King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

المبادئ القضائية(1-2)

 

خالد بن محمد الزومان*

 

تعد الأحكام القضائية الصادرة من المحاكم والجهات القضائية بشكل عام ثروة حقوقية, إذ أنها تشكل الطابع العملي الحي  للقانون , وهي التي تشكل مداه وأبعاده, فالقانون بمواده عبارة عن مادة خام خاملة, تصبح في حالتها النشطة عندما تتحول إلى أحكام قضائية؛فالأحكام المؤيدة من قبل محاكم التمييز أو النقض والتي يستقر عليها قضائها هي تعبير عن توجه القضاء وتوضيح للمنهج الذي يسير عليه أثناء فصله في المنازعات المعروضة عليه. وتسمى الأحكام التي تستقر المحاكم على الأخذ بها -وبالأخص المحاكم العليا ومحاكم الاستئناف- المبادئ القضائية.

وللمبادئ القضائية أهمية كبرى سواء بالنسبة للمحامين والمترافعين أمام المحاكم, أو حتى بالنسبة للقضاة أنفسهم خاصة قضاة الدرجة الأولى, وذلك أن القوانين والأنظمة واللوائح, وإن كانت هي المرجع في تقرير الحقوق وترتيبها, إلا أن تلك القوانين – مهما تم الاجتهاد عند إعدادها ووضعها ومحاولة أن تكون شاملة – إلا أنها قد يعتري بعض موادها أما الغموض والإبهام, أو أن تكون قاصرة في بعض الحالات, بحيث يصبح هناك فراغ قانوني, وفي هذه الحالة فإن القاضي والمحامي يستأنس بالرجوع للمبادئ والأحكام القضائية السابقة لحالات مشابهة. والمبادئ القضائية تنشاً بسبب وجود مواد مبهمة أو حالات لم يتم تناولها عند سن القانون أو النظام, وفي هذه الحالة فإن القاضي يحاول أن يجد تفسيراً مناسباً للنص الغامض, أو أن يبتدع حكماً جديداً للحالة غير المتناولة بالتنظيم, مستعيناً في ذلك بالعرف وبمبادئ القانون الطبيعي, ومبادئ العدالة, و الحالات المشابهة , محاولاً الوصول لحكم مرضٍ.

ومما يؤكد على أهمية المبادئ القضائية -لدينا في المملكة على وجه الخصوص- وحاجتنا الماسة لها هو غياب القوانين المنظمة لأغلب الحقوق,في ظل عدم وجود تقنين للفقه الإسلامي, حيث إن مجال الاجتهاد مفتوح أمام القاضي ليحكم بما يرجحه من المذاهب الفقهية المختلفة. وكما هو معلوم فإن المذاهب والآراء والاجتهادات الفقهية كثيرة ومتنوعة ولا يمكن حصرها, بل هي متجددة ومجال الاجتهاد فيها مفتوح, والنصوص الشرعية من المرونة بحيث يمكن الاحتجاج بها لكثير من الأقوال والمذاهب, وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه" إن القرآن حمال أوجه", لذلك فإن المبادئ القضائية تصبح ضرورة في هذه الحالة, حتى يعرف المترافع أمام القضاء, ما هو التوجه الذي يسير فيه القاضي, مما يمكنه من المطالبة بحقوقه في ضوء الأحكام السابقة

ومع أن السوابق والمبادئ القضائية غير ملزمة - كما هو المعمول به في القضاء الفرنسي والذي تسير على خطاه معظم الدول العربية, خلافاً للقضاء الانجليزي الذي يعتبر المبادئ القضائية قواعد ملزمة- مع أنها ليست ملزمة من الناحية النظرية إلا أنها تعبر في الغالب الأعم عن توجه القضاء, وذلك بفضل وجود درجات للتقاضي, ذلك أن محاكم التمييز أو النقض تقوم بنقض الأحكام التي لا تتوافق مع المبادئ التي قررتها, مما يجعل قاضي الدرجة الأولى يراعي ذلك في القضايا المعروضة أمامه, بحيث لا يخرج عن ما قررته المحاكم الأعلى منه درجة, حتى لا يعرض أحكامه للنقض, مما يضفي على المبادئ القضائية المستقرة صفة القواعد الملزمة, مع أن بإمكان دوائر النقض العدول عن اجتهاداتها السابقة, والمبادئ التي سبق وقررتها, بحيث تقرر مبادئ جديدة, ويتم ذلك وفق آلية يحددها النظام.

                                         *أكاديمي بجامعة الملك سعود

                                  Mosahem1@hotmail.com

 


 

المبادئ القضائية (2-2)

 

خالد بن محمد الزومان*

 

سبق أن بينت في المقال السابق أهمية المبادئ القضائية ومدى الحاجة إليها, وبناء على تلك أهمية وجود مبادئ قضائية يرجع إليها القضاة والمترافعون, فقد ألزمت أنظمة القضاء الجهات القضائية باستخلاص المبادئ القضائية وفهرستها ونشرها, بحيث يسهل الرجوع إليها لمن يحتاجها؛ فقد جاء في المادة التاسعة والثمانون من نظام القضاء ما نصه "  تشكل بوزارة العدل إدارة فنية للبحوث تؤلف بقرار من وزير العدل من عدد كاف من الأعضاء لا يقل مؤهل أي منهم عن شهادة كلية الشريعة ويجوز أن يختاروا عن طريق الندب من القضاة وتتولى هذه الإدارة المسائل الآتية" وذكر في أولها  "استخلاص المبادئ التي تقررها محكمة التمييز فيما تصدره من أحكام أو المبادئ التي يقررها مجلس القضاء الأعلى وتبويبها وفهرستها بحيث يسهل الرجوع إليها". كما نصت المادة السابعة والأربعون من نظام ديوان المظالم على ما يلي " يرفع رئيس الديوان في نهاية كل عام إلى جلالة الملك تقريراً شاملاً عن أعمال الديوان متضمناً ملاحظاته ومقترحاته.

كما يقوم في نهاية كل عام بتصنيف الأحكام التي أصدرتها دوائر الديوان ومن ثم طبعها ونشرها في مجموعات ، ويرفق نسخة منها مع التقرير". ومع وضوح هذين النصين وصراحتهما ومع أن نظام القضاء قد صدر في العام 1395هـ, ونظام ديوان المظالم في العام 1402هـ  إلا أنه لم يتم تفعيل المواد المتعلقة بوضع المبادئ ونشرها,  فلم تقم أي من الجهتين  بإصدار أي مبادئ قضائية أو أحكام منشورة, حتى صدر قرار مجلس الوزراء في العام 1423هـ والقاضي بنشر الأحكام النهائية المختارة. وقد صدرت بعد ذلك تصريحات من وزير العدل ورئيس ديوان المظالم بأنه سيتم إصدار مدونة بالأحكام القضائية تنفيذاً لهذا القرار, وكأن النظام السابق لا يحتاج إلى تنفيذ! مع أن هذا القرار لا يعدو كونه قراراً كاشفاً لما نص عليه النظام, وليس قراراً منشئاً لحكم جديد, ومع وجود تلك التصريحات, إلا أنه لم يتم إصدار أي شيء من ذلك, حتى مطلع العام الحالي حيث وجدت النور أولى تلك الإصدارات, فقد طبعت وزارة العدل الإصدار الأول من مدونة الأحكام القضائية, وقد اتضح ما بذلته اللجنة التي قامت بإعداده من جهد, فقد جاءت المدونة جيدة بشكل عام, إلا أنه يؤخذ عليها قلة الأحكام التي جاءت فيها, فمع وجود فريق من تسعة أشخاص ما بين مشرفين ولجنة علمية وفريق علمي قد عملوا لأكثر من سنة, إلا أن الأحكام المنشورة لم تتجاوز خمسين حكماً, وهو عدد قليل جداً بالمقارنة لما يراد من أجله إصدار تلك المدونات. كما يؤخذ على هذه المدونة أن الفريق المعد قد ذكر في المقدمة أنه يعتمد في النشر على قرارات مجلس القضاء وعلى الأحكام القطعية, ومن ضمنها الأحكام التي اكتسبت القطعية لقناعة أطرافها بالحكم, والحقيقة أن مثل تلك الأحكام لا يصح أن توصف بالمبادئ القضائية, وليست مناسبة للاختيار من ضمن الأحكام التي تنشر, إذ أن تلك الأحكام لم يستقر القضاء بها, حيث لم يتم تأييدها من قبل قضاة التمييز, ولم يتم فحصها وتمحيصها, فهي أذن عرضة للنقض عند عرضها على قضاء التمييز.

أما ديوان المظالم فإن لديه لجنه تعكف الآن على استخلاص المبادئ القضائية لدوائر التدقيق الإداري ونشرها, ونتمنى أن ترى تلك المبادئ النور قريباً, إذ أنه لن تكون هناك مبادئ قضائية مستقرة ما لم يكن هناك تدوين للمبادئ, وعلى افتراض وجود تلك المبادئ فإنه يصعب معرفتها من قبل القاضي أو المحامي وذلك لعدم طبعها ونشرها, ولا يخفى ما في ذلك من تضييع لجهد القاضي والمحامي, إذ لو كانت تلك المبادئ موجودة وفي المتناول, لتم مراعاة ذلك من قبل قضاة الدرجة الأولى, ولتم تلافي كثير من نقض الأحكام, التي يأخذ إعادة النظر فيها وقتاً طويلاً كان بالإمكان عدم إهداره. مع إنه ربما يلتمس العذر لتلك للجهات القضائية في تأخرها بإصدار المبادئ بكثرة العمل لديها, وعدم وجود عدد كاف من القضاة لتولي الفصل في القضايا, فضلاً عن إعداد المبادئ. لذلك فإني أقترح أن يتم فتح المجال لمن أراد من القضاة أو المحامين والباحثين لاستخلاص المبادئ وتبويبها ونشرها لحسابه الخاص, كما هو الحال في كثير من الدول, ففي ذلك اختصار للوقت ومساعدة للجهات القضائية في رفع بعض الحمل الملقى على عاتقها. 

لقد جاء في مشروعي نظام القضاء ونظام ديوان المظالم المتوقع صدورهما قريباً, النص كذلك على نشر المبادئ, وقد تم توضيح الآلية بشكل أكبر في تلك الأنظمة, على أمل أن يتم التعجيل بإصدار تلك المبادئ. ولقد كنت أتمنى أن يتم النص في النظام على إنشاء دائرة لتوحيد المبادئ كما هو المعمول به في دول أخرى, ويكون دورها توحيد المبادئ عند اختلاف دوائر النقض فيما بينها, وهو أمر حتمي الوقوع, مع أن الحاجة لذلك ستكون خطوة تالية لنشر المبادئ التي نتمنى أن يتيسر لكل محتاج لها الحصول عليها, وأن تكون من الشمول بحيث تحقق الغرض من إصدارها.

                          * أكاديمي بجامعة الملك سعود

                                  Mosahem1@hotmail.com

 

 

 المقالات

آلية التنفيذ.docآلية التنفيذخالد محمد عبدالله الزومان
المبادئ القضائية.docالمبادئ القضائيةخالد محمد عبدالله الزومان
لماذا التركيز على الاختصاص؟.docلماذا التركيز على الاختصاص؟خالد محمد عبدالله الزومان
من أجل قضاء أكثر تطوراً.docمن أجل قضاء أكثر تطوراًخالد محمد عبدالله الزومان
King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx