King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

 

ابن تيميّة

وجهوده في التفسير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   الشيخ ابن تيمية ـ رحمه الله ـ علَم من أعلام الأمّة، وإمام من أئمّتها الأفذاذ، جمع الله له من جميل الخصال، ومختلف الأفضال ما لم يجتمع في مثله من البشر من معاصريه، بل حتّى إلى وقتنا الحاضر. شهد بذلك العدوّ قبل الصديق، والمخالف قبل الموافق، إلا من شذّ من الحاسدين وأهل البدع. وقد اعتنى كثير من العلماء بسيرة هذا الإمام الفذّ، وترجموا له تراجم حافلة تتراوح ما بين المطوّل والمختصر، وقد ظهرت هذه العناية في صور شتّى أوجزها فيما يلي(1):

1. الترجمة له مع غيره من الأئمّة الأعلام، وهذا كثير جدّاً، ومن أهمّ ذلك ما فعله الحافظ الذهبيّ ـ رحمه الله ـ في كثير من كتبه كذيل تاريخ الإسلام، ومعجم الشيوخ، وتذكرة الحفّاظ، وذيل العبر..، والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، والحافظ ابن رجب في ذيله على طبقات الحنابلة، والحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة، وغيرهم كثير جدّاً(2).

2.  إفراده بترجمة خاصّة في كتب مستقلّة، ومنها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ:

·  العقود الدريّة في مناقب شيخ الإسلام أحمد ابن تيميّة للحافظ أبي عبد الله محمّد بن أحمد بن عبد الهادي ـ رحمه الله ـ.

·        الدرّة اليتيمية في سيرة ابن تيمية للحافظ الذهبيّ ـ رحمه الله ـ.

·        الأعلام العليّة في مناقب ابن تيمية للحافظ عمر بن عليّ البزار ـ رحمه الله ـ.

·  الشهادة الزكيّة في ثناء الأئمّة على ابن تيميّة للشيخ مرعي الكرمي الحنبليّ ـ رحمه الله ـ.

   ومن الكتب الحديثة:

·        ابن تيميّة؛ حياته وعصره وآراؤه وفقهه للشيخ محمّد أبو زهرة ـ رحمه الله ـ.

·        شيخ الإسلام ابن تيميّة؛ سيرته وأخباره عند المؤرّخين للدكتور صلاح الدين المنجد.

·        باعث النهضة الإسلاميّة ابن تيميّة السلفي لمحمّد خليل هرّاس.

3. التقريظ على كتب ألّفت في الذود عن الشيخ ـ رحمه الله ـ والدفاع عنه، ومن أشهرها كتاب: الردّ الوافر على من زعم أنّ من سمّى ابن تيميّة شيخ الإسلام كافر للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقيّ ـ رحمه الله ـ.

ومن هذه التقاريظ:

·        تقريظ الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ.

·        تقريظ العلامة بدر الدين محمود العيني ـ رحمه الله ـ.

·        تقريظ العلامة صالح بن عمر البلقيني ـ رحمه الله ـ.

4.  الرسائل العلميّة، وهي كثيرة جدّاً يصعب حصرها.

 

 

التعريف بشيخ الإسلام ابن تيميّة ـ رحمه الله ـ:

   هو الشيخ الإمام العلامة تقيّ الدين أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيميّة الحرّانيّ ثمّ الدمشقيّ.

   ولد بحرّان(1) ثاني عشر ربيع الأوّل سنة إحدى وستّين وست مئة، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، وكانوا قد خرجوا من حرّان مهاجرين بسبب جور التتار، وتسلّطهم على بلاد المسلمين.

   سمع من شيوخ عدّة، بلغوا أزيد من المئتين كما ذكر ذلك تلميذه ابن عبد الهادي ـ رحمه الله ـ(2). كان أوّلهم: زين الدين أحمد بن عبد الدائم، ثمّ ابن أبي اليسر، والكمال بن عبد، وابن الصيرفي، وابن علاّن، وغيرهم كثير.

   وأمّا تلاميذه فكثر، من أبرزهم: الإمام ابن القيّم، والحافظ الذهبيّ، والحافظ ابن كثير (صاحب التفسير )، والحافظ المزّيّ، وابن عبد الهادي، وابن الزملكاني، وابن سيّد الناس اليعمريّ، وعلم الدين البرزاليّ، وصلاح الدين الكتبيّ، وغيرهم ـ عليهم جميعاً رحمة الله ـ.

   تعلّم الخطّ والحساب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه فبرع فيه، وقرأ في العربيّة، وفي كتاب سيبويه حتّى فهمه واستدرك عليه، وبرع في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كلّيّاً حتّى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه، وغير ذلك من العلوم.

   وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره؛ فيتكلّم، ويناظر، ويفحم الكبار، ويأتي بما يتحيّر منه أعيان البلد في العلم، حتّى قيل إنّه أفتى وهو في السابعة عشرة من عمره، وشرع في الجمع

والتأليف من ذلك الوقت.

   وكان والده من كبار الحنابلة، ومن أئمّتهم، فلمّا مات تولّى التدريس بعده وله إحدى وعشرون سنة.

   وكان ـ رحمه الله ـ سيفاً مسلولاً على المخالفين، وشجىً في حلوق أهل الأهواء والمبتدعين، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ناصراً الدين، غير هيّاب ولا وجل.

   قال الحافظ المزّيّ ـ رحمه الله ـ: " ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه. وما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله وسنّة رسوله، ولا أتبع لهما منه ".

   وقال ابن الزملكانيّ ـ رحمه الله ـ: " كان إذا سئل عن فنّ من العلم، ظنّ الرائي والسامع أنّه لا يعرف غير ذلك الفنّ، وحكم أنّ أحداً لا يعرف مثله. وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك ".

   وقد أثنى عليه خلق كثير من شيوخه، ومن كبار علماء عصره، حتّى من شانئيه، ومن أحسن ذلك ما قاله ابن سيّد الناس في أجوبته عن سؤالات ابن أيبك الدمياطيّ(1)، فإنّه قال ـ بعد ثنائه على المزّيّ ـ: " وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام: تقيّ الدين أبي العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة، فألفيته مّمن أدرك من العلم حظّاً، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظاً. إن تكلّم في التفسير فهو حامل رايته، أو أتى في الفقه؛ فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث؛ فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالنِّحل والملل؛ لم يُر أوسع من نِحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته. برز في كلّ فنّ على أبناء جنسه، ولم تَر عينُ مَنْ رآه مثله، ولا رأت عينُه مثل نفسه. كان يتكلّم في التفسير؛ فيحضر مجلسه الجمّ الغفير، ويردون من بحر علمه العذب النمير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير، إلى أن دبّ إليه من أهل بلده داء الحسد، وأكبّ أهل النظر منهم على ما يُنتقد عليه في حنبليّته من أمور المعتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلاماً؛ أوسعوه بسببه ملاماً، وفوّقوا لتبديعه سهاماً، وزعموا أنّه خالف طرقتهم ، وفرّق فريقهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضهم وقاطعوه.. " إلى آخر ما ذكر.

    وقال الحافظ الذهبيّ ـ رحمه الله ـ في تذكرة الحفّاظ: " وكان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، والزهّاد الأفراد، والشجعان الكبار، والكرماء الأجواد. أثنى عليه الموافق والمخالف، وسارت بتصانيفه الركبان، لعلّها ثلاث مئة مجلّد ".

   وقال ابن دقيق العيد ـ رحمه الله ـ: " لمّا اجتمعت بابن تيميّة، رأيت رجلاً كلّ العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد، ويدع ما يريد ".

   أمّا مصنفاته؛ فهي كثيرة جدّاً، وقد جمع أسماءها تلميذه ابن رُشيِّق المغربيّ المالكي في رسالة لطيفة بعنوان: ( أسماء مؤلّفات ابن تيمية )(1) لكنّه لم يستوعب، وبعض ما ذكره مفقود لم يصل إلينا اليوم(2).

   وأمّا صفاته؛ فقد اجتمع فيه من الصفات ما لم يجتمع في غيره من معاصريه، هذا مع تكالب الأعداء، وقلّة الناصر.

   ومن صفاته التي ذُكرتْ عنه، وسارت به الركبان: كمال العلم، وصفاء البصيرة، وسعة الاطّلاع، والثبات، والطمأنينة، والزهد، والكرم، وعلوّ الهمّة، والشجاعة المفرطة في الحقّ، وسرعة استحضار الآيات والأحاديث على البديهة، مع تضرّع وابتهال إلى الله ويقين به سبحانه، وحدّة تعتريه في البحث يقهرها بحلم وصفح.. إلى غير ذلك من الخصال. 

   وقد تعرّض الشيخ ـ رحمه الله ـ لمحن كثيرة، وسجن مرّات عديدة، حتّى مات في السجن، وكان لذلك أسباب عدّة،منها:صدعه بالحقّ الذي يعتقده، وإصراره عليه غير مبال لما

يصيبه في ذلك.

   ومنها: حسد الأقران، وترك مداجاة السلطان، ولعلّها اجتمعت جميعاً، فكانت سبباً لما حصل للشيخ من المحنة والبلاء، هذا مع اعتراف الجميع بعلمه وفضله وعلوّ منـزلته. والكلام عما حصل له من المحن يطول، وقد فصّل ذلك الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ في البداية والنهاية، وذكر الأحداث في أعوامها التي حدثت فيها أوّلاً بأوّل(1).

   وقد لخّصها الحافظ الذهبيّ ـ رحمه الله ـ بقوله: " وقد امتحن وأوذي مرّات، وحُبس بقلعة مصر، والقاهرة، والاسكندريّة، وبقلعة دمشق مرّتين، وبها توفي ".

   ولقد صدقت فراسة أصحاب الشيخ فيه، فها هو الشيخ أحمد بن مرّي الحنبليّ يقول في رسالة وجّهها إلى تلاميذ الشيخ: " فلا تيأسوا من قبول القلوب القريبة والبعيدة لكلام شيخنا، فإنّه ـ ولله الحمد ـ مقبول طوعاً وكرهاً. وأين غايات قبول القلوب السليمة لكلماته، وتتبّع الهمم النافذة لمباحثه وترجيحاته. ووالله ـ إن شاء الله ـ ليقيمنّ الله سبحانه لنصر هذا الكلام ونشره وتدوينه وتفهّمه، واستخراج مقاصده، واستحسان عجائبه وغرائبه، رجالاً هم إلى الآن في أصلاب آبائهم، وهذه هي سنّة الله الجارية في عباده وبلاده.. ".

   وقد صدق ـ رحمه الله ـ وهل نحن إلا من هؤلاء الذين ذكر، لا سيما قوله: " وتتبّع الهمم النافذة لمباحثه وترجيحاته ".

   وأمّأ نصرته للسنّة المحضة، وذبّه عن الشريعة، وقيامه على أهل البدع؛ فأمر لا ينتهي منه العجب حتّى تفرّد في ذلك بأمور لم يُسبق إليها، بل لم يجرؤ عليها أحد من معاصريه، ومن ذلك تكسيره للأحجار التي كان الناس يزورونها، ويتبرّكون بها، ويقبّلونها، وينذرون لها النذور، ويلطّخونها بأطيب العطور، ويطلبون عندها قضاء حاجاتهم، ويعتقدون أنّ من تعرّض لها بسوء بقول أو فعل، أصابته في نفسه آفة من الآفات، ومن هذه الأحجار صخرة كبيرة كانت بمحراب مسجد من مساجد دمشق، كان للناس فيها اعتقاد، وقد استفاض بين الناس أنّه حُطّ عليها رأس الحسين ـ رضي الله عنه ـ فانشقت له... فلمّا بلغ ذلك الشيخ، ذهب إليها وضربها بنعله، وقال ـ ساخراً ـ: " أن أصاب أحداً منها شيء، أصابنا نحن قبله "، فتقدّم إليها الحفّارون، وحفروا عليها، فإذا هي رأس عمود كبير، فكسروه وأحرقوه(1).

   وأمّا جهاده؛ فقد كان ـ رحمه الله ـ من أعظم المحرّضين على مقاتلة التتار، وصدّهم عن ديار المسلمين، وله في ذلك مواقف مشهودة، حتّى إنّه اجتمع بجميع أركان الدولة، وذكر لهم حاجة المسلمين إلى الغوث، وحصل بسببه همم عليّة، وأُعلن الجهاد، وقويت العزائم، إلى أن ورد الخبر بانصراف التتار.

   وفي وقعة شقحب المشهورة(2)، لمّا جاء السلطان، لاقاه الشيخ، وجعل يشجّعه ويثبّته، فلمّا رأى السلطان كثرة التتار قال: يا لخالد بن الوليد. فقال له الشيخ: لا تقل هذا، وقل: يا الله، واستغث بالله ربك، ووحّده وحده، تُنصر، وقل: يا مالك يوم الدين، إيّاك نعبد وإيّاك نستعين.  ثمّ ما زال يُقبل تارة على الخليفة، وتارة على السلطان، يهدّئهما، ويربط جأشهما، حتّى جاء نصر الله والفتح.

   وقد كانت وفاة الشيخ وهو محبوس في القلعة ليلة الاثنين، في العشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وقد كان ذلك اليوم يوماً مشهوداً، لم تشهد دمشق مثله من قبل، حتّى قيل إنّه لم يتخلّف عن جنازة الشيخ إلا ثلاثة نفر تأخروا خشيةً على أنفسهم من العامّة، إضافة إلى من عجز عن الإتيان لعذر ونحوه.    ورثاه خلق بالشام، ومصر، والعراق، والحجاز، وغيرها. نثراً وشعراً، فرحم الله الشيخ، وجمعنا وإيّاه في دار كرامته(3).

جهود ابن تيميّة في التفسير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

   أجمع كلّ من كتب في سيرة الشيخ ـ رحمه الله ـ بأنّه كان إماماً في التفسير لا يُشقّ له غبار، فإذا تُكلّم في التفسير ـ كما يقول ابن سيّد الناس ـ فهو حامل رايته(1)، فجهوده في التفسير مذكورة ومشهورة، ومشكورة غير منكورة، وهي تتلخّص فيما يلي:

  1. إلقاء الدروس في التفسير مشافهة:

وكان ذلك مبتدا أمره بعد وفاة والده، وكان له آنذاك إحدى وعشرين سنة، فقام مقام والده في التدريس، وحضر عنده جمع من القضاة والمشايخ، وألقى درساً في البسملة ـ وهو مشهور بين الناس ـ فعظّمه الحاضرون، وأثنوا عليه ثناءً كثيراً(2).

   ثمّ تلا ذلك جلوسه بالجامع أيّام الجمع لتفسير القرآن العظيم من حفظه، فكان يورد ما يقوله من غير توقّف، ولا تلعثم، وبصوت جهوريّ فصيح(3).

   قال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ: " ثمّ جلس تقيّ الدين المذكور أيضاً يوم الجمعة، عاشر صفر بالجامع الأمويّ، بعد صلاة الجمعة، على منبر قـد هُيّيء له لتفسير القـرآن

العزيز، فابتدأ من أوّله في تفسيره، وكان يجتمع عنده الخلق الكثير، والجمّ الغفير. ومن كثرة ما كان يورد من العلوم المتنوّعة المحرّرة، مع الديانة والزهادة والعبادة، سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان، واستمرّ على ذلك مدّة سنين متطاولة "(1).

   وقد ذكر الحافظ الذهبيّ ـ رحمه الله ـ أنّ الشيخ ـ رحمه الله ـ كان آية من آيات الله في التفسير، والتوسّع فيه، وربّما بقي في تفسير الآية الواحدة المجلس والمجلسين(2)، بل ذكر أنّه بقي يفسّر في سورة نوح عدّة سنين، أيّام الجُمَع(3).

  1. عنايته بالاستنباط:

سبق أنّ الشيخ ـ رحمه الله ـ كان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين كما قال الحافظ الذهبيّ وغيره، لكنّه كان من الأذكياء الأزكياء الذين سخّروا ذكاءهم لما فيه نفع الأمّة، ومن ذلك: غوصه في معاني الكتاب العزيز، واستخراجه اللالىء والدرر، من الفوائد والأحكام التي لم يُسبق إليها.

   قال تلميذ تلميذه الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ: " وبرع في التفسير والقرآن، وغاص في دقيق معانيه، بطبع سيّال، وخاطر إلى مواقع الإشكال ميّال، واستنبط منه أشياء لم يُسبق إليها "(4).

   ومن ذلك ما رجّحه في معنى قوله تعالى: {  يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً.. }[الأعراف: 26]، فقد رجّح أنّ الإنزال في الآية على ظاهره من ظهور الأنعام، خلافاً لما ذكره المفسّرون من تفسير الإنزال بالخَلق، أو بإنزال أسبابه من المطر ونحوه. وقـد عقد الشيخ ـ رحمه الله ـ فصلاً بيّن فيـه معنى الإنزال في القرآن(1).

 

  1. عنايته بالاختيار والترجيح:

لم يكن الشيخ ـ رحمه الله ـ يقنع بالتقليد، أو يكتفي بترجيح مَنْ قَبله من الأئمّة المتقدّمين، بل كان في غالب تفسيره يعلّل ويدلّل، ويرجّح ما يراه الصواب، أو يختار من الأقوال ما هو أقوى وأصحّ، مستنداً على وجوه عدّة من أوجه الاختيار والترجيح، وهذا هو اللائق بمثله ممّن بلغ رتبة الاجتهاد.

   يقول تلميذه علم الدين البرزاليّ ـ رحمه الله ـ(2): " وكان إماماً لا يُلحق غباره في كلّ شيء، وبلغ رتبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين، وكان إذا ذكر التفسير أبهت الناس من كثرة محفوظاته، وحُسن إيراده، وإعطائه كلّ قول ما يستحقّه من الترجيح والتضعيف والإبطال، وخوضه في كلّ علم كان الحاضرون يقضون منـه العجب".

   ولم يكن الشيخ ـ رحمه الله ـ يختار أو يرجّح عن هوى أو تعصّب لرأي أو مذهب، وإنّما كان حاديه الدليل حيث كان.

   يقول الحافظ الذهبيّ ـ رحمه الله ـ(3): " وأمّا التفسير فمسلّم إليه، وله من استحضار الآيات من القرآن ـ وقت إقامة الدليل بها على المسألة ـ قوة عجيبة، وإذا رآه المقرىء تحير فيه. ولفرط إمامته في التفسير، وعظم اطّلاعه، يبيّن خطأ كثير من أقوال المفسّرين، ويوهي أقوالاً عديدة، وينصر قولاً واحداً موافقاً لما دلّ عليه القـرآن والحديث ".

  1. كتابة أجزاء في التفسير ( التصنيف والتأليف ):

   لم يقتصر الشيخ ـ رحمه الله ـ على إلقاء الدروس في التفسير مشافهة، بل كان يكتب بقلمه أجزاء في التفسير، منها ما هو مختصر، ومنها ما هو مبسوط. ولعلّ دخول الشيخ السجن مرّات عديدة، وفترات مديدة، أتاح له فرصة أكبر للكتابة والتصنيف، حتىّ شعر خصومه بذلك، فمنعوه الكتابة، ومنعوا عنه الأقلام والدفاتر.

   قال ابن عبد الهادي ـ رحمه الله ـ حاكياً حال الشيخ بعد دخوله السجن: " وأقبل في هذه المدّة على العبادة والتلاوة، وتصنيف الكتب، والردّ على المخالفين. وكتب على تفسير القرآن العظيم جملة كبيرة تشتمل على نفائس جليلة، ونكت دقيقة، ومعانٍ لطيفة. وأوضح مواضع كثيرة أشكلت على خلق من المفسّرين. وكتب في المسألة التي حُبس بسببها مجلّدات عدّة، وظهر بعض ما كتبه، واشتهر، وآل الأمر إلى أن مُنع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما عنده من الكتب، ولم يتركوا عنده دواة ولا قلماً ولا ورقة، وكتب عقيب ذلك بفحم.."(1).

   وقال ابن رشيق في أسماء مؤلّفات الشيخ: " فمن ذلك ما ألّفه من تفسير القرآن العزيز ـ غير ما جمعه من أقوال مفسّري السلف الذين يذكرون الأسانيد في كتبهم ـ فكتب على جميع القرآن ما أمكنه من النقول عن السلف شيء كثير "(2).

   وهذا نقل مجرّد بدون استدلال.

   ثمّ قال ـ رحمه الله ـ: " وكتب في أوّله [ أي: في أوّل القرآن ] قطعة كبيرة بالاستدلال "(3).

ثمّ قال: " ورأيت له سوراً وآيات يفسّرها، ويقول في بعضها: كتبته للتّذكّر، ونحو ذلك "(4).

   وقال الإمام ابن القيّم ـ رحمه الله ـ في نونيّته المشهورة(1):

هذا وليس يُقصّر التفسير عن         عشر كبـار ليس ذا نقصانِ

   وقد فصّل ابن رشيّق  ما كتبه الشيخ في التفسير، في كتابه ( أسماء مؤلّفات ابن تيميّة )، المنسوب خطأ إلى ابن القيّم ـ رحمه الله ـ.

 

   هذا؛ ولم يكن الشيخ ـ رحمه الله ـ في كلّ ما سبق ينطلق من فراغ، وإنّما من اطّلاع واسع، مع ذهن وقّاد، وذاكرة فذّة. فقد ذكر ابن رشيّق ـ رحمه الله أنّ الشيخ قال له مرّة: " وقفت على نحو خمسة وعشر(2) تفسيراً مسنداً ".

   قال: وقال لي مرّة: " ربّما طالعت على الآية الواحدة نحو مئة تفسير، ثمّ أسأل الله الفهم، وأقول: يا معلّم إبراهيم.. "(3).

   وقال الصفديّ ـ رحمه الله ـ: حكى لي من سمعه يقول: " إنّي وقفت على مئة وعشرين تفسيراً، أستحضر من الجميع الصحيح الذي فيها "، أو كما قال ..(4).

   فرحم الله الشيخ، وحشرنا معه في زمرة الأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين.

 

 

 

 

 

 

 



 (1) ينظر: الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيميّة خلال سبعة قرون، جمع محمّد عزير شمس، وعلي العمران ( مكّة: دار عالم الفوائد ).

 (2) ينظر: مقدّمة الشيخ العلامة بكر أبو زيد للجامع لسيرة شيخ الإسلام، وقد قام الشيخ باستعراض هذه التراجم بشكل مختصر، وسبرها وتقسيمها بما لا مزيد عليه.

 (1) هي مدينة بين الرها والرقّة شمال سوريا، قيل إنّها نُسبت إلى هاران أخي إبراهيم عليه السلام، كانت مركزاً من مراكز الثقافة اليونانيّة، ومقرّاً للديانة الصابئيّة، وهي الآن مدينة في تركيا.  ( ينظر: معجم البلدان للحمويّ (الموصل: مكتبة العلوم والحكم ): 2/235، ومعجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع للبكريّ ( بيروت: عالم الكتب ): 1/ 435، والتراث اليونانيّ في الحضارة الإسلاميّة: ص70 عن باعث النهضة الإسلاميّة ابن تيميّة السلفيّ لمحمد خليل هرّاس ( بيروت دار الكتب العلميّة ): ص25.

 (2) ذكر ذلك في كتابه: طبقات علماء الحديث ( بيروت: مؤسّسة الرسالة ): 4/ 281.

(1) 2/ 221.

 (1) طبعت هذه الرسالة منسوبة إلى ابن القيّم ـ رحمه الله ـ بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد ( بيروت: دار الكتاب الجديد ). والتحقيق أنّها لابن رشيّق أبي عبد الله محمّد بن عبد الله بن أحمد المتوفى سنة تسع وأربعين وسبع مئة. ( ينظر تحقيق ذلك بالتفصيل في مقدّمة الطبعة الأولى لكتاب الجامع لسيرة شيخ الإسلام من ص 56- 63.

 (2) قال المقريزيّ ـ رحمه الله ـ في كتابه ( المقفّى الكبير ): " وأكثر مصنّفاته مسوّدات لم تبيّض، وأكثر ما يوجد منها الآن بأيدي الناس قليل من كثير، فإنّه أُحرق منها شيء كثير ولا قوّة إلا بالله ". وينظر: الجامع لسيرة الشيخ: ص 513.

 (1) وقد استلّها المنجد من البداية والنهاية، ونشرها في كتابه شيخ الإسلام ابن تيميّة؛ سيرته وأخباره عند المؤرّخين (بيروت: دار الكتاب الجديد ):ص 84- 123. وينظر أيضاً: الجامع لسيرة شيخ الإسلام: ص404- 448.

 (1) قد كتب الشيخ إبراهيم  الغيانيّ ـ رحمه الله ـ فصلاً في ذلك بعنوان: ( فصل فيما قام به ابن تيميّة وتفرّد به وذلك في تكسير الأحجار )، وهو ضمن كتاب الكواكب الدراري ( مخطوط ) ونشره محبّ الدين الخطيب في القاهرة سنة 1368هـ بعنوان: ( ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيميّة ).ينظر الجامع لسيرة الشيخ: ص 132- 150.

(2) شَقْحَب على وزن جعفر: قرية قرب دمشق تبعد عنها قرابة 37 كيلو متراً، وقعت فيها المعركة المذكورة. ( ينظر: تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي ( بيروت: دار الفكر ): 2/ 124 ).

 (3) يرجع في ترجمة الشيخ إلى: طبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي 4/279- 296، وتذكرة الحفّاظ للذهبي

     (دار الفكر العربيّ ): 4/1496- 1498، والبداية والنهاية لابن كثير ( الجيزة: دار هجر، تحقيق التركي ):

     18/295- 302، والذيل على طبقات الحنابلة للحافظ ابن رجب ( بيروت: دار المعرفة ): 2/387- 408، والدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة للحافظ ابن حجر ( الهند: دائرة المعارف العثمانيّة ): 1/144- 160، والوافي بالوفيات للصفدي ( نشر جمعيّة المستشرقين الألمانيّة ): 7/ 15، ومسالك الأبصار في ممالك الأمصار لأحمد بن فضل الله العمري : من ص294- 306، وغيرها.

 (1) ينظر: أجوبة ابن سيّد الناس اليعمري عن سؤالات ابن أيبك الدمياطي ( المغرب : نشر وزارة الأوقاف ): 2/221.

 (2) ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة: 2/388، والمنهج الأحمد في ذكر أصحاب الإمام أحمد لمجير الدين العليمي (بيروت: مؤسّسة الرسالة ): 5/ 26.

 (3) ينظر: طبقات علماء الحديث: 4/283.

 (1) البداية والنهاية: 17/593.

 (2) ينظر: ذيل تاريخ الإسلام نقلاً عن الجامع لسيرة الشيخ: ص268.

 (3) ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة: 2/389.

 (4) السابق: 2/390.

 (1) ينظر: ص 391 من هذه الرسالة.

 (2) نقله عنه ابن عبد الهادي في طبقات علماء الحديث: 4/285.

 (3) نقله عنه ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة: 2/392.

 (1) طبقات علماء الحديث: 4/294.

 (2) الجامع لسيرة الشيخ: ص282، 283. وهذا النصّ غير موجود في النسخة المطبوعة المنسوبة إلى ابن القيّم.

 (3) السابق: ص283.

 (4) السابق: 283.

 (1) متن القصيدة النونيّة ( القاهرة: مكتبة ابن تيميّة ): ص 231.

 (2) كذا في الكتاب، ولعلّها: ( وعشرين ).

 (3) أسماء مؤلّفات ابن تيميّة ضمن الجامع لسيرة الشيخ: ص283. وهذا النص غير موجود في النسخة المطبوعة المنسوبة إلى ابن القيّم.

 (4) الوافي بالوفيّات: 7/ 16.

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx