King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

الرد على الدكتور عبد الله المسند حول ظاهرتي الكسوف والخسوف

 

د. المسند يردّ على د. المسند

                   حول ارتباط الكسوف بالمعاصي

   الدكتور الفاضل عبد الله المسند أستاذ الجغرافيا بجامعة القصيم لم يسبق لي الالتقاء به، ولا تربطني به صلة قرابة أو زمالة ، من قريب أو بعيد، لكني أكنّ له الكثير من التقدير والاحترام لجهوده التي يبذلها في خدمة الدين والمجتمع من خلال تخصصه، وقد اطلعت له على محاولات للربط بين النصوص الشرعية وبعض الظواهر الكونية، وكان الكثير منها موفقاً إلى حد كبير، ثم إني اطلعت على لقاء معه في إحدى الصحف المحلية حول ظاهرتي الكسوف والخسوف وعلاقتهما بالذنوب والمعاصي، وقد عنونت الجريدة لهذا اللقاء بالعنوان التالي: ( د.المسند: لا يوجد دليل شرعي ولا حسي يربط الكسوف والخسوف بالذنوب والمعاصي! )، فعجبت من هذا العنوان وما فيه من الجرأة على الشرع من متخصص في الجغرافيا!! لكني لم أكتفِ بقراءة العنوان، لما عهدناه على بعض الصحف من تحريف أقوال ضيوفها للإثارة الصحفية كما يزعمون، فقرأت كل ما ذكره الدكتور الفاضل في ثنايا اللقاء حول هذه المسألة، وعلمت أنه ـ كما يقول ـ قد  كتب بحثاً في هذا الخصوص عام 1417هـ، الهدف منه حسب قوله! تصحيح مفاهيم شرعية وعلمية بشأن ظاهرتي الكسوف والخسوف!!  وكم كان بودّي لو أنّه اقتصر على تصحيح بعض المفاهيم العلمية كما أسماها والتي تتعلّق بتخصّصه، وترك الشرعية لأهلها، أو على الأقل عرض ما كتبه في ذلك على أهل العلم الراسخين، لكنّه لم يفعل، ولذا جاء تقريره الشرعي لهذه المسألة مليئاً بالمغالطات والتناقضات، ولعلي أنبّه إلى الكثير منها في هذه العجالة..

فمن المغالطات:

1. قوله: إنّ " هذه المفاهيم.. تُربط بالشريعة!! وبصورة تُحمل النصوص ما لا تحتمل، وتأصل مفاهيم غير صحيحة، وتنسب إلى الشريعة ما ليس منها وهي بريئة منها ".

   وهذه جرأة منه على النصوص بلا علم، وتسفيهٌ لفهم الكثير من الأئمة قديماً وحديثاً كما سيأتي بعض أقوالهم. مع جزمه بصواب قوله، ولو أنه قال هذه هي وجهة نظري، وقد أكون مخطئاً، لهان الأمر.

2. قوله: "(بعض) الفضلاء من الفقهاء والعلماء ـ غفر الله لهم جميعاً ـ يربطون بين حوادث الكسوف والخسوف وجوداً وعدماً كثرة وقلة بالمعاصي والفتن!!" إلى أن قال: " وليس الأمر كذلك ". هكذا أصدر حكمه بالجزم مخالفاً بذلك الكثير من العلماء والفضلاء كما عبّر، ولم يَفُتْه أن يدعو لهم بالمغفرة جميعاً ـ دون أن يشرك نفسه معهم ـ لتأكيد خطئهم وصوابه.. وأقول: ليس هؤلاء الفضلاء من العلماء والفقهاء هم الذين ربطوا بين الكسوف والمعاصي بل الشارع الحكيم بنصوصه الواضحة كما سيأتي. فهذه مغالطة واضحة.

3.   زعمه أن الربط بين الخسوف والكسوف والمعاصي يترتب عليه مفاهيم خاطئة، ذكر منها:

أولاً: أن كثرة المعاصي تستدعي كثرة حوادث الكسوف والخسوف، وقلة المعاصي تستوجب قلتها.

 ثانياً: أن حوادث الكسوف والخسوف في هذا العصر أكثر من العصور التي قبله.

 ثالثاً: أننا لو افترضنا جدلاً وجود عباد أتقياء أنقياء أصفياء لا يعصون الله ما أمرهم فإن حوادث الكسوف والخسوف تعدم بناءً على المعادلة السابقة!.
رابعاً: أن وقوع الكسوف العظيم يوم وفاة ابن الرسول صلى الله عليه وسلم الموافق 29 شوال من عام 10هـ كان بسبب كثرة الذنوب في المدينة!!!.
خامساً: ظاهرة الكسوف والخسوف لا تقع في الكواكب والأجرام الأخرى لعدم وجود بشر يذنبون.

 سادساً: إبطال ما يعرف بـ (دورة ساروس) والتي ثبت صحتها...

ثم ختم هذه المغالطات بقوله:

   "هذه جملة من اللوازم (المنكرة والعجيبة) تلزم من يقول بالارتباط بين الذنوب وحوادث الكسوف والخسوف ".

والجواب عن هذه المغالطات الست ألخصه فيما يلي:

أما المغالطة الأولى والثانية فالجواب عنهما: أنّ الخسوف والكسوف آيتان من آيات الله يخوّف الله بهما عباده، وليستا الآيتين الوحيدتين للتخويف، فهناك آيات كثيرة للتخويف، فقد يخوف الله عباده بهما وقد يخوفهم بغيرهما من الآيات الكثيرة المتنوعة، كما قال تعالى: { وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً } فهي ليست آية ولا آيتين بل آيات كثيرة..

   وأما المغالطة الثالثة وهي افتراض أناس كالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم !!، فهو افتراض غير ممكن، فلا يبنى عليه حكم، والأحكام لا تُبنى على مثل هذه الافتراضات المستحيلة، وإلا لأبطلنا بمثل هذا الافتراض صلاة الاستسقاء والاستغفار والتوبة، وأموراً أخرى كثيرة في الشريعة.

   وأمّا المغالطة الرابعة، وهي وقوع الكسوف زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن وقوع ذلك كان للتشريع، وتعليم الناس كيفية هذه الصلاة لا سيما وأن لها صفة مخصوصة تختلف عن باقي الصلوات، ولذا لم يحدث الكسوف إلا مرة واحدة في زمنه صلى الله عليه وسلم.. فإن قيل: فلمَ لم يعلمهم إياها بقوله؟ فالجواب: أنّ الفعل في التعليم أبلغ من القول، وأثبت في الأذهان، ولذا صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) ، وهذا من كمال تربيته للأمة.

   الوجه الثاني: أنّ زمن النبوّة وإن كان زمناً فاضلاً؛ فإنّ ذلك لا يعني أنّه زمن ملائكي خال من المعاصي والذنوب، فقد كان في المدينة منافقون ويهود، بل كان فيه بعض ضعاف الإيمان من المسلمين ممن هم بحاجة إلى التخويف، ومعلوم ما حصل في غزوة أحد من هزيمة المسلمين وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كاد المشركون أن يصلوا إليه وينالوا منه ، فشُجّ وجهه وكُسرت رباعيته وكان ذلك بسبب عصيان الرماة لأمره صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآيات بعد ذلك لتقول للمؤمنين: { قل هو من عند أنفسكم }.

   وأما المغالطة الخامسة وهي وقوع الكسوف في الكواكب والأجرام الأخرى مع عدم وجود بشر، فالجواب: أن ذلك علمه عند الله، ولا أحد يستطيع الجزم بعدم وجود مخلوقات أخرى في تلك الأجرام والكواكب ، وحتى لو لم يوجد، فإن عدم وجودهم لا يستلزم عدم حصول الكسوف إذ لا يبعد أن يكون للكسوف حِكَم أخرى غير التخويف لم يطلعنا الله عليها، وله سبحانه في خلقه الحكمة البالغة، وقد قال جل وعلا: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً }، ثم إن مثل هذه المغالطة يترتب عليها نفي كون هذه الآية تخويفاً ـ مع مجيء النصّ عليه في الحديث ـ إذ كيف يخوف الله كواكب وأجراماً خالية من البشر على حد قول الدكتور؟!.  

   وأما المغالطة الأخيرة وهي إبطال دورة ساروس، فالجواب عنها كما سبق أن وجود مثل هذه الظواهر الكونية المحددة وإمكان معرفة وقت وقوعها لا ينفي كونها آية وتخويفاً كما جاء النص عليه في الحديث، وإلا لأبطلنا مفهوم الحديث.

   وبهذا يتبين أن هذه اللوازم التي ذكرها غير صحيحة وإنما هي ضرب من المغالطات وتبطل التخويف.

   ومن المغالطات المنكرة: استشهاده بقول الإمام ابن تيمية وابن باز عليهما رحمة الله في مسألة معرفة أوقات الخسوف والكسوف ، وهذا أمر لا خلاف فيه، فلا أحد ينكره، لكنه لم يكلف نفسه الرجوع إلى أقوال هذين العلمين في المسألة الأساسية وهي علاقة الكسوف بالذنوب، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى 4/ 424 بعد ذكر حديث الكسوف والخسوف: " وهذا بيان منه صلى الله عليه وسلم أنهما سبب لنزول عذاب بالناس فإنّ الله إنما يخوف عباده بما يخافونه إذا عصوه وعصوا رسله، وإنما يخاف الناس مما يضرهم، فلولا إمكان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفا، قال تعالى : { وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا }".  هذا ما فهمه شيخ الإسلام من النصوص.

   وقال شيخنا العلامة ابن باز رحمه الله تعليقاً على بعض الظواهر الكونية التي حصلت سنة 1402هـ: " وكون بعض الحقائق قد تبين أن شيئا من الكسوف أو الخسوف وما أشبههما يعرف بالحساب أو ببعض الأمارات قد يحصل , فهذا لا ينافي قدرة الله سبحانه وتعالى وتخويف عباده فهو يوقعها متى شاء , قال الله تعالى : { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } { لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } وحينما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى بأصحابه صلاة الكسوف , خطب فيهم خطبة بليغة أخبرهم فيها أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يرسلهما يخوف بهما عباده , وأمرهم بالصلاة والصدقة والتكبير والذكر والاستغفار والعتق , وقال في خطبته : « يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته ويا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » الحديث , وإن واقع أكثر المسلمين اليوم يدل على استخفافهم بحق الله وما يجب من طاعته وتقواه والمتأمل يسمع ويرى كثيرا من العقوبات للأمم والشعوب , تارة بالفيضانات وتارة بالأعاصير وتارة بالهزات الأرضية وتارة بالمجاعات وتارة بالحروب الطاحنة التي تأكل الرطب واليابس , كما بين سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بعض أنواع العقوبات التي أنزلها بالعاصين والمنحرفين عن الصراط المستقيم من الأمم السابقة المكذبين لرسلهم ليتعظ الناس ويحذروا أعمالهم وأمر النبي صلى الله عليه و سلم بما يزيل الخوف : أمر بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق حتى يكشف ما بالناس وصلى بالمسلمين في الكسوف صلاة طويلة" مجموع الفتاوى 9/ 158 وواضح من كلام الشيخ ربط هذه الظواهر بالذنوب والمعاصي والاستخفاف بحق الله.

   ومن المغالطات ما ذكره بعد عرض جدول الخسوفات والكسوفات التي وقعت، من أن عدد الكسوفات في القرن الماضي أقل منها في هذا القرن وقوله تعليقاً: " مع أن المعاصي والفتن في أول القرن الماضي أقل منها في آخر القرن  " وهو تعليق في غاية الجرأة والغرابة والجهل، فمن الذي يستطيع الإحاطة بكل ما يحدث في هذا الكون من المعاصي والفتن ومقدارها في كل قرن سوى الله عز وجل، ثم لو فرضنا ـ جدلاً أن ذلك صحيح ـ فقد ذكرت آنفاً أنّ آيات التخويف ليست مقتصرة على الخسوف والكسوف، فآيات التخويف كثيرة، والله عز وجل يختار منها ما شاء سبحانه حسب ما تقتضي حكمته.

  

   أما التناقضات، فقد ذكر الدكتور ـ غفر الله لنا وله ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يربط الكسوف بذنوب ومعاصي الناس!! ثم قال : " بقدر أن الظاهرة آية عظيمة مخيفة وتذكير من الخالق لخلقه أن يفزعوا إليه بالصلاة والصدقة والاستغفار والتكبير وعمل الصالحات وترك المنكرات".  فإذا لم يكن لهذه الظاهرة ارتباط بالذنوب، فلماذا يؤمر الناس بالفزع إلى الله والصلاة والصدقة والاستغفار وعمل الصالحات وترك المنكرات.. أليس هذا من التناقض الواضح؟!.

   ومن التناقضات أنّه نقل عن ابن العربي رحمه الله قوله في الآيات أنّ " منها مستمرة عادة؛ فيشق أن تحدث بها عبادة، ومنها ما يأتي نادراً فشرع للنفس البطَّالة الآمنة التعبد عند جريان ما يخالف الاعتياد تذكيراً لها وصقلاً لصدئها ". فأقول: وهل صدأ القلوب إلا بسبب المعاصي والذنوب، فهذا ربط واضح من ابن العربي رحمه الله لهذه الظاهرة بالذنوب، وأن هذه الآيات تذكير لها وصقلاً لصدئها المتراكم.

   ومن التناقضات قوله : " نستنتج أنه ليس هناك دليل حسي ولا علمي يدعم تلك العلاقة، وأن هذه الحوادث الكونية قدرها الخالق المالك المدبر بهذا التوازن وبهذا القدر وبهذا النظام لعلة بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( يخوف الله بهما عباده ))  سواء كثرت الذنوب أم قلت "، وهذه جرأة أخرى على النصّ، إذ إن التخويف لا يكون إلا لتقصير، فلو أنّ أستاذاً جاء إلى طالب مجدّ مجتهد يرجو نيل أعلى الدرجات فخوّفه وأنذره بالرسوب، لكان أستاذاً فاشلاً محطماً للطموح، وذلك أن التخويف إنما يكون للطالب المقصر العاصي لأستاذه لعله أن يحسّن من مستواه، أما الطالب المجدّ فلا يحتاج إلى تخويف، بل إلى دعم وتشجيع .

   ومن تناقضاته قوله: "  والتخويف يكون لعباده الصالحين ولعباده العاصين ولعباده الكافرين أيضاً ". مع قوله في موضع آخر: "  أننا لو افترضنا جدلاً وجود عباد أتقياء أنقياء أصفياء لا يعصون الله ما أمرهم فإن حوادث الكسوف والخسوف تعدم بناءً على المعادلة السابقة ". يقصد: ارتباط الكسوف بالمعاصي. فهو قد قرر في قوله الأوّل أن التخويف لا يكون للعاصين فقط بل حتى للصالحين الأتقياء الأنقياء، ثم هو في قوله الثاني ـ مع استحالته ـ يقرر أنه لو كان ما افترضه موجوداً من وجود عباد صالحين أتقياء، فلا حاجة إلى وقوع الكسوف، فإذا كان الكسوف لا ارتباط له بالصلاح والفساد حسب قوله الأول، فإنه يكون قد أبطل تقريره الثاني بنفسه، وهذه هي قمة التناقض.

   ومن تناقضاته قوله: "  البر والفاجر المسلم والكافر محتاج إلى مشاهد كونية كالكسوف كيما تحمله على التوبة والأوبة ".. وأقول: وهل التوبة والأوبة تكون إلا من ذنوب ومعاص؟ فعاد الأمر إلى ما أراد نفيه.

   أما استشهاده بقول ابن القيم رحمه الله: " وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عنده بما أمر به من العتاقة والصلاة والدعاء والصدقة كأمره بالصلوات عند الفجر والغروب والزوال " أ.هـ فإنه نقل قولاً مجملاً لا علاقة له وثيقة بالموضوع، وترك ما هو أهم في نفس السياق، وأنا أسوق ما قاله ابن القيّم بتمامه ليتبين ما قام به دكتورنا الفاضل من التلبيس وبتر الكلام فإنه قال قبل ذلك ( أي ابن القيم ): " وأما انه يقتضي من التأثيرات في الخير والشر والسعد والنحس والإماتة والإحياء وكذا وكذا مما يحكم به المنجمون، فقول على الله وعلى خلقه بما لا يعلمون.. نعم لا ننكر أن الله سبحانه يحدث عند الكسوفين من أقضيته وأقداره ما يكون بلاء لقوم ومصيبة لهم، ويجعل الكسوف سببا لذلك، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم عند الكسوف بالفزع إلى ذكر الله والصلاة والعتاقة والصدقة والصيام لأن هذه الأشياء تدفع موجب الكسف الذي جعله الله سببا لما جعله فلولا انعقاد سبب التخويف لما أمر بدفع موجبه بهذه العبادات ولله تعالى في أيام دهره أوقات يحدث فيها ما يشاء من البلاء والنعماء ويقضي من الأسباب بما يدفع موجب تلك الأسباب لمن قام به أو يقلله أو يخففه فمن فزع إلى تلك الأسباب أو بعضها اندفع عنه الشر الذي جعل الله الكسوف سببا له أو بعضه ولهذا قل ما يسلم أطراف الأرض ـ حيث يخفى الإيمان وما جاءت به الرسل ـ فيها من شر عظيم يحصل بسبب الكسوف وتسلم منه الأماكن التي يظهر فيها نور النبوة والقيام بما جاءت به الرسل أو يقل فيها جدا ولما كسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه و سلم قام فزعا مسرعا يجز رداءه ونادى في الناس الصلاة جامعة وخطبهم بتلك الخطبة البليغة وأخبر أنه لم ير كيومه ذلك في الخير والشر وأمرهم عند حصول مثل تلك الحالة بالعتاقة والصدقة والصلاة والتوبة فصلوات الله وسلامه على أعلم الخلق بالله وبأمره وشأنه وتعريفه أمور مخلوقاته وتدبيره وأنصحهم للأمة ومن دعاهم إلى ما فيه سعادتهم في معاشهم ومعادهم ونهاهم عما فيه هلاكهم في معاشهم ومعادهم ".

   ولم يكتف ابن القيم بذلك بل قال معقباً على ما ذكر وكأنه يعيش في واقعنا اليوم ( وأعتذر عن طول النقل لأهميته ):  " ولقد خفي ما جاءت به الرسل على طائفتين هلك بسببهما من شاء الله ونجا من شَرَكهما من سبقت له العناية من الله. إحدى الطائفتين وقفت مع ما شاهدته وعلمته من أمور هذه الأسباب والمسببات وإحالة الأمر عليها وظنت أنه ليس لها شيء فكفرت بما جاءت به الرسل وجحدت المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوات وغيرها ما انتهى إليه علومها ووقفت عنده أقدامها من العلم بظاهر من المخلوقات وأحوالها وجاء ناس جهّال رأوهم قد أصابوا في بعضها أو كثير منها فقالوا: كل ما قاله هؤلاء فهو صواب لما ظهر لنا من صوابهم. وانضاف إلى ذلك أن أولئك لما وقفوا على الصواب فيما أدتهم إليه أفكارهم من الرياضيات وبعض الطبيعيات وثقوا بعقولهم وفرحوا بما عندهم من العلم وظنوا أن سائر ما خدمته أفكارهم من العلم بالله وشأنه وعظمته هو كما أوقعهم عليه فكرهم وحكمه حكم ما شهد به الحس من الطبيعيات والرياضيات فتفاقم الشر وعظمت المصيبة وجحد الله وصفاته وخلقه للعالم وإعادته له وجحد كلامه ورسله ودينه ورأى كثير من هؤلاء أنهم هم خواص النوع الإنساني وأهل الألباب وأن ما عداهم هم القشور وأن الرسل إنما قاموا بسياستهم لئلا يكونوا كالبهائم فهم بمنزلة قم المارستان وأما أهل العقول والرياضيات والأفكار فلا يحتاجون إلى الرسل بل هم يعلّمون الرسل ما يصنعونه للدعوة الإنسانية كما تجد في كتبهم وينبغي للرسول أن يفعل كذا وكذا والمقصود أن هؤلاء لما أوقفتهم أفكارهم على العلم بما خفي على كثير من أسرار المخلوقات وطبائعها وأسبابها ذهبوا بأفكارهم وعقولهم وتجاوزوا ما جاءت به الرسل وظنوا أن إصابتهم في الجميع سواء وصار المقلد لهم في كفرهم إذا خطر له إشكال على مذهبهم أو دهمه ما لا حيلة له في دفعه من تناقضهم وفساد أصولهم يحسن الظن بهم ويقول لا شك أن علومهم مشتملة على حكمة، والجواب عنه إنما يعسر علي إدراكه لأن من لم يحصل الرياضيات ولم يحكم المنطقيات وتمده علوم قد صقلتها أذهان الأولين وأحكمتها أفكار المتقدمين فالفاضل كل الفاضل من يفهم كلامهم.

 وأما الاعتراض عليهم وإبطال فاسد أصولهم فعندهم من المحال الذي لا يصدق به وهذا من خداع الشيطان وتلبيسه بغروره لهؤلاء الجهّال مقلدي أهل الضلال كما لبس على أئمتهم وسلفهم بأن أوهمهم أن كل ما نالوه بأفكارهم فهو صواب كما ظهرت إصابتهم في الرياضيات وبعض الطبيعيات فركب من ضلال هؤلاء وجهل أتباعهم ما اشتدت به البلية وعظمت لأجله الرزية وضرب لأجله العالم وجحد ما جاءت به الرسل وكفر بالله وصفاته وأفعاله ".

   ثم يشير رحمه الله إلى قضية التخصص، وهي حاضرة بقوة في هذه القضية فيقول: " ولم يعلم هؤلاء أن الرجل يكون إماما في الحساب وهو أجهل خلق الله بالطب والهيئة والمنطق، ويكون رأساً في الطب ويكون من أجهل الخلق بالحساب والهيئة، ويكون مقدماً في الهندسة وليس له علم بشيء من قضايا الطب. وهذه علوم متقاربة والبعد بينها وبين علوم الرسل التي جاءت بها عن الله أعظم من البعد بين بعضها وبعض، فإذا كان الرجل إماماً في هذه العلوم ولم يعلم بأي شيء جاءت به الرسل ولا تحلى بعلوم الإسلام فهو كالعامي بالنسبة إلى علومهم بل أبعد منه، وهل يلزم من معرفة الرجل هيئة الأفلاك والطب والهندسة والحساب أن يكون عارفا بالإلهيات وأحوال النفوس البشرية وصفاتها ومعادها وسعادتها وشقاوتها، وهل هذا إلا بمنزلة من يظن أن الرجل إذا كان عالما بأحوال الأبنية وأوضاعها ووزن الأنهار والقنى والقنطرة كان عالما بالله وأسمائه وصفاته وما ينبغي له وما يستحيل عليه! فعلوم هؤلاء بمنزلة هذه العلوم التي هي نتائج الأفكار والتجارب فما لها ولعلوم الأنبياء التي يتلقونها عن الله بوسائط الملائكة هذا وإن تعلق الرياضيات التي هي نظر في نوعى الكم المتصل والمنفصل والمنطقيات التي هي نظر في المعقولات الثانية ونسبة بعضها إلى بعض بالكلية والجزئية والسلب والإيجاب وغير ذلك بمعرفة رب العالمين وأسمائه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه وما جاءت به رسله وثوابه وعقابه، ومن الخدع الإبليسية قول الجهّال أن فهم هذه الأمور موقوف على فهم هذه القضايا العقلية وهذا هو عين الجهل والحمق وهو بمنزلة قول القائل لا يعرف حدوث الرمانة من لم يعرف عدد حباتها وكيفية تركيبها وطبعها ولا يعرف حدوث العين من لم يعرف عدد طبقاتها وتشريحها وما فيها من التركيب ولا يعرف حدوث هذا البيت من لم يعرف عدد لبناته وأخشابه وطبائعها ومقاديرها وغير ذلك من الكلام الذي يضحك منه كل عاقل وينادي على جهل قائله وحمقه بل العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه لا يحتاج إلى شيء من ذلك ولا يتوقف عليه وآيات الله التي دعا عباده إلى النظر فيها دالة عليه بأول النظر دلالة يشترك فيها كل سليم العقل والحاسة وأما أدلة هؤلاء فخيالات وهمية وشبه عسرة المدرك بعيدة التحصيل متناقضة الأصول غير مؤدية إلى معرفة الله ورسله والتصديق بها مستلزمة للكفر بالله وجحد ما جاءت به رسله وهذا لا يصدق به إلا من عرف ما عند هؤلاء وعرف ما جاءت به الرسل ووازن بين الأمرين فحينئذ يظهر له التفاوت وأما من قلدهم وأحسن ظنه بهم ولم يعرف حقيقة ما جاءت به الرسل فليس هذا عشه بل هو في أودية هائم حيران ينقاد لكل حيران 0

 يغدو من العلم في ثوبين من طمع ... معلمين بحرمان وخذلان

 والطائفة الثانية رأت مقابلة هؤلاء برد كل ما قالوه من حق وباطل وظنوا أنّ من ضرورة تصديق الرسل رد ما علمه هؤلاء بالعقل الضروري وعلموا مقدماته بالحس فنازعوهم فيه وتعرضوا لإبطاله بمقدمات جدلية لا تغنى من الحق شيئا وليتهم مع هذه الجناية العظيمة لم يضيفوا ذلك إلى الرسل بل زعموا إن الرسل جاؤوا بما يقولونه فساء ظن أولئك الملاحدة بالرسل وظنوا أنهم هم أعلم وأعرف منهم ومن حسن ظنه بالرسل قال أنهم لم يخف عليهم ما نقوله ولكن خاطبوهم بما تحتمله عقولهم من الخطاب الجمهوري النافع للجمهور وأما الحقائق فكتموها عنهم والذي سلطهم على ذلك جحد هؤلاء لحقهم ومكابرتهم إياهم على ما لا يمكن المكابرة عليه مما هو معلوم لهم بالضرورة كمكابرتهم إياهم في كون الأفلاك كروية الشكل والأرض كذلك وأن نور القمر مستفاد من نور الشمس وأن الكسوف القمري عبارة عن انمحاء ضوء القمر بتوسط الأرض بينه وبين الشمس من حيث انه يقتبس نوره منها والأرض كرة والسماء محيطة بها من الجوانب فإذا وقع القمر في ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس كما قدمناه وكقولهم أن الكسوف الشمسي معناه وقوع جرم القمر بين الناظر وبين الشمس عند اجتماعهما في العقدتين على دقيقة واحدة وكقولهم بتأثير الأسباب المحسوسة في مسبباتها وإثبات القوى والطبائع والأفعال وانفعالات مما تقوم عليه الأدلة العقلية والبراهين اليقينية فيخوض هؤلاء معهم في إبطاله فيغريهم ذلك بكفرهم وإلحادهم والوصية لأصحابهم بالتمسك بما هم عليه فإذا قال لهم هؤلاء هذا الذي تذكرونه على خلاف الشرع والمصير إليه كفر وتكذيب الرسل لم يستريبوا في ذلك ولم يلحقهم فيه شك ولكنهم يستريبون بالشرع وتنقص مرتبة الرسل من قلوبهم وضرر الدين وما جاءت به الرسل بهؤلاء من أعظم الضرر وهو كضرره بأولئك الملاحدة فهما ضرران على الدين ضرر من يطعن فيه وضرر من ينصره بغير طريقه وقد قيل إن العدو العاقل أقل ضررا من الصديق الجاهل فإن الصديق الجاهل يضرك من حيث يقدر أنه بنفعك والشأن كل الشأن أن تجعل العاقل صديقك ولا تجعله عدوك وتغريه بمحاربة الدين وأهله.. " إلى آخر ما ذكر رحمه الله  .. من كتاب مفتاح دار السعادة: 2/ 210.

   وهو كلام قيم يكاد ينطبق على وقعنا اليوم، وما جرى فيه من تسلّط على علماء الشريعة، وجرأة من أصحاب التخصصات الأخرى على علم الشريعة.

   وقد قال ابن القيّم رحمه الله في كتابه زاد المعاد في بكائه صلى الله عليه وسلم: " وبكى لَمّا كَسَفَتْ الشمسُ وصلّى صَلاةَ الْكُسُوفِ وجعل يَبْكِي فِي صلاته وجعلَ يَنْفُخُ ويقولُ: رَبّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَلا تُعَذّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُك ". فهذا الحديث الذي استشهد به الإمام ابن القيّم من أوضح الأحاديث في ارتباط الكسوف بالذنوب، لمن تأمله حق التأمل.

   وفي الجملة فإنّ التخويف لا يكون إلا لتقصير وعصيان ـ وكلنا كذلك ـ وإن القول بغير ذلك مخالف للنصوص الشرعية كما سبق، وهو يفتح أبواباً من الشرّ كثيرة من الإرجاء والتفريط، والأمن من مكر الله والاستهانة بشعائر الله وآياته وحدوده، ولا يخفى ما في ذلك من الخطر العظيم ، وحصول ما يُخشى من العقوبات العامة، والله المستعان.

                                 د. محمد بن عبد العزيز المسند

                           عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود

                     وعضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن وعلومه

 

 
King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx