faculty
Sign In

 

 

 

                                        بسم الله الرحمن الرحيم

 

اتجاه "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية"

دراسة وصفية تحليلية

 

إعداد

يوسف بن إبراهيم العمود

(أستاذ مساعد بقسم التربية الفنية)

كلية التربية-جامعة الملك سعود

الرياض، المملكة العربية السعودية

 

 

 

(2001م). "اتجاه التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعيةCommunity-Based Art Education" دراسة وصفية تحليلية"، مجلة علوم وفنون دراسات وبحوث، جامعة حلوان بالقاهرة، (يناير 2001م)، 13، ع1، 33-53.

 

 

ملخص البحث

 

     يهتم هذا البحث بتسليط الضوء على أحد الاتجاهات الحديثة والبارزة في حقل التربية الفنية وهو اتجاه "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية". ويستخدم الباحث المنهج الوصفي الوثائقي في دراسة وتحليل أحد أبرز الكتب التي تناولت هذا الاتجاه، وهو كتاب: Step Outside, Community-Based Art Education خطوة للخارج من أجل تربية فنية قائمة على البيئة الاجتماعية. ومن خلال توظيف هذا المنهج يقوم الباحث بتحديد مفهوم "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية"، وتحديد ملامح البيئة الإجتماعية في سياق هذا الاتجاه، مع بيان الخصائص المميزة له. وفي النهاية يعرض الباحث النتائج التي وصل إليها، مع خاتمة، وبعض التوصيات حول موضوع هذا البحث.

 

 

 

مقدمة

 

     تمثل البيئة الاجتماعية الوسط الإنساني والطبيعي الذي يتحرك في إطاره جميع الأفراد والمؤسسات الاجتماعية المختلفة. وفي مقدمة هذه المؤسسات المدرسة التي أبتكرها المجتمع ليعد أفراده ليكونوا أعضاء فاعلين في بنائه وتطوره. وهذا ما يراه دوركهايم بقوله: " في كل منا يوجد كائنان لا يمكن الفصل بينهما إلا على نحو تجريدي، أحدهما نتاج لكل الحالات الذهنية الخاصة بنا وبحياتنا الشخصية وهو ما نطلق عليه الكائن الفردي، أما الكائن الآخر فهو نظام من الأفكار والمشاعر والعادات التي لا تعبر عن شخصيتنا بل عن شخصية الجماعة والمجتمع الذي ننتمي إليه كالعقائد الدينية والممارسات الأخلاقية والتقاليد القومية والمشاعر الجمعية من أي نوع، وهي تشكل في مجموعها الكائن الاجتماعي الآخر، وبناء مثل هذا الكائن يمثل في نهاية المطاف هدف التربية وغايتها"(دوركهايم، 1996م، ص69). ويمثل بناء هذا الكائن الإجتماعي الهدف الأسمى الذي يقوم عليه اتجاه "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية". واختصاراً لهذا المسمى الطويل سيشار إليه في متن هذه الدراسة بـاتجاه "البيئة الاجتماعية". فالتربية الفنية في هذا الإطار تكون قريبة من الهموم والقضايا المختلفة في البيئة الاجتماعية. والمنظور الاجتماعي للتربية الفنية في إطار هذا البحث "يؤكد على السياق الاجتماعي  حيث يعيش الناس. فهو يفحص كيف أثرت هذه البيئة على حياتهم. وفي مركز المنظور الاجتماعي يكون التساؤل حول كيفية تأثر الناس بمجتمعهم. والمجتمع هو المجموعة من الناس الذين يشتركون في الثقافة والمكان." (Henslin ، 1998، p.4). وتسعى التربية الفنية من خلال هذا الاتجاه لتحقيق التقارب بين الطلاب وبيئتهم الاجتماعية من خلال مشاركتهم الواعية في البرامج والأنشطة الفنية المختلفة. كما يسعى هذا الاتجاه إلى تأكيد أهمية الفنون التشكيلية ودورها في تحقيق وتقوية التفاهم والتواصل بين جميع أفراد المجتمع. ولا شك أن الكثير من الاتجاهات والنظريات المختلفة في مجال التربية الفنية تضع في قمة أهدافها تحقيق الارتباط بالمجتمع وخدمة قضاياه. وهذا الاتجاه من أبرز المفاهيم الحديثة التي تستحق الدراسة والبحث نظراً لأهميتها وصراحة أهدافها في ربط التربية الفنية بالمجتمع بشكل مباشر، وبجعل البيئة الاجتماعية البؤرة التي يرتكز عليها بشكل أساس في تصميم وتنفيذ كافة برامجه.

     وتعاني التربية الفنية في المملكة العربية السعودية من بعض القصور في فهمها واستيعاب أهدافها. وهذا الخلل نابع في طبيعته إلى عدم وضوح رسالة التربية الفنية ودورها التربوي والفني في خدمة المجتمع. ويمكن للتربية الفنية من خلال اتجاه "البيئة الاجتماعية" أن تنمي بين التلاميذ الشعور بالمسؤولية الاجتماعية وتوثق الصلة بكافة أفراد وطبقات ومؤسسات المجتمع الذي يعيشون فيه. ولا ريب أن وعي المجتمع بأهمية التربية الفنية من خلال هذا الاتجاه سيبتعد بالتربية الفنية عن التهميش وقلة الاهتمام الذي تعاني منه. والحاجة ماسة ليس فقط في المملكة العربية السعودية بل  في بلادنا العربية كافة أن يسعى أهل اتخاذ القرار في مجال التربية الفنية إلى المثابرة في السعي نحو دراسة وتحليل كافة النظريات والاتجاهات التي تصب في تعزيز العلاقة بين التربية الفنية والمجتمع الذي تعمل فيه. من هنا يأتي اختيار هذا الاتجاه وإخضاعه للبحث والتحليل لعل في ذلك خطوة ولو متواضعة في طريق طويل نحو تحقيق هذا الهدف. 

 

 

مشكلة البحث

    

من خلال العرض السابق فإن الباحث يمكن أن يحدد المشكلة في التساؤل التالي:

-ما هو اتجاه "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية"، وكيف يمكن له أن يدعم العلاقة بين التربية الفنية والمجتمع؟

 

 

أهمية البحث

 

يستمد هذا البحث أهميته من خلال ما يلي:

1-يعتبر هذا البحث-في حدود علم الباحث-أول بحث في المملكة العربية السعودية يتناول اتجاه "البيئة الاجتماعية"،

    الأمر الذي يمكن أن يمهد لدراسات وبحوث جديدة في هذا المجال.

2-تحديد ملامح اتجاه " التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية" من خلال استخلاصها من أبرز كتاب ظهر عن

    هذا الاتجاه خلال السنوات القليلة الماضية.

3-يفيد هذا البحث معلمي ومشرفي التربية الفنية في زيادة الاهتمام بالبرامج والخطط الدراسية المستمدة من البيئة

    الاجتماعية.

4-الاستفادة من نتائج هذا البحث في تخطيط وتطوير مناهج التربية الفنية من حيث التأكيد على البعد الاجتماعي

    والاهتمام بالبيئة الاجتماعية. 

 

 

 

 

أهداف البحث

 

-تحديد مفهوم اتجاه "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية".

-بيان دور هذا الاتجاه في تأكيد الارتباط بالبيئة الاجتماعية من خلال بيان طبيعته وتحديد خصائصه.

 

 

أسئلة البحث 

 

(1) ما هو اتجاه "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية"؟

(2) ما هي البيئة الاجتماعية في سياق هذا الاتجاه؟

(3) ما هي خصائص هذا الاتجاه؟

 

 

منهج البحث

 

     لكي يتمكن الباحث من إيجاد إجابات وافية للأسئلة السابقة فقد تم اختيار المنهج الوصفي الوثائقي. وهذا النوع يختلف عن غيره من المناهج المشابهة. ويحدد هيل وي  Hill Wayملامح هذا المنهج بقوله:"عندما يريد الباحث أن يدرس وقائع وحالات ماضية، أو عندما يريد تفسير وثائق تربوية ذات إرتباط بالحاضر، فلا بد له من منهج يختلف عن المنهج المسحي والمنهج التجريبي. وهذا المنهج هو المنهج الوثائقي الذي يعني الجمع المتأني والدقيق للوثائق المتوافرة عن مشكلة البحث، ومن ثم القيام بتحليلها تحليلاً يستطيع الباحث بموجبه استنتاج ما يتصل بمشكلة البحث من نتائج."(العساف، 1416هـ، ص 203-204). وفي هذه الحال ينظر إلى الكتاب تحت الدراسة على أنه الوثيقة التي سوف تخضع للتحليل الكيفي بغية إستخراج الأدلة والبراهين التي تتصل بأسئلة البحث.

الخطوات التطبيقية:

يحدد العساف (1416هـ، ص209) هذه الخطوات بالإجراءات التالية:

1-تحديد مصادر البحث الأساسية والثانوية: تم تحديد كتاب بيتر لندن Peter London وعنوانه :

 Step Outside, Community-Based Art Education خطوة للخارج من أجل تربية فنية قائمة على البيئة الاجتماعية (London، 1994). ليكون المصدر الأساسي للتحليل بالإضافة إلى العديد من المصادر الأخرى الثانوية المرتبطة بتفسير بعض المفاهيم الموجودة بالكتاب الأساسي. وتم اختيار الكتاب الأساسي نظراً لكونه يتناول بشكل شامل ومباشر الجوانب النظرية والتطبيقية لاتجاه "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية". ويمكن بعد تحليل مفاهيم هذا الكتاب إستخلاص الإجابات المناسبة لأسئلة البحث.

2-تقويم مصادر البحث: تم التأكد من صحة المصدر، حيث يعد كتاباً منشوراً من دار نشر رسمية، ومؤلفه من العلماء البارزين في الحقل ومن أكثرهم إلماماً بموضوع هذا الاتجاه.

 

 

 

3-تحليل المعلومات: بعد تحديد المصدر الأساسي والمصادر الأخرى الثانوية تم إجراء التالي:

     -قراءة الكتاب والمصادر الأخرى بشكل شامل.

    -قراء الكتاب والمصادر الأخرى مرة أخرى قراءة تحليلية متأنية.

   -عمل ملخص بالعربية لجميع الأفكار الواردة وربطها برقم الصفحة ورقم الفقرة في أصل الكتاب.          

   -تحديد كافة الجمل والعبارات والفقرات التي ترتبط بالمفاهيم التي تدور حولها أسئلة البحث.

   -دراسة النصوص المحددة للخروج بإجابات واضحة ومباشرة لأسئلة البحث.

   -توخي الأمانة الموضوعية عند اختيار الإجابات الملائمة بالاهتمام بسياق النصوص وعدم بترها أو تحريفها أو

     تأويلها بما يبتعد بها عن المعنى والقصد الذي يرمي إليه المؤلف.

      حيث أن لغة الكتاب هي الإنجليزية فإن الباحث قد استعان بالعديد من القواميس المتخصصة في مجال التربية وعلم النفس والفنون وغيرها. كما قام بإستشارة بعض المتخصصين حول بعض المسائل المتصلة بموضوع الترجمة للعربية.

 

 

المؤلف

 

     تطلب البحث في اتجاه "البيئة الاجتماعية" معرفة أكثر العلماء في مجال التربية الفنية اهتماماً بهذا الاتجاه. وبعد مراجعة العديد من المصادر تم الوصول إلى أن بيتر لندن Peter London، أستاذ مستشار (Chancellor’ Professor) ورئيس قسم التربية الفنية بجامعة ماساشوسيتس بمدينة دارت ماوث بالولايات المتحدة الأمريكية، يعتبر من أبرز العلماء الأمريكيين الذين كتبوا عن هذا الاتجاه. ولندن عالم مؤثر ونشط في الأعمال البحثية والمنبرية. وهو من العلماء الحركيين القلائل الذين يسعون للدعوة والتبشير بما للفن من قوة خلاّقة وتأثير هائل في المجتمع.

     وكان للندن London مواقف مشهودة ضد تهميش اتجاه "البيئة الاجتماعية" لظهور اتجاه آخر مغاير هو "التربية الفنية المبنية على الفن بوصفه مادة دراسية Discipline-Based Art Education". ففي منتصف الثمانينات الميلادية برز إلى السطح ذلك الاتجاه الذي يقوم على أن التربية الفنية هي مادة دراسية مثلها مثل مواد المنهج الدراسي الأخرى. وكان ظهوره القوي نتيجة للدعم المعنوي الكبير والتمويل المادي الهائل الذي أغدقه معهد تربية جيتي للفنون The Getty Education Institute for the Arts  وهو معهد تابع لشركة جيتي البترولية العملاقة. وقد أثار تبني معهد جيتي لذلك الاتجاه عدم ارتياح العديد من العلماء الذين يتبنون مفاهيم مغايرة. ورأى لندن  Londonأن تبني ودعم معهد جيتي لذلك الاتجاه يعني تهميش كافة الاتجاهات الأخرى (London، 1988(ap. 2). وكان لندن London من أبرز النقاد الذين وقفوا ضده وفندوا مواطن القصور فيه (London، 1988(b) & p. 26-41، London، 1988(cp. 5). وكان نقده لذلك الاتجاه محل اهتمام اليوت ايزنر  Elliot Eisnerالمتكلم الرئيس لمعهد جيتي الذي اهتم كثيراً بوجهة نظره  المغايرة (Eisner، 1988، p. 9). وقد بلغ من حماس لندن في الرد على عيوب ذلك الاتجاه أن تبنى شخصياً نشر وتحرير مجموعة من الدراسات لعدد من المتخصصين في مجال التربية الفنية تحمل وجهات نظر مغايرة وناقدة لما قدمه ذلك الاتجاه (Burton, J., Lederman, A., & London, p. ، 1988). ومن حملاته الهامة في هذا المجال هي دعوته إلى تصميم وتطبيق معايير وطنية في مجال التربية الفنية قائمة على الاهتمام والوعي بخصوصية المكان (البيئة) وليست عامة تختلط فيها البيئات المحتلفة ويضيع في غمرة ذلك التفرد البيئي الاجتماعي (London، 1997، p. 1-3). وتركز جميع كتابات وانتقادات لندن London على ضرورة الاهتمام بالبيئة الاجتماعية. فهو يرى أن المفاهيم والاتجاهات الأخرى لا تهتم ولا تؤكد بما فيه الكفاية على البيئة الاجتماعية التي يراها الأساس للعملية التعليمية. واهتم لندن بالتبشير والدعوة لأفكاره وتجاربه حول هذا الاتجاه. ويذكر بيكر Baker ، رئيس قسم التربية الفنية في جامعة ويسكونسن بميلواكي بالولايات المتحدة الأمريكية، أن خبرات لندن London في اتجاه "البيئة الاجتماعية" ليست جديدة بل تمتد لأكثر من عشرين عاماً ، حيث كان يطور ويفحص تجاربه ليظهر هذا الاتجاه بصورة مؤثرة (Baker، 1994، p. VIII).

 

 

الكتاب

 

     لكي يتمكن الباحث من عمل دراسته التحليلية حول هذا الاتجاه فقد قام بالبحث عن أبرز كتاب للمؤلف يعرض فيه مفهوم هذا الاتجاه بشكل واف. وظهر بعد البحث والتنقيب وجود كتاب له نشر عام 1994م، بلور فيه جميع أفكاره وتجاربه حول هذا الاتجاه بعنوان: Step Outside, Community-Based Art Education خطوة للخارج من أجل تربية فنية قائمة على البيئة الاجتماعية. وقد وصفت مجلة فنون المدرسة (School Arts Magazine) هذا الكتاب بما يلي: "هذا الكتاب يجب أن يأخذ مكانه جنباً إلى جنب مع أرقى كتب التربية الفنية الأصيلة خلال الخمسين سنة الماضية."  CBAE  Newsletter)، 1997، p. 5). 

   يقع الكتاب في 138 صفحة من القطع الكبير. ويحوي تقديم وتمهيد وخمسة فصول وخاتمة. وحملت فصول الكتاب العناوين التالية:

-الفصل الأول: الرؤية الذاتية

-الفصل الثاني: ماذا يحوي هذا الاتجاه للطلاب والمعلمين

-الفصل الثالث: البدء حيث نتواجد، تدشين برنامج "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية"

-الفصل الرابع: الخطو للخارج: رحلة طويلة من التجوال البصري

-الفصل الخامس: التطور طبيعياً: الخبرات الأصلية لبرنامج "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية"

-خاتمة: حول النظر في عين الغوريلا

 

 

اتجاه "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية"

 

     يسلط الكتاب الضوء في مواقع عديدة متفرقة من الكتاب على مفهوم هذا الاتجاه وماذا يعني في العديد من السياقات المختلفة. ونظراً لتشعب هذا الموضوع فإنه سوف يتم التعرض إليه في سياقين هما الخبرة الذاتية المباشرة والتحديات التربوية. فالحديث عن الخبرة الذاتية المباشرة هو بمثابة تناول العمود الفقري لهذا الاتجاه. أما التحديات التربوية فهي موضوع هام ويمثل المحك الفعلي والتطبيقي لهذا الاتجاه على أرض الواقع.

 

أولاً: الخبرة الذاتية المباشرة(Firsthand Personal Experience)

      يرى لندن أن اتجاه "البيئة الاجتماعية" يتيح هذا النوع من الخبرة، وأن له تأثير إيجابي مباشر على التعبير الفني. والخبرة الذاتية المباشرة تختلف عن خبرات الآخرين غير المباشرة. فالتلميذ الذي ينخرط في خبرات شخصية نابعة من البيئة الاجتماعية تجعل من التعبير الفني لديه أكثر ثراءاً ومعنى. والمجتمع هو شبكة الحياة التي تحدد وتشكل الطاقة عند الأطفال والكبار(p. 4). وأنه حال الخروج من "باب" المدرسة فان التلميذ سيكون في مواجهة بيئة غنية بكل شيء من إنسان وحيوان وجماد، وهذه البيئة ستوفر خبرات حية لا حصر لها للتلاميذ (p. p5-6). والخبرات الأخرى المقابلة لها والتي توفرها المدرسة  بمنهجها التقليدي هي "خبرات مسبقة ومغلفة"، لأنها تتم في المدرسة، في بيئة معزولة عن البيئة الاجتماعية(p. 6). ويتحكم ويتسلط بها الكبار على الصغار، فيتم القضاء على الفضول والتلقائية عند التلاميذ، فيقدم هؤلاء الكبار خبرات جاهزة للتلاميذ "عن" الأشياء المختلفة، أما خصوصيتهم وخبراتهم الخارجية فمصيرها التأجيل(p. 7). ويؤول هذا الأمر بالتالي إلى فشل هؤلاء التلاميذ في تطوير إمكاناتهم لأن إمكانات الغير مفروضة عليهم، وسيتيح لهم  إعطاء الفرصة لمعايشة الخبرات بشكل مباشر أن يتعلموا بطريقة طبيعية وتلقائية (p. . 9). ويلوم لندن المناهج التقليدية التي تقدم في المدارس وتبنى على الخبرات السابق تجهيزها والمفروضة على الطفل لأنها عبارة عن مواد مهضومة مسبقاً حتى يسهل عليهم إمتصاصها (Predigested Materials)، ولكنها لا تلتفت للبيئة الحقيقية والحية المحيطة بالطفل التي يمكن أن توفر لهم البديل السليم. ويشير إلى أن البيئة خارج المدرسة تكتظ بالخبرات الفنية التي يمكن أن توفر التعلم، وأننا بحاجة إلى الخطو إليها(p. 12). ويؤكد على وجود التناقض الكبير في معظم المدارس بين الخبرات المباشرة وتمثيلها الرمزي. فهذه المدارس تقوم على تفسير حقائق الحياة عن طريق التفسير والتمثيل الرمزي بما في ذلك تدريس الفن، وشتان بين الخبرات المباشرة وبين تمثيلها الرمزي. ومثالاً لهذا الفرق إختلاف الخبرة الناتجة عن أكل خوخة لذيذة في صيف قائظ أو رؤية صورة لهذه الخوخة على علبة. ويؤكد المؤلف بأن اتجاه "البيئة الاجتماعية" يبدأ بالخبرة لمباشرة عن العالم حولنا، لذا فإن مردوده التربوي لا تحققه أي اتجاهات بديلة. ويفند اختلاف الخبرة المباشرة للبيئة عن الطرق البديلة بالفروق التالية:

-أنها توفر للتلميذ فرصة أن يختبر ويعيش الشيء ذاته بكل حقيقته وواقعيته.

-أن هذه المواجهة المباشرة تنطوي على درجة من عدم التوقع (Unexpectedness) وعدم التأكد (Uncertainty) مما سيحدث لاحقاً.

-أن الإحساس بعدم التوقع مفقود في الخبرات غير المباشرة.

     وهذه الخواص هي المنطلق لاستكشاف الطبيعة، التي تقوم على تفعيل وتنشيط عقلية التلميذ ليدرك ويحلل وينظم هذه الخبرات في معلومات مترابطة ومتماسكة (p. 13). بينما الخبرات غير   المباشرة لا تعدو كونها معلومات مألوفة مختارة ومغلفة مسبقاً خالية من عنصر الدهشة. ورد فعل التلميذ نحوها يقتصر على القبول السلبي (Passive Acceptance). وهي تحد من النشاط الذهني والحسي عند الطفل نظراً لافتقارها للإثارة الحية والتحديد المسبق لوضع المشكلة. قد تكون الوسائل التعليمية ذات جودة عالية، ولكن هذا لا يهم في مقابل مدى النجاح في تنظيم العالم حولنا وفي إعطائه معنى. وصياغة خبراتنا في أعمال (فنية) تعمل على تحسين جودة حياتنا وحياة المجتمع الذي نعيشه. فالفن الجيد يترك انطباعاً جيداً نظراً لحضور خبرة الفنان المباشرة في ذلك العمل، بينما العمل الذي يفتقد تلك الخبرة لن يترك هذا الانطباع الجيد عند المشاهد (p.  14).  ويرى المؤلف أهمية "للمعنى" في العمل الفني الناتج عن مثل هذه الخبرة. ويجعل لهذا الجانب "المعنوي" قيمة تفوق مظهره السطحي الجميل. ويؤكد على أن ما يجب أن نبحث عنه في العمل الفني هو ما يعنيه لنا هذا العمل وما يعبر من معان وأن لا نخدع بالبهرجة الشكلية الظاهرية المضللة، التي يراها البعض جمالاً ولكنها في حقيقتها لا تنطوي على أي معان تعبيرية (London، 1989، pp. 19-22). 

     ويتناول المؤلف الفرق بين الخبرة المباشرة والأخرى غير المباشرة بالتفصيل مرة أخرى في  سياق حديثه عن "مقابلة النمر"، وهي حالة افتراضية يمكن أن تتم في أربعة ظروف مختلفة:  

1-مواجهة لفرد مع نمر في الأدغال.

2-مواجهة مباشرة نوعاً ما لفرد مع نمر في حديقة الحيوانات.

3-مشاهدة لنمر في مقرر الدراسات الاجتماعية أو الجغرافيا عن طريق الوسائل التعليمية خلال عرض بالشرائح

    المصورة.

4-في حصة الرسم حيث يلتقي التلاميذ بأعمال فنية عن النمر لفنانين مثل شاجال ومايكل انجلو.

     فالخبرة في الحالات السابقة تختلف باختلاف الفرد الملاحظ والصورة تحت الملاحظة والظروف المحيطة. ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن اتجاه "البيئة الاجتماعية" يقوم على أن التعلم يبدأ حيث خبرة مواجهة الحياة بشكل مباشر. والفرق بين تجربة الخبرة المباشرة وملاحظة خبرة شخص آخر هي في تلك الأمثلة السابقة لموضوع النمر، حيث تدلل على أن القائم بالخبرة ومادة الخبرة يحصل لهما تحول متبادل عند المواجهة، وأنهما يأخذان أشكالاً مختلفة بشكل واضح تحت درجات مختلفة من الارتباط. كما تبين هذه الأمثلة أن الخبرة المباشرة لها معنى وثراء وجداني أكثر بكثير من الارتباطات البديلة. وأن الطبيعة أكثر روعة من أي تمثيل لها (pp. 19-22).

     وموضوع الخبرة المباشرة وارتباطها باتجاه "البيئة الاجتماعية" يبرز مرة أخرى في سياق الحديث عن الرحلات الحقلية المدرسية (Field Trips) . فاتجاه "البيئة الاجتماعية" بوصفه تعليماً يقوم على الخبرة، يدعو إلى علاقة تقرب بين المدرسة والمجتمع، وما الرحلات الحقلية التي يقوم بها بعض المدرسين إلا محاولة منهم لمواجهة العالم الحقيقي حولهم. ويتجه المؤلف بالنقد إلى هذه الرحلات والظروف والملابسات التي تحيلها في النهاية إلى خبرة ضعيفة. وهذه الرحلات في نظر المؤلف تصبح عند كثير من الأطفال بمثابة إجازة من الرتابة والحجر القسري الذي يمارس ضدهم في المدرسة. في مقابل ذلك، يعد المؤلف البرنامج التجريبي لاتجاه "البيئة الاجتماعية" أفضل من الرحلات الحقلية، بمثل الفرق بين الحالة الافتراضية لمواجهة النمر في الأدغال أو مشاهدته في حديقة الحيوانات. وتتيح مواجهة التلميذ للبيئة الحقيقية في اتجاه (البيئة الاجتماعية)، في جانب مركز منها، الفرصة للقاء جوهري بين عقل التلميذ الفضولي بطبعه والعالم حوله الأكثر فضولاً. ويمكن للرحلات الحقلية أن تصبح اكثر فائدة بالتوسع في أهدافها وأنشطتها لتشمل: البحث الحقلي، والمقابلات، وجمع العينات، وعمل الخرائط، والتوثيق، والقياس، والمقارنة، والرسم، وتسجيل الانطباعات الأولية. وتقوم المجموعة مع المعلم بعد العودة للمدرسة باستخلاص المردود التعليمي لهذه الخبرات بتحليل النتائج التي توصلوا إليها وصياغتها في عبارات ونصوص ذات معنى بتعبيراتهم الذاتية، مع التأكيد على طبيعة الملاحظات والنتائج، والنظر للمشترك منها بينهم، وما يحمل منها صفة التفرد، والانتقال بعد ذلك إلى الحوار حول ماهية البحث العلمي من حيث الاستفسار عن المصادر الحيادية المتجردة، والميدان المناسب للموضوعية، ماذا تعني الدقة، والرأي، وما هي الحقيقة وكيف نعرفها(pp. 23-25).

 

 

ثانياً: التحديات التربوية (Educational Challenges)

     في هذا السياق يبين المؤلف جانباً آخر من طبيعة اتجاه "البيئة الاجتماعية". إن أي برنامج تعليمي يمكن أن يواجه تحديات تربوية، فهو إما أن ينجح في مقابلة  هذه التحديات أو يفشل إزاءها. والبرامج المختلفة التي يحفل بها هذا الاتجاه تستوعب التحديات التربوية التالية (p. 28):

-ارتباطها بالمتعلمين

     تنبثق هذه البرامج من البيئة التي يعيش فيها هؤلاء التلاميذ ويعرفونها بشكل قريب وترتبط باهتماماتهم وآمالهم وآلامهم. فهذه البرامج تسعى إلى تحقيق تقارب أكبر وبناء علاقة أقوى بينهم وبين هذه البيئة الاجتماعية التي تضمهم.

-حساسة لخلفيات المتعلمين المختلفة، وأنماط تعلمهم، واهتماماتهم

     تمثل المدرسة صورة مصغرة للمجتمع الكبير الذي يعيش فيه هؤلاء التلاميذ. لذا فإن اتجاه البيئة الاجتماعية يسعى إلى تأكيد الإحترام والإهتمام بجميع التلاميذ في المدرسة بغض النظر عن خلفياتهم العرقية والدينية والفوارق الأخرى، والسعي كذلك نحو تكشف ميولهم والأنماط المختلفة لهم، والتي يمكن من خلالها تحقيق أعلى معدلات التعلم والكفاءة في التحصيل العلمي.

-اهتمامها بالجانبين الإدراكي والحسي

     تهتم هذه البرامج من أجل تحقيق أهدافها التربوية بقدرات المتعلمين الإدراكية والحسية. وتسعى إلى تصميم برامجها لتكون في إطار هذه المستويات حتى تصل إلى تفاعلهم معها وبالتالي تحقيق أهدافها التربوية.

-مجدية من الناحية الاقتصادية.

     هذه البرامج غير مكلفة مطلقاً من الناحية المالية ولا تلقي على كاهل المدرسة أية نفقات تحد من إقامتها أو أستمرارها. كما أنها لا تنظر بعين الأرتياح لوجود الوسائل التعليمية الباهضة الثمن في المدرسة. لأن هذه الوسائل تنقل صورة غير حية لخبرات يمكن للتلاميذ أن يعايشوها بأنفسهم بشكل مباشر دون الحاجة لمثل هذه الوسائل المكلفة.

-تؤسس علاقات عمل إيجابية مع أفراد المجتمع.

     تهتم برامج البيئة الإجتماعية ببناء العلاقات بين تلاميذ المدرسة والأفراد والمؤسسات المختلفة في المجتمع. وهذه العلاقات تتطور بشكل ايجابي وتلقائي من خلال إنخراط هؤلاء التلاميذ بأعمال قائمة على الفن وذات مردود إيجابي على بيئتهم. ومن خلال شعورهم بفضل مايقومون به من أعمال ومدى ما يجدونه من تعاون من أفراد المجتمع في تحقيق هذه الأعمال تقوى لديهم أواصر العلاقة الايجابية بمجتمعهم.

    

    

مفهوم البيئة الاجتماعية في اتجاه "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية"

 

     تعرض المؤلف في نصوص عديدة تحت عناوين جانبية مختلفة إلى ما يعنيه مصطلح "البيئة الاجتماعية". فهي "شبكة الحياة التي تحدد وتشكل الطاقة عند الأطفال والكبار" (p. 4). وهي المكان الذي "يوفر للأطفال الخبرات المباشرة والحية التي لا حصر لها" (p. 6). وهي الموقع الذي "يتعلم فيه الأطفال بشكل مباشر وتلقائية" (p. 7). وهي "البيئة التي يحبها الأطفال وتتيح لهم الكثير من الحرية"(p. 8). وهذه البيئة بالنسبة للأطفال هي ما يمثل "العالم الحقيقي حولهم"(p23). وهي ليست فضاءاً موحداً يتساوى فيه جميع أفراد المجتمع، فلكل طفل بيئته الإجتماعية وعالمه الخاص الذي يرتبط بطبيعته ويتحدد بالمكان والزمان الذي يعيشه ذلك الطفل (p. 32). وهي "أيسر مكان يتوفر لنا"، و"البيئة هي نحن"، وهي "كل شيء يمس حياة الطفل"، وهي "دائماً متيسرة طبيعياً، وفكرياً، ووجدانياً" (p. 34). وهذه البيئة متعددة الحواس "تصل إلينا كاملة بالصوت والصورة ومتيسرة وتغري باللمس والتذوق والنظر والشم"(p. 38). وهي "الناس والأمكنة والأشياء والأحداث التي تتم في مجتمعهم"، وتمثل هذه العناصر مصادر العلاقات التي يبنيها الأطفال ويقوم عليها الاعتداد بذواتهم (p. 43). ولا تتوقف البيئة الاجتماعية على كونها خليط من الناس والأمكنة ولكنها "نمط تفاعل" (p. 46).وهي "محصلة لمردود التفاعل الإنساني لأفراد هذا المجتمع".وتصبح هذه البيئة بالنسبة للمدرسين الذين يطبقون برامج البيئة الاجتماعية "منطقة البحث، المادة الخام التي يتم إكتشافها وتكشفها ومسحها"(p. 60).  

 

 

خصائص اتجاه "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية"

 

     تناول المؤلف هذه الخصائص بالتفصيل في الفصل الثاني بعنوان "ماذا يحوي هذا الاتجاه للطلاب والمدرسين". وهذه الخصائص تم إيجازها بما يلي:

 

-فني في أصله:

     يعتمد هذا الاتجاه على طريقة عمل وتفكير الفنانين. فهم حريصون على الحصول على خبراتهم بشكل مباشر من العالم حولهم. لذا فأعمالهم الفنية تنقل هذه الحيوية والعذوبة لرؤيتهم لهذا العالم، وبالتالي ينتقل كل ذلك لنا عند رؤيتنا لأعمالهم. وهذا الاتجاه يتيح للتلاميذ، مثل الفنانين، الارتباط بالحياة والبيئة حولهم بشكل مباشر. ولكن ليس بشكل عام، بل بصورة مركزة على جزئية معينة في البيئة حولهم. أي أن هذا الاتجاه يسمح لكل تلميذ أن يكتشف الرابط الخاص المحدد الذي يجده أكثر توافقاً مع طبيعته. انه يتغلغل في الشخصية الإبداعية عنده لا ليرسم ما يرى بل ليبدع ما "يشعر" به حيال الموضوع المكلف بمعالجته. فهذا الاتجاه إنساني، ولا يؤمن بفرض سلطة الكبار على الصغار. ويؤكد على الاعتراف باهتمامات الطفل. كما أنه لا يقرر مسبقاً الشكل النهائي للعمل الفني. أنه قائم على الثقة بأن الاتصال المباشر والجوهري بين الطفل والعالم حوله سيوفر الحصيلة الضرورية المركزة التي تولد الرغبة لديهم في الاستجابة الشخصية المبدعة (ppp28-31).

 

-يبدأ بمعرفة الطالب وفضوله:

     إن فرض عالم الكبار ومعلوماتهم على الطفل تجعله يدفع ثمناً باهظاً. فالتعليم يجب أن يبدأ مع الطفل حيث هو، وحيث معلوماته. وسيتطور الطفل في هذه الحال من المألوف للجديد، وسيعمل من خلال الإحساس بالتوجيه الذاتي، حيث يتكشف التسلسل العضوي الذي يحكم مجمل القضايا والاكتشافات(pp. 31-32).

 

 

 

 

-مرتبط بالتلاميذ:

     يقوم هذا الاتجاه على العلاقة المؤسسة على طبيعة التلميذ نفسه، وعالم هذا التلميذ، في هذا الوقت، وهذا المكان. وهؤلاء التلاميذ يتحققون ويبحثون ويدرسون تجارب الناس الآخرين في أوضاع وحالات أخرى للبحث عن موازنات وتضادات تؤكد وتوسع من كفاءة التصور والتعبير الخاصة بهم. وتتزايد هذه المعلومات لديهم لتصبح من الكثرة بحيث تدفعهم إلى زيادة الارتباط أكثر بالعالم الخاص بهم. وهذا ما يؤكد بأن المنهج الذي يبدأ بذات التلميذ لا يتوقف عند ذلك بل يزداد بالتوسع، لينتقل طبيعياً نحو علاقات أخرى مترابطة ومرتبطة بهذا التلميذ وتشمل العائلة، والحي، والمجتمع، والوطن، والعالم (pp. 32-33).

 

-معاصر:

يبدأ برنامج "البيئة الاجتماعية" من البيئة نفسها حيث هي، ومن الزمان والوقت الذي يعيشه الأطفال، ولا يقفز هذا البرنامج لدراسة أماكن وأزمنة لأناس آخرين. لذا فإن برنامج "البيئة الاجتماعية" قائم على أن المنظور التاريخي وتذوق التاريخ يمكن صدورها بشكل فاعل من الإحساس الأولي للذات في البيئة المباشرة. فمن دراسة هذه البيئة فإن الفضول الطبيعي للطفل الموجه بإرشاد المدرس ينطلق في حلقات تتسع مع الخبرة مع ملاحظة ما تتضمنه هذه الخبرة وحالاتها السابقة. ويمكن أن يتشبه الأطفال بالمحققين الصحفيين للصحف اليومية، حيث يحصلون على الأخبار الأولية، ثم يسعون لمعرفة أسباب الحدث، وفيما بعد يمارسون صياغتهم التحريرية التي تشتمل على آرائهم حول ما تضمنته تلك الأحداث (p. 33).

 

-في متناول اليد:

       تعد البيئة الاجتماعية التي نعيش فيها أيسر مكان يتوفر لنا. فهذه البيئة هي نحن، وهي كل شيء يمس حياة الطفل. إنها دائماً متيسرة طبيعياً، وفكرياً، ووجدانياً (p. 34).

 

-يعترف باهتمامات السلامة:

    تصبح الشوارع والأحياء والمنازل خطرة بجهلنا بها. ويوفر اتجاه "البيئة الاجتماعية" التواصل والتعرف على هموم المجتمع وقضاياه، وهو يدعم العلاقة بين المدرسة والمجتمع بكامل فئاته، والجميع يرون أهمية قضية السلامة سواء داخل المدرسة أو خارجها. ومنهج "البيئة الاجتماعية" يتيح المصادر والخبرات التي تزيد من الوعي باهتمامات السلامة(p. 34-36).

 

-قليل التكلفة:

فهو لا يحتاج إلى وسائل تعليمية غالية، ولا تذاكر دخول، ولا وسائل نقل. إنه مجرد البيئة التي تقع خارج المدرسة   (p. 37).

 

-متعدد الحواس Multisensory :

      يقوم هذا الاتجاه على البيئة والمحيط حولنا التي نتفاعل معها بحواسنا المتعددة، فهي تصل إلينا كاملة بالصوت والصورة ومتيسرة وتغري باللمس والتذوق والنظر والشم. ويذكر جريجوري باتيسون وهو منظّر في مجال التعلم ومتخصص في الأنثروبولوجيا الثقافية بأن التعلم لا يتم من خلال حاسة واحدة فقط بل يجب توافر ثلاث حواس على الأقل لتستقبل نفس الأخبار (News)، قبل أن يتم بناء مصداقية لها، وبالتالي يتم التصرف pp. 38-39).

 

-طبيعي وسهل:

     يتعلم الأطفال عن طريق هذا الاتجاه بوصفه طبيعي وسهل، ولأنهم دائماً يعملون مما تعلموه، ثم ينتقلون إلى ما يريدون معرفته. ولا يحتاج في تدريسه إلى حث ودفع كما هو الحال في المناهج القائمة. إن المحتوى والتفكير اللذين يتطلبهما هذا المنهج ليسا سهلين وبسيطين. ولكن العمل بهما ممتع ويشعر الطفل من خلال ذلك بالصدق. وهذا ما يجعل من عملية التعلم سلسة وسهلة لكل من المعلم والمتعلم (p.p 39-40).

 

-يحقق المشاركة بين المواد (Interdisciplinary) :

     تمثل المواد المختلفة في المنهج الدراسي شرائح منفصلة من الكل (المعرفة الكلية). ولا يمكن لهذه الشرائح المقسمة، كون كل منها قائم بذاته، أن تعطي صورة لما يعنيه الكل. والكل هو شبكة الحياة نفسها. حتى في المدرسة نادراً ما يتم استخدام المواد الدراسية لوصف وتحليل البيئة المحيطة. ففي المدارس، يدرس التلاميذ المادة الدراسية نفسها بشكل منفصل عن علاقتها بالحياة في البيئة التي يعيشون فيها. ويعمل اتجاه البيئة الاجتماعية على استخدام العملية الإبداعية بوصفها وسيلة للبحث والتعبير عن الاستجابات الشخصية والجمعية لما يدور في البيئة الاجتماعية الحية والحقيقية. والبيئة الاجتماعية هي ميدان الارتباط بين الطفل المحب للإطلاع والعالم المذهل الذي يحيط به، وهذا العالم هو مادة خام، كلما كان أقل تصفية، وتشويهاً، وحاملاً لأقنعة تغير من صورته الحقيقية، ومنسوخاً بصورة ضعيفة، كلما أدى ذلك بالتعبير الفني إلى أن يكون كذلك (p.p 40-41).

 

-يحسّن القدرة على إنتقال أثر التعلم:

     تفيد نظرية التعلم بأن التعلم الحاصل من حالة معينة يمكن انتقاله إلى حالة أخرى في تناسب طردي حسب تشابه الحالتين. وحيث أن البيئة الاجتماعية هي المكان والموضوع في المنهج الدراسي، فإن المعارف والمهارات التي يتحصل عليها التلميذ عن طريق هذا الاتجاه هي نفس الخصائص الضرورية للحاضر والمستقبل للعضوية الناجحة والنشطة في المجتمع. وهذه المعرفة سوف تحسن وتنقد طريقة الحياة التي نعيشها. والخيار هنا ليس تقديم تراث الماضي الغني، في مقابل ما نعيشه حاضراً، ولكن كيف نوظف كل منها، وبأي نظام، ونحو أي هدف (p. p41-42).

 

-يحقق الهوية الذاتية (Self-Identity):

     يمثل تحقيق الإحساس بالهوية الشخصية باعتبارها أعلى أهداف التربية. وينمي اتجاه "البيئة الاجتماعية" في الطفل اكتشاف الطبيعة حوله، وأيضاً اكتشاف ذاته من خلال المواجهات والعلاقات المميزة المباشرة التي تربطه بالعالم والبيئة المحيطة به. إن اكتشاف الذات هو أساس الهوية الذاتية (p. p42-43).

 

-يربي الاعتداد بالذات(Self-Esteem):

     يلعب تقدير الذات دوراً هاماً في النمو السليم للطفل. فالأفراد الذين يعتدون بأنفسهم بشكل إيجابي يكونون أكثر نجاحاً وارتباطاً بعالمهم. وتتشكل هذه الذات وتنمو من العلاقات حولها، وهي تتم في ارتباطات وتلازمات. ومصادرها بالنسبة للأطفال هم الناس والأمكنة والأشياء والأحداث التي تشهدها البيئة الاجتماعية التي يعيشون فيها. وعندما يصرف المنهج النظر عن البيئة الاجتماعية بوصفها قضية رئيسة في الدراسة، فإنه يصرف النظر عن أصول ومعنى حياة الطفل، وبالتالي ينعكس كل ذلك على اعتداده بذاته(pp. 43-44).

 

-يحمي الأطفال المعرضون للخطر والأزمات (Children at Risk):

     يعاني بعض الأطفال من المصاعب والأزمات المختلفة التي تجعل منهم أقل إنخراطاً وتفاعلاً مع العملية التعليمية. ويمكن لاتجاه "البيئة الاجتماعية" أن يوفر بيئة تعليمية مناسبة لهؤلاء، لأن هذا الاتجاه يستوعب جميع الأطفال، حتى أولئك الذين لا يمكن اجتيازهم للمناهج المدرسية الحالية بنجاح. فالطالب المثالي المتكامل لا يوجد على قائمة هذا الاتجاه، بل هو مفتوح لتعليم "كل" الأطفال. وعند تعليم هذا النوع من الأطفال حسب منهج " البيئة الاجتماعية" فإن إمكانات الوالدين واستراتيجيات العمل الاجتماعي توظف من أجل احتوائهم وتنشيط تفاعلهم مع العملية التعليمية (pp. 44-45).

 

-يكشف عن الأبعاد الخفية للبيئة الاجتماعية:

     لا تتوقف البيئة الاجتماعية على كونها جماعة من الناس ومجموعة من الأمكنة، ولكن يتخللها أيضاً نمط تفاعل. ويكشف هذا النمط عن المنظر العقلي (Mental Landscape)  لهذه البيئة وما يتضمنه من مخاوف وعصبيات ومشاعر وقيم وأفكار. ويزيح اتجاه "البيئة الاجتماعية" الستار عن هذا المنظر العقلي ويجعله بارزاً للعيان لأنه قائم في تركيبته على المكان والموضوع والتفاعل (pp. 46-47).

 

-يبني تماسك البيئة الاجتماعية:

     يفتقد المجتمع المعاصر للتفاعل الاجتماعي. والمجتمع ما هو إلا محصلة للمردود الناتج من التفاعلات الإنسانية لأفراد هذا المجتمع. وتكمن صحة أي مجتمع في التفاعل الإيجابي بين الأجزاء المكونة له. ويستدعي التفكك الحالي للنظام أن تسعى الديمقراطية لبناء نظام جديد نابع من ذاتها، حيث تقوم هذه الديمقراطية في أساسها على مشاركة الكل لخير الكل. ويمكن لمشروع اتجاه "البيئة الاجتماعية" أن يدفع بذلك إلى الأمام (pp. 47-50).

 

-يبني علاقات أكثر قرباً بين المدرسة والمجتمع:

     تبني المناهج الحالية جداراً عازلاً بين المدرسة والمجتمع، يجعل كل منهما بمنأى عن معرفة الآخر. ويحل اتجاه "البيئة الاجتماعية هذه الإشكالية لأنه يعتمد على تبادل الرؤية (Mutual Visibility) والمشاركة بين المجتمع والمدرسة (p. 51).

 

-يساهم في دعم الفنون:

     ينحدر مع الأيام دعم الفنون في مجال التربية. وترى جمعيات الفنون والتربية الفنية أن الحل يتمثل في جعل الفن مادة أساسية مثلها مثل العلوم والرياضيات، وتقترح أيضاً وجود قوانين تشرع ضرورة حصول الخريجين على مواد في الفنون. وتعطي "البيئة الاجتماعية" اتجاهاً للفن يحفظ جميع الخواص الإبداعية والتعبيرية التي تبني جمهوراً من المؤيدين بين المواطنين والعائلة وفي المجتمع بشكل عام. ويقدم اتجاه "البيئة الاجتماعية" كل يوم، وفي كل حصة، مردوداً واضحاً  لما يمكن أن يضيفه الفن لجودة الحياة عند كل فرد في المجتمع. وهذا الاتجاه على وعي بالبيئة الاجتماعية، ويعمل بين أفراده وفي مختلف مواقعه. وعندما يطبق المدرس هذا الاتجاه، أثناء المشاريع المختلفة للفن في المجتمع، يصبح على معرفة بمئات الناس. وهو يعرفهم لا لأنه يقوم بعملية الضغط عليهم (Lobbying)  لدعم برامج الفنون، ولكنه يعرفهم ويتحدث إليهم لأن هذه هي طبيعة مشاريع اتجاه "البيئة الاجتماعية". إن الهدف الأعلى لاتجاه "البيئة الاجتماعية" هو الارتقاء النوعي بحياة كل من يرتبط بالفنون.

 

 

النتـــائج

 

     سوف يتم عرض النتائج هنا بناء على ما توصل إليه الباحث من خلال دراسته التحليلية لكتاب بيتر لندن: Step Outside, Community-Based Art Education خطوة للخارج من أجل تربية فنية قائمة على البيئة الاجتماعية. وركز التحليل في أصله بشكل رئيسي حول إيجاد إجابات وافية لأسئلة البحث. ومن خلال التحليل السابق يمكن عرض النتائج، والتي تمثل إجابات لأسئلة البحث وهي هنا بشكل موجز كما يلي:

 

-السؤال الأول: ما هو اتجاه "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية"؟

-النتيجة: قدمت إجابة هذا السؤال المعلومات الكافية التي يمكن أن تعطي فكرة واضحة عن مفهوم هذا الاتجاه. ومن خلال تقصي كافة المعلومات التي تتصل بماهية هذا الاتجاه لاحظ الباحث أن المؤلف عند حديثه عن طبيعة هذا الاتجاه كان يركز على إبراز الجانب النظري الذي يتصل بالخبرة الذاتية المباشرة، والتي تمثل العمود الفقري لهذا الاتجاه، والجانب العملي وهو ما يتصل بالتحديات التربوية لهذا الاتجاه على أرض الواقع.

     ويمكن من خلال الإحاطة بهذين الجانبين الوصول إلى تعريف عام يمكن أن يعطي فكرة شاملة عن اتجاه "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية". ونتيجة لما تم استيعابه حول هذين الجانبين فيمكن الوصول إلى صياغة التعريف التالي: "هو اتجاه في حقل التربية الفنية يقوم على بناء وتطوير علاقة التلاميذ ببيئتهم الاجتماعية من خلال الخبرات الذاتية المباشرة التي تقوم عليها البرامج والمشاريع المختلفة، والتي يسعى هذا الاتجاه من خلالها إلى نموهم من النواحي العقلية والفنية والاجتماعية بهدف تحقيق التحديات التربوية الحديثة". 

 

-السؤال الثاني: ما هي البيئة الاجتماعية في سياق هذا الاتجاه؟

النتيجة: تعتبر البيئة الاجتماعية حجر الزاوية والمصدر الذي ينطلق منه هذا الاتجاه. لذا كان من الضروري البحث بين ثنايا الكتاب حول كل ما يتصل بمفهوم هذه البيئة حتى تتسنى معرفة هذا المصطلح المهم. وخلال تحليل الكتاب وقف الباحث على العديد من الإشارات حول توصيف هذه البيئة، وخرج بحصيلة من المفردات الوصفية التي تحدد وتوضح ماهية وطبيعة هذه البيئة.

     ويمكن من خلال قراءة تلك النعوتات المختلفة الوصول إلى التعريف التالي: "هي العالم الحقيقي بناسه وأمكنته وأشيائه وأحداثه، ونمط التفاعل بين الفرد وهذه العناصر، والمتيسرة دائماً طبيعياً وفكرياً ووجدانياً، والتي تحدد وتشكل الطاقة لجميع أفراد المجتمع، وتمدهم بالخبرات الحية والمباشرة التي لا حصر لها، ويتعلم فيها الأطفال ويكتشفون ويتكشفون مادتها الخام، وتتيح لهم التفاعل بحواسهم المتعددة مع مفرداتها المثيرة والغنية بكل حرية وتلقائية".  

 

-السؤال الثالث: ما هي خصائص هذا الاتجاه؟

النتيجة: ذكر المؤلف ثمانية عشر خاصية وأوردها بالتفصيل في الفصل الثاني من كتابه تحت عنوان "ماذا يحوي هذا الاتجاه للطلاب والمدرسين". وقد تم إيراد هذه الخصائص مع شرحها في متن البحث. وهي هنا على سبيل الإيجاز كما يلي:

1-فني في أصله.   2-يبدأ بمعرفة وفضول الطلاب.  3-ذو علاقة وارتباط بالطلاب.  4-معاصر.   5-في متناول اليد.  6-يعترف باهتمامات السلامة.  7-قليل التكلفة.  8-متعدد الحواس.  9-طبيعي وسهل.  10-يحقق المشاركة بين المواد.  11-يحسن القدرة على انتقال أثر التعلم.  12-يحقق الهوية الذاتية.  13-يربي الاعتداد بالذات.  14-يحمي الأطفال المعرضون للخطر والأزمات.  15-يكشف الأبعاد الخفية للبيئة الاجتماعية.  16-يبني تماسك البيئة الاجتماعية.  17-يبني علاقات أكثر قرباً بين المدرسة والمجتمع.  18-يساهم في دعم الفنون.

 

     ووصل الباحث إلى إمكانية ربط الخصائص أعلاه بأربعة جوانب تشمل مميزات الاتجاه من نواحي مختلفة. وهذه الجوانب يمكن تصنيفها على النحو التالي:

1-طبيعة الاتجاه ذاته:

     فهو فني في جوهره وقائم على التفكير والإبداع، ومعاصر لحال ووقت المتعلمين، ومتوفر وقليل التكلفة ويمكن الحصول عليه بكل سهولة.

2-طبيعة العملية التعليمية من خلاله:

     يحقق سير العملية التعليمية بكل طبيعية وسلاسة وسهولة، ويحقق عنصر الارتباط والمشاركة مع المواد المختلفة الأخرى في المنهج الدراسي، كما يحسّن القدرة على انتقال التعلم من حالة معينة إلى حالات أخرى مشابهة.

3-طبيعة المتعلمين من خلاله:

     يرتبط بطبيعتهم وعوالمهم الخاصة ومعارفهم وفضولهم، ويقبلون على التفاعل معه بحواسهم المتعددة مما يكفل كفاءة استيعاب التعلم، ويشمل جميع المتعلمين بما فيهم الأطفال الذين يعانون من أزمات ومصاعب مختلفة، ويربي في الجميع الهوية الذاتية والاعتداد بالذات.

4-طبيعة علاقته بالمجتمع:

      يبني ويحقق التفاعل الإجتماعي الذي يؤول إلى تماسك وترابط المجتمع، وكشف أبعاده الخفية، مع تأكيده على دعم الفنون والوعي بالأمن والسلامة فيه، وتقريب وتقوية العلاقة بالمدرسة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخاتمـــة

 

 

     تناول هذا البحث اتجاه " التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية"، الذي يعد أحد الاتجاهات الحديثة في حقل التربية الفنية. وهو يقوم في أساسه على البيئة الاجتماعية وما تحويه من أناس، وأماكن، وأشياء كثيرة مختلفة، وأنماط تفاعل ومؤثرات طبيعية واجتماعية وثقافية متعددة. ويدعو هذا الاتجاه إلى إستثمار وتفعيل وترشيد علاقة التلميذ بهذه البيئة بما يحقق أهداف التربية الفنية.

     وتركزت مشكلة البحث في محاولة سبر أغوار هذا الاتجاه والكشف عن ماهيته، وطبيعة العلاقة التي يسعى لتنميتها بين التربية الفنية والمجتمع. وتعود أهمية هذا البحث إلى الموضوع الذي يتناوله، حيث يعد من البحوث القلائل التي تتناول البعد الإجتماعي من خلال توظيف المنهج الوصفي التحليلي، وإن كان الباحث لم يعثر على أية دراسة حول هذا الاتجاه بشكل مباشر باللغة العربية. ودراسة البعد الاجتماعي في التربية الفنية يعد من الدراسات المهمة، لأن تسليط الضوء على هذا البعد سيكون له أبلغ الأثر في فهم وإستيعاب مدى قبول أو رفض التربية الفنية في مجتمع المدرسة أو المجتمع الكبير بشكل عام.

     وانحصرت أهداف البحث بهدفين رئيسيين هما : تحديد مفهوم "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية"، وبيان دورها في تأكيد الإرتباط بالبيئة الاجتماعية وخدمة قضاياها. واستخدم الباحث المنهج الوصفي الوثائقي في تحليل كتاب بيتر لندن: (اخطوا للخارج، التربية الفنية المبنية على البيئة الاجتماعية)، وذلك للإجابة على ثلاثة أسئلة رئيسة تمثلت بتعريف الاتجاه، وتحديد ماهية البيئة الاجتماعية في سياق هذا الاتجاه، والتعرف على الخصائص المميزة له. وتمكن الباحث من توظيف هذا المنهج البحثي في الوصول إلى إجابة أسئلة البحث. وقامت نتائج البحث على ما توفر من معلومات نتجت عن تحليل الكتاب وفقاً لمحاور أسئلة البحث.

     ويرى الباحث أن هذا الاتجاه يعطي التربية الفنية بعداً اجتماعياً هي بمسيس الحاجة إليه. فحال التربية الفنية في مدارس المرحلتين الإبتدائية والمتوسطة لا يدعو للإرتياح، فقد أحيلت هذه المادة إلى أنشطة آلية مفرغة من بعديها الاجتماعي والثقافي، فغدت مهمشة لا ترتبط بالتلاميذ ولا ببيئاتهم الاجتماعية. أما حالها في المرحلة الثانوية فهو أشد كمداً، فقد زهد بها صانعوا القرار وقرروا الغاءها من المنهج الدراسي.

     ويؤكد الباحث في هذا المقام أن هذا الاتجاه بحكم ارتباطه بالبيئة الاجتماعية يمكن أن يمهد الطريق لمستقبل زاهر للتربية الفنية في المملكة العربية السعودية، ويعد بحل جذري لكثير من المشكلات التي تواجهها التربية الفنية. وهذه المشكلات هي في جوهرها نابعة من إشكالية العلاقة بين الفن والمجتمع. فهذا الاتجاه لا يدعو بأي حال من الأحوال إلى إستخدام الفن للمواجهة مع المجتمع، وهو الانطباع السلبي السائد عند بعض فئات المجتمع عن علاقة الفن بالمجتمع، بل على النقيض فهو ينطلق من عقر دار البيئة الاجتماعية، ويوظف كافة إمكانيات الفن لصالح وخير المجتمع. وهذا هو الهدف الأسمى والكبير للتربية الفنية في ظل "التربية الفنية القائمة على البيئة الاجتماعية".

 

 

 

 

 

 

 

التوصيـات

 

 

 

     في نهاية هذا البحث، ومن خلال الوعي بأهمية هذا الاتجاه، وما يمكن أن يلعبه في قبول وتطور التربية الفنية في المجتمع، وفي مدارس التعليم العام بالمملكة العربية السعودية يسوق الباحث التوصيات التالية:

1-ضرورة اهتمام وزارة المعارف بميدان البحث العلمي، وبالذات في حقل التربية الفنية لدراسة إمكانية تطبيق هذا

    الاتجاه في مدارس المملكة العربية السعودية خاصة والدول العربية عامة.

2-تقوية علاقة المدرسة بالمجتمع، وذلك بتبني العديد من المشاريع المختلفة التي يطرحها مؤلف الكتاب حول هذا

    الاتجاه.

3-الاهتمام ببناء علاقة التربية الفنية بالمواد الدراسية الأخرى في المنهج الدراسي، وربط جميع هذه المواد بالمجتمع

    والبيئة المحيطة.

4-إتاحة الفرصة للتلاميذ لخوض الخبرات والتجارب من خلال مواجهات ذاتية ومباشرة وحية مع مفردات البيئة

    الاجتماعية المحيطة.

5-التأكيد على بناء شخصية التلميذ بتوفير الأجواء الملائمةله لممارسة خصوصيته التعبيرية، ورعاية إهتماماته، وتلبية

    احتياجاته، من خلال الأنشطة الفنية المختلفة التي تتيحها التربية الفنية في البيئة الاجتماعية.

 

إنتهى البحث والحمد لله أولاً وأخراً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملخص البحث بالإنجليزية

 

 

 

 

The Approach of (Community-Based Art Education)

A Descriptive and Analytical Study

 

Yousef  Ibrahim Alamoud

 

Assistant Professor, Department of Art Education

College of Education, King Saud University

 Riyadh, Kingdom of Saudi Arabia

 

Abstract. This study sheds the light on “Community-Based Art Education” as one of the modern and distinctive approaches in the field of Art Education. Applying documental descriptive methodology, the researcher analyzed one of the basic books about this approach, titled: Step Outside, Community-Based Art Education, by Peter London. Through the application of this methodolgy, the concept of CBAE is defined, the term Community is identified, and the qualities of CBAE are described. Finally, the researcher presented some conclusions, and suggested some recommendations regarding its importance in the develoment of the social dimension of art education in Saudi Arabia.

 

 

 

 

 

 

 

المراجــع

 

 

- دوركهايم ، أميل(1996م). التربية والمجتمع، الطبعة الخامسة. ترجمة علي وطفة. دمشق: دار معد للنشر.

       - العساف، صالح حمد. المدخل إلى البحث في العلوم السلوكية. الرياض: مكتبة العبيكان، 1416هـ.

- Baker, David (1994). “Foreword”. In Peter London (Author): Step Out-Side, Community-Based Art Education. Portsmouth, N. H.: `Heinemann. viii-x.

- Burton, J., Lederman, A., & London, P. (Eds.). Beyond DBAE the Case for Multiple Visions in Art Education. North Dartmouth, MA., U.S.A.: Peter London, (1988).

- Community-Based Art Education Newsletter. (February1997). “Step Outside Community-Based Art Education”. Des Moines, IA: CBAE. P. 5.

- Eisner, Elliot W. (November, 1988). “Discipline-Based Art Education: Its Criticisms and its Critics,” Art Education 41, No. 6. 7-13.

- Henslin, James (1998). Essentials of Sociology. Boston: Allyn and Bacon.

- London, Peter (1988 a). “Introduction.” In Burton, J., Lederman, A., & London, P. (Eds.). Beyond DBAE the Case for Multiple Visions in Art Education. North Dartmouth, MA., U.S.A.: Peter London. 1-4.

- London, Peter (1988 b). “To Gaze Again at the Stars.” In Burton, J., Lederman, A., & London, P. (Eds.). Beyond DBAE the Case for Multiple Visions in Art Education. North Dartmouth, MA., U.S.A.: Peter London. 26-41.

- London, Peter (March 1988 c). “Letters to the Editor.” Art Education 41, No. 2. 5.

- London, Peter. (1989). No More Secondhand Art, Awakening the Artist Within. Boston: Shambhala.

- London, Peter. (1994). Step Out-Side, Community-Based Art Education. Portsmouth, N. H.: Heinemann.

- London, Peter. (December 1997).  “National Standards, No: Genius of the Place, Yes.” Community-Based Art Education Newsletter. Des Moines, IA: CBAE. P. 1-3.