئة الجاهلة أو قليلة العلم تُعتبر مكاناً خصباً لنمو وانتشار الانحرافات ، وتقع ممن يجهل الدين على وجهه الصحيح " [19] .

ب. تقديم الهوى على الأدلة الشرعية واتباع الظن :

فاتباع الهوى والظن وتقديم العقل على النقل ، ورد النصوص الشرعية الثابتة من وسائل الانحراف الفكري ، ومن عوامل الضلال ، قال تعالى :                             [20] ، كما أن اتباع الأهواء وترك الثابت والصحيح من مصادر الشرع من أسباب ظهور البدع وانتشارها ، " والمتأمل لحال أهل الأهواء والافتراق والبدع يجد أن من أعظم أسباب إصرارهم على بدعهم : الهوى وما تميل إليه نفوسهم ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر نجد أن منهجهم يقوم على اتباع الظن " [21] .

جـ. أخذ العلم من غير أهله :

وهم العلماء المشهود لهم بسعة العلم ، وصحة العقيدة ، وسلامة المنهج ، والتقوى والخشية من الله U ، وإذا تصدى للعلم والفتوى غير المؤهلين ممن هم قليلي العلم ، أو من أصحاب المنهج السقيم ، أو أهل الأهواء ، فإنهم سيؤثرون على فكر العامة ، وسيكونون سبباً لانحرافهم وفتنتهم .

د. الإعجاب بالكفار والتشبه بهم :

" من العوامل المؤدية لظهور الانحرافات وانتشارها : التشبه بالكفار واتباع سنتهم " [22] ، فالإعجاب بما عند غير المسلمين من أفكار وقيم وعادات وتقاليد ، واستحسانها وربطها بما لديهم من تطور في مختلف العلوم الدنيوية ، أثّر في نفوس البعض ، مما حدا بهم إلى مجاراتهم والتشبه بهم ، وتقليدهم في سلوكهم ، وأساليب حياتهم المختلفة ، إعجاباً بهم وتأثراً بما وصلوا إليه من تقدم وتطور ، واعتبار ذلك هو الأسلوب الصحيح والسلوك الحسن ، فكان ذلك عامل من عوامل الانحراف الفكري الذي أثر في المجتمعات الإسلامية ، وأفقدها الثقة بما لديها من موروث حضاري ، وزعزع قناعات أفرادها بعقيدتهم ودينهم .

هـ. الإعلام ذو التوجهات المُخالفة لعقيدة الإسلام :

ما يُعرض في بعض وسائل الإعلام الفاسدة من خلال البث الفضائي ، وعبر القنوات المختلفة ، والإنترنت ، والوسائل الإعلامية المسموعة والمقروءة من مواد وبرامج تُخالف ما يؤمن به أفراد المجتمع من عقيدة ، وتُصادم ما لديهم من قيم ومبادئ مُستمدة من دينهم ، وثقافتهم الإسلامية ، قد يُشكك الناس في عقيدتهم ، ويُفقدهم الثقة في ثوابتهم ، ويُفسد عليهم دينهم ، فيكون بذلك وسيلة للانحرافات الفكرية والسلوكية .

و. الغزو الفكري :

القائم على تشكيك المسلمين في عقيدتهم ونشر البدع بينهم ، وتصدير المذاهب والتيارات المنحرفة إليهم ، بهدف إشاعة الاضطراب الفكري وهز القناعات بالثوابت ، ونشر الانحلال الأخلاقي ، والقضاء على الهوية الإسلامية .       

 

المبحث الثاني : مصطلحات ذات علاقة بالانحراف الفكري :

الغزو الفكري :

الغزو الفكري من المصطلحات الحديثة ، وهو مكوّن من كلمتين وهما :

الغزو ، وهو في اللغة مُشْتق من : " غَزَا العدو غَزْواً : سار إلى قتالهم وانتابهم في ديارهم ، فهو غازٍ ، وجمعه : غُزَاة " [23] .

و" غَزَا الشيء غَزْوا : أراده وطلبه ، والغَزْوُ : القصد ، وهو : السير إلى قتال العدو وانتِهابه " [24] .

والفكري مشتق من الفكر ، وسبق الحديث عنه  في المبحث الثالث من الفصل التمهيدي .

أما في الاصطلاح فيُقصد بالغزو الفكري : " مُحاولة أمة من الأمم السيطرة الفكرية على أمة أخرى ، وجعلها تابعة لها في الأفكار ، والمعتقدات ، ومناهج التربية ، والحضارة ، والأخلاق ، والسلوك " [25] .

و" يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة    أخرى ، أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة مُعيّنة ، وهو أخطر من الغزو العسكري ؛ لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية ، وأسلوب المسارب الخفية في بادئ الأمر ، فلا تحس به الأمة المغزوة ، ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له ، وتكون نتيجته أن هذه الأمة تُصبح مريضة الفكر والإحساس ، تحب ما يريده لها عدوها أن تحبه ، وتكره ما يريد منها أن تكرهه " [26] .

وهو : " إغارة الأعداء على أمة من الأمم بأسلحة معينة ، وأساليب مُختلفة ، لتدمير قواها الداخلية ، وعزائمها ومُقوّماتها ، و انتِهاب كل ما تملك " [27] .

كما عُرّف الغزو الفكري بأنه : " هجمات فكرية مُتلاحقة ذات صلة بتاريخ المسلمين وحاضرهم ، تطرح شبهات وأفكار مُزيّفة مُستوعبة تراث الإسلام وأحوال المسلمين " [28] . 

وبذلك يُمكن القول بأنه يُقصد بغزو المسلمين فكرياً : " قيام أعداء الإسلام بمهاجمة المسلمين فكرياً مُستخدمين كل الوسائل والإمكانات الاقتصادية والإعلامية والثقافية ، بهدف التأثير عليهم ، وتشويه عقيدتهم ، والتشكيك في ثوابتهم ، ومسخ أفكارهم ، وتدمير عزائمهم وقواهم ، والاستيلاء على خيراتهم ، وجعلهم مجرد تابعين و مُقلدين لأعدائهم في فكرهم وسلوكهم " .

ويسعى أعداء الإسلام في غزو المسلمين فكرياً منطلقين من عدة ميادين ، فهم يسعون في التشكيك في العقيدة الإسلامية بما تحمله من مبادئ وقيم ، ونفي الرسالة عن النبي e واتهامه في دعوته وجهاده وسلوكه ، ووصف القرآن الكريم بأنه كلام بشر وليس من عند الله و شككوا في طريقة جمعه وترتيبه وحفظه ، وانتقصوا من أحكام الشريعة ، واتهموها بالقسوة وانتهاك حقوق الإنسان ، وادّعوا بعدم صلاحيتها لهذا الزمان ، كما حاربوا اللغة العربية واصفين إياها بعدم القدرة على استيعاب الجديد وبصعوبة التطبيق في الوقت الحاضر ، ودعوا لاستبدالها باللهجات العامية ، كما شكّكوا في التاريخ الإسلامي ، وقاموا بكيل التُهم لقادة المسلمين وعلمائهم ، وهاجموا الثقافة الإسلامية واتهموها بالمحلية والقصور والإقليمية ، وانتقصوا من رموز الحضارة الإسلامية ، وتولوا عادات وتقاليد المسلمين بالنقد ، ودعوا لاستبدالها بعاداتهم .  

ويرتبط الغزو الفكري بالانحراف الفكري من عدة أوجه :

1. أن الغزو الفكري يسعى إلى تشكيك المسلمين في دينهم ، والطعن في نبيهم ، وتشويه تراثهم وتاريخهم ، وهذا من أهم وسائل الانحراف الفكري .

2. أن من يقوم بالغزو الفكري هم أناس ذوي فكر منحرف ، يسعون لنشر فكرهم وقيمهم وعقائدهم المنحرفة بين المسلمين .

3. أن الانحراف الفكري بشتى صوره وأشكاله يخدم الغزو الفكري ، ويحقق أهدافه في إضعاف المسلمين ، وصدهم عن دينهم وإبعادهم  عنه .

ومن أهم الوسائل التي اُستخدمت ــ وما زالت تستخدم ــ في الغزو الفكري :

1. التعليم ، فكانت الدول الغازية تُنشئ المدارس في البلاد الإسلامية ، وتُعد المناهج ، وتُشرف عليها ؛ وذلك من أجل صرف المسلمين عن دينهم وتشكيكهم    فيه ، وتشويه تراثهم وثقافتهم ، خدمة لأهداف تلك الدول ، وتحقيقاً لمصالحها ، فاستخدموا " التعليم وسيلة لاستعباد الأمم والأفراد ، وإبعادهم عن الدين الإسلامي بتشكيكهم فيه والحط من قيمته، وتشويه التاريخ والحضارة الإسلامية ، وتغريب لغة القرآن في نفوس أبنائها " [29] .

2. الإعلام ، وهو من أكثر وسائل الغزو الفكري استخداماً ، ومن   أخطرها ؛ وذلك لمن يحمله من قوة التأثير وسعة الانتشار ، ومُخاطبة جميع فئات وطبقات المجتمع .

فعمل ذلك الإعلام من خلال قنواته المختلفة " المسموعة ، والمرئية ، والمقروءة " على نشر الأفكار والعقائد المنحرفة ، وبث الاتجاهات الفكرية المخالفة للإسلام ، ليصبح بذلك المسلم تحت وطأة إعلام يوجه أفكاره ، ويُصيغ سلوكياته ، فاتسعت الفجوة بين ما يعتقده ويؤمن به من دين وقيم ، وبين ما يفعله ، متأثراً بما يراه ويسمعه من ذلك الإعلام المسموم .

3. التأليف والترجمة ، فالكتاب من أقدم وسائل الغزو الفكري ، ولا يزال يؤدي دورة في التأثير السلبي على فكر الأمة ومعتقداتها .

فألف أعداء الإسلام الكتب التي تطعن في الإسلام وفي نبيه e ، وفي صلاحيته في الحكم والاقتصاد ، وفي ملائمته لأحوال الناس وظروفهم و واقعهم المُعاش ، وعملوا على ترجمتها إلى اللغات المنتشرة في العالم الإسلامي ، ونشرها بين المسلمين ، " وكان للمستشرقين اليد الطولى في الهجوم على الدين الإسلامي ، والتاريخ والحضارة الإسلامية ، واللغة العربية ، وسلكوا طرقاً عديدة لتحقيق أهدافهم فشملت التدريس في الجامعات ، وجمع المخطوطات العربية وتحقيقها والنشر والترجمة ، والاشتراك في المجامع اللغوية والعلمية العربية ، ونشروا العديد من الكتب ، وكثير منها تطعن في الإسلام ونبيه " [30] .

4. تقديم الخدمات الاجتماعية والصحية ، واستغلال ظروف المسلمين ، وما يمُر بهم من نكبات وحروب ، وما يصيبهم من كوارث ، كالزلازل والفيضانات والمجاعات ، ونشر أفكارهم ومعتقداتهم من خلال تقديم الإعانات والمساعدات .

5. " إنشاء البعثات الخارجية ، وابتعاث طلبة مسلمين إليها للتأثير عليهم ، وصبغهم بالصبغة الغربية ، وتقديم التاريخ الإسلامي بالطريقة التي تخدم  مخططاتهم " [31] .

6. التواصل الحضاري ، والاتصال المباشر مع المجتمعات والدول الإسلامية عن طريق السفر للسياحة والعمل والعلاج ، وتبادل الزيارات الشبابية والرياضية ، ومن خلال التمثيل السياسي والثقافي .

 

 الغزو الثقافي :

الغزو الثقافي مصطلح حديث ، مكون من كلمتين هما :

الغزو : سبق الحديث عنه في مصطلح " الغزو الفكري " .

الثقافي ، وهو مشتق من الثقافة ، وهي : " العلوم والمعارف والفنون التي يُطلب الحذق فيها " [32] .

وتشمل الثقافة كل ما يُميّز أمة عن أمة ، ومجتمع عن آخر ، من المعتقدات ، والأفكار ، واللغة ، والأخلاق ، والقيم ، والعادات والتقاليد ، والعلوم والمعارف التي يكتسبها الإنسان .

وثقافة المجتمع قابلة للتغيير بمرور الوقت نتيجة للاتصال والاحتكاك بالثقافات الأخرى .

ويُقصد بالغزو الثقافي : " قيام أعداء الإسلام بمهاجمة الأسس والمبادئ والأصول الثقافية للمسلمين بهدف إضعافها ، وإحلال ثقافتهم مكانها " .

" بدأ الغزو الثقافي المعاصر مع بداية الاستعمار الأوربي لبلاد المسلمين ، فقد كان له تأثير كبير في نشر الثقافة الغربية الأوربية ، والدعوة إليها باسم التحضر والحرية والتقدم ، ونحو ذلك من الشعارات البراقة " [33] .

فالغزو الثقافي يهدف لمواجهة ثقافة الأمة ومحاربتها وزعزعتها ، والعمل على طمسها وسلبها مُقوّماتها ، وفرض ثقافة أجنبية أخرى بديلة عنها ، ولتحقيق ذلك استخدم أعداء الأمة المدارس و وسائل الإعلام ودعوة أبناء المسلمين للسفر لبلادهم بقصد إبهارهم بما لديهم من تقدم و حضارة ، ثم احتوائهم وفتنتهم ليكونوا رسولاً لهؤلاء الغزاة إذا عادوا إلى بلادهم .

والغزو الثقافي يحدث بشكل تدريجي ، حتى أن المسلم قد لا يشعر به حتى ينتشر ، ويبدأ تأثيره وهدمه للفكر والمعتقد .

ويُستخدم في الغزو الثقافي عدد من الأساليب ، ومن أهمها التغريب [34] ، والاستشراق [35]، والعولمة الثقافية [36] ، فمن خلال التغريب يسعى أعداء الإسلام إلى صبغ المجتمعات المسلمة بالصبغة الغربية في الثقافة والسلوك وإحداث التبعية   الثقافية ، لجعل المسلم يعيش ويفكر كما يعيش ويفكر الغربي ، فلا يبقى له من الإسلام إلا الاسم ، وذلك نهاية المطاف في الغزو الثقافي .

أما من خلال الاستشراق فيسعى أعداء الإسلام إلى فهم ثقافة المسلمين وتراثهم وآدابهم وعاداتهم ، ومعرفة طرائق تفكيرهم ، ودراسة تاريخهم من أجل معرفة نقاط القوة والضعف لديهم ، ليتمكنوا من السيطرة عليهم .

ومن الوسائل المستخدمة في الغزو الثقافي :

_ محاربة اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن ، والتشكيك في صلاحها لهذا العصر ، وبقدرتها على استيعاب المكتشفات والمخترعات الحديثة .

_ الدعوات المنادية بتبني المذاهب الأدبية الغربية في الكتابة والنقد .

_ توظيف وسائل الإعلام المختلفة لتشويه الثقافة الإسلامية بما تحويه من فكر ومعتقد وقيم ومبادئ ، حتى يزهد فيها أهلها ويتخلون عنها ، ويتجهون إلى غيرها .

_ تشجيع الخلافات الفكرية والمذهبية وتعميقها بين المسلمين .

" ويمثل الغزو الثقافي أحد الأخطار التي تواجه الأمن الفكري ، فقد عمل الغزو الثقافي للأمة العربية والإسلامية على طمس الهوية الإسلامية ، وتغريب أبناء الأمة العربية والإسلامية ، ومسخ الشخصية الوطنية للأفراد ، وطمس المعالم الحضارية والثقافية وخصوصية الأمة الإسلامية ، وتصويرها على أنها حضارة مسلوبة الإرادة وغير قادرة على تطوير ذاتها ، وخلوها من القدرة على الإبداع " [37] .

       

العولمة الثقافية :

العولمة الثقافية مصطلح حديث يُقصد به : " صبغ ثقافات الشعوب المتراكمة والموروثة بصبغة ثقافة النظام الواحد عن طريق الوسائل الحديثة المستخدمة " [38] ، فهي تقوم على توحيد الثقافات المختلفة ، وصهرها وإذابتها ، لتكوين ثقافة عالمية    واحدة ، فهي تسعى إلى صياغة ثقافة كونية واحدة تُغطّي مختلف جواب النشاط الإنساني .

فالعولمة الثقافية تهدف إلى إيجاد ثقافة عالمية تتوحد فيها العناصر الثقافية ، وما يدخل تحت الثقافة من مكونات ، كالقيم ، والمبادئ ، والأخلاق ، والأعراف ، وغيرها ، ووسيلتها في ذلك : الإعلام بقنواته المتنوعة ، والاتصالات بقطاعاتها المختلفة ، بما تحويه من إنترنت ، والتأليف والترجمة ، وسهولة السفر والانتقال ، والثورة في مجال المعلومات والتقنية .

وتُعد العولمة الثقافية أسلوب من أساليب الغزو الثقافي ، فهي تقوم على محو الهوية ، ونزع الخصوصية الثقافية للأمة ، وإبدالها بثقافة أخرى ذات فكر ،   وعقيدة ، وقيم ، ومبادئ ، لا تمت للأمة بصلة .

وهي مدعومة بالنفوذ السياسي والاقتصادي للدول الغربية ، التي هي ذات السلطة والنفوذ الأقوى على المستوى الدولي ؛ وذلك من أجل سيادة ثقافتها بما تحمله من لغة ، وقيم ، ومبادئ ، وفكر ، وتعميمها على مستوى العالم .

والدعوة إلى العولمة الثقافية هو محاولة لتذويب الثقافة الإسلامية ، وإلغاء ما تحويه من تميّز وخصوصية لصالح ثقافة عالمية مُستمدة من ثقافة الأقوى والغالب وهم الغرب ، " فمن المُسّلم به أن الخصوصية الثقافية في أي مجتمع سوف تتأثر               ــ لا محالة ـــ نتيجة تفاعلها وتقاطعها مع توجهات العولمة " [39] .

ومن أهم مخاطر العولمة الثقافية :

أ. تهديدها للعقيدة الإسلامية ؛ وذلك لأنها تشتمل على الدعوة لوحدة     الأديان ، وتُنادي بمساواتها ، وأنه لا فرق بينها ، وهي دعوة تُخالف عقيدة الإسلام .

ب. تحمل في طياتها نقضاً لأحكام الشريعة الإسلامية بفرضها مبادئ غربية تخالف الشريعة الإسلامية ، كدعوتها لنبذ الحدود والأحكام الشرعية ، ودعوتها للمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة .

جـ. تعمل على سيطرة الثقافة الغربية على بقية الثقافات ، وتسعى لإلغاء ما تحمله الثقافات الأخرى ــ ومنها الثقافة الإسلامية ــ من خصوصية وتميز .  

والعولمة الثقافية تعمل على انحراف الفكر من خلال ما تدعو له من فكر ، وقيم ، ومبادئ تُخالف ما يحمله الإسلام من عقيدة ، وما يدعو له من قيم ،   وأخلاق ؛ ولذلك لا بد من التعامل معها بحذر ، حفاظاً على عقيدة الأمة وهويتها ، من خلال الفهم الصحيح للإسلام ، والتمييز بين ما فيها من النافع والضار ، والاستفادة من الصحيح وترك السقيم .

 

التعصب الفكري :

في اللغة جاء " العَصَبِيُّ : من يُعين قومه على الظلم ، أو من يُحامي عن عصبته ويغضب لهم ويُقال : رجلٌ عصبيٌّ : سريع الانفعال ، والعَصَبيَّةُ : المحاماة والمدافعة عمَّن يلزمك أمره ، وعَصَبَةُ الرجُل : بنوه وقرابته لأبيه ، أو قومه الذين يتعصَّبون له وينصرونه " [40] .

" وتَعصَّبَ بالشيء واعتصب : تَقَنَّعَ ورَضِي ، والتَّعَصُّبُ : من العَصَبِيةُ ، والعَصَبيَّةُ : أن يدعو الرجلَ إلى نُصرةِ عَصَبَتهِ والتألُّب معهم على من يُنأوئُهُم ظالمين كانوا أو مظلومين ، والعَصَبيُّ من يعين قومه على الظُّلْم " [41] .

والفكري : مشتق من الفكر ، وسبق الحديث عنه في المبحث الثالث من الفصل التمهيدي .

وهو مصطلح حديث يُقصد به " المغالاة في التشبث بالرأي والإصرار عليه ، أو بالأفكار والمعتقدات ، حتى لو كانت خاطئة ، أو نتيجة عدم فهم أو وعي حقيقي بالمضمون الكامل خلف تلك المعتقدات " [42] .

وهُناك من يرى أن التعصب الفكري يعني " التطرف في الرأي ، أو التعصب لحكم اجتهادي ليس له دليل قاطع في ثبوته أو دلالته " [43] .

وهو : " التحيّز في رأي معين ومُساندته بغض النظر عن قوته ، أو قوة مرجعيته وصلاحيته ، وعدم الاعتراف بالرأي الآخر ، وما يترتب عليه من التناحر مع   المخالفين ، والترويج للرأي المتَعَصَب له ، بل اتهام المخالفين بالجهل والتخلف وعدم العدالة وسوء الفهم " [44] .

فالتعصب الفكري يقوم على الإصرار على رأي أو فكر دون استناد صحيح من الشرع ، مما يُبعد صاحبه عن الحيادية ، والعدل ، والوسطية ، والاعتدال في التصور والحكم ، ومن يحمل هذا الفكر لا يرى إلا فكره ، ويُلغي أي فكر آخر يُخالفه ، فهو الوحيد الذي على حق وكل من يخالفه على باطل ، وهو بذلك يضع عقله في دائرة ضيقة محكومة ببعض المعرفة ، ولا يرى من ورائها من حقائق  ومعارف ، فهو لا يرى إلا ما يؤمن به من فكر ، ويبحث عن التبريرات مهما كانت هزيلة ومُخالفة للدين ، والعقل ، والفطرة التي تؤكد رأيه وفكره .

ويُعد التعصب الفكري انحراف الفكر ، فيقوم من يُصاب به " بالانغلاق الفكري ، والانكفاء على الذات ، ومصادرة آراء الآخرين المعارضين لذلك الشخص الذي يسير على هذا النهج ، والذي قد يصل به الأمر إلى درجة الرفض وعدم قبول مُناقشة الآخرين ، أو الحوار معهم " [45] .

فالتعصب الفكري ينشأ نتيجة الجهل ، وجمود الفكر ، فيغفل صاحبه عن رؤية مقاصد الشرع ، وظروف الزمان والمكان ، وتغيرات العصر ، وفقه الواقع ، فلا يقبل آراء الآخرين ولو ظهر أنها ذات برهان وحجة ، بل يعمل على الزام الآخرين بفكره ، ويجبرهم على الأخذ برأيه ، ولو كان الصواب يجانبه ، والحق يخالفه .

 

المبحث الثالث: مسؤولية العولمة في الانحراف الفكري :

العولمة ليست مجرد فكرة قد تُقبل وقد تُرفض ، بل هي حقيقة واقعة تتعايش معها الشعوب والمجتمعات وفق إمكاناتها الاقتصادية والسياسية ، وبما لديها من إرث حضاري وثقافي ، وبقدرتها على التأثير على الآخرين .

وظاهرة العولمة لها أبعادها السياسية ، والثقافية ، والاقتصادية ، والاجتماعية والأمنية ، " فالعولمة تسعى إلى كسر الحدود والحواجز بين الدول ، حتى يُصبح العالم كقرية كونية صغيرة ، وهذا بدوره يؤدي إلى سهولة تدفق وانتقال رؤوس الأموال والاستثمارات والقوى العاملة والسلع ، وكذلك الثقافات والمعلومات بسلاسة ودون قيود أو عوائق تحول دون ذلك ، وفي ظل العولمة فإن هناك تحديات واسعة تواجه الثقافة العربية والإسلامية ، حيث تسعى العولمة بهويتها الثقافية الغربية نحو تعميق التعلق بمظاهر الحياة المادية ، وإغفال الآخرة ، والجزاء والحساب والجنة والنار ، مما قد يجعل الناشئة ينشؤون وهم قد فُصِلوا عن دينهم ، وتباعدت الفجوة بينهم وبين تراثهم الإسلامي ، وكذلك توجيه الشباب إلى الانغماس في ممارسة هوايات هابطة كالرقص والغناء ، والتشبه بكل ما يتم بثه عبر القنوات الفضائية والإنترنت من أنواع الألبسة ، أو أساليب التعامل في المناسبات وغيرها ، والقضاء على اللغة    العربية ، وذلك بتمجيد اللغة الإنجليزية والتأكيد على أهميتها في القبول في المدارس والجامعات ، وكذلك في مجال العمل والتوظيف " [46] .

وقد تعددت تعريفات الباحثين لمفهوم " العولمة " ؛  وذلك ناتج من حداثة   المفهوم ، وتوسع مجالاته ، وتعدد تطبيقاته ، واختلاف توجهات ومنطلقات وثقافات من كتب عنه وسعى لدراسته ، فمدلول العولمة " مازال يشوبه قدر من الغموض ، وعدم الدقة ، كما أنها كظاهرة لم تعرف بعد الاستقرار ، من حيث تحديد أبعادها ، والغرض النهائي منها بشكل قاطع " [47]  ؛  ولذلك يُلاحظ تعدد الألفاظ التي أُطلقت على مصطلح العولمة ، ومنها : الكونية ، والكَوكَبة ، والعالمية ،  والأمْرَكة ، والغربنة .

والعولمة " هي الترجمة لكلمة GlobalIzation المشتقة من كلمة Globe أي الكرة ، والمقصود هنا الكرة الأرضية ، وتدل على مشروع لمركزة العالم في حضارة واحدة " [48] .

ويُشير مصطلح العولمة إلى ما يتسم به عالم اليوم من الانفتاح السريع الذي يقوم على أساس التواصل بين البشر ، والتطور في وسائل الاتصال والإعلام والاقتصاد والذي بدوره أدى إلى ازدياد الارتباط بين دول العالم ، والتداخل في أمور السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة ، فظاهرة العولمة " تتجه لصياغة المجتمعات بسمات تقوم على محاولة إلغاء الهوية والأصالة الثقافية المحلية من أجل ثقافة وأنماط استهلاكية تخدم الثقافة المُسيطِرة " [49] ، وهي ثقافة الأقوى اقتصادياً وإعلامياً وعسكرياً .

ومما عُرّفت به العولمة :

أنها تعني " بناء عالم واحد ، أساسه توحيد المعايير الكونية، وتحرير العلاقات الدولية ، السياسة والاقتصاد ، وتقريب الثقافات ، ونشر المعلومات ، وعالمية الإنتاج المتبادل ، وانتشار التقدم التكنولوجي ، وعالمية الإعلام " [50] ، وبذلك فهي " وضعية كونية جديدة تخترق كل مجالات الحياة ، وتترك بصمتها على مختلف جوانب العيش والتعامل " [51] .

وهناك من يرى أن العولمة هي " تيار ثقافي سياسي اجتماعي فكري يسعى إلى خلق كيان ينصهر فيه العالم في بوتقة واحدة تتجاوز الحدود المكانية ، وعوامل الدين والثقافة والأعراف " [52] .

وهناك من يرى أن " العولمة هي الاستعمار بثوب جديد ، ثوب تُشكِله المصالح الاقتصادية ، ويحمل قيماً تدعم انتشار تلك المصالح وتُرسّخها ، إنها الاستعمار بلا هيمنة سياسية مباشرة ، أو مخالب عسكرية واضحة " [53] ، وبذلك فما هي إلا " غزو ثقافي اجتماعي اقتصادي سياسي يستهدف الدين والقيم والفضائل والهوية " [54] .

فالعولمة تتجه لصياغة ثقافة عالمية تتخطى الهويات والثقافات الوطنية ، وتعمل على تذويب الخصوصيات الثقافية ، لجعل الهويات ذات نمط واحد تُحدده ثقافة الأقوى ، وبذلك فرض ثقافة عالمية تتناول مختلف الأنشطة الإنسانية .

 وبالرغم من هذا الاختلاف ، وعدم الاتفاق على تعريف محدد لهذه الظاهرة ، إلا أن العولمة تبقى واحدة من أبرز الظواهر المعاصرة المتعددة الأبعاد ، والتي امتد تأثيرها إلى مجالات الحياة المختلفة ، والتي يُسعى من خلالها إلى الهيمنة ، والسيطرة الشاملة على مختلف المجتمعات والشعوب .

وكان من أهم السمات التي ميزت العولمة كظاهرة في هذا العصر :

_ التقدم الهائل في وسائل الاتصال ، وبروز الإنترنت وما يحمله من تطبيقات ، وظهور البث الفضائي بقنواته المختلفة .

_ سيطرة الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية عسكرياً ، وسياسياً ، وثقافياً ، واقتصادياً ، وهيمنتها الدولية ، وخاصة بعد سقوط المعسكر الشرقي .

_ بروز دور المنظمات الدولية كهيئة الأمم المتحدة ، وما يتبعها من منظمات ، وما تدعو له من مؤتمرات ، وما يصدر عنها من قرارات .

_ ظهور الشركات متعددة الجنسيات ، وبروز دورها الاقتصادي .

_ بروز نظام اقتصادي رأسمالي يسعى للسيطرة والاستحواذ على الأسواق وتقوم عليه الدول الصناعية ، والمؤسسات الاقتصادية العالمية ، كصندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي ، ومنظمة التجارة العالمية .

واختلفت النظرة للعولمة ، وانقسم المفكرين و أهل الرأي في نظرتهم للعولمة إلى ثلاثة أقسام ، فكان منهم :

أ. مؤيديون للعولمة ، ومدافعون عن كل ما تحمله من فكر وثقافة وقيم ، لا يرون فيها إلا تكريساً لقيم الحرية وحقوق الإنسان ، وإلغاءً للحواجز ، وفتحاً للحدود ، بحيث تسمح بتدفق السلع والأفراد والأفكار ، وتساعد على الازدهار الاقتصادي والتطور التقني ، والنمو المعرفي للأفراد والشعوب .

ب. معارضون للعولمة ، رافضون لكل ما تأتي به ، ويشكك هؤلاء بالفوائد التي قد تُجنى منها ، ويصفونها بأنها " قاتلة للحضارات وثقافات الشعوب ، ومُلغية للدولة الوطنية والمجتمعات القومية ، ومتجاوزة تراث الشعوب وحضاراتها ، ومحاولة تعميم الثقافة الغربية " [55] . 

جـ. قسم دعا إلى فهم ظاهرة العولمة فهماً دقيقاً ، والنظرة إليها بعقلانية متزنة باعتبارها واقعاً لابد من التعايش معه بحذر ، والأخذ بكل ما تحمله من إيجابيات ومصالح ، والاستفادة مما يمكن أن تُحققه من منافع اقتصادية وتقنية وسياسية ، مع إيجاد الوسائل والطرق التي من خلالها يمكن تلافي أو تقليل الآثار السلبية التي قد تترتب على التعاطي معها .

وتتحمل ظاهرة العولمة مسؤولية في الانحراف الفكري ، ويتضح ذلك في   الآتي :

1. ظهور وسائل الاتصال الحديثة مُتمثلة في الأقمار الصناعية ، والحاسبات ، والهواتف المحمولة ، وغيرها ، بما تحمله من إنترنت يحوي المواقع الإلكترونية المختلفة ، والبريد الإلكتروني ، وخدمات التصفح ، والماسنجر ، ومواقع         "You Tube " وغيرها ، أتاح فُرصاً لتغلغل التيارات الهدامة ، والمذاهب المنحرفة ، في المجتمعات المسلمة ، وسهّلت وصول الأفكار المنحرفة إلى الشباب المسلم ، وجعلت  الإطلاع على ذلك الفكر في متناول الجميع ، فتأثر بها البعض .

2. التوسع المضطرد في البث الفضائي ، والازدياد الكبير في عدد القنوات الفضائية ساهم في ازدياد الانحرافات بشقيها " الفكرية والسلوكية " ، ويظهر ذلك جلياً من خلال :

أ. إبراز تلك القنوات للنماذج المنحرفة فكرياً وسلوكياً  ممن تميزوا في الرياضة والتمثيل والغناء و ... ، كقدوة للناشئة ، وسعيها لتلميع صورهم ، وإضفاء هالة إعلامية عليهم ، مما ساعد على تعلّق الناشئة بهم ، والتأثر بكل ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال .

ب. سهّلت تلك القنوات لأصحاب الفكر المنحرف بث أفكارهم ، وأتاحت الفرصة لهم بنشر شبهاتهم بشكل واسع ، بل أصبح هناك قنوات خاصة بالتنصير ، وأخرى بالسحر والشعوذة ، وقنوات قائمة على التحلل الأخلاقي ، ومُهاجمة    الفضيلة ، ومحاربة الدين .

جـ. عَمِلت تلك القنوات على نشر القيم الغربية ، وأخذت في تلميع النموذج الغربي ، المرتبط بالعادات والتقاليد ، وأساليب المعيشة وغيرها ، باعتباره النموذج المناسب لهذا العصر .

د. سعت تلك القنوات للدعاية للديانات القائمة على الشرك ، المُخالفة لعقيدة الإسلام ، وعملت على تحسين صورتها ، وعرضها بطريقة جذابة ، وسمحت لأتباعها بنشر ما تحمله تلك الديانات من فكر فاسد .

هـ. عملت القنوات الفضائية على طرح الثوابت الدينية كقضايا يؤخذ فيها آراء الناس على مختلف مستوياتهم العلمية والفكرية ، وأصبحت تلك الثوابت محل نظر ونقاش وأخذ ورد ، مما أدى لزعزعة فكر بعض أبناء المجتمعات الإسلامية ، واهتزاز ثقتهم بما لديهم من قيم وثوابت إسلامية .

و. عملت القنوات الفضائية على إبعاد المرأة المسلمة عن دينها ، باعتبارها حاضنة الأجيال ، ومربية أبناء المستقبل ، وسعت إلى إفساد فكرها ، وذلك بإشعار المرأة المسلمة بأنها مظلومة ، ومهضومة الحقوق ، وعرض الكثير من الشبهات المتعلقة بواقع المرأة في المجتمعات المسلمة ، وبعلاقة الإسلام ودوره في تكريس امتهان المرأة ، والوقوف ضد تطورها ، وعرض المرأة الغربية كنموذج لما لابد أن تكون عليه المرأة في هذا العصر .

كما تبنت تلك القنوات الدعوة لمفاهيم ورؤى فكرية تُخالف الدين ، وعملت على تلميعها وزخرفتها ليتقبلها الناس ، فدعت لحرية المرأة وتحررها وحقها في السفور ، ونادت بالتبرج وترك الحجاب الذي عدته مقيداً لحرية المرأة ، ومانعاً لها من التواصل .

وكل تلك الدعوات تدعو للانحراف ، وتُخالف دين المجتمع وما يؤمن به أفراده من معتقدات وقيم .

3. عَمِلت المنظمات الدولية مُمثلة في هيئة الأمم المتحدة ، والمنظمات التابعة لها كاليونيسكو وغيرها ، والمنظمات المدافعة عن الحريات ، وما يُسمّى بمنظمات حقوق الإنسان ، وما يُلحق بتلك الهيئات والمنظمات من مؤتمرات وندوات دولية على نشر فكر مُستمد من الثقافة الغربية ، ومُخالف لشريعة الإسلام ، وعَمِلت على تأطير ذلك الفكر ، ووضعه على شكل قوانين عالمية ، وسعت إلى إلزام الدول المختلفة بتبنيه ضمن تشريعاتها وقوانينها الوطنية ، ومن ذلك :

أ. " أن أخطر ما تحمله العولمة تهديدها لأصل العقيدة الإسلامية ، لما تدعو له من وحدة الأديان ، وهي دعوة تنقض عقيدة الإسلام من أساسها ، وتهدمها من  أصلها ؛ لأن دين الإسلام قائم على حقيقة أنه الرسالة الخاتمة من الله تعالى    للبشرية ، الناسخة لكل الأديان السابقة " [56] ، كما تحمل العولمة تهديداً آخر يتمثل في سعيها لإعادة تشكيل المفاهيم الأساسية عن الكون والحياة والإنسان عند المسلمين ، والاستعاضة عن ذلك بمفاهيم تروّج لها الحضارة الغربية المادية ، وتعمل على نشر تلك المفاهيم والدعوة لتبنيها ، والترويج لها من خلال مؤسسات الإعلام ، والمنظمات والمؤتمرات الدولية .

ب. الدعوة لما يُسمى بـ " الديمقراطية " ، وتلميع صورتها ، واعتبارها أساس الحكم الرشيد والصالح لهذا العصر ، والتي تقوم على حكم الشعب بالشعب ، وكون السلطة التشريعية بيد الأفراد أو الأحزاب والجماعات ، وتولي المناصب القيادية لمن يحوز على غالبية أصوات الأفراد ، وإن كان فاسد الفكر والسلوك ، وغير مؤهل لقيادة الأمة ، وفي هذه الأمور مُخالفة لما أتى به الإسلام ، من أن الحكم لله ، وأن التشريع لا يكون إلا وفق منهج وشريعة الإسلام ، وأن الحاكم لا بد أن يكون مؤهلاً ، وصالح الفكر والسلوك .

جـ. " أن هناك الكثير من السلوك المنحرف هو في تلك النظم الدولية يُعد أمراً طبيعياً لا يُعاب عليه ، كالعلاقات الجنسية المحرمة ، والشذوذ الجنسي الذي سُمّي مؤخراً بـ " المثلية " الذي أصبح تنظيمه بشكل رسمي معترف به ، وغير ذلك من الانحرافات الخُلقية التي ترفضها الفطر السليمة فضلاً عن الدين القويم " [57] .

 

المبحث الرابع : مظاهر الانحراف الفكري :

عندما ينحرف الفكر يُصاب السلوك بالانحراف ، فتكون تصرفات الفرد مُخالفة لما يُدين به مجتمعه من عقيدة ، وقيم ، وأخلاق ، وما يسعى إلى تحقيقه من عزة وسيادة وقوة وتنمية .

فيتسم سلوك المنحرف فكرياً بالتعدي على الحرمات ، والاعتداء على الأنفس ، وهضم الحقوق ، فهو فاسد الأخلاق ، مُنساق خلف الشهوات ، لا يُفرّق بين المعروف والمنكر ، والحسن والقبيح ، والخير والشر .

والانحراف الفكري داء يصيب الدين والأخلاق  والقيم ، و لا يتوقف أثره على من أُصيب به ، بل يتعداه إلى المجتمع .

وللانحراف الفكري أعراضٌ ودلائلٌ تدل عليه ، ومظاهرٌ تُشير إليه ، ومن أهم مظاهر الانحراف الفكري ما يلي :

أ. الغلو والتطرف :

الغلو في اللغة مُشتق من " غَلاَ غُلُوّاً أي زاد وارتفع ، وجاوز الحد ، فهو غالٍ ، وفلان غلا في الأمر والدين : تشدد فيه ، وجاوز الحد و أفرط ، فهو غالٍ ، وجمعه غُلاةٌ " [58] " وغلا في الدين والأمر يَغْلُوا غُلُوّاً : جاوز حده ، وفي التنزيل :         [59] ، وغَلَوْت في الأمر غُلُوّاً إذا جاوزت فيه الحد وأفرطت " [60] ، وهو           " مجاوزة الحد ، بأن يُزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق " [61] .

وتَطَرَّفَ في اللغة " أتى الطرف ، وتَطَرَّفَ في كذا : جاوز حد الاعتدال ولم يتوسط ، والطَّرَفُ من كل شيء : منتهاه ، والناحية أو الجانب " [62] ، " وطَرَفْ كل شيء منتهاه ، وطَرَفْاه أي جانباه ، وتَطَرَّف الشيء : صار طرفاً " [63] .

والتطرف هو " مجاوزة الحد ، والبعد عن التوسط والاعتدال ، بالانحياز إلى طرفي الأمر ، إفراطاً أو تفريطاً " [64] .

فإن جاوز الحد ، وابتعد عن التوسط والاعتدال سواء بالزيادة والتشدد والإفراط ، أو الابتعاد عن التوسط والاعتدال ناحية النقص والتفريط فهو تطرف .

وعلى ذلك يتضح أن التطرف " يشمل الغلو ، لكن الغلو أخص منه في الزيادة والمجاوزة ، ليس فقط بمجرد البعد عن الوسط إلى الأطراف ، أو بمعنى آخر كل غلو فهو تطرف ، وليس كل تطرف غلواً " [65] .

ولقد نهى الإسلام عن الغلو في الدين فقال الله U :                                    [66] ، وقال المصطفى u : " إياكم والغلو في الدين ، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " [67] ، وقال u : " هلك المتنطعون [68] " [69]  ، فالغلو في الدين من " أبرز مظاهر الانحراف الفكري ، ومن أعظم مُهددات الأمن ، حيث ارتكب باسم الدين أبشع جرائم العصر ، وأكثرها دموية وتعقيداً " [70] .

ويأخذ الغلو صور عدة ، ومنها :

1. " تفسير النصوص تفسيراً متشدداً .

2. تكلّف التعمق في معاني التنزيل .

3. أن يكون الغلو مُتعلقاً بالأحكام ، وذلك بأحد الأمور التالية :

_ إلزام النفس أو الآخرين ما لم يوجبه الله U تعبداً وترهباً .

_ تحريم الطيبات التي أباحها الله U على وجه التعبد .

_ ترك الضروريات أو بعضها .

4. أن يكون الغلو مُتعلقاً بالآخرين ، وذلك بأحد أمرين :

_ أن يقف الإنسان من البعض موقف المادح الغالي الذي يوصل بشراً ما سواء أكان فرداً أم جماعة إلى درجة لا يستحقها كادعاء صفات الأولوهية لبعض الصالحين والأولياء الذين ماتوا ، من القدرة على شفاء المرض أو ادعاء العصمة لشخص وجعله مصدر الحق .

_ أن يقف الإنسان من بعض الناس أفراداً أو جماعات موقف الذام الغالي ، فيصم المسلم بالكفر والمروق من الدين ، أو يصم المجتمع المسلم بأنه مجتمع   جاهلي " [71] .  

وكذلك من صور الغلو [72] : التكفير بالمعصية ، وتكفير المقيم الذي لم يُهاجر في المجتمعات المسلمة المعاصرة ، وتكفير المُعَيَّن دون اعتبار للضوابط الشرعية ، والحكم على بلاد المسلمين بأنها دار كفر ، واستحلال الدماء والأموال بناء على ذلك ، والخروج على الحاكم المسلم ، والخروج على الحاكم الجائر ، أو الظالم ، والاغتيالات للمسلمين أو المعصومين كالمعاهدين ونحوهم ، والقيام بأعمال    تخريبية ، وتحريم التعليم والدعوة إلى الأمية ، والغلو باعتزال المجتمعات وهجرتها ، والغلو بتحريم العمل في الوظائف الحكومية .

وبذلك تظهر خطورة الغلو باعتباره من أشد الانحرافات الفكرية خطراً على الأمة وتشتد خطورته عندما يكون في الاعتقاد .

ب. التكفير :

فقد أدى الغلو في الدين ببعض من انحرفوا في فكرهم إلى تكفير من خالفهم من المسلمين ، ولا شك أن هذا الأمر في غاية الخطورة ؛ لما يترتب على تكفير المسلم من أحكام يترتب عليها حل دمه وماله ، والتفريق بينه وبين زوجه ، وفقد حق الولاية على أبنائه ، فلا يرث ولا يُورِّث ، ولا يُغسّل و لا يُكفّن ، أو يُصلى عليه ، ولا يُدفن في مقابر المسلمين وغير ذلك من الأمور ، " والتكفير يفتح الباب واسعاً لإحداث الفوضى في المجتمع المسلم ، كما يفتح الطريق لليأس والقنوط من رحمة الله    تعالى ، فلا يُسارع عاص إلى التوبة ولا يُبادر إلى الاستغفار ، بل قد يدفعه إلى المزيد من الابتعاد عن شرع الله ، وكما أن التكفير بحاجة إلى دليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة " [73] .   

وقد " دلت النصوص على أن التكفير لا يتم إلا بوجود أسبابه وانتفاء موانعه ، ولذا قد يرد في الكتاب والسنة ما يُفهم منه أن هذا القول أو العمل  أو الاعتقاد   كفر ، ولا يُكفّر من اتصف به لوجود مانع يمنع من كفره كالإكراه ، وهذه الضوابط ونحوها مما بينه العلماء وفصّلوا القول فيه تُبيّن خطأ منهج أهل التكفير وغلوهم وضلالهم عن منهج سلف الأمة "  [74] .

وتكفير المسلمين انحراف فكري يُهدد المجتمعات المسلمة ، وتزداد خطورته إذا نُسب لولاة الأمر من الأمراء والعلماء ؛ لما يترتب عليه من مفاسد عظيمة ومخاطر جمة تتمثل في :

_ شيوع الجهل بالعلم الشرعي ، وعدم انتفاع العامة من علم العلماء ؛ وذلك بسبب التشكيك في إيمانهم .

_ شيوع الفوضى والاضطرابات السياسية ، وما ينتج عنها من قتل وتدمير وقلاقل وخروج على الحاكم .

ولعظم شأن التكفير ، ولما يترتب عليه من أحكام ، ولخطورة تكفير المسلمين فقد جاءت السنة بالتحذير منه ، والوعيد لمن كفّر مسلماً ، فقال الرسول r : " من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه [75] " [76] ، وقال u : " أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه " [77] .   

جـ. الإرهاب :

عندما يتحول الغلو من كونه انحرافاً فكرياً إلى موقفاً سلوكياً يتمثل في أعمال العنف فإنه بذلك يُكوّن الإرهاب .

فالإرهاب يقوم على " ترويع الآمنين ، وتدمير مصالحهم ، ومُقوّمات حياتهم ، والاعتداء على أموالهم ، وأعراضهم ، وحرياتهم ، وكرامتهم الإنسانية ، بغياً وإفساداً في الأرض " [78] .

والإرهاب في اللغة مشتق من " رَهُبَ ، وأَرْهَبَ ، ورَهَّبَ فلاناً : خَوَّفَهُ وفْزَّعَهُ ، والإِرْهَابِيُّونَ : وصف يطلق على الذين يسلكون سبيل العنف والإرهاب ؛ لتحقيق أهدافهم السياسية " [79] ، و " رَهِبَ يَرْهَبُ رَهْبَةً ورُهْباً ورَهَبَاً أي خاف ، ورَهِبَ الشيءَ خافه ، وتَرَهَّبَ غيره إذا توعده ، والرَّهْبةُ الخوف والفزع " [80] .

ولا يوجد تعريف واحد متفق عليه من الناحية الاصطلاحية لاختلاف آراء واتجاهات وثقافات من تناولوا ودرسوا ظاهرة الإرهاب ، ولاختلاف مواقف الدول والمنظمات الدولية في نظرتها للإرهاب ، فما يُعد في نظر بعض الدول إرهاباً هو في نظر دول أخرى عمل مشروع ، وحق في الدفاع ضد الأعداء ، ولذلك يلاحظ أن صفة الإرهاب قد تُلصق بمجموعة أو منظمة أو دولة ، ولا توصف بها مجموعة أو منظمة أو دولة أخرى ، مع أنهما يمارسان نفس الفعل تقريباً .

ومما عُرّف به الإرهاب " أنه كل فعل من أفعال العنف ، أو التهديد به أياً كانت بواعثه أو أغراضه ، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم ، أو تعريض حياتهم أو أعراضهم أو حريتهم أو أمنهم أو حقوقهم للخطر ، أو إلحاق الضرر بالبيئة ، أو بأحد المرافق ، أو الأملاك العامة أو الخاصة ، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها ، أو تعريض أحد الموارد الوطنية ، أو المرافق الدولية للخطر ، أو تهديد الاستقرار أو السلامة الإقليمية ، أو الوحدة السياسية ، أو سيادة الدول المستقلة " [81] .   

فهو " يشمل القتل ، والاغتيالات ، والتخريب ، والتدمير ، ونشر الشائعات ، والتهديد ، وصنوف الابتزاز ، والاعتداء ، و أي نوع يهدف إلى خدمة أغراض سياسية واستراتيجية ، أو أي أنشطة أخرى تهدف إلى إشاعة جو من عدم الاستقرار ، والضغوط المتنوعة " [82] ، كما أنه يتمثل في " تلك الأعمال التي تُعرّض للخطر أرواحاً بشرية برئية ، أو تهدد الحريات الأساسية ، أو تنهتك كرامة الإنسان " [83] .

ويتسم الإرهاب بعدة خصائص ، فهو يقوم على :

_ استخدام العنف والتدمير أو التهديد باستخدامهما .

_ إشاعة الذعر والخوف وعدم الأمن على مستوى الأفراد والمجتمعات .

_ السعي لتحقيق أهداف محلية أو دولية ، سياسية أو اجتماعية .

ويضم الإرهاب في مُجمله كل ما نهى الله عنه ورسوله r من الإفساد في الأرض ، والذي نهت عنه الآية الكريمة         ﯿ              [84] .

والإسلام يُحرّم القتل وسفك الدماء ، وينهى عن الاعتداء والظلم ، وكل مظاهر الإفساد من تخريب وتفجير وبغي .

ويُعد الإرهاب بما يحمله من عنف وترويع خطراً على الوجود البشري ، ومُدمراً للحضارة الإنسانية ، ومانعاً لتقدم المجتمعات وازدهارها .

" وفي عالمنا الإسلامي بدأت العمليات الإرهابية تتخذ من الصبغة الدينية طابعاً لها نتيجة لمؤثرات متعددة ،ولعل الغلو في الدين أحدها ، ففي ظل اختلاط الكثير من المفاهيم ، وغياب الوعي الديني ، حتى بات في كثير من وسائل الإعلام الغربية ربط الإرهاب بالإسلام ، والإسلام منها براء ، فليس في الإسلام حكم شرعي يُبرّر ارتكابهم لهذه الأعمال الإرهابية " [85] .

والإرهاب هو بمثابة التطبيق العملي لفساد الفكر وخروجه عن جادة  الصواب ، فهو عامل هدم ، وسبيل دمار ، يُهدد أمن الناس ، ويضر بممتلكاتهم وأرزاقهم ، وما يُفرزه الإرهاب من مشكلات وآثار على حياة الفرد والجماعة والمجتمع ، وما يُخلّفه من أضرار تلحق بالوطن وتؤثر في استقراره وتنميته ليست بالهينة .

وقد يتبنى الإرهاب فرد أو جماعة أو دولة ؛ وذلك لتحقيق بعض الأهداف ، أو الحصول على بعض المكاسب والامتيازات ، أو إيقاع الضرر بالغير .

والإرهاب مظهر من مظاهر الانحراف الفكري ، ونتيجة من نتائجه ، ويُقصد من وراء تحقيق غايات وأهداف ، ومنها : [86]   

1. زعزعة الأمن والاستقرار والتخويف والترويع للخاصة والعامة ، والإخلال بسلامة المجتمع ومرافقه الحيوية ، وهذا ما يسعى إليه الإرهاب المعاصر اليوم .

2. إضعاف السلطة وإظهار عجزها .

3. إضعاف الثقة بين الحكومة والشعب ، وإشعار الشعب بعجز الحكومة عن توفير الأمن ، وملاحقة من يخلون به .

4. دعوى التجديد والإصلاح ـــ على حد زعمهم ـــ وهذا غالباً يكون في حال الخروج على الحاكم ، وتوجيه النقد إلى سياسة الدولة ، واتهام العلماء والمسؤولين فيها ، وهذا النوع من الإرهاب السياسي تتجه إليه بعض المنظمات إما بجهود فردية أو بتحريض من قوى أخرى معادية ، تتخذ من تلك الجماعات سُلّماً للوصول إلى     غاياتها ، وذلك من أخطر ما تواجهه الدول ، حينما يكون للإرهاب الداخلي جذور خارجية لا يمكن التنبؤ بغاياتها وأهدافها .

5. الدعاية وإثارة المشاعر تجاه القضايا التي يعمل من أجلها الإرهابيون ، من أجل جذب انتباه العالم إليها ، من باب التأثير على عقول الجماهير وقلوبهم .

6. اغتيال بعض الشخصيات السياسية أو الدينية ذات التأثير على المستوى المحلي أو الدولي ، والتي لا يرغب الإرهابيون في بقائها .

ويُضاف لما ذُكر سابقاً أهداف أخرى تتمثل في :

7. وسيلة للضغط على الدول أو الجماعات من أجل ابتزازها اقتصادياً .

8. إجبار الدول وإخضاعها للتفاوض ، والتنازل عن بعض أو كل مطالبها ، وتنفيذ ما تُمليه تلك الجهات القائمة بالعمليات الإرهابية .

9. تغيير الأنظمة السياسية ، وإسقاط الحكومات ، وإحداث تغييرات في توجهات الدول وسياساتها المختلفة .

10. إضعاف الدولة اقتصادياً ، بالإضرار بمُقدّراتها وبناها التحتية ، وشل مواردها الاقتصادية ، مما يُعجّل بانهيارها ، واضمحلالها .

11. إيقاف التنمية بشتى مجالاتها : البشرية والاجتماعية والاقتصادية ، أو تأخير و تيرتها .

وللإرهاب في العصر الحديث صور متعددة ، منها :

_ سفك الدماء بالقتل ، أو تشويه الأجساد ، وقد يكون فردياً أو جماعياً .

_ الخطف واحتجاز الرهائن .

_ " اختطاف وسائل نقل الركاب ، سواء كانت طائرات أم سفن أم    سيارات ، ويتم ذلك بقيام شخص أو جماعة بالاستيلاء ــ بصورة غير شرعية ــ على وسيلة النقل والسيطرة عليها بالقوة ، أو التهديد بها " [87] .

_ التخريب بمهاجمة المنشآت الحيوية ، وتدمير البنى التحتية .

_ التفجير ، ويتسم بكثرة الضحايا ، وارتفاع الخسائر المادية ، وإفساد الممتلكات العامة والخاصة .

_ إرهاب الدولة ، والذي تقوم به  الدول المستعمرة ضد من تحتلهم ، وهو إرهاب مُنظّم ومُمنهج ، يقوم على القتل ، والخطف ، والتعذيب ، والتشويه الجسدي والنفسي .

_ نشر الإشاعات ، والترويج لها ، والاستفادة من الوسائل الإعلامية المختلفة ، بهدف إثارة الخوف ، وزعزعة الأمن والاستقرار ، وضرب الوحدة الوطنية ، وتشكيك الناس في دولهم وإضعاف روح المواطنة ، وإشاعة الفرقة داخل الوطن الواحد ، كما في نشر البلاغات الكاذبة .

وللإرهاب آثار وخيمة ، ونتائج خطيرة على مستوى الفرد والمجتمع وكيان الدولة السياسي والاقتصادي ، " فحجم مشكلة الإرهاب يفوق حد التصور ، بل هي أكبر من المطروح في مختلف الأوساط ، وبمختلف التقنيات ، وأوعية النشر       والبث " [88] ، ومن أهم الآثار المترتبة على الإرهاب ما يلي :

1.  الآثار الأمنية :

فالعمليات الإرهابية تؤدي إلى زعزعة الاستقرار ، وإثارة الرعب والفزع ، وخوف الأفراد ، وفقدان ثقتهم في الأجهزة الأمنية ، وفي الأنظمة والقوانين المنظمة للأمن ، وتتأثر سمعة رجال الأمن ، كما تزداد الأعباء والأعمال الأمنية على رجال الأمن نتيجة عمليات مكافحة الإرهاب .

2. الآثار السياسية :

من آثار الإرهاب على المستوى السياسي : الاعتداء على الحكام والرؤساء والمسؤولين ، وازدياد الريبة والتوجس بين الولاة ورعاياهم ، كما أن الإرهاب يؤدي   " إلى تفتيت الوحدة الجغرافية للوطن الواحد ، وإحلال سلطات محلية متعددة ، أو انقسام الدولة إلى دول عدة ، وكذلك النيل من سمعة الدولة وهيبتها أمام الرأي العام المحلي والخارجي ، وإظهار الدولة أمام الرأي العام العالمي في صورة الدولة الضعيفة التي تُعاني التمزق والفتن الطائفية ، وبالتالي النيل من الثقل السياسي للدولة والحد من أنشطتها الخارجية واتصالاتها الدولية ، والتأثير على علاقات الدولة مع الدول الأخرى " [89] .

    3. الآثار النفسية :

" فالضغوط النفسية التي يتعرض لها الفرد ، والتغيرات التي يمر بها داخل مجتمع يسوده الإرهاب ، وحدوث حالات الاضطراب و الاختلال في قيام الأسرة بوظائفها وإدارة حياتها اليومية والتخطيط لمستقبلها ، والخوف المتزايد وعدم وضوح الرؤية المستقبلية نتيجة الأعمال الإرهابية ، جميعها تُحدد مُقوّمات بناء الشخصية ونموها ، وتترك آثار نفسية سيئة على أفراد المجتمع ، ربما لا تظهر إلا بعد فترات طويلة كالأمراض النفسية ، وتهديد الاستقرار النفسي لدى الأشخاص نتيجة القلق والاكتئاب " [90] ، كما أن الجرائم الإرهابية تؤثر في نفسية الأطفال الذين يُشاهدون الأحداث الدامية ، وصور القتل والتفجير تصيبهم بصدمات نفسية ، وتزداد تلك الصدمات إذا كان الضحايا والمصابين من ذويهم ، حيث تستمر الاختلالات النفسية معهم لفترة طويلة ، وتؤثر على سلوكهم وشخصياتهم وتدفعهم للعدوانية والانطواء .

4. الآثار الاقتصادية :

تتمثل الآثار السلبية للإرهاب على الاقتصاد الوطني في :

_ زيادة الأعباء المالية على الدولة نتيجة زيادة مخصصات مكافحة الإرهاب ، ودفع التعويضات لذوي القتلى ولعلاج المصابين ، وإصلاح ما دمره الإرهاب في الممتلكات .

_ إضعاف الحركة التجارية ، وهروب رؤوس الأموال إلى الخارج ، وتوقف الاستثمار الأجنبي نتيجة ضعف الأمن وعدم الاستقرار .

_ التأثير على الدخل الوطني نتيجة شل الحركة الاقتصادية وتوقف مصادر السياحة ، وعدم الاستفادة من المواد الخام ، والتأثير السلبي على الزراعة ،  والتصنيع ، وغيرها من المناشط الاقتصادية .

5. الآثار الاجتماعية :

تتمثل في إضعاف اللحمة الوطنية ، وتهديد تماسك المجتمع ووحدته ، وتدمير البنية الاجتماعية ، وانحلال المبادئ والقيم الاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع .

كما أن قتل أرباب الأسر و مُعيليها يؤدي إلى تفشي ظواهر اليتم والفقر والتفكك الأسري ، مما يؤثر سلباً على بنية المجتمع .

6. الآثار الدينية :

فقيام بعض المنتسبين للإسلام بعمليات إرهابية أدى إلى تشويه صورة    الإسلام ، وإلصاق التهم به ، ومحاربة الدعوة ، والتضييق على الدعاة ، وإيقاف المؤسسات الخيرية الإسلامية ، و " صد الناس عن سبيل الله ، وتنفير من أراد أن يدخل في الإسلام ، وتضعف حجة الدعاة إلى الله تعالى في بلاد الشرق والغرب ، وتجعلهم يفزعون إلى الدفاع عن أنفسهم " [91] ، بدلاً من التفرغ للدعوة وتوعية الناس ، ونشر العلم الشرعي .     

د. التعصب :

التعصب مظهر من مظاهر الانحراف الفكري ، وهو " شيمة من شيم الضعف ، وخِلة من خلل الجهل ، يُبتلى بها الإنسان ، فتعمي بصره ، وتُغشي على عقله ، فلا يرى حسناً إلا ما حسن في رأيه ، ولا صواباً إلا ما ذهب إليه أو تعصب     له " [92] .

" وسواء كان تعصب المتعصب لرأي نفسه ، أو لرأي عالم مجتهد ، أو لرأي إنسان ليس أهلاً للإمامة ، وإن كان إماماً في نظر المتعصب ، أو كان لجماعة أو طائفة ، فكل ذلك من ألوان التعصب " [93] ، وبذلك يُمكن تقسيم التعصب إلى :

1. التعصب في الرأي :

حيث لا يعترف المتعصب إلا برأيه ، أو برأي شيخه وإمامه ومعلمه ومذهبه ، ويُلغي آراء مُخالفيه ، ولا يعترف بها ، وتزداد خطورة التعصب للرأي عندما يستخف المتعصب بآراء الآخرين وبما لديهم من أدلة وحجج ويرى أن منهجه في جميع المسائل والقضايا هو الأصوب ، ويحجر على رأي كل من يُخالفه ، ولا يسمح لمخالفيه بنقده أو تقديم النصح له ، ويعمل على فرض رأيه على الآخرين بالقوة ، ويعمل على إقصاء الآخرين من خلال اتهامهم بالجهل ، أو بالكفر والمروق عن الدين ، وهذا من الإرهاب الفكري الذي لا يقل خطورة عن الإرهاب المادي المحسوس .

فالتعصب للرأي " يجعل الناس يصابون بنوع من الخوف الشديد من هجوم المتعصبين ضدهم ، أو معهم ، إذا كان هناك خطأ حصل ، أو واقع سيئ قائم  ينبغي إزالته ، ولا شك أن هذا يؤدي إلى عدم الإقدام والمبادرة ، والاعتراف بالخطأ ونقده ، والمطالبة بالعودة للحق واتباعه " [94] .  

والمتعصب لفكره ، والمتشبث برأيه ، المُصرّ عليه ، وإن كان خطأً هو بعيد عن الاعتدال ، مجافي للوسطية ، وبذلك فهو مُتطرف ، " والتطرف حالة مرضية يُصيب المبتلى بها شعور بالنقص ، أو شعور بالتعالي ، فالمتطرف إن شعر بالنقص تولّد لديه الحقد والكراهية للغير ، أفراد وجماعات ومجتمعات ، وإن شعر بالتعالي ظن أنه على صواب وهدى ، وأن غيره مخطئ ، أو على ضلال ، بل إنه يعتبر نفسه مالكاً للحقيقة مطلقاً ، وغيره جاهلاً بها مجانباً للصواب مطلقاً " [95] .

وكلٌ يُؤخذ من قوله ويرد إلا المصطفى r فهو لا ينطق عن الهوى ، وهو المعصوم  u، أما غيره ـــ مهما كان ــ فتُعرض أقواله وآراءه وفكره ومنهجه على كتاب الله U وسنة نبيه r ، فما وافقهما قُبل وأُخذ به ، وما خالفهما رد على صاحبه ، ولم يؤخذ به ، قال الله U :                    ﯿ                                                            [96] ، والمتعصب في رأيه لا يستمع لمخالفيه ، و لا ينصت لما لديهم من أدلة وبراهين ، ولا يضع أي اعتبار لحججهم ، فلا يصل للحق ، ويضل ضيق الأفق ، قريب من الجهل ، بعيد عن العلم .

ومما يترتب عن التعصب في الرأي الفرقة ، والاختلاف ، والتباغض ،   والفتن ، واتباع الأهواء ، والتي بدورها تؤدي لضعف الأمة وتفتتها وانقسامها .

2. التعصب للجماعة :

يشمل التعصب لجماعة : التعصب القبلي والعرقي ، والتعصب الطائفي ، والتعصب المناطقي [97] ، والتعصب الحزبي .

والمتعصب لجماعة لا يقبل إلا ما تُمليه جماعته وتُنادي به ، فكل ما يصدر عنها هو الصحيح ، وما يُخالفه هو الباطل ، ولا يسمح بنقد تلك الجماعة ، أو بالاعتراض على آرائها وفكرها .

والتعصب يُمثل داء اجتماعي يُهدد المجتمع في وحدته ، ويتنافى مع الانتماء الوطني ، ويزعزع الأمن الاجتماعي ، فهو يقوم على الغلو والتطرف في التعلق بالجماعة ، واعتبارها مُرتكز الانتماء ، ويفرض روابط تُخالف الدين ، وتتنافى مع الوحدة الوطنية .

والتعصب لطائفة أو قبيلة أو جماعة معينة هو باب من الفرقة والتشرذم  المذموم ، الذي نهى عنه الإسلام ، وعده من أمور الجاهلية ، فعن جابر بن عبدالله t قال : " اقتتل غلامان ، غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار ، فنادى المهاجر أو المهاجرون ياللمهاجرين ، و نادى الأنصاري ياللأنصار ، فخرج رسول الله r ، فقال : ما هذا؟ دعوى أهل الجاهلية ، قالوا : لا يا رسول الله ، إلا أن غلامين اقتتلا ، فكسع [98] أحدهما الآخر ، قال : فلا بأس ، ولينصر الرجل أخاه ظالماً أو مظلوماً ، إن كان ظالماً فلينهه ، فإنه له نصر ، وإن كان مظلوماً فلينصره " [99] .

والتعصب مظهر من مظاهر الانحراف الفكري ، وخطورته على الأمن الفكري واضحة وجلية ، فهو يجر على الأمة الويلات ، ويهدم عُرى الوحدة ، ويُقسّم الوطن ، ويُشعل فتيل الفتنة بما يثيره من الفرقة والتشرذم .

ويعد التعصب القبلي والطائفي من أخطر الأمراض الاجتماعية ، وأشدها فتكاً بوحدة المجتمع ، فهي تقوم على إثارة النعرات ، وتذكية روح العداء ، إيقاظ الفتن النائمة ، وبث المفاهيم والأفكار الخاطئة التي عفا عليها الزمن ، والتي تُنافي روح العصر ، وتُخالف منهج الإسلام الذي يقوم على العدل والمساواة والتسامح .

هـ. الابتداع في الدين : 

" البِدْعَة : ما استحدث في الدين " [100] ، وهي " الحدث وما ابتدع من الدين بعد الإكمال " [101] ، وهي " ما استحدث بعد النبي r من الأهواء والأعمال " [102] .

فلم يمت النبي r إلا وقد أكمل الله U الدين وأتمه ، قال تعالى :         ﭿ                [103] .

والابتداع في الدين مظهر من مظاهر الانحراف الفكري ، " فالأمن الفكري يضطرب إذا انتشرت البدع التي مردها إلى استحسان العقول لا اتباع النصوص " [104] .

فظهور البدع وانتشارها خطر عظيم على الأمة ، فهي سبب في فرقتها ، وتمزق وحدتها ، وتشتتها ، فتجعل منها كيانات مُتصارعة ، وتُقسّم الوطن الواحد إلى شيع متناحرة ، وفرق متعادية ، ينتشر بينهم العداوة والبغضاء .

وموقف الإسلام من الابتداع في الدين واضح ، فهو نهى عن البدع ، ودعا إلى الالتزام بالسنة ، والتمسك بمصدري التشريع ، فقال الله U :                    [105] ، وقال رسول الله r : " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة " [106] ، وقال r محذراً من الابتداع في الدين : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " [107] ، وانحراف الفكر يكون في من ابتدع في الدين ، واستحدث ما ليس فيه ، كما أنه يشمل كل مرتكبٍ للبدعة ، عاملٍ بها ، يرى أنها الحق ، رافضٍ للسنة ، ومجافٍ لها .

و. متابعة غير المسلمين ومجاراتهم وتقليدهم :

ويكون ذلك بقبول كل ما يصدر عن غير المسلمين ، واتباع طرائقهم ، وسلوك منهجهم ، وتقليدهم في شؤون الحياة المختلفة ، كما في عاداتهم    وتقاليدهم ، وطرائقهم في المأكل والمشرب والملبس والاحتفال وغير ذلك .

والإعجاب بغير المسلمين وتقليدهم يُعد مظهراً من مظاهر الانحراف   الفكري ، ومنافياً لعقيدة الإسلامية الداعية إلى مُخالفة اليهود والنصارى وغيرهم من الملل والأديان المنحرفة .

وقد حذّر القرآن الكريم من التقليد الغير واعي ، فقال U :                                                    [108] ، كما نهى النبي r عنه ، فقال : " لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا ، و إن ظلموا ظلمنا ، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا و إن أساءوا فلا تظلموا " [109] .

والإعجاب بغير المسلمين وتقليدهم و اتباع نهجهم في الحياة له آثار كبيرة ، ومخاطر جمة على عقيدة المسلم فهو " قد يكون سبباً للكفر والإلحاد ، وسبيل لصحبة الكافرين ، وسبيل لمسخ الشخصية الإسلامية " [110] ، " ومن العوامل التي تؤدي إلى اهتزاز أمن المجتمع المسلم سعي الأبناء إلى التقليد السلبي ، فالتقليد السلبي يُحدث الفوضى والاضطراب في صفوف المجتمع الإسلامي " [111] ، ففيه دليل على عدم الثقة بالنفس ، وضعف الشخصية ، والجهل ، وضعف الإلمام بعقيدة الأمة وثوابتها .

ز. اتباع الشهوات وهوى وميل النفس :

فيُعد اتباع الهوى ، وما تميل له النفس من شهوات وملذات دون النظر لما حدده الشرع من ضوابط ، تُضبط بها الأفعال والسلوك كالحلال والحرام دليلاً على انحراف الفكر .

فمُنحرِف الفكر " تُزيّن له أهواؤه وشهواته ومطالبه صورة من صور الباطل فتجعله ينادي بأنها هي الحق " [112] ، فترك الصلاة وسائر أركان الدين ، وفروضه ، وارتكاب الموبقات ، من زناً ، وفواحش ، وعقوق ، وسحر ، واستخدام المحرمات من مخدرات ، وشرب للخمور ، وأكل الربا ، واستمراء الذنوب ، واستحلال ما حرّم الله U ، والغوص في المعاصي ، والبُعد عن الدين ، واتباع كل ما تميل له النفس دون النظر في المباحات والمنهيات ، والحلال والحرام ، وعدم استشعار مراقبة الله U للعبد ، كل ذلك التفريط يُعد تطرفاً وبُعداً عن الوسطية ، وهو دليلاً على انحراف الفكر عن المنهج الصحيح الذي رسمه الإسلام لمتبعيه .

وقد حذّر الله U من اتباع الهوى ؛ لما يُؤدي إليه من الضلال والانحراف ، قال تعالى :                                                [113] ، وقال سبحانه :                                             [114] .

كما أن " اتباع الهوى قد يؤدي إلى التعسف في التأويل ، ورد النصوص ، وقد يكون هذا الهوى لغرض دنيوي من طلب الرئاسة مثلاً ، أو الشهرة ونحوه ، وقد يكون الهوى لأن البدعة والانحرافات قد سبقت إلى عمق الإنسان وقلبه ، واستقرت فيه وتعمقت في عروقه فيعز عليه عند ذلك أن يتخلى عنها حتى وإن ظهر الحق ، ويصعب عليه أن يتراجع عن الباطل ويعود إلى الحق ، فيتشبث به ، ويلتمس له الأدلة من هنا وهناك " [115] .

 

المبحث الخامس : وسائل التصدي للانحراف الفكري :

الانحراف الفكري حقيقة مُرة ، وواقع يُصاب به بعض أفراد المجتمع ، فهو   " مرض عقلي أشد ضراوة على صاحبه من المرض الحسي ، إذ إن علاجه متوقف على إقناع صاحبه بفساد عقله وبعده عن الحق ، وهذا أمر يصعب التوصل إليه إلا بتوفيق من الله ورجعة صادقة إليه " [116] .

فصلاح الإنسان يكون بصلاح فكره ، واستقامة سلوكه لا تتحقق إلا من خلال عقل سليم خالي من الانحراف .

والحفاظ على فكر أفراد المجتمع هي مسؤولية مشتركة ، تقع على الفرد نفسه ، وأسرته ، ومؤسسات المجتمع المختلفة .

فالانحراف الفكري خطر يهدد الفرد والأسرة وكيان الدولة ، ومتى ما بدأ بالانتشار في المجتمع فهو نذير بتدميره وعلامة لبدء انحطاطه وتخلفه ؛ ولذلك سعت الدول بما تملكه من قدرات ، ومن خلال أجهزتها و إمكاناتها المختلفة على مواجهته والتصدي له .

ويكون التصدي للانحراف الفكري من خلال :

أولاً : وسائل مقاومته :

عندما يتزعزع الأمن الفكري في المجتمع تبدأ الانحرافات الفكرية    بالظهور ، ثم الانتشار ، ويكون ظهورها تدريجياً بحيث تظهر الانحرافات الفكرية البسيطة أولاً ، حتى إذا تقبلها الناس ، وتشربتها أفئدتهم ، واستحسنتها عقولهم ، ظهرت الانحرافات الفكرية الأكبر وهكذا ، حتى يعم المجتمع الخراب ، وينتشر الفساد ، وينقلب المنكر معروفاً ، ويصبح المعروف منكراً ، ويصعب إصلاح المجتمع .

ولكي يُحفظ المجتمع ويُصان فكر أبناءه لا بد من التصدي للانحراف الفكري ومقاومته ، وذلك من خلال الوسائل التالية :

أ. التمسك بكتاب الله U ، وسنة نبيه r ، ففيهما العصمة من كل انحراف ، وهما طوق النجاة من كل فتنة ، فكتاب الله U                                    [117] ، وسنة نبيه r هي وحي من الله                           [118]   ، وربط أفراد المجتمع بهذين المصدرين هو السبيل الأمثل لحفظ الأفراد من كل انحراف ، وهو صمام الأمان لحفظ المجتمع من الزيغ والضلال ، وبذلك فإنه لا بد من التأكيد على :

_ أهمية غرس العقيدة الإسلامية في نفوس الأفراد وتعهدها بالرعاية ، وتنقيتها من الشوائب التي قد تخل بها .

_ محاربة الشركيات ، والبدع ، والخرافات ، والشعوذة ، والسحر باعتبارها انحرافات فكرية وسلوكية .

_ الدور المهم لأركان الإسلام والواجبات الشرعية باعتبارها خط دفاع ضد الانحرافات الفكرية المختلفة .

_ ضرورة تطبيق شريعة الإسلام في حياة الفرد والجماعة والمجتمع في جميع مجالات الحياة : السياسية ، الاقتصادية ، الاجتماعية ...

_ تفعيل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحفظ المجتمع من كل انحراف ، ووقايته من الفساد .

_ اتخاذ الوسطية والاعتدال منهجاً للحياة ، وتطبيقه في جميع المجالات على مستوى الأفراد والأسر والمجتمع .

_ الرجوع عند التنازع والاختلاف إلى مصدري الوحي : الكتاب ، والسنة ، والاحتكام إليهما ، والرضى بهما .

_ التأكيد على أهمية طاعة ولاة الأمر من الأمراء والعلماء وعدم الخروج عليهم لما يترتب عليه من الفتن والمفاسد .

_ ترسيخ مفهوم الولاء و البراء في النفوس .

ب . الحث على طلب العلم ، والسعي لنشره بين أفراد المجتمع ، وإتاحة العلم الشرعي بجميع فروعه ، ومختلف تخصصاته لجميع فئات المجتمع ، " فنقص العلم الشرعي عند أصحاب الفكر المنحرف من أول المسببات في تفشي الأفكار المنحرفة بينهم ، وقد أظهرت دراسة حديثة أُجريت على أكثر من ستمائة موقوف في السجون السعودية ، ثلاثة وخمسون منهم متورطون في مواجهات عسكرية ، والتي كان من أبرز نتائجها التي تتعلق بالتعليم الشرعي ، هي أن الغالبية منهم لا يحملون شهادات جامعية لا دينية ، ولا غير دينية " [119] ، وفي هذا المجال لا بد من التأكيد على :

_ أهمية مكانة العلماء وفضلهم ، فهم ورثة الأنبياء ، وضرورة أخذ " العلم من أهله المعتبرين ، المشهود لهم بالرسوخ في العلم ، والوسطية والاعتدال في الفهم ، والفقه في الدين ، وخاصة في القضايا الكبرى التي تمس الأمة " [120] . 

_ خطورة الإفتاء بغير علم ، والتحذير من الفتاوى ذات المصادر المشبوهة ، والتنبيه من الكتب التي يُصدرها من لا يُعتد بعلمه من ذوي الفكر المنحرف .

_ ربط التعليم بعقيدة الأمة وهويتها ، وتنقيته من الشوائب المخالفة للإسلام .

_ أهمية توضيح المفاهيم الشرعية ، والمسائل العقدية ، وشرح القواعد الفقهية التي يقع فيها التباس بين الأفراد وعند العامة .

_ ضرورة توضيح  حكم الشرع ، وموقف الإسلام من الغلو ، والتكفير ، والإرهاب ، وتقليد الكفار في عاداتهم وتقاليدهم ، وما يُميّزهم من ثقافة ، واتباع الشهوات والهوى وميل النفس وغيرها من الانحرافات ذات الجذور الفكرية .

_ ضرورة توضيح المنهج الصحيح في تعامل المسلم مع الفتن .

جـ. الاهتمام بالتربية المُستقاة من شريعة الإسلام ومبادئه ، في الأسرة والمؤسسات التربوية ، والمساجد ، كوسيلة مهمة في مواجهة الانحرافات الفكرية .

فالتربية تُعد سداً منيعاً يستخدمه المجتمع في وقاية أبنائه من مختلف الانحرافات الفكرية والسلوكية ، وهي أداة المجتمع لإعداد جيل صالح ، مُتمسّك بعقيدته ، ومُلم بمختلف العلوم والمعارف النافعة ، وقادر على بناء المستقبل والوقوف في وجه مختلف التحديات المعاصرة ، والأفكار الوافدة ، والانحرافات المختلفة .

د. تفعيل دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية الوقائي في مجال التصدي للانحراف الفكري .

فالأسرة ، والمسجد ، والمؤسسات التعليمية ، والإعلام ، والأندية ، باعتبارها مؤسسات تربوية واجتماعية لها دور فعّال في وقاية أفراد المجتمع من الانحرافات المختلفة من خلال ما تقوم به من التوجيه والإرشاد ، و الضبط والمتابعة والتقويم ، وما تؤديه من دور إيجابي في شغل أوقات الفراغ بالمفيد ، وما تُقدّمه من برامج و مناشط تربوية وثقافية واجتماعية تُساهم في مقاومة الانحراف الفكري والتصدي له ، ويكون ذلك من خلال :

_ التوعية بخطورة الأفكار المنحرفة ، والتحذير منها ، وبيان آثارها الدينية والاجتماعية والأخلاقية على الفرد والمجتمع .

_ تعريف جميع الأفراد بوسائل الغزو الفكري ، وأساليبه ، وتوعيتهم بأخطاره وسبل مواجهته .

_ بيان خطورة الغلو والتطرف وما يلحق به من إرهاب ، وما يُنتجه من عدوان وإفساد وقتل وتدمير .

_ الحث على لزوم الجماعة ، وطاعة ولاة الأمر من الأمراء والعلماء ، والتحذير من الفرقة والتحزب .

_ ضرورة استيعاب الناشئة في برامج مُعَدة ومُخَطَط لها للاستفادة من أوقات فراغهم بما يعود عليهم بالنفع والفائدة ، وإشراكهم في الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية لتنمية أجسامهم وعقولهم وصقل مواهبهم ، بحيث يُشرف على تلك البرامج أهل الاختصاص ممن يتصفون بصحة العقيدة وسلامة المنهج وحُسن الخُلق .

هـ. تنمية الحصانة الذاتية لدى أفراد المجتمع ، وخاصة الناشئة ، ويكون ذلك من خلال :

_ تقوية الوازع الديني ، وتنمية الضمير الخُلقي في النفوس ، وربط الأفراد بربهم ، وتنمية نوازع الخير ، وتقوية جانب الإيمان في نفوسهم ، بحيث يستشعرون مراقبة الله U لهم في كل وقت ، وفي كل مكان ، وذلك من خلال الاهتمام بالتربية الدينية ، وإعطائها حيزاً كبيراً في الأسرة ، والمدرسة ، ووسائل الإعلام المختلفة .

_ ترسيخ مفهوم التفكير الناقد ، وتنمية القدرة على إصدار الأحكام ، واتخاذ القرارات المناسبة لدى الأفراد ؛ وذلك بهدف التمييز بين الخير والشر ، النافع والضار .

و. إشاعة ثقافة الحوار بين جميع فئات المجتمع ، وفي مُختلف مؤسساته ، وفتح قنوات التواصل المختلفة ؛ وذلك بهدف :

_ التعرف على الاتجاهات الفكرية والثقافية السائدة في المجتمع ؛ وذلك من أجل تشجيع الاتجاهات والأفكار الإيجابية ومواجهة السلبية .

_ التعرف على احتياجات الأفراد ، وتوجُهاتهم ، وما يعانونه من مُشكلات ، وما يواجهونه من صُعوبات من أجل مساعدتهم في حلها .

_ إشعار الأفراد بمكانتهم في أسرهم ومجتمعهم ، ودورهم الفعّال في بناء الوطن .

_ تحصين الأفراد من الأفكار المنحرفة ، وتقوية مناعتهم الذاتية ضد مختلف التيارات الفكرية الضالة .

_ مُساعدة الأفراد على تقبل الآراء المخالفة ، وتشجيع ثقافة الرأي والرأي الآخر ، وتفعيل أدب الخلاف ، وحُسن الاستماع .

ز. سد المنافذ التي يتسلل من خلالها الفكر المنحرف ، وإغلاق الطرق الموصلة له ، وذلك من خلال :

_ الأخذ على أيدي المنحرفين فكرياً ، وإيقافهم عن مخالطة الناس ؛ لكي لا ينشروا فكرهم الفاسد في المجتمع .

_ توعية أفراد المجتمع بخطورة أصحاب الفكر المنحرف ، وآثارهم السيئة ، والتحذير من مجالستهم ، والاستماع لآرائهم .

_ إيقاف المصادر المشبوهة التي تُبَث من خلالها الأفكار الشاذة ، كالكتب والمجلات ، والقنوات الفضائية ، والمواقع الإلكترونية ، وغيرها .

 

ثانياً : علاجه :

إذا لم تجدْ الوسائل الوقائية في حماية المجتمع من الانحرافات الفكرية ، ولم تؤدي دورها في سد طرق الفكر المنحرف من التغلغل في عقول الأفراد ، فلا بد من استخدام وسائل علاجية يتم من خلالها مُعالجة من انحرف فكره ، وتأثر عقله ، وفسد سلوكه .

" فالانحراف الفكري مرض عقلي تُعاني منه بعض فئات المجتمع ، وكل مرض لا بد له بعد تشخيصه من البحث عن وسائل مكافحته ، فلكل داء           دواء " [121] ، " وكما هو معلوم فإن الفكر المنحرف في حاجة إلى علاج فكري    يواجهه ، ويوضح أخطاءه وانحرافه عن صراط الله المستقيم " [122] .

ويكون علاج الانحراف الفكري بتكاتف جهود أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع ، وبتعاون الأفراد والأسر ، وذلك من خلال :

أ. العمل على اكتشاف الانحراف الفكري مُبكراً ، وذلك من خلال معرفة المؤشرات والدلائل التي تُشير إلى انحراف فكر الفرد ، سواء كان ذلك في نطاق الأسرة  بين الأبناء وأصدقائهم ، أو في المؤسسة التعليمية بين الطلاب ومعلميهم ، أو في الوظيفة على مستوى زملاء العمل ، وخلافه ؛ وذلك من أجل تشخيص ذلك الانحراف ، ومعرفة أسبابه ، وبالتالي إيجاد العلاج المناسب له ، " فكلما تم التصدي للانحراف الفكري في بداياته ، مع التخطيط لذلك التصدي ، كان ذلك أجدى وأنفع " [123] .

ب. " دعوة المخطي إلى الرجوع عن خطئه ، وبيان الحق بالمناقشة العلمية الهادئة ، دون اتهام للنيات ، فقد تكون صادقة ، ولكن هذا لا يُغني عن صاحبها شيئاً ، كما قال تعالى :                                                                           [124] " [125] .

جـ. التأكيد على دور الحوار في العلاج ، " فالحوار أسلوب ناجح في بناء المفاهيم الصحيحة ، وبيان الحق ، والرد على الشبهات ، وإذا كان صاحب    الفكر ، أو من تعاطف معه يؤمن بمعتقدات خاطئة ، وهو يظن أنه على حق ، فطريق الحوار ناجع في بيان تلك المعتقدات ، والرد على ما يُصاحبها من شبهات " [126] ، وبالتالي علاج ما يُعانيه صاحب الفكر المنحرف ، وإعادته إلى جادة الصواب .

د. الاستفادة في مرحلة العلاج من علماء الشرع ، والأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين ، بما يملكون من علم ومعرفة وخبرة ، وذلك من أجل إقناع من تأثر بالفكر المنحرف ، وتصحيح ما لديه من مفاهيم خاطئة ، وقناعات سلبية نحو الذات أو الأسرة أو المجتمع أو الدولة .

هـ. بيان فضيلة التراجع عن الخطأ والعودة إلى الصواب والحق ، فمنهج الرجوع إلى الحق ، وترك الباطل وعدم التمادي فيه ، منهج شرعي دعا إليه      الإسلام ، وأمر به ، وحث على انتهاجه ، فقال رسول الله r : " كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون " [127] ، فكان ذلك منهج السلف الصالح .

و. الاستفادة من مؤسسات التنشئة " الأسرة ، ومؤسسات التعليم ، والمسجد ، والنوادي الاجتماعية والثقافية ... " في مرحلة العلاج ، وذلك بتفعيل دورها في التوجيه والإرشاد ، وتصحيح المفاهيم ، وإعادة تشكيل الفكر ، بتنقيته من كل ما عَلِق به من انحراف ، " ولئن كانت الأسرة هي المُعالِج الأول للانحراف الفكري والواقي  منه ، فإن هناك أدوراً مهمة يقوم بها المربي ، ورجل الإعلام ، والمرشد الديني ، فهؤلاء يُمثلون ثلاث مؤسسات تُعد من أهم مؤسسات المجتمع التي يتفاعل معها أفراد المجتمع ، ويتأثرون بما يجري فيها من نشاط ومُمارسات في سلوكهم وحياتهم " [128] .  

ز. توظيف التقنية الحديثة وذلك بإعداد مجموعة من الدعاة والعلماء والأخصائيين في المجال الاجتماعي والنفسي ، لديهم القدرة على التعامل مع الإنترنت من أجل الرد على الشبهات المثارة ، وتصحيح الفكر ، والتأثير الإيجابي على مُستخدمي الإنترنت ، وخاصة من الناشئة .

حـ. تطبيق الأحكام الشرعية ، وإنفاذ القوانين والأنظمة بحق منحرفي الفكر لحماية المجتمع من أخطارهم ، وذلك بعد استنفاذ كل الوسائل الممكنة في علاج الفكر المنحرف ، وتعديل السلوك الفاسد .  

 



[1]- إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، مرجع سابق ، ص 67 .

[2]- ابن منظور ، لسان العرب ، مرجع سابق ، ج 3 ، ص 129 .

[3]- مجد الدين محمد الفيروز آبادي ، القاموس المحيط ، مرجع سابق ، ص 799 .

[4]- محمد سلامة محمد غباري ، مدخل علاجي جديد لانحراف الأحداث ـ العلاج الإسلامي ودور الخدمة الاجتماعية  فيه ، المكتب الجامعي ، الإسكندرية ، ط 2 ، ( 1989م ) ، ص 6 .

[5]- سليمان بن قاسم العيد ، وقاية الأولاد من الانحراف من منظور إسلامي ، المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب ، المجلد 4، العدد 28 ، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، الرياض ، (1420هـ ) ، ص 246.

[6]- عبدالله بن ناصر السدحان ، رعاية الأحداث المنحرفين في المملكة العربية السعودية ، مكتبة العبيكان ، الرياض ،       ( 1417هـ ) ، ص 14.

[7]- محمد الزحيلي ، الإسلام والشباب ، دار القلم ، دمشق ، (1414هـ ) ، ص 163.

[8]- عبدالحفيظ بن عبدالله المالكي ، نحو بناء استراجية وطنية لتحقيق الأمن الفكري في موجهة الإرهاب ، مرجع سابق ، ص 70 .                                                                                                                      

[9]- أحسن مبارك طالب ، الأسرة ودورها في وقاية أبنائها من الانحراف الفكري ، مركز الدراسات والبحوث بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، الرياض ، ( 1426هـ ) ، ص 116.  

[10]- متعب بن شديد بن محمد الهماش ، استراتيجية تعزيز الأمن الفكري ، مرجع سابق ، ص 8 .  

[11]- علي بن فايز الجحني ، الانحراف الفكري ومسؤولية المجتمع ، حولية كلية المعلمين في أبها ، العدد 12، كلية المعلمين في أبها ، جامعة الملك خالد ، ( 1429هـ) ، ص63.    

[12]- سعيد علي حسن القليطي ، التخطيط الاستراتيجي لتحقيق الأمن الفكري بالمملكة العربية السعودية ، مرجع سابق ، ص 5 .

[13]- هيا بنت إسماعيل بن عبدالعزيز آل شيخ ، مكونات مفهوم الأمن الفكري وأصوله ، مرجع سابق ، ص 6.

[14]- عبدالحفيظ بن عبدالله المالكي ، نحو بناء استراجية وطنية لتحقيق الأمن الفكري في موجهة الإرهاب ، مرجع سابق ، ص 17. 

[15]- أحسن مبارك طالب ، الأسرة ودورها في وقاية ابنائها من الانحراف الفكري ، مرجع سابق ، ص 117 .

[16]- زيد بن زايد بن أحمد الحارثي ، إسهام الإعلام التربوي في تحقيق الأمن الفكري لدى طلاب المرحلة الثانوية بمدينة مكة المكرمة ، مرجع سابق ، ص 53 .

[17]- مصطفى بن أحمد سلطان عسيري ، سياسة الإسلام في التعامل مع الفتن المعاصرة ، رسالة علمية غير منشورة            " ماجستير " ، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، كلية الدراسات العليا ، قسم العلوم الشرطية ، ( 1426هـ ) ،       ص 155. 

[18]- محمد بن عبدالله العميري ، موقف الإسلام من الإرهاب ، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، الرياض ،               ( 1425هـ ) ، ص 330 .

[19]- حسن بن يحي بن جابر ضامري ، إسهامات المسجد في مواجهة الانحرافات الفكرية والخلقية من منظور التربية الإسلامية ، مرجع سابق ، ص 142 .

[20]- سورة القصص : 50 .

[21]- ناصر بن عبدالكريم العقل ، رسائل ودراسات في الأهواء والافتراق والبدع وموقف السلف منها ، دار الوطن ،  الرياض ، ( 1423هـ ) ، ص 364 .  

[22]- حسن بن يحي بن جابر ضامري ، إسهامات المسجد في مواجهة الانحرافات الفكرية والخلقية من منظور التربية الإسلامية ، مرجع سابق ، ص 153 .

[23]- إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، مرجع سابق ، ص 652 .

[24]- ابن منظور ، لسان العرب ، مرجع سابق ، ج 10 ، ص 67 .

[25]- نبيل بن عبدالرحمن المحيش ، الغزو الفكري للعالم الإسلامي ، مكتبة النور ، الأحساء ، ( 1412هـ) ، ص 5 .

[26]- محمد شحات الخطيب ، الانحراف الفكري وعلاقته بالأمن الوطني والدولي ، مرجع سابق  ، ص 18 .

[27]- توفيق يوسف الراعي ، الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية ، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع ، المنصورة ،   ( 1408هـ ) ، ص 680 .

[28]- نذير حمدان ، في الغزو الفكري – المفهوم – الوسائل – المحاولات ، مكتبة الصديق ، الطائف ، ( د . ت ) ، ص 6.

[29]- حيدر عبدالرحمن الحيدر ، الأمن الفكري في مواجهه المؤثرات الفكرية ، مرجع سابق ، ص 126 .

[30]- حيدر عبدالرحمن الحيدر ، المرجع السابق ، ص 140 .

[31]- حسن بن يحيى بن جابر ضامري ، إسهامات المسجد في مواجهة الانحرافات الفكرية والخلقية من منظور التربية الإسلامية ، مرجع سابق ، ص 181 .

[32]- إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، مرجع سابق ، ص 98 .

[33]- عبدالله عبدالمحسن التركي ، الأمن الفكري وجهود المملكة العربية السعودية في تحقيقه ، مجلة الأمن ، العدد 65 ، الرياض ، ربيع الثاني ( 1428هـ ) ، ص 37 .

[34]- التغريب : حمل المسلمين على تقبل ما لدى الغرب من ثقافة وفكر وقيم وسلوك بهدف احتوائهم وإخضاعهم للسيطرة الغربية .

[35]- الاستشراق : دراسة الحضارة والثقافة الإسلامية لمعرفة ما لدى المسلمين من فكر ، وما يؤمنون به من قيم ، بهدف الاستفادة مما لديهم من علوم ومعارف ، وإخضاعهم والعمل على إضعافهم والسيطرة عليهم .

[36]- العولمة الثقافية سيأتي ذكرها لاحقاً .

[37]- محمد إحسان الحسن ، تأثير الغزو الثقافي على سلوك الشباب العربي ، مركز الدراسات والبحوث بأكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية ، الرياض ، ( 1419 هـ ) ، ص 16 .

[38]- هاشم عبده هاشم ، دور الإعلام في نشر تيار العولمة ، مجلة كلية الملك خالد العسكرية ، عدد شهر صفر ، كلية الملك خالد العسكرية ، الرياض ، (1420هـ) ، ص 35.  

[39]- حامد عمار ، مواجهة العولمة في التعليم والثقافة ، مكتبة الدار العربية ، القاهرة ، ( 1421هـ ) ، ص 39 .

[40]- إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، مرجع سابق ، ص 604 .

[41]- ابن منظور ، لسان العرب ، مرجع سابق ، ج 9 ، ص 233 .

[42]- محمد يسري دعبس ، الإرهاب والشباب ، المكتب الجامعي الحديث ، الإسكندرية ، ( 1996 م ) ، ص 13 .

[43]- أحمد شلبي وآخرون ، الإرهاب ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، ( 1993 م ) ، ص 28 .

[44]- أحمد شوقي الفنجري ، التطرف والإرهاب ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، ( 1993 م ) ، ص 46 .

[45]- تيسير بن حسين السعيدين ، دور المؤسسات التربوية للوقاية من الفكر المتطرف ، مجلة البحوث الأمنية ، العدد 30 ،  كلية الملك فهد الأمنية ، الرياض ، ( 1426 هـ ) ، ص 35 .

[46]- محمد بن أحمد عبده آل يحيى الشهري ، مدى إسهام معلم المرحلة الثانوية في مواجهة التحديات الثقافية للعولمة ، رسالة علمية غير منشورة  " ماجستير " ، جامعة أم القرى ، كلية التربية ، قسم التربية الإسلامية والمقارنة ، ( 1430هـ ) ،      ص 14 . 

[47]- إبراهيم إسماعيل عبده محمد ، الأمن الفكري في ضوء متغيرات العولمة ـ أبعاد الدراسة النظرية والمعالجة المجتمعية ، مرجع سابق ، ص 7 .

[48]- بركات محمد مراد ، ظاهرة العولمة رؤية نقدية ، كتاب الأمة ، العدد 86 ، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر ، الدوحة ، ( 1422هـ ) ، ص 91 .

[49]- محمد نبيه ، موسوعة التعليم في عصر العولمة ، دار الكتاب المصري ، القاهرة ، ( 2002م ) ، ص 32 .

[50]- علي أحمد مدكور ، الشجرة التعليمية ـ رؤية متكاملة للمنظومة التربوية ، دار الفكر العربي ، القاهرة ،                  ( 1420هـ ) ، ص 7 .

[51]- عبدالكريم بكار ، العولمة ـ طبيعتها ـ وسائلها ـ تحدياتها ـ التعامل معها ، دار الأعلام للنشر والتوزيع ، عمّان ،       ( 1421هـ ) ، ص 103 .

[52]- إبراهيم بخيت عثمان ، عولمة أفكار الشباب في المؤسسات الأكاديمية ، بحث مقدم لندوة العولمة وأولويات التربية المنعقدة في الفترة من 1 _ 3 / 3 / 1425هـ ، كلية التربية بجامعة الملك سعود ، الرياض ، ( 1425هـ ) ، ص 575.

[53]- سعد البازعي ، المثقوف والعولمة والضرورة والضرر ، سلسلة كتاب المعرفة الصادر عن مجلة المعرفة ، وزارة المعارف ، الرياض ، ( 1420هـ ) ، ص 73 .

[54]- أسعد السحمراني ، نحن والعولمة من يربي الآخر ، سلسلة كتاب المعرفة الصادر عن مجلة المعرفة ، وزارة المعارف ، الرياض ، ( 1420هـ ) ، ص 129 .

[55]- أحمد علي كنعان ، دور التربية في مواجهة العولمة وتحديات القرن الحادي والعشرين وتعزيز الهوية الحضارية والانتماء للأمة ، بحث مقدم لندوة العولمة وأولويات التربية المنعقدة في الفترة من 1 ـ 3 / 3 / 1425هـ ، كلية التربية بجامعة الملك سعود ، الرياض ، ( 1425هـ ) ، ص 1317 .

[56]- خالد بن عبدالله القاسم ، العولمة الثقافية وأثرها على الهوية ، بحث مقدم لندوة العولمة وأولويات التربية المنعقدة في الفترة من 1 ـ3 / 3 / 1425هـ ، كلية التربية بجامعة الملك سعود ، الرياض ، ( 1425هـ ) ، ص 897 .

[57]- سليمان بن قاسم العيد ، التربية الخلقية في الإسلام ، بحث مقدم لندوة العولمة وأولويات التربية المنعقدة في الفترة من     1 ـ 3 / 3 / 1425هـ ، كلية التربية بجامعة الملك سعود ، الرياض ، ( 1425هـ ) ، ص 822 .

[58]- إبراهيم مصطفى و آخرون ، المعجم الوسيط ، مرجع سابق ، ص 660 .

[59]- سورة المائدة : 77 .

[60]- ابن منظور ، لسان العرب ، مرجع سابق ، ج 10 ، ص 112 .

[61]- أحمد بن عبدالحليم بن تيمية ، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ـ تحقيق ناصر عبدالكريم العقل ، مكتبة الرشد ، الرياض ، ط 2 ، ( 1411هـ ) ، ص 289 .

[62]- إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، مرجع سابق ، ص 555 .

[63]- ابن منظور ، لسان العرب ، مرجع سابق ، ج 8 ، ص 147 .

[64]- علي عبدالعزيز الشبل ، الغلو في الدين ، دار الوطن ، الرياض ، ( 1417هـ ) ، ص 23 .

[65]- علي عبدالعزيز الشبل ، المرجع السابق ، ص 23 .

[66]- سورة المائدة : 77 .

[67]- رواه أحمد ، ج 5 ، ص  298 ، برقم 3248 ، ورواه ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1008 ، برقم 3029 ، قال الألباني : حديث صحيح .

[68]- المتنطعون : المغالون ، المتكلفون .

[69]- رواه البخاري ، ج 2 ، ص 329 ، برقم 917 .

[70]- جبير بن سليمان بن سمير العلوي الحربي ، دور منهج العلوم الشرعية في تعزيز الأمن الفكري لدى طلاب الصف الثالث ثانوي ، مرجع سابق ، ص 71 .

[71]- جبير بن سليمان بن سمير العلوي الحربي ، المرجع السابق ، ص 72 .

[72]- عبدالرحمن بن معلا اللويحق ، مشكلة الغلو في الدين في العصر الحديث ـ الأسباب ـ الآثار ـ العلاج ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ( 1413هـ ) ، ص 37 ـ 38 ( بتصرف ) .

[73]- عماد عبدالله الشريفين ، التنشئة الأسرية ودورها في الأمن الفكري ـ رؤية إسلامية ، مرجع سابق ، ص 25 .

[74]- سعود بن محمد بن خريف ، دور وكلاء الإدارة المدرسية في تحقيق الأمن الفكري لدى الطلاب ، مرجع سابق ،       ص 82 .

[75]- حار عليه : رجع عليه .

[76]- رواه مسلم ، ج 1 ، ص 57 ، برقم 226 .

[77]- رواه مسلم ، ج 1 ، ص 56 ، برقم 225.

[78]- ناصر بن مسفر الزهراني ، حصاد الإرهاب ، مكتبة العبيكان ، الرياض ، ( 1425هـ ) ، ص 22 .

[79]- إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، مرجع سابق ، ص 376 .

[80]- ابن منظور ، لسان العرب ، مرجع سابق ، ج 5 ، ص 338 .

[81]- أحمد الحبيب حريز ، واقع الأمن الفكري ، مركز الدراسات والبحوث بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، الرياض ،   ( 1426هـ ) ، ص 86 .

[82]- علي فايز الجحني ، الفهم المفروض للإرهاب المرفوض ، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية ، الرياض ،                   ( 1421هـ ) ، ص 14 .

[83]- مطيع الله بن دخيل الله الصرهيد الحربي ، حقيقة الإرهاب ـ الجذور والمفاهيم ، بحث مقدم للمؤتمر العالمي عن موقف الإسلام من الإرهاب المنعقد في الفترة من 1 _ 3 / 3 / 1425هـ ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، الرياض ،              ( 1425هـ ) ، ص 11 .

[84]- سورة القصص : 77 .

[85]- حيدر عبدالرحمن الحيدر ، الأمن الفكري في مواجهة المؤثرات الفكرية ، مرجع سابق ، ص 211 .

[86]- إبراهيم بن ناصر بن محمد الحمود ، الانحراف الفكري وعلاقته بالإرهاب ، عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، الرياض ، ( 1429هـ ) ، ص 78 _ 80 ( بتصرف ) .

[87]- بدر عبدالعالي الحربي ، دور الحس الأمني في مكافحة الإرهاب ، رسالة علمية غير منشورة " ماجستير " ، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، كلية الدراسات العليا ، قسم العلوم الشرطية ، ( 1428هـ ) ، ص 56 .

[88]- محمد بن شحات الخطيب ، الانحراف الفكري وعلاقته بالأمن الوطني والدولي ، مرجع سابق ، ص 27 .

[89]- محمد محي الدين عوض ، تعريف الإرهاب ، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية ، الرياض ، ( 1419هـ )، ص 92.

[90]- فاطمة بنت عايض بن فواز السلمي ، جهود المملكة العربية السعودية في المعالجة الفكرية للإرهاب من خلال برنامجي المناصحة والرعاية بوزارة الداخلية ، بحث مقدم للمؤتمر الوطني الأول للأمن الفكري المنعقد في الفترة من                   22 _ 25 / 5 / 1430هـ ، كرسي الأمير نايف بن عبدالعزيز لدراسات الأمن الفكري بجامعة الملك سعود ، الرياض ، ( 1430هـ ) ، ص 21 . 

[91]- عبدالرحمن بن نافع المطيري ، فهم النصوص الشرعية وصلته بالإرهاب ، رسالة علمية غير منشورة " ماجستير " ، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، كلية الدراسات العليا ، قسم العدالة الجنائية ، ( 1428هـ ) ، ص 76 . 

[92]- محمد العبده وطارق عبدالحكيم ، مقدمة في أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم ، دار الأرقم للنشر والتوزيع ،   الكويت ، ( 1406هـ ) ، ص 79 .

[93]- عبدالرحمن بن معلا اللويحق ، مشكلة الغلو في الدين في العصر الحديث ـ الأسباب ـ الآثار ـ العلاج ، مرجع  سابق ، ص 284 .

[94]- خالد بن عبدالرحمن بن رشيد القريشي ، الإرهاب الفكري ـ مفهومه ـ بعض صوره ـ سبل الوقاية منه ، عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، الرياض ، ( 1429هـ ) ، ص 95 .

[95]- هيا بنت إسماعيل بن عبدالعزيز آل الشيخ ، مكونات مفهوم الأمن الفكري وأصوله ، مرجع سابق ، ص 9 .

[96]- سورة النساء : 59 .

[97]- يُقصد بالتعصب المناطقي : التعصب لمنطقة بعينها أو بلد أو مكان محدد .

[98]- كسع : ضرب دبره بيده .

[99]- رواه مسلم ، ج 8 ، ص 19 ، برقم 6747 .

[100]- إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، مرجع سابق ، ص 43 .

[101]- ابن منظور ، لسان العرب ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 342 .

[102]- مجد الدين محمد الفيروز آبادي ، القاموس المحيط ، مرجع سابق ، ص 207 .

[103]- سورة المائدة : 3 .

[104]- عادل بن علي الشدي ، مسؤولية المجتمع عن حماية الأمن الفكري لأفراده ، مرجع سابق ، ص 168 .

[105]- سورة الحشر : 7 .

[106]-  رواه الترمذي ، ج 5 ، ص 44 ، برقم 2676  ، ورواه ابن ماجه ، ج 1 ، ص 15 ، برقم 42 ، قال الألباني : حديث صحيح .

[107]- رواه البخاري ، ج 7 ، ص 36 ، برقم  2697 .

[108]- سورة البقرة : 170 .

[109]- رواه الترمذي ، ج 4 ، ص 364 ، برقم 2007 ، قال الألباني : حديث ضعيف .

[110]- عادل محمد العبد العالي ، الشباب والفتن المعاصرة ، دار العلم للنشر ، الرياض ، ( 1425هـ ) ، ص 6 .

[111]- عماد عبدالله الشريفين ، التنشئة الأسرية ودورها في الأمن الفكري ، مرجع سابق ، ص 10 .

[112]- عبدالرحمن حسن حنبكة الميداني ، الأخلاق الإسلامية وأسسها ، دار القلم ، دمشق ، ( 1420هـ ) ، ص 651 .

[113]- سورة ص : 26 .

[114]- سورة القصص : 50 .

[115]- عقيل بن عبدالرحمن العقيل ، الإرهاب آفة العصر ، مطابع الحميضي ، الرياض ، ( 1425هـ ) ، ص 323 .

[116]- إبراهيم بن ناصر بن محمد الحمود ، الانحراف الفكري وعلاقته بالإرهاب ، مرجع سابق ، ص 20 .

[117]- سورة فصلت : 42 .

[118]- سورة النجم : 3 ـ 4 .

[119]- محمد بن عدنان بن محمد السمان ، خطبة الجمعة ـ أهميتها وأثرها في تعزيز الأمن الفكري ، مرجع سابق ، ص 28 .

[120]- محمد بن عدنان بن محمد السمان ، المرجع السابق ، ص 27 .

[121]- إبراهيم بن ناصر بن محمد الحمود ، الانحراف الفكري وعلاقته بالإرهاب ، مرجع سابق ، ص 99 .

[122]- حسن بن يحيى بن جابر ضامري ، إسهامات المسجد في مواجهة الانحرافات الفكرية والخلقية من منظور التربية الإسلامية ، مرجع سابق ، ص 301 .

[123]- محمد بن معلث الرشيدي ، معالجة الصحافة السعودية لظاهرة الانحراف الفكري ، رسالة علمية غير منشورة            " ماجستير " ، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، كلية الدراسات العليا ، قسم العلوم الشرطية ، ( 1429هـ ) ،       ص 41.

[124]- سورة الغاشية : 2 ـ 4 .

[125]- عادل بن علي الشدي ، مسؤولية المجتمع عن حماية الأمن الفكري لأفراده ، مرجع سابق ، ص 180 .

[126]- محمد بن عدنان بن محمد السمان ، خطبة الجمعة ـ أهميتها وأثرها في تعزيز الأمن الفكري ، مرجع سابق ، ص 37 .

[127]- رواه الترمذي ، ج 4 ، ص 659 ، برقم 2499 ، قال الألباني : حديث حسن .

[128]- عمر التومي الشيباني وآخرون ، دور المواطن في الوقاية من الجريمة والانحراف ، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية ، الرياض ، ( 1414هـ ) ، ص 31 .