·       مادة / الصناعات التقليدية فى المملكة العربية السعودية .

·       570اثر.

·       الأسبوع الأول ـ الثاني.

·       المحاضرة رقم ( 1 ــ 2)

·       د. احمــــــــد العبودي.

موضوع المحاضرة : الصناعات التقليدية والحرفيون

مقدمة:

      ُهدد كيان الحرف والصناعات الشعبية علي وجه الكرة الأرضية  بشكل عام عدة مرات خلال تاريخ الإنسان الطويل ، ومع هذا فلم يكن التهديد مؤثراً وقاتلاً مثلما حدث في القرن الماضي بفعل التغير الثقافي والتطور التقني ولآله التي التهمت فنوناً وحرف وصناعات عاشت وصاحبت الإنسان في حلة وترحالة  وأصبحت اليوم ماضياً يصعب محاكاته نتيجة هدير تلك الآلات . وجعلت من  الحرفين  قلقين على صناعاتهم  وحرفهم اليدوية من هذه الآلة وتلك المكينة .

    لقد فطنت العديد من الدول في الشرق والغرب إلى أهمية الحفاظ علي الحرف والصناعات التقليدية الشعبية ، وبدأت في رعاية حرفها المحلية ودعمها ، حتى تلك الدول التي تعتبر معقل الصناعات الحديثة كانجلترا والسويد وألمانيا ساهمت هي ألآخري في دعم الحرف والصناعات  التقليدية في بلدانهم .

    لقد وجدت هذه الشعوب ـ برغم تقدمها العلمي ـ جمالاً وسحراً بالصناعات التقليدية  يختلف عن القوالب الجامدة من الإنتاج الآلي ، فشرع العديد من المهتمين إلى أنشاء مؤسسات تعني بالحرف والصناعات التقليدية  ، ولعل ليلي زكرمان وبرنس أبو جين الذين قاما  بتأسيس   ( مؤسسة الصناعات لريفية ) في السويد  وكانت مهمتها جمع المعلومات عن الفنون الشعبية الريفية وذلك عن طريق ( قوائم جرد ) من اجل تكيف الأنماط القديمة وجعلها ميسورة للحرفين وتقديم المشورة لهم وتسويق منتجاتهم .

    وفى انجلترا قام كل من راسكن وليم موريس في القرن التاسع عشر بدعوة لحماية الحرف المحلية ، وكان لهذه الدعوة اثر علي المجهودات الصناعية للتخطيط الصناعي في أوربا.

    ويوم بعد يوم تنعقد المهرجانات والمؤتمرات العلمية علي المستويات العالمية والمحلية بهدف إيجاد حل للحرف والصناعات التقليدية وإبقائها حية ، ولعل ابرز المهتمين مجلس الحرف العالمي الذي يرتبط باليونسكو والذي قام بدورة منذُ عام 1964م وعقد مؤتمرة الأول بمدينه نيويورك بنفس العام وكان له الأثر الكبير في توضيح ما يهدد الحرف والصناعات التقليدية للدول العالمية ، هذا وتبع  نيويورك مؤتمر مدينة (مونترو) بسويسرا عام 1966م  والمؤتمر الثالث في البيرو 1968م وكان المؤتمر الرابع في دبلن عاصمة ايرلندا عام 1980م .... وأقامت بعض الدول العربية مهرجانات ومؤتمرات لمواصلة المسير والدعم ، فكان مؤتمر الفنون الشعبية بالاسماعلية 1983م وتبعها بعد ذلك مؤتمرات العراق والمغرب وكان لمهرجان التراث والثقافة الذي ينظمه الحرس الوطني بالرياض منذُ عام 1985م (الجنادرية) اثر ايجابي على الصناعات والحرف التقليدية في المملكة .

   ومع الوثبة ألكبري التي تجلت في الاهتمام بالحرف التقليدية وإنتاجها المادي بجميع أشكاله وأنماطه وألوانه في البلدان العربية بشكل عام  وفى المملكة العربية السعودية بشكل خاص  وما تزال المكتبة العربية بحاجة ماسة إلى مزيد من الدراسات التي تتناول هذه الحرف وتلك الصناعات من خلال  التوثيق والتحليل وكشف مدلولاتها الشعبية ومدي ارتباطها بالعادات والتقاليد المتوارثة.

·       تعريف الصناعات التقليدية

    الصناعات التقليدية والحرفة هي نتاج حضاري لآلاف السنين من التفاعل الحي بين المجتمعات المحلية بما تحمله من رؤى وقيم حضارية وبين بيئتها الطبيعية والاجتماعية الاخري وهي مكون أصيل للذاكرة الحضرية خاصة في شقها التقني ومخزون للخبرات الحياتية والإمكانات الإنتاجية داخل كل مجتمع .

  كما و تعد الصناعات التقليدية مظهراً من مظاهر الحضارة وتعبير ثقافي عن أصالة المجتمع ووعيه الحضاري  بقيم العمل اليدوي. والصناعات التقليدية غالباً ماتنبثق من المواد البيئية المتوفرة بمنطقة الاستقرار والاستيطان . والصناعات التقليدية  لاتقتصر على نمط معين من المنافع بل تشمل كل نشاط المجتمع من بناء للمساكن  وفلاحة الأرض وحفر الآبار  وقلع الأحجار ونحت للسواقي  المائية  و صناعة الأدوات المنزلية بأنواعها وجميع مايخص المجتمع من نشاطات اقتصادية .

 

 

تشمل الحرف والصناعات التقليدية بصورة رئيسية على :

·       أدوات وصناعات بدو تهامة قحطان. (البداوة المبكرة)

·        صناعة النسيج بانواعة المختلفة .

·       التطريز .

·       تشكيل المعادن.

·       المنحوتات الحجرية .

·       الصناعات الخشبية .

·       الحفر على الخشب وتطعيمه.

·       الحفر على النحاس والفضة.

·       صناعة الفخار والخزف .

·       تشكيل الزجاج .

·       الصدف.

·       الصناعات الجلدية.

·       تشكيل الأحجار الكريمة.

·       صناعة المواد الموسيقية.

·       صناعة السيوف والخناجر .

·       الصناعات البحرية.

·       الصناعات البدوية.

 

     نخلص مما سبق أن الصناعات والحرف التقليدية لم يكن لها وان تدوم وتواجه التقدم الصناعي والتقني المادي  دون وضع خطط واستراتيجيات قادرة علي  الحفاظ علية  من اجل  ان يستفيد منة الناس . وعلي الرغم من ضخامة الصناعات والحرف التقليدية في المملكة العربية السعودية وعدم القدرة علي تغطيتها في فصل دراسي واحد فإننا سنعمد علي اخذ عينات من هذه الصناعات مع التركيز علي المنهج الاثنواركيلوجيا في تناوله الفذ في دراسة الحرف والصناعات التقليدية .

 

 

 

 

·       الأسبوع الثالث والرابع  :

·       المحاضرة رقم ( 1 ــ 2)

·       موضوع المحاضرة: الادوات الرعوية لبدو تهامة قحطان (عسير)   

        (حالة اثنواركيولوجية )

الأدوات النباتية  

    تقوم الحياة الرعوية لبدو تهامة قحطان بمنطقة عسير بالدرجة الأولى على قدر ما تبذله النساء من جهد ،  وكذلك هي حال  صناعة الأدوات المنزلية في حياة الرعاة اليومية. والمواد والأدوات الأولية تنبع اساسياها  من الأخشاب الطبيعية وجلود الحيوانات وثمار بعض الأشجار إضافة إلى الخضراوات المجففة، وتكاد تختفي الأدوات الحجرية والفخارية إلا من نماذج متواضعة لبعض  القدور والمساحيق الحجرية  وجبنات القهوة  الطينية  بحسبانها أدوات تتوافر في الأسواق الأسبوعية المتجولة ويمكن شراءها  .

ومن خلال  العنوان السابق  سنوسع دائرة المعارف التقليدية نحو هذه المنتجات المادية وسنتعرف على أفكارها التصنيعية وموادها الأساسية ووظائفها والفاظها الحضارية من خلال  التالي  :

1.   الثمار النباتية

    تلعب الثمار الشجرية الطبيعية منها أو المستزرعة المادة الأساسية الأولى التي تستغلها نساء الرعاة في تصنيع أدواتها المنزلية، ولعل أهم هذه الثمار يتمثل في  القرع والكوسة والدوم والتي عادة ما تصل للمناطق الرعوية عبر الأسواق الأسبوعية المتجولة  أو عن طريق إلقاء البذور في مسابط الأودية واستنباتها عثرياً ، وبعد ذلك تقوم النساء بتحويرها إلى أدوات ومواد منزلية على الهيئات التالية:

2.   القــرع  (حدجة)

    تشكل ثمار القرع بأشكالها المختلفة إحدى أهم الثمار الدارج تحويرها  لصالح أدوات الاستخدامات اليومية  لنمط الحياة الرعوية كواقع حال آل كدمة التقليدية  حيث تقوم النساء بتجويف هذه  الثمار من الداخل بعد تجفيفها  عن طريق إحداث فتحة جانبية على بدن  القرع  لأجل استخراج ما يوجد بها من ألياف ومن ثم ُتعرض لأشعة الشمس مرة أخرى وتقلب بين الحين والآخر حتى تجف بشكل تام لتخضع بعد ذلك إلى التغليف بالنطع والتجميل بالصدف وعمل سيور التعليق.  

    وثمار القرع التي نراها من خلال الأدوات لا يقتصر تحويرها  على حجم معين، بل نشاهدها بأحجام مختلفة  نابعة من عمر الثمرة الزمني بحيث يستغل الكبير منها لخض اللبن وتعرف بالدبية، أما النوع الثاني منه  فيتمثل بالقرع التهامي (اللامي) وتسمى (الحدجة) والتي عادة ما تستغل كوعاء  حلب الماعز 

   ونظراً إلى رقة بدن القرع وتلفه في حالة تعرضة للماء بكترة  تعمد نساء الرعاة إلى تنظيفها عن طريق إدخال طرف غصن محترق  من شجر العرب في  جوف الدبية بعد قلبها رأساً على عقب وذلك من أجل ملئها  بالدخان المنبعث من الغصن المحترق وبعد ذلك  يحكم إغلاقها  بشكل جيد لتكون بعد ذلك جاهزة لإعادة استخدامها مرة أخرى.

3.   ثمار الكوسة  (شقفة)

   تشكل ثمار شجيرات نبات الكوسة إحدى الأدوات المنزلية  المستغلة في نمط الحياة الرعوية  حيث تعمد نساء الرعاة إلى قص ثمرة الكوسة  نصفين متساويين وتفرغ من محتواها ويتم بعد ذلك تعريضها  لأشعة الشمس حتى  تجف ويشتد قسوة قشرتها الخارجية  لتستغل بعد ذلك  كمغارف للسوائل . 

4.   ثمار الدوم  ( فرص)

     يلجأ رعاة قحطان إلى شراء جبنات القهوة الطينية (الدلال) من  الأسواق الأسبوعية  التي تجوب الإقليم، إلا أنهم  في الغالب لا يقومون بشراء  الفناجين الطينية التي عادة ما تكون بجوار تلك الدلال. والسبب يعود إلى أن نوعاً من التقليد الممارس لدى الرعاة  يتمحور حول استغلال ثمار شجر الدوم السعفي المنتشر بكثرة  في أودية تهامة الجنوبية والغربية من السراة، وهذه الثمار بيضاوية الشكل يمكن أكلها لمن رغب، ولكن أهميتها بالنسبة للرعاة  تكمن باستغلالها كفناجين لشرب القهوة تعرف بالفرص حينما يتم شطر الثمرة من منتصف بدنها  إلى نصفين متساويين،  ومن ثم يقشط ما بداخلها  برأس الجنبية (الخنجر)  لتكون جاهزة لاستخدامها كفنجان  لشرب القهوة.  والملاحظ في الاستخدام وطرق الحفاظ  عليها من التلف يكون بطريقة وضع  كل نصف من الثمر في بطن النصف الآخر بشكل متتابع  ليستغل في تقديم القهوة بهذه الطريقة كما وتحفظ بنفس الطريقة أيضا. ولعل مانقوم به اليوم من تقليد بشرب القهوة وطرق مسك الفنجان  هى فى حقيقتها نابعة في أصولها الأولى منذُ دخول القهوة الى الجزيرة العربية  (القرن التاسع الهجرى) وما بين هذا وذاك نشاهد ونمارس الكثير من التقاليد والقيم  والأعراف الشعبية التي تلامس مظاهر طقس الفنجان  فنحن نتعيب وضع فنجان القهوة على الارض اثناء احتسائها الي يومنا الحاضر رغم وجود قاعدة لة وهذا الامر  نابع من معالجة قام بها السلوك الانساني (العادات والقيم الاجتماعية) نحو معالجة المادة  ( ثمر الدوم) من غير ان يمارس معها التصنيع المنبوذ فى الثقافة البدوية التهامية و مازالت الفناجين على هيئة ثمار الدوم  الي اليوم رغم تغير مادة تصنيع الفنجان . هذة الدلالة تمنحنا فرصة سانحة لمشاهدة اثر السلوك الانساني علي تشكل المادة .

 

 

    إن الأفكار والممارسات الخاصة بتصنيع الأدوات المنزلية لا تقتصر ابتكاراتها  على الثمار النباتية الطبيعية أو المستزرعة فقط وإنما هناك  أشكال عدة  من  الأدوات  لها حضورها في الاستخدامات اليومية . وبالنظر في فحوى هذه المواد نجد مواد خبار السعف ( جريد ورق شجر الدوم واللسلى والخدر ) وجذوع الأشجار والأغصان وأليافها على قائمة هذه  المواد  الدارجة في  حياة الرعاة ، وتعد سمة من سمات حياتهم اليومية.

 

5.   جريد  السعف (خبار)

    يمثل خبار السعف (جريد أوراق أشجار الدوم والسلى ) التي تنمو عادة  في أودية تهامة الجنوبية والغربية من جبال السراة ، أحد اهم الاستخدامات اليومية للبدو والفلاحين  حيث تستغل فى حالته الطبيعية بتسقيف المساكن وفرش أرضياتها،  أما في شكله المقنن  تعمد النساء إلى  جدل سعف هذا الخبار بنفس طريقة جدل شعر النساء الثلاثية الخصل (دول ) لتصنع منها أرضيات كراسي القعد وأروقة العشش والسقائف وكذلك  القفاف والسلال والطفشات (غطاء الرأس) والكسرات ( حافظات الخبز) والجونات ( حافظات الحب والتمر وفتات الخبز وحاجات النساء الدقيقة) التي عادة ما تعلق على جدران وسقوف فراغ المسكن الرعوي. ومن المصنعات السعفية نجد أيضا سفر الطعام والحصر المتنوعة المقاسات  والحبال (المشاد)، وجميع هذه الأدوات تحفظ عن طريق تعليقها على جدران أو في سقف العشة أو الخدير أو السقيفة،  لأن الماعز  فضولية وقد تلتهم كل شيء يصادفها على الأرض اضافة الى كثرات الحشرات كونها منطقة حارة و رطبة؛ لهذا تحرص النساء على حفظها  الأدوات معلقة  من ناحية وزيادة في استغلال الفراغ ومضاعفة مساحته الفعلية من خلال استغلال الجدران والأسقف لأغراض التعليق، وهذه الدلالة مؤشر على أن أرضية الفراغ السكني الرعوي في المشهد المتحرك فارغ بطبيعته وجلوس الإنسان بداخله  لا يتم على الأرض مباشرة وإنما يكون على قعد خشبية مرتفعة، واختفاؤها أو تلفها أو نقلها خارج  الفراغ  يعني خلواً تام لأرضية الفراغ من أي آثار للنشاط الإنساني  وأدواته. 

 

6.   جذوع الأشجار

    نلاحظ من خلال واقع حياة البدو  التقليدية وجود العديد من القدور والصفاح والمخاصر والمغاش الخشبية المنحوتة من جذوع أشجار الطلح والعتم واللبخ والعرعر، هذه الأدوات تكاد تخلو من مظاهر التقانة أو الزخرفة وتميل إلى التواضع في التصنيع ولا تقوم نساء الرعاة  بصناعتها كما تفعل في الأدوات الثمرية  وإنما تحصل عليها من خلال الأسواق الأسبوعية حينما تبيع وتشتري وتقايض الآخرين بعتبارها مالكة لوسائل الانتاج التقليدي وليس للرجل سواء رعي الجمال من دون الماعز وحمل السلاح وللنساء كل شئ ماعداء ورثة الجمال والسلاح  .

 

7.   الأدوات الجلدية

    تؤمن  جلود الماعز المدبوغة بجهد  النساء المصدر اللازم لصناعة الأدوات الجلدية وذلك  لأهميتها في استخدامات الحياة اليومية الرعوية، وعادة ما تتم  دباغة  الجلود عن طريق لف الجلد بأوراق وأغصان شجر الشت والعتم معاً وتوضع وسط قرو صخري يحتفظ بالماء بحيث يخمر لأيام عدة،  ويتم إخراجها  على حسب حاجتهم لنوعية  الجلد المراد دبغه،  فإن أرادوه  خامة بو (الثقيل الخشن) خمر بالماء لمدة خمسة أيام  وإن رغبوه  نطعاً (رقيق وناعم الملمس) فيخمر مابين عشرة إلى خمسة عشر يوماً  .

 

    وتنقسم الجلود المدبوغة في استخداماتها  لأنواع عدة من المـواد والأدوات، منها ما يدخل في بنـاء المسكن ذاته  كتسقيف الفراغ من الخارج للحماية من الأمطار ومنها ما يستغل  كفرش يوضع على كراسي القعد،  وهو الأمر الذي يدفع بدو قحطان إلى  قول  افترش البوة وتعمق بالفروة  والقصد بالتعمق  غطاء النوم .

 

    لقد أمنت صناعة الجلود العديد من الأدوات للحياة الرعوية  من قرب الماء (الغرب، الشقاء) المختلفة الأحجام وكذلك شعل المياة المحمولة وجميعها قرب متفاوتة الأحجام وهناك  المقاطف الخاصة بحفظ الأشياء الدقيقة كالبخور وفتات الخبز  إضافة إلى خروج المقاطف المحمولة على الكتف أو على ظهور الأبل وهى خاصة بالتنقل والترحال وكذلك نطوع  ميازب الأطفال الرضع ولفافاتهم (حفائظ)  ، وبشكل عام لا تأخذ هذه الأدوات  أي حيز مساحي من  أرضية  المسكن، وجميعها تحظى  بخاصية التعليق في سقف الخدير أو العشة أو  السقيفة. وهي سمة من سمات الفراغ الرعوي السكني ومؤشراً  أثرياً هاماً بالنسبة لنا كون الرعاة يهتمون بمضاعفة الفراغ السكني من خلال اهتمامهم بظاهرة تعليق الادوات  

 

8.   الأدوات الحجرية

    إن واقع الأدوات الحجرية في استخدامات الحياة الرعوية  تكاد تكون ضئيلة  ومنحصرة في أحجار الرحى ( اللملكد والودى)  وقدور البرم الصغيرة الحجم التي يتم الحصول عليها من  خلال الأسواق الأسبوعية. والسبب في عدم الحرص  وانحسار استخداماتها يعود  إلى ثقل أوزانها التي لا تتناسب وطبيعة حياة التنقل والترحال الموسمى بين الجبال والأودية .

 

    ومن خلال استعراضنا لحال الأدوات المنزلية الدارجة في استخدامات الحياة الرعوية وطرق صناعتها واستخداماتها وموقعها من الفراغ السكني الراهن  لعمران بدو تهامة قحطان  يتضح لنا أسباب خلو المشهد الساكن (المستوطنات الرعوية ) من الأدوات،  وهذا ناتج من اعتماد الرعاة على مواد أولية نباتية هشة لايتيح لها  الزمن البقاء طويلاً  بسبب تركيبتها البيلوجية القابلة للفناء وإن أبدت نساء الرعاة الحرص على حمايتها بكساء من الجلد المزخرف.  .

 

 

·       الأسبوع الخامس ـ السادس :

·       المحاضرة رقم ( 1 ــ 2)

·        موضوع المحاضرة:  الأواني التقليدية عند العرب

 

·        الأواني المعدنية

·        الأواني الفخارية

·        الأواني الحجرية

·        الأواني الخشبية

·        أواني إعداد الطعام وحفظه

·        أواني تقديم الطعام

·        أواني الشراب

·        المكاييل وأوعية لأغراض أخرى

 

عند إلقاء نظرة عامة على أواني الطعام والشراب عند عرب الجزيرة قبل الإسلام وبعده، نرى أنها تنوعت من حيث خاماتها وأشكالها وأحجامها وزخارفها وتقنياتها، وهي غالباً ما تنحصر في: أوان معدنية وفخارية وحجرية وأوان من الجلد وأوان خشبية، ولا شك أن إلقاء نظرة عامة على تلك الأواني يساعدنا على توضيح مكانة "الصحاف والأواني الخشبية" ضمن الاستخدام العام للأواني عند العرب، وهو الأمر الذي يوضح لنا طبيعة الدور الذي تقدمه الأواني الخشبية مع غيرها من صحاف وأوان.

الأواني المعدنية:

أما عن الأواني المعدنية، فقد استخدمت في الجزيرة العربية منذ العصر الجاهلي، وكان أشهرها أواني الشراب المصنوعة من الذهب والفضة بما يتلاءم مع منزلة الشارب. ولقد كان ملوك الحيرة وملوك الغساسنة يشربون في آنية كانت تنقش بنقوش جميلة منفذة بأسلوب "الرسم" أو "الحفر"، مما يدل على وفرة الذوق الجمالي عندهم، فاستعملوا الأكواب والإبريق والكؤوس والقوارير. ومن أخبار أهل مكة أن منهم من استعمل الأواني المصنوعة من الذهب والفضة في طعامه وشرابه، نذكر منهم "عبدالله بن جدعان" الذي ضرب به المثل، فقيل: "أقرى من حاسى الذهب"، فقد كان واسع الثراء، لم يبلغ أحد في زمانه في مكة مبلغه في كثرة ماله. وذكر أن النابغة الذبياني، وهو من شعراء الجاهلية الكبار، كان لا يأكل ولا يشرب إلا في آنية من الذهب والفضة من عطايا النعمان لأبيه وجده. وكان استعمال الأغنياء لآنية الذهب والفضة آنذاك يترك أثراً سيئاً في نفوس الفقراء الذين لا يملكون قوتهم، ولهذا السبب فقد نهى الإسلام عن استعمالها، وأشير إلى تلك الآنية في القرآن الكريم، وذكرت في كتب الفقه، وورد النهي عن الشرب فيها في الحديث الشريف، وهو الأمر الذي يُعد دليلاً على استخدام العرب لها قبل الإسلام.

ومن الطبيعي أن يكون هناك آنية من معادن أخرى عند العرب قديماً، وغالباً ما كانت من نحاس، منها ما يعرف عند علماء اللغة بـ (الكوز). وقال البعض أن اللفظة مُعربة عن الفارسية، بينما أكد آخرون أنها عربية أصيلة، وصانع الكوز هو (الكوّاز). وقد عرّف علماء اللغة (الكوب) بأنه (كوز) لا عروة لـه، أو هو المستدير الرأس الذي لا خرطوم لـه، ووردت لفظة أكواب في القرآن الكريم، مما يدل على استعمال أهل مكة لهذا النوع من الآنية قبل الإسلام واللفظة من الألفاظ المُعربة عن اليونانية، وتقابل لفظة (Cup) في الإنجليزية التي أخذت عن أصل يوناني، والكوب عند العبرانيين هو (كُوس) أي (كأس) في عربيتنا. وكما كانت تصنع الأكواز والأكواب من المعدن، كانت تصنع كذلك من الفخار، أما كؤوس الملوك وكبار الأغنياء فمن الذهب والفضة، وكان لبعضها يد أو عُلاّقَة ليُحمل بها. وجدير بالذكر أن لفظة (كأس) وردت في القرآن الكريم، ولقد أشار علماء اللغة أن من الأواني المستعملة قديماً: "الجام".  

ومن الأواني المعدنية المستخدمة حالياً ما يعرف بـ "الشامية"، وهي إناء من نحاس يستخدم في شرب الحليب. كذلك "الصغريّة"، وهي إناء من نحاس للسوائل أو تناول الطعام خاصة "الحنيني": وهو طعام شعبي مشهور قوامه البرَّ والسمن والتمر. أما "المثقوبة"، فهي إناء من النحاس ذي تعبة ليسهل صب ما بها من سوائل مثل الدهن واللبن. و"المطبقة"، وهي إناء من النحاس لـه غطاء محكم يستخدم في حفظ التمر وغيره، وله مقابض من الجانبين يسميها الشعبيون: "أذون". أما "السَت"، فهو إناء أسطواني من النحاس يبلغ طوله حوالي (30سم)، ويستخدم لحفظ (الفناجين) أثناء الأسفار لحمايتها من الكسر. على أننا نجد أنه من أشهر الأواني العربية المعدنية في الجزيرة العربية -بعامة- ما يعرف بـ "الدلّة"، وهي آنية خاصة بعمل "القهوة العربية".  على عدة صور، وهي من المباحث التي تتطلب دراسات مستفيضة للتعرف على أصولها وفروعها وأشكالها وخاماتها قديماً وحديثاً، مما قد لا يتسع له هذا المجال.   

الأواني الفخارية:

وأما عن الأواني الفخارية، فمن الطبيعي أن يكون سكان البادية من الأعراب أقل من أهل المدر استعمالاً لها، ذلك لأن الفخار سهل الكسر، ويتطلب عناية خاصة في حفظه. ونظراً لأن حياة الأعراب غير مستقرة، وقد يشق عليهم حفظ الأواني الفخارية، فقد فضلوا استعمال الأواني المصنوعة من الجلود والمعادن والخشب. وهذا لا يعني أن أهل الوبر هجروها نهائياً، بل كان استخدامهم لها في حدود ضيقة على خلاف أهل المدر. وبالرغم من ذلك الاستخدام المحدود، نرى أنواعاً كثيرة منها في كل بقاع الجزيرة العربية. ومن هذه الواني "التوار"، وهو إناء يستخدم في إعداد الطعام خاصة ما يعرف بـ "العيش"، وهو يؤكل مع اللبن والسمن. كما أن منها ما يعرف بـ "الحجل"، ويشبه الإناء السابق إلا أنه أشد منه صلابة وأكثر سعة، ويستخدم لطهي بعض الأطعمة أهمها اللحوم. أما "المشهف"، فإناء يختص بصنع "أقراص البر"، ويتخذ أشكالاً دائرية، ويختص المشهف بـ "العجين"، حيث يعرض للنار من مسافة حتى ينضج. ويستخدم المشهف أيضاً في عمل "الخبزة"، وهي تختلف عن أقراص البّر بحجمها الكبير وصلابتها. كذلك نجد "التورتن"، وهو إناء يستخدم لأغراض متنوعة.
ولحفظ الماء، استخدمت جرار منذ القدم على هيئة "الثُومة"، أي ذات عنق طويل عريض من أسفل، وقد عثر على أمثالها في مواقع كثيرة من جزيرة العرب قبل الإسلام، وكانت تعرف بـ "بقبق" و "بقبقة"، وقد وردت هذه الآنية في العهد لقديم "بقبق. وكانت "القلال" تستخدم لحفظ الماء منذ العصر الجاهلي، وهي آنية فخارية. وعرفت "القلة" بأنها الجرة العظيمة، وقيل أنها الجرة بوجه عام، أو أنها "الكوز" الصغير. ويبدو أن الأرجح أن تكون القلة جرة كبيرة فيما ورد عنها في الحديث من إشارات تفيد ذلك. وقد اشتهرت "هجر" بقلالها، فقيل: "قلال هجر"، وهجر قرية قريبة من المدينة كانت تصنع بها القلال، كما اشتهرت الإحساء بقلالها أيضاً.
ومن الأواني الفخارية المستخدمة حالياً إناء يستخدم في عمل شراب القهوة العربية، وله وظيفة الدلة التي تحدثنا عنها إلا أن الأخيرة مصنوعة من الفخار، ولها قاعدة محدبة، ويعرف هذا الإناء باسم "جَبَنَة". ونجد أيضاً من أمثلة الأواني الفخارية إناء يقال لـه "رَجَبِيَّة"، وله صور جميلة المظهر متقنة الصنعة تدل على تقدم صناعة هذه الأواني الخاصة بشرب الماء، وقد يقال لهذا الإناء "شَرْبَة".
الأواني الحجرية:
وفيما يختص بالأواني الحجرية، فقد كان لها وجود مزدهر قبل الإسلام، وبخاصة ما كان يستخدم لطهي الطعام، وأواني الطهي المصنوعة من الحجر ما تزال تستخدم في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية، وهي تمثل الآن الأواني الأساسية للطهي على الطريقة التقليدية القديمة، خاصة في البقاع التي لا تزال تحتفظ بعادتها وتراثها التقليدي، من هذه الأواني ما يعرف بقدور "البُرَم": ويصنع هذا النوع من حجر صلد قوي يستخرج من موضع يسمى "المعدي" بالقرب من مدينة الطائف. وتستخدم القدور "للقلي" كمقلاة لما يراد قليه من لحم أو غير ذلك. وقد يُسلق اللحم فيها، وهي عادات قديمة في طهي الطعام، حيث يُعبر عن ذلك في العبرانية بلفظة "سلق"، وهي كلمة مألوفة في لغتنا. أما "المرق"، فيقال لـه في العبرانية أيضاً "مرق". وقيل للقدر "البُرمة" بلغة أهل مكة، والجمع "بُرام". ويستخدم كلا اللفظين: "بُرمة" و "برام" في ريف مصر للدلالة على أوان مصنوعة من الفخار، ومن الواضح أن اللفظة كانت مستعملة في عهود أقدم لتعبر عن آنية حجرية لم يَعُد لها وجود بمصر الآن، بينما لا تزال تستخدم في جزيرة العرب. ويحدثنا ناصر خسرو في (ق 5هـ) أنه كان بمصر امرأة تملك خمسة آلاف قدر، وأنها كانت تؤجرها نظير درهم لكل قدر. هذا وقد وردت لفظة قدور في القرآن الكريم: }وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَات{ (سـبأ: من الآية 13) ويطلق العرب على القدر الصغير اسم:"الكِفْت"، أما القدر المصنوع من حديث أو نحاس فيدعي: "المِرْجَل" و "السّخَامُ" هو سواد القدر، و "القدير" عند العرب هو ما يطبخ في القدر، وقيل ما يطبخ فيه من اللحم بتوابل، فإن لم يكن ذا توابل فهو "طبيخ"، و "القدّار": الطباخ.
ويقول صاحب لسان العرب أن "البرمة" تصنع من الحجر المعروف باليمن بالإضافة إلى النوع المعروف بالحجاز. والقدور الحجرية المنتشرة في الوقت الحالي تتباين من حيث سعتها، وغالباً ما تتشابه من حيث الشكل، فهي متسعة من الفوهة، ضيقة عند القاعدة، لها نتوءان على جانبيها لتسهيل حملها. وقيل إن معدم البرام هو المعدن الذي تقتلع منه حجارة "البرم"، وقيل أيضاً "معدن البرام"، ومن هذا المعدن ما يسمى "قدقد" وهو يطلق على جبل به "معدن البرام".

 

وبجانب أوعية طهي الطعام المصنوعة من الحجارة توجد أوعية حجرية أخرى تختص بحفظ الماء، منها ما كان يعرف ب، "المهراس": وهو وعاء منقور من الحجر، ضخم لا يقدر على تحريكه الرجال لثقله، وهو يسع ماء كثيراً، ويؤخذ الماء منه للشرب وللاستعمالات الأخرى، وقد استعمل في الإسلام لغرض الوضوء.

الأواني الخشبية:

وبعد عرضنا المقتضب لدائرة الأواني المستخدمة عند عرب الجزيرة بصورة عامة، ننتقل إلى الحديث عن دائرة الأواني الخشبية، تلك التي نحتفل بها هنا احتفال العاشق المحب لفن من الفنون الشعبية، لم يأخذ حقه من البحث والدراسة، أملين أن يتبوأ مكانته تسجيلاً وتصنيفاً وتأصيلاً … إلى جانب الإبداعات الشعبية الأخرى سواء ما كان منها في الجزيرة العربية أو في غيرها من البلدان العربية.

أشرنا إلى أن العرب -بخاصة سكان البادية- فضلوا الآنية المصنوعة من الخشب على غيرها من الأواني القابلة للكسر، والتي لا تتلاءم مع طبيعة وظروف الحياة. فوجدوا في آنية الخشب ضالتهم الملائمة لحياتهم، وهي التي تحظى بنفس التقدير عند أهل المدر من سكان جزيرة العرب. ومن الأواني القديمة ما يدعى أجن (أ ج ن) بالعبرية، وهي "أجانة" أو "أجان" في العبرية، وهي إناء يعجن فيه العجين، أو يستخدم لحفظ السوائل أو أي مادة أخرى، ولا تزال الكلمة حية معروفة، وتصنع من المعدن كما تصنع من الخشب.

واستخدم عرب الجزيرة الأواني الخشبية بصور وأشكال كثيرة لتقابل الأغراض المختلفة في حياتهم اليومية، وعلى رأس قائمة هذه الأواني الخشبية ما كان يرتبط بالطعام والشراب بصورة عامة، سواء إعداده أو حفظه و تقديمه… الخ. ومن هذه الأواني: الصحاف الخشبية المستخدمة في تقديم الطعام، وقد تناولها علماء اللغة ببعض البيان، فجاء ذكر "الفيحة" و "الصحفة"، بأنها أواني خشبية تشبع الرجل، أما "المئكلة" فتشبع الرجلين والثلاثة، في حين أن "القصعة" تشبع الأربعة والخمسة، والجفنة" تشبع ما زاد على ذلك. وقيل أن "الدسيعة" هي أكبرها، ويبدو أن الجفنة هي أكبر آنية الطعام، وقد ورد ذكرها كثيراً في شعر الشعراء على سبيل الفخر والمدح.

وقيل أن "الصحيفة" هي أصغر الأواني، وهي تشبع الرجل، أما "الصفحة"، فقد قال ابن سيدة عنها: شبه قصعة مسلطحة عريضة، وهي تشبع الخمسة ونحوهم، وتجمع على "صحاف"، وفي التنزيل: }يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ{ (الزخرف: من الآية71). وفي هذا دليل على أن الصحاف وما شاكلها كانت تصنع بخامات أخرى غير الخشب.

ويقال أن "الميقعة" أعمق من "الصحفة"، وقد استخدمت قديماً، وما تزال تستخدم بالبادية في تقديم الطعام مثل "المرموق". وقال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة، وتجمع على "قِصَاع وقِصَع، ثم الصحفة وتشبع الخمسة ونحوهم، والمئكلة وتشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة وتشبع الرجل. أما الجفنة فهي أعظم القصاع، وتجمع على جِفان وجِفن، والعدد جفنات. وجاء في التنزيل: }يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب{ (سـبأ: من الآية 13). وفي حديث عمر t: أنه انكسرت قلوص من نعم الصدقة فجفنها، أي نحرها وطبخها وأتخذ منها طعاماً، وجعل لحمها في الجفان، ودعي عليها الناس حتى أكلوها. والحفنة تطلق على الرجل الكريم المِطّعام، لأنه يضعها ويطعم الناس فيها فُسمي باسمها. وقيل "آل جفنة"، وهم ملوك من أهل اليمن كانوا قد استوطنوا الشام، وفيهم يقول حسان بن ثابت:

أولاد جفنة حول قبر أبيهم            قبر ابن مارية الكريم المفضل

ويقال أن الجفنة معناها عُلْبَة، ربما بسبب هيئتها التي تكون على هيئة العلبة، ويأتي ذكر نوع من الجفان يدعي: "الردح"، يقال عنه نه الجفنة العظيمة. وكان عبدالله بن جُدعان، الذي تقدم ذكره، كريماً جواداً متأنقاً ينفق على طعامه وشرابه، وكان يطعم الناس ويفعل المعروف، ووضع لـه جفنة كبيرة جداً يأكل منها القائم والراكب لعظمها، كما وضع لـه جفان أخرى في ردحة بيته ليأكل منها ما يقصده. وقد ورد أن الرسول e ربما كان يحضر طعامه، وقد رأى جفنته واستظل بها لضخامتها. ويُطلق العرب على الجفنة الممتلئة "جفنة رَزْوم".

وقد جاء أن سكان الجبال بطبرستان -إبان الحضارة الإسلامية- كانوا يصنعون آنية وأطباقاً من خشب شديد الصلابة عندهم. وفي بغداد في القرن الثالث الهجري، كان كبراء القوم يفضلون بعض أدوات المائدة المصنوعة من خشب الجزع. ويذكر ابن بطوطة في رحلته التي قام بها في القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي أن أهل بلاد السودان يستخدمون القرع الكبير في عمل الجفان، حيث يقطعون القرعة نصفين، فيصنعون منها جفنتين وينقشونها نقشاً حسناً. كما يذكر أنه أكل في جفنة من هذا النوع طعاماً من عسل ولبن. ولا يزال سكان البادية في شبه جزيرة سيناء، وكثير من سكان المدر هناك يستخدمون الآنية الخشبية في أشكال متنوعة منها ما يعرف بـ "المنسف": وهو غناء مستدير واسع من الخشب يقدمون عليه الطعام للضيوف، كذلك يوجد "الباطية": وهي تشبه المنسف، ولكنها أصغر منه ويستعملها رب العائلة الكبيرة. أما "الكرمية" فتلي الباطية في الحجم، وتستعمل لعجن الدقيق وتقديم الأطعمة. أما "الهنّامة"، فهي بدورها أصغر من الكرمية وأكثر عمقاً منها، واستعمالها يشابه استعمال الكرمية، وهم يستخدمون إناءً خشبياً مربع القاعدة، وله يد وفم ويدعي "القدح"، وذلك في شرب الماء والحليب. ومن ذلك يتضح لنا مدى التشابه بين الآنية الخشبية في الجزيرة العربية مع غيرها من أوان في شبه جزيرة سيناء.

وإلى جانب الأواني المستخدمة لتقديم الطعام، والمصنوعة من الخشب، هناك أوعية خشبية أخرى إن لم تكن لتقديم الطعام، فهي قد تستخدم في إعادة أو حفظ المواد وغير ذلك. من هذه الأوعية ما يعرف بـ "المبّرد"، وهو إناء خشبي مستطيل الشكل له فتحة خاصة، ويستخدم لحفظ حبات القوة بعد حمصها حتى تبرد قبل البدء في طحنها، ويُدعى "المبّرد" في وادي الدواسر: "المبرادة"، ويصنع عادة من قطعة واحدة من الخشب، ويزين عادة بالمسامير ذات الرؤوس الكبيرة، حيث تظهر تلك الرؤوس على السطح كنقاط أو دوائر صغيرة متراصة أو مصفوفة في وحدات زخرفية، وقد تستخدم بعض الوحدات المعدنية المنفصلة كعناصر لتكملة الزينة، وأحياناً تستخدم المرايا وحبات الخرز خاصة في النماذج الأقدم عهداً، وهناك نوع من المبّرد يصنع من الخوص والجريد يستخدم للغرض ذاته. وبعد أن تبرد القهوة تسحق في "المِلْكدْ": وهو أداة من خشب قد يستخدم أيضاً لطحن بعض الحبوب. وللملكد يد اسطوانية هي المدق وتعرف بـ "وِدِيِ". أما "الموجات"، فهي من الخشب أيضاً وتطبق عليها أشكال زخرفية تقليدية، وتختص بسحق الهليل، وهو التمر الجاف اليابس. كما يوجد ما يعرف بـ "النقيرة"، وهي مثل الموجات من حيث وظيفتها، إلا أن النقيرة لها يد طويلة جداً، حيث تكون ضرورية لأخذ الهليل بعد سحقه، لاستحالة قلب النقيرة على نحو ما يحدث في الموجات، وذلك لأن التقيرة ثقيلة جداً.

ومن الأوعية الخشبية أيضاً ما يستخدم لحفظ الدهن واللبن، وكان شائعاً في الماضي، ويعتقد أنه أسلم للصحة من الأوعية المعدنية، ويستخدم في جنوب الجزيرة إناء خشبي للغرض ذاته، لـه غطاء محكم ويدعى: "كُعْدَة"، حيث يتم تعليق الإناء عن طريق تثبيت حبل من أربعة مواضع بارزة عن سطح الإناء، وتزين الحبال المستخدمة في تعليقه عادة بالقواقع، وغالباً ما يكون للإناء كسوة إضافية من الحبال والقواقع تكفي لإخفائه تماماً، وتستخدم عند تعليقه.

ومن الأدوات الخشبية المرتبطة بآنية الطعام "المذنب"، وعي المغرفة، أي ملعقة خشبية كبيرة لها صور كثيرة، ويقال لها: "المقدحة"، وفي السودان تسمى "كمشة"، وهذا النوع نراه مراراً في معظم الدول العربية، ويوجد في ريف مصر وواحاتها، وتستعمل في تقليب الطعام ولأخذ كميات محددة منه، أي أنه يستخدم كمكيال. ويوجد من المذنب أنواع تتقارب في زخارفها مع زخارف الصحاف الخشبية، وفي العربية السعودية يوجد نوع آخر يشبه المذنب يُدعى "الممجر"، مصنوع من الخشب، ويختلف عن المغرفة في أنه ليس له يد كبيرة، بل له فتحة خاصة، ويستخدم لتناول الأدوية عند علاج الأطفال.

والكثير من الأواني والأدوات الخشبية نادر الوجود في الوقت الحالي، من هذه الأواني ما يعرف باسم "أم حاجتين"، وهو عبارة عن إناء مزدوج مؤلف من ثلاث قطع يستخدم في حفظ بعض المواد كالشاي والقهوة والسكر … الخ، ومن الملاحظ أن الجزء الأوسط من الإناء يستخدم كغطاء للجزء الأسفل، بينما يكون في نفس الوقت إناء يضاف إلى الإناء الرئيسي، أما غطائه فهو الجزء الأعلى. وتحتفظ المرأة (ربة البيت) البدوية، عادة بصندوق خشبي تضع فيه لوازم البيت مثل حبوب القهوة والهيل والسكر والملح … الخ مما يوضع في أوان صغيرة نسبياً كالإناء السابق، حيث تحتفظ بمفاتيح معها بأن تربطه بجزء من غطاء رأسها "الملف". إن هذا المفتاح هو من أبرز الأشياء التي تلفت الأنظار.

ويرتبط بآنية الطعام المصنوعة من الخشب، أنواع أخرى من الأوعية المستخدمة في تقدير كميات الحبوب وما شابهها، وتستخدم كمعايير، وهي ما يعرف في الجزيرة العربية باسم: "المكاييل". وقد ذكر "الصاع النبوي" كمكيال لتقدير الزكاة على الحبوب، ويقدر بأربعة أمداد، ويختلف عن الصاع المعروف حالياً. ويرتبط الصاع ببعض الأقوال الشعبية، فيقال للشخص الذي يمكر بآخر: "يكيل له على قفا الصاع". والمكاييل يمكن تقسيمها على أكثر من نحو، فمثلاً يقال:

- الصاع:

ويساوي ثمان كيلات، ويقال للصاع أيضاً "الثِّماني".

- نصف الصاع:

  ويساوي أربع كيلات، ويقال له "النصيِّة".

- النصافي:

ويساوي كيلتان.

- ملء الربع:

ويساوي كيلة واحدة.

- الشطْر:

ويساوي نصف الكيلة

- الشطاري:

ويساوي رُبع الكيلة.

كما أن هناك تقسيم آخر:                                                       

- الصاع:

أربعة مكاييل

- المكيال:

أربعة رباعي.

- الرباعي:

2 شطاري.

- الشطاري:

2 ربعية.

ومن الملاحظ أن المكاييل في شكلها العام تشبه الأقداح الخشبية، وأحياناً تكون أكثر استطالة منها. وبوجه عام تختلف المكاييل من حيث الشكل تبعاً لاختلاف المناطق أو القبائل. والمكاييل الأقدم عهداً كانت تغلف بغلاف من الجلد فوق الجسم الخشبي للمكيال، أما الحافة العليا فيثبت بها طوق من معدن للمحافظة على ثبات السعة، حيث تتعرض هذه الحافة للتلف بسبب الاستخدام المتكرر. وبعض الأنواع القديمة من المكاييل كانت تُكسى برقائق المعدن ثم تُزين بمصفوفات من رؤوس المسامير.

ومن المكاييل أو المعايير ما يبدو صغيراً نسبياً، وهو ما يستخدم لتقدير كميات صغيرة من السمسم وغير ذلك. وقد تصنع هذه المكاييل من الفخار أو الخشب، ويكون ارتفاعها (10سم). وتحتفظ ربة البيت عادة بأنواع أخرى من المكاييل الخشبية تستخدمها لتساعدها في تقدير كميات محددة من المواد لمختلفة لإعداد الطعام. وهذه المعايير على صغرها تتراوح أقطارها بين 8، 10سم، بينما يكون الارتفاع 3سم في المتوسط، وهي كثيرة الشبه بالصحاف الشعبية، بل هي صورة مصغرة منها. ودراسة المكاييل التقليدية من الموضوعات التي تتطلب مساحة كبيرة من البحث والمقارنة لتبين أصولها وتفريعاتها.

ويحضرنا نوع آخر من الأوعية الخشبية المستخدمة على نطاق واسع في أنحاء الجزيرة العربية، وهي أوعية تصنع عن طريق تجويف قلب كتلة ساق الشجر.

كما نشير هنا إلى الوعاء المعروف بـ "القرعة"، وهي قرعة تجوف فتكون بمثابة وعاء لحفظ اللبن أو الدهن، وتصنع لها الحبال لتعلق منها على ثلاثة أعواد تعد خصيصاً لها وتعرف بـ "القنّارة".

فإذا تركنا الأوعية الخشبية المرتبطة بإعداد الطعام وحفظه وتقديمه، أو تقدير كميات محددة منه، نجد أوعية خشبية من نوع آخر تختص بالماء أو الحليب أو ما شابه ذلك. فبجانب "القرب" المصنوعة من الجلد، والتي تستخدم لجلب وخزن الماء، ويستعمل معها "أقماع" خشبية لتسهيل تعبئتها بالماء، يستعمل العرب أواني للشرب بها، وقد يكون أكثرها شهرة واستعمالاً هو "القدح". والقدح إناء خشبي صغير يُصغر إلى "قُديح"، وهناك أنواع من الأقداح ذات أحجام متباينة، وقد يكون لبعضها يد صغيرة، إلا أنها غالباً ما تكون أسطوانية الشكل مستديرة القاعدة، مسطحة كانت أم محدبة. ومن الأقداح القديمة التي كانت تستخدم في الجزيرة العربية ما كان مربع القاعدة وله يد صغيرة وقصيرة وفم. ويبدو هذا النوع من الأقداح يستخدم في شبه جزيرة سيناء.

وقد رتب الثعالبي أقداح العرب بحسب سعتها على النحو التالي: 

- أولها الغمرُ:

وهو الذي لا يبلُغُ الريّ، "قدح صغير".

- ثم القَعْبُ:

ويروي الرجل الواحد.

- ثم القدح:

ويروي الاثنين والثلاثة.

- ثم العُسَّ:

تُعَبُّ فيه العدَّة.

- ثم الرَّفْدُ:

وهو أكبر من العُسّ، "قدح ضخم".

- ثم الصَّحْن:

وهو أكبر من الرفد.

- ثم التِبن:

وهو أكبر من الصحن، وثلثها "المِعْلق".

- ثم العُلبة:

وهي أكبر من التبن.

- ثم الجَنْبَة:

وهي اكبر من العلبة.

- ثم الحَوْأبَةَ:

وهي أكبرها.

ومما هو جدير بالذكر أن الأقداح الخشبية كانت حرفة مزدهرة بمكة قديماً، وخاصة النوع المنسوب إلى "حلي". والأقداح "الحلوية" تصنع من خشب الأئل، ولا تزال مكة حتى اليوم تستورد من (حلي بن يعقوب) الأقداح الخشبية، وتستخدمها للمعصوب، وكلمة معصوب كانت معروفة في القرن الرابع الهجري.

وقد جاء في كتب اللغة "الصنع" بأنها مصنعة الماء، وهي خشبة يحبس بها الماء ويمسكه حيناً، والجمع "أصناع". وذكر أن "المصنعة" كالحوض أو شبه الصهريج يجمع فيها الماء.

هذه هي نظرة عامة استعرضنا فيها الكثير من الأواني التقليدية عند عرب الجزيرة العربية بعامة، وعرب المملكة العربية السعودية بخاصة، لنتعرف من خلالها على مكانة الأواني والأوعية الخشبية، تلك التي نوليها العناية الأكبر على صفحات هذا الكتاب. وبالرغم من أننا نهتم هنا اهتماماً خاصاً بتلك الأواني أو الأوعية الخشبية المرتبطة بالطعام أو الشراب بصورة أو بأخرى، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل أنواعاً أخرى من الأوعية الخشبية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأصول الحرفة التي تنتج لنا أوان خشبية للطعام والشراب، فالكل يُنتج من خلال ورشة واحدة، حيث أن تقسيم العمل، والنزوع إلى التخصص الدقيق، قد لا نراه في مجال الحرف والفنون الشعبية بصورة عامة. فالفنان الحرفي الشعبي يستطيع أن يقوم بعمل العديد من المشغولات التي تتناول تقنيات كثيرة متباينة نسبياً من خلال خامة الخشب. ونذكر من هذه الأوعية على سبيل المثال: المبخرة، وهي "المجمرة"، وكثيراً ما نرى المبخرة تأخذ مكانها في مراسم الترحيب المتسمة بالطابع العربي، وللمبخرة وجود في بعض مجالس الشراب والطعام نلحظه في شعر الشعراء، فيقول شاعر:

أوقـد النـار لنـا بـالحطـــب            فَلَكَــمْ يهفوا لـها مـن يَعْربي

           ودلال البـن تجثـو حــولنــا           راقها الهيلُ وصَحْنُ الرُّطَبِ

وبخور العود يضفي عُرْفَهُ            يُنعـش الـنفس بريـح طَيِّـــبِ

والنموذج التقليدي للمبخرة هو النمط الشائع الذي نراه في كل أرجاء جزيرة العرب، حيث تستخدم قطع المرايا والمسامير ذات الرؤوس المستديرة كعناصر للزينة فوق هيكل رئيسي من الخشب، ويبطن بالمعدن الجزء المجوف منها والمخصص للبخور. ونمط الزخرفة على المبخرة، والقائم على استخدام المسامير، يكاد يتطابق مع أسلوب الزخرفة الذي شاع على الكثير من أنواع المشغولات الخشبية كالصحاف والأوعية الخشبية الأخرى.

إلى جانب المبخرة، كوعاء خشبي يستخدم لتعطير الجو، فإن هناك أيضاً ما يقال لـه: "المَظْفرة"، وهو وعاء لحفظ نوع من العطر يمزج مع بعض الكائنات البحرية. وهو يختلف في أحجامه وأشكاله وأطواله. ويتشابه هذا الوعاء الخشبي بأوعية خشبية أخرى أسطوانية الشكل كانت تستورد من الهند، وتستخدم في حفظ الحناء. ومثل هذه الأوعية كانت تلون بالأحمر وتزخرف بالأسود والأصفر. كذلك فإنه من المألوف في الماضي استخدام أوعية أو العلب الصغيرة لحفظ بعض الأدهنة والسعوط الأمر الذي أصبح نادر الوجود في الوقت الحالي. ومثل هذه الأوعية، وإن كنا نشير إليها هنا، إلا أننا لا نتناولها بالبحث المستفيض لأنها تدخل في باب أدوات الزينة التي يمكن أن يُفرد له مبحث خاص.

قدمنا في السطور السابقة صورة واضحة لألوان من الأواني التقليدية التي عرفها عرب الجزيرة قديماً وحديثاً، منها الأواني المعدنية والفخارية والحجرية، ثم وصلنا في بحثنا إلى الأواني الخشبية، وهي مقصدنا في هذا الكتاب. وقد ذكرنا منها ما وجدناه يرضي ضمير  الباحث لإلقاء الضوء على الموضوع، وقد حاولنا أن نضمن هذا الجزء لمحات من العادات والتقاليد المرتبطة بهذه الأواني بالقدر الذي اتسعت لـه صفحات الكتاب، أملين من هذه الدراسة أن تكون أقرب إلى التكامل الموضوعي الذي ننشده هنا، ولعلنا بذلك نمهد الطريق إلى دراسة ميدانية عن الأواني الخشبية مع حرصنا على ربط الماضي بالحاضر.

 

 

·       الأسبوع : السابع ـ الثامن .

·       مادة الصناعات التقليدية فى المملكة العربية السعودية.

·       المحاضرة  رقم (5 ــ 6)

موضوع المحاضرة : طرق صناعة الحجر الصابوني فى المملكة السعودية.

مقدمة :

      يعد الحجر الصابوني  من أهم مواد تصنيع الأدوات التي عرفها العرب قديماً ، حيث تشير الدلائل الأثرية المكتشفة من  هذه الأدوات  شيوع  استخدام مادة الحجر الصابوني في الحياة اليومية  سواء في الحضارة الإسلامية أو حضارات  ماقبل الإسلام ، ولم يكن استخدام الأدوات ألمصنعه من الحجر الصابوني  محصوراً علي ثقافات الجزيرة العربي بل نجد له حضور في الثقافات القديمة  كالأشورية ببلاد الرافدين والحضارة الفرعونية في وادي النيل ، وجل هذه المصنوعات تتمثل بالمسارج والمباخر والقناني  المختلفة الإحجام و الخاصة بحفظ السوائل  العطرية وخلافة  ؛ كما  و نجد أيضا في الحفائر قطع صغير من الحجر الصابوني تمثل   احجارالنرد الخاص بالألعاب الشعبية .فما هو هذا الحجر ؟

·       الحجر الصابوني: Soap  Stone

    الحجر الصابوني  أو الحجر اللين مصطلح يستخدمه كثيراً علما الآثار ويقصدون به نوع معين من الصخور استخدمه الإنسان منذُ القدم لصناعة أدواته الضرورية من الأواني الخاصة بالمأكل والمشرب والإضاءة وخلافة ، والتسمية قطعاً لها علاقة بمادة الصابون التي نعرفها اليوم ولكن ليس بليونة  وطراوته  فهو صخر ناعم الملمس وأملس السطح ومتماسك بدرجة كافية بحيث يمكن نحته وتشكيلة وزخرفته  .

أما عن حال  التفسير العلمي للحجر الصابوني فنجدة لدى علماء الجيولوجيا الذين  يطلقون  عبارتي Soap  Ston ( الحجر الصابوني) و Steatite على  معدن ألتلك غير النقي Talc   و يعد من الين المعادن على مقياس موهر لقياس صلابة المعادن ويدخل هذا المعدن اليوم في عدد من الصناعات الحديثة مثل الدهانات ومساحيق التجميل والصناعات الورقية والبلاستيكية إضافة إلى صناعة الصابون .

وتطلق عبارة الجر الصابوني أحيانا على الصخور الحاوية لمعدن الكلورايت Clorite، نظراً لكون معدن الكلورايت يشابه معدن ألتلك ولكن يفوق علية بالصلابة ومنه تصنع المسارج الحجرية .

·       مصادر الحجر الصابوني:

    أثبتت الدراسات العلمية وجود الحجر الصابوني بكميات كبيرة في عدد من أقطار العالم  الإسلامي وخاصة تلك المناطق الجغرافية  التي توجد ضمن مناطق الصخور المتحولة لما قبل العصر الكامبري مابين (1850ــ600) مليون سنة .

وتعد الجزيرة العربية من مناطق توافر مقالع الحجر الصابوني  ففي  المملكة العربية السعودية تتركز في مناطق حزام الدرع العربي  المحاذي للبحر الأحمر وجزر تاروت على الخليج العربي  وفى جبال صعدة بالجمهورية العربية اليمنية  إضافة لسواحل دولتي عُمان والإمارات العربية المتحدة .

·       مراحل تصنيع الحجر الصابوني :

·       المرحلة الأولى:

   يحرص الصانع على انتقاء نواة الحجر من المقلع الجبلي الحاضن لعروق الحجر الصابون  الخالية من الشوائب والشديدة التماسك وعادة ما يكشف الصانع أو النحات مساحة متر مربع في العرق الصخري من نيد الجبل  مستعيناً بفأس عريض الرأس يعرف بالقدوم  لكشط الصخر وتحديد النواة حسب حجم الإناء المراد تصنيعه .

·       المرحلة الثانية :

      بعد قطع النواة لحجرية يقوم الصانع بعملية النحت لتحديد معالم القطعة المصنعة وتتم في نفس المحجر لتفادى تلف النواة عند التشكيل  المبدئي لها والسبب يعود إلى أن هذه المرحلة ذات حساسية للصانع ففي أحيان كثيرة تكون النواة الحجرية من الداخل غير متماسكة لكثره الشوائب المعدنية  ويصعب تشكيلها الأمر الذي يوفر على الصانع  الوقت والجهد  وقطع نواه بديلة مادام قريب من المحجر .

·       المرحلة الثالثة:

    تعتبر مرحلة صقل النواة للمادة المُصنعة من أهم مراحل التصنيع  نظراً لكونها تبرز  فن النحت و الذوق الرفيع للصانع خاصة حينما يراعى  وبدقة تناسب أجزاء القطعة المصنعة من حجم وقطر وقاعدة وبدن  إضافة إتقان حجم السماكة والمقابض الحاملة وجميع هذه الأمور هي تبرز فن وذوق وحرفية الصانع .

·       المرحلة الرابعة :

بعد عملية تشكل المادة المصنعة وبروز معالمها  يقوم الصانع بزخرفة غائرة  في الغالب معتمداً أشكال هندسية متواضعة من  الخطوط المتقاطعة والمتوازية والدوائر والمثلثات التي تنتشر على قواعد وابدأن وحواف ومقابض المنحوتة .

·       الزيوت والفتائل المستخدمة في الإضاءة :

كانت الفتيلة أو الذبالة المستخدمة في إضاءة المسارج تصنع من الكتان أو نبات الخروع أومن ألياف الخيام بحيث تقوم الفتيلة أو الذبالة بامتصاص الزيت عن طريق الخاصية الشعرية وتعمل على توصيلة إلى فتحة الفتيل .

أما عن الزيوت المستخدمة في الإضاءة يعد زيت الزيتون الوقود المثالي منذُ العصر اليوناني والروماني وكان شائع الاستخدام في معظم أقاليم البحر الأبيض المتوسط ، وفى العصر الإسلامي استخراج وقود المسارج من  زيت السمسم وزيت الجوز والسمك والخروع  والفجل واللفت  وكان يطلق على عاصر الزيت وتاجرة وصانعة اسم الزيات أو السمان ويحتفظ المتحف المصري بشواهد قبور عليها أسماء لبعض صناع الزيت أو عائلاتهم مصحوبة بكلمة الزيات من العصر العباسي والأخشيدى والأيوبي والمملوكي  .

§       مثال على احد المصنوعات من الحجر الصابوني .

·       مسارج الحجر الصابوني

     المسارج : مفردها مسرجة بفتح الميم  وتعنى حسب تفسير ابن منظور موضع  الذٌبالة (الفتيلة ) والدهن .  والمسارج حاجة إنسانية ملحة سعى إليها الإنسان منذُ القدم من اجل  قهر الظلام  وإضاءة ما حوله .

     لقد عرفت جميع حضارات الشرق الأدنى القديم والجزيرة العربية صناعة واستخدام المسارج  على نطاق واسع وهو أمر تؤكده النقيبات الأثرية    التي أجريت في بلاد الرافدين و بلاد الشام  ومصر  إضافة إلى حضارات وحواضر جنوب ووسط و شمال وشرق الجزيرة العربية  ولعل حفائر قسم الآثار بجامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية  (قرية الفاو ،الربذة ، ددن ، المابيات ) قد منحتنا أنواع وأنماط متعددة من المسارج الطينية والبرونزية والفخارية إضافة  إلى مسارج الحجر الصابوني (أسيتايت)   التي عثر على عينات منها بموقع الربذة الإسلامي و تعرض اليوم في متحف قسم الآثار بكلية السياحة والآثار .

     كما ُعرفت صناعة مسارج الحجر الصابوني قبل العصر الإسلامي و ازدهرت بعد ذلك  نتيجة  للتوجهات الدينية التي تحث المسلم على نبذ استخدام الأدوات المنزلية المصنعة من الذهب أو الفضة احتراماً لمشاعر الفقراء. لهذا السبب انتشرت صناعة الأدوات المنزلية من مادة الحجر الصابوني وكثر النحاتون في تشكيل القدور والمباخر و الصحون والمسارج والأقداح حيث شاع استخدام هذا النوع من الصناعات  في العصر الأموي  والعباسي ووصل إلى ذروة تصنيعه  في العصر الفاطمي الذي ابتدع توجه أخر في تحقيق الإضاءة للمساكن والمساجد والقصور والطرقات عن طريق صناعة القناديل الزجاجية والشموع  والشمعدانات والمصابيح  الزيتية إضافة إلى انتشار صناعة المسارح الفخارية والخزفية ، ويروى الرحالة ناصر خسرو أنة شاهد في الفسطاط سوق يسمى بسوق  القناديل الزجاجية  ويروى أن الخليفة الحاكم بأمر الله أهدى جامع عمرو بن العاص تحفة فضية عليها 700مصباح اضطروا إلى هدم مدخل المسجد  لتركيبها .

   وعلى الرغم من تنوع  مادة صناعة المسارج ظلت مسارج الحجر الصابوني تصنع في مناطق عدة من البلاد الإسلامية و خاصة في البلاد العربية اليمنية وحواضر الحجاز وذلك لتوفر مقالع الحجر الصابوني واليد الماهرة  ومازالت هذه الصناعة تمارس إلى يومنا الحاضر سواء في المملكة العربية السعودية وفى الجمهورية العربية اليمنية ويمكن الحصول عليها من الأسواق الشعبية في منطقة نجران وعسير وجازان إضافة إلى منطقة المدينة المنورة .

    لقد حظيت المسارج في العصر الإسلامي بالعناية من الصانع باعتبارها منتج استهلاكي يحتاجه الناس كحاجتنا للمصباح الكهربائي اليوم لذا حرص النحات على صقلها  زخرفتها بالإشكال الهندسية والنباتية والكتابات والعبارات الدينية من الأدعية والآيات القرآنية الكريمة والبعض ضمن أسمة على  بدن  المسرجة   .

    تعد المسارج ذات أهمية بالغة في مجال الآثار والفنون الإسلامية وذلك لما لها من مدلولات تقنية واقتصادية واجتماعية وهى بمثابة المرآة الصادقة التي تعكس لنا تطور صناعة المسارج وحجم ماتحمله من قيم وأعراف وتقاليد أثرت في حياة الناس كحال العصر الفاطمي و العصر العثماني  ؛ وقبل التعريف بمسارج الحجر الصابوني التي عثر عليها في موقع الربذة الإسلامي  يجدر بنا التطرق وقبل كل شئ   لمادة التصنيع وطرق الصناعة  والتقانة التي تمر بخطوات عدة يمكن وصفها وتتبعها  من خلال وجهة النظر الإثنواركيلوجيه  على النحو التالي:

·       مسارج لحجر الصابوني  من موقع الربذة الإسلامي المعروضة بمتحف  ــ قسم الآثار ـ كلية السياحة والآثار ، جامعة الملك سعود .

   بعد أن تم التعرف على مادة الحجر الصابوني وطرق جلبة وتصنيعه يطيب الحديث  الآن عن المسارج المكتشفة في موقع الربذه الإسلامي  والمعروضة بمتحف قسم الآثار بكلية السياحة والآثار والبالغ عددها ستة عشر قطعة يمكن تصنيفها إلى قسمين.

·       القسم الأول : مسارج  مكتملة يبلغ عددها ست قطع تتفاوت إحجامها وأوزانها وألوانها  بين بعضها البعض  غالبيتها من المسارج المثلثة  متساوي الضلعين وتعرف بالمسارج القاربيه مع الأخذ بالاعتبار تفاوت ألوانها الطبيعية بين اللون الرمادي الفاتح أو الداكن أو باللون الرمادي المخضر ، ويلاحظ على هذا النوع من المسارج وجود زخارف محزوزه   على بدن المسرجة من الخارج تمثل عناصر هندسية على هيئة دوائر متداخلة وخطوط متعرجة  الشكل كما ويلاحظ استواء أسطح هذا النوع من المسارج ووجود مقابض حاملة تبرز بطريقة النحت من نفس البدن في منتصف قاعدة المثلث المتساوي الضلعين  والعديد منها مازال يحمل أثار حرق . أما القسم الثاني: فهو عبارة عن كسر مميزة بتفاصيلها التقنية ويبلغ عددها عشر كسر متفاوتة الأحجام والأشكال فهناك كسر لأبدان دائرية تتوسط قواعد مربعه الشكل  يجاورها كسر للأرجل يعتقد أنها لمباخر أو مسارج دائرية  منحوتة من نفس البدن أصافة إلى  أجزاء من أبدان مسارج على هيئة أطباق نجميه   يبرز من نفس بدنها الدائري  مثلثات بها تجاويف  للفتيل  تنطلق من الداخل نحو الخارج  لتمثل شكل أشعاع نجمي يطوف حول دائرة الطبق .

 

 

·        الأسبوع : التاسع ـ العاشر .

·        مادة الصناعات التقليدية فى المملكة العربية السعودية.

·        المحاضرة  رقم (1 ــ 2)

·        موضوع المحاضرة : المنهج  الاثنواركيلوجي وإمكانية تطبيقاته فى دراسة الحرف والمصنوعات التقليدية فى المملكة العربية السعودية. عن :أ .د يوسف مختار الآمين

التراث والحرف الشعبية:

لا يوجد تعريف واحد في الأثنروبولوجيا للحرف الشعبية إذ أنها تصنف أحياناً ضمن مسميات المأثور أو الموروث الشعبي أو التراث الشعبي أو الفولكلور، وهي مكون هام من مكونات النظام الثقافي لشعب ما . وهناك اتفاق عام على أنها تلك الأشياء التي يصنعها ويطّورها الناس مثل البناء التقليدي والأدوات والأسلحة والأواني والملابس وقطع الزينة، وكل أشكال الفنون التي تصنع من مواد طبيعية محلية، ولا تستخدم فيها الآلة الحديثة. والحرف الشعبية تقوم على تقنيات متوارثة أبعادها التاريخية والحضارية المستمرة. كما أنها متطوّرة في نفس الوقت من حيث كونها جزء من نسق ثقافي معاش قابل لاستيعاب التطوير والإبداع والحرف الشعبية هي الوسيط بين الإنسان وبيئته، وبها يعدّل المحيط الطبيعي لمصلحته كما أنها تعكس بعداً اجتماعياً يمثل مفهوم الناس ونظرتهم للحياة. ويستخدم الصنّاع في عملها تقنيات تمثل قدرات إبداعية يعبّرون من خلالها عن تميّزهم في العادات والذوق الفني. ومع بقية أنماط الإبداع الشعبي الأخرى تتحدد أبعاد الهوّية والسمات الثقافية للشعب.

ظلت الحرف الشعبية بؤرة اهتمام علماء الأنثروبولوجيا الثقافية منذ القرن الماضي، حيث تأسست مناهج البحث الأثنوغرافي من خلال دراستها. ومن المعروف أيضاً أن الوصف الأثنوغرافي للحرف والتراث الشعبي من مختلف مجتمعات العالم القديم شكّل قاعدة المعلومات التي انطلقت منها النظريات الأنثروبولوجية التي تتناول مراحل تطور الفكر الإنساني المعاصر، وعلى مرّ الأيام طوّر علماء الأثنوغرافيا والفولكلور المناهج المناسبة لجمع التراث الشعبي ميدانياً وتسجيله وتصنيفه. وفيما يتعلق بدراسة الحرف الشعبية فهناك أكثر من طريقة تغطي الأبعاد البيئية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية. ويتوقف الأمر بطبيعة الحال على تركيز الباحث على جوانب بعينها تحددها أهداف البحث ومراميه. وهناك اتفاق عام على دراسة الحرف الشعبية في محيطها البيئي والاجتماعي ضمن دينامكيات النظام الثقافي الذي تنتمي إليه. ومن ناحية عملية تقوم الدراسة على المشاهدة وتسجيل الملاحظات المباشرة عن خطوات التصنيع بدءاً من جمع المواد الخام حتى تسويق المصنوعات، أو إدراجها في سياق حركة النشاط العام لأفراد المجتمع. ويولي الباحثون في الأنثروبولوجيا والآثار اهتماماً خاصاً بمناهج الدراسة الميدانية لأنها تمثل حجر الزاوية في تحقيق أهداف البحث.

استمرت الأبحاث حول التراث الشعبي في الجامعات والمراكز العلمية لعقود طويلة واتسعت دائرة الاهتمام بها والاتفاق عليها بمرور الوقت، وفي السنوات القليلة الماضية أصبحت مركز اهتمام الإدارات الحكومية المختلفة والجمعيات الأهلية والمنظمات الإقليمية والدولية. ويعقد المهتمون بالتراث الشعبي المؤتمرات والندوات الدورية يناقشون نتائج أبحاثهم ويوجهون نداءات شبه متكررة تحث الناس على المحافظة على التراث وصيانته والمساعدة في تمويل دراسته. وذلك في مواجهة التحولات الحضارية والصناعية التي باتت تهدد التراث التقليدي في مواطنه الأصلية، وتركز هذه الدعوات على أهمية الموروث الشعبي في تحديد الهويات الثقافية للشعوب وفي تكوين القيم الإنسانية المشتركة مما يمهد الطريق للتآلف والإخاء بين الأمم. ويساعد البحث في التراث الشعبي على نشر مبادئ التعايش السلمي في البلدان التي تقطنها إثنيات متعددة بحث يعمل الجميع على ترسيخ مبدأ الوحدة في التنوع الذي يدعو لـه الآن كل المنظمات الدولية والإقليمية، فاليونسكو تولي عناية متزايدة بالتراث، حيث طرحت مؤخراً خطة لتنمية الحرف الشعبية في العالم بالاستثمار فيها وإقامة الوحدات الإنتاجية مما يوفر دخلاً للحرفيين ويزيد من فرص العمل الجديدة ويتضح من تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية عمق الروابط الموضوعية بين الثقافة والتنمية وموقع التراث الشعبي في هذه العملية. ويتبلور اهتمام المنظمة الدولية بالتراث الشعبي عندما أجازت في عام 1989م الاتفاقية الدولية من أجل حماية التراث باعتباره إرثاً بشرياً عاماً لابد من الإسراع بتسجيله وتصنيفه وحفظه. وقد طرحت الاتفاقية أفكاراً مهمة حول الطرق العملية والعلمية لدراسة التراث الشعبي ونشره والاستفادة منه اقتصادياً واجتماعياً، وقدمت مقترحات عملية لإنشاء المراكز العلمية للأبحاث من التراث الشعبي وتأهيل العاملين فيها والعمل على ترويج ونشر القيم والمفاهيم المستوحاة منه. ومن أهم فقرات تلك الاتفاقية الجزء المتعلق بحماية التراث من أخطار الحروب والطبيعة وحث الدول الأعضاء على وضع الأنظمة التي تكفل حماية التراث والمنتجات الحرفية. وقد نصت الاتفاقية على حماية حقوق الملكية لمبدي التراث وحماية التراث والفولكلور.

وعلى المستوى العربي تقوم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بمواصلة مجهداتها في المساهمة في تطوير دراسات التراث الشعبي بعقد الندوات العلمية ونشر مداولاتها وذلك ضمن مشروعها الكبير نحو خدمة الثقافة العربية. وفي منطقة الخليج العربي تبدي الحكومات اهتماماً واضحاً بجميع أشكال التراث الشعبي بتوثيقه وحفظه. وقد أنشأت بعض دول الخليج متاحفًا للتراث تخدم أهدافاً تعليمية وتثقيفية وسياحية. وعلى مستوى العمل المشترك أقامت هذه الدول مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية الذي يطلع بدور مهم في دراسات الفولكلور ونشر تقارير الأبحاث وطرح الأفكار الجديدة حول مناهج البحث الفولكلوري وذلك من خلال إصدارته "المأثورات الشعبية".

وفي المملكة العربية السعودية يظهر الاهتمام الكبير بالتراث الشعبي في مجهدات المراكز والجهات الرسمية التي تعنى بشئونه والعمل على دراسته وحفظه. وما هذه الندوة إلا أصدق تعبير عن حالة الاهتمام بالموروث الحضاري بشقيه الأثري والتراثي. ومن الملفت أيضاً الوعي الكبير الذي يبديه المواطنون بتراثهم التقليدي بأنواعه المختلفة حيث يعمل الكثيرون منهم كل بطريقته على اقتناء القطع التراثية وجمع الشعر والمأثور الشعبي، ويلاحظ أيضاً أن عدداً من الأسر والأفراد يملكون كمجموعات لا يستهان بها من أروع نماذج الفنون والتراث التقليدي، وذلك أمر يدعو للتفاؤل. ويبدو الاهتمام الشعبي أيضاً بالتراث في الكتابة عنه في الصحف والمجلات وإصدارات الأندية الثقافية بالأقاليم، وكلها تعبر عن الفخر والاعتزاز بهذا الرصيد الثقافي المتنوع الذي يعبر عن الأصالة والإبداع المحليين.      

      ومهما يكن من عظمة التقدير والإعجاب بعناصر الثقافة المادية، فإنه لا يغني عن الدراسات العلمية والتخطيط الهادف إلى حفظ التراث والاستفادة منه في أكثر من صعيد وفي هذا المجال، يظل المختصون في الأثنوغرافيا والفولكلور في مقدمة من يقومون على أمر التراث الشعبي بتطوير دراساته كمصدر الثقافة الموروثة. ومن المعروف أن دول منطقة الخليج العربي تشهد تطورًا حضاريًا كبيرًا يشمل جميع مناحي الحياة ويؤثر مباشرة في تلك المجموعات السكانية التي تنتج موادًا تراثية أو تمارس أنماط من أساليب الحياة التقليدية.

ومما لا شك فيه أن عناصر التراث التقليدي في هذه الأماكن تتناقص بنفس وتيرة ذلك التطور مما يجعل الإسراع في دراسة هذه الموروثات وحفظها أمرًا ملحًا يتطلب تضافر جهود أكثر من جهة. ولنا أن نأتي الآن على الدور الذي يمكن أن يساهم به علم الآثار في هذا الجهد الأكاديمي المطلوب. يقودنا هذا الأمر بطبيعة الحال إلى منهج الأثنواركيولوجيا، أحد روافد علم الآثار الذي طوّر أصلاً لدراسة الثقافة المادية المعاصرة بواسطة الآثاريين مستخدمين المناهج المعروفة لديهم.

 

·       الاسبوع(العاشر ـ الحادي عشر).

·       المحاضرة (1ـ2)

·       عنوان المحاضرة:   الأثنواركيولوجيا ودراسة الثقافة المادية:

تعرف الأثنواركيولوجيا بأنها منهج آثاري وأنثروبولوجي يوظف في دراسة عناصر الثقافة المادية في المجتمعات المعاصرة بمستوياتها الثقافية المختلفة. وتتناول الدراسة عناصر الثقافة المادية في إطاريها البيئي والاجتماعي، وذلك بجمع المعلومات، عن طريق المشاهدة، لأفعال الناس اليومية في سياقها المتحرّك. ويتابع الباحث فيها العنصر المادي من لحظة تكوينه الأولى حتى نهايته، عندما يتحول إلى بقايا مخلفات نجدها عادة في الأماكن التي عاش فيها الناس. والأثنواركيولوجيا بمعنى آخر عمل أثنوغرافي  يقوم به الآثاري من أجل تحقيق جملة أهداف. منها ما يتعلق بقضايا ومشكلات علمية في مجال التفسير الآثار ومنها ما يتصل بتحسين مناهج علم الآثار نفسها. ويختلف البعض في إعطاء تفسير شامل للأثنواركيولوجيا وذلك بسبب اختلاف الباحثين في درجة اعتمادهم على ربط الحاضر بالماضيومهما اختلف طبيعة التعريفات إلا أنّ كلها تدور حول استغلال المعلومات الأثنوغرافية في تكوين فرضيات تمثل حولاً عملية لمشكلات تواجه البحث الآثاري وذلك باستخدام القياس والمقارنة. وفي هذه الحالة ينطلق القياس من المعروف (الحاضر) إلى غير المعروف (الماضي) وذلك عندما تتوفر الشروط المناسبة لمثل هذه المقارنة.

لقد عرف علم الآثار القياس الأثنوغرافي منذ نشأته إذ كان الرواد من الأثاريين ينطلقون في تفسيرهم للظاهر الأثرية مما يعرفونه عن بعض المجتمعات البدائية والتقليدية التي قرأوا وصفًا أثنوغرافيًا عنها أو شاهدوها بأنفسهم.

وكان وصف هذه المجموعات في أفريقيا وأمريكا واستراليا يشتمل على معلومات عن أنماط الاقتصاد المعيشي والنظم الاجتماعية والأدوات والأسلحة والفنون وطرق صناعتها واستخداماتها. والمقارنة كانت تجري على أساس الشبه في الخصائص الشكلية للأشياء. وحتى تقسيم علماء ما قبل التاريخ في مطلع هذا القرن، لمجتمعات العصور الحجرية وتطور مراحلها الثقافية أخذ عن تصورات الاثنوغرافيين لبداية الثقافة وتطورها. ويلاحظ تأثير الأثنوغرافيا في علم الآثار حينذاك في مسميات الأدوات والمصنوعات وغيرها وكانت صور الأدوات الحجرية أو العظيمة الحديثة توضع جنبًا إلى جنب مع شبيهاتها من أدوات العصور الحجرية وذلك لتأكيد صحة التشبيه. وكانت عملية القياس الأثنوغرافي تجري على مستويين، الأول يعتمد على القياس المباشر لخصائص شكل الأشياء المعاصرة وتلك التي يعثر عليها في مواقع أثرية، والمستوى الثاني من القياس هو التاريخي المباشر ويحدث ذلك عندما يتمكن الباحث من الربط بين مجموعة الناس المعاصرين ومواقع مستوطنات قديمة يعتقد أنها تعود لأسلافهم ويمكنهم أن يساعدوا الأثاري في شرح بعض تفاصيل المخلفات التي تكتشف في هذه المواقع.

استمر هذا النهج دون نقد أو اعتراض حتى نهاية النصف الأول من القرن الميلادي الحالي ولم يحدث أن طوّر أسلوب آخر غير المقابلة المباشرة أو البحث عن النظائر. وربما ويعود هذا الأمر لأوضاع علم الآثار في ذلك الوقت إذ كان العلماء مشغولون بتطوير وسائل المسح والتنقيب الآثاري وكشف الحضارات القديمة في العالم وكتابة التاريخ الثقافي وإجراء المقارنات من الحضارات إقليميًا وعالميًا. وكان الأداء الرئيسية في البحث هي عمليات التصنيف للمقصورات والطرز الفنية ووضعها في مجاميع ذوات خصائص شكلية وأسلوبية متشابهة تمثل بالنسبة لهم بقايا مادية لثقافات كانت أيضًا متشابهة وبالتالي يمكن نسبتها لمجموعات عرقية أو إثنية محددة. وعن طريق وسائل التاريخ النسبي المتاحة في ذلك الوقت وضع علماء الآثار مراحل وحقب التسلسل الحضاري وسادت نظريات التطورية والتطورية المعدّلة كأطر فكرية لتفسير عمليات التطور والتغيّر الثقافيان. كذلك راجت أفكار الانتشارية والهجرات الجماعية كأسباب رئيسة لهذا التغيّر ونقل الابتكارات الحضارية من منطقة لأخرى.

وفي مطلع الستينات بدأت تظهر بعض الكتابات النقدية في أمريكا وأوروبا من بعد، تدعو لمراجعة الأسس النظرية والمنهجية التي يستعملها الآثاريون في تحقيق أهداف العلم باعتبار أن بعضها عقيم لم يحدث تغييرًا يذكر في معرفتنا بتفاصيل التاريخ الثقافي. وكانت تلك الفترة قد شهدت تطورات مهمة في العلوم الطبيعية والإنسانية على السواء. ولم يكن علم الآثار ببعيد عن هذا التطور العلمي قد ابتكرت وسائل التاريخ العلمية مثل الكربون المشع وكان تأثيرها بالغًا في إعادة ترتيب حقب فترات التاريخ الحضاري وكشفت عن أخطاء أساسية في تقديرات الآثاريين لتاريخ بعض أهم منجزات الإنسان. وقد أدى ذلك إلى تغيّر في الآراء وفي المناهج وبدأ العلماء يهتمون بجمع وتحليل المواد العضوية مثلاً والاستعانة بمختلف العلوم الطبيعية من أجل معرفة معلومات عن الظروف البيئية التي عاش فيها الإنسان وشكّلت تجارية.

أُطلق على الاتجاه النقدي في علم الآثار فيما بعد، مسمى التيار الحديث لأنه أتى بأطروحات جديدة تقوم على الفكر الأنثربولوجي ويعمل على تطبيقها بطرق منهجية تختلف عن أسلوب المدرسة النمطية التي كانت مسيطرة على الدراسات الآثارية ويرى الاتجاه الجديد أن المعثورات الأثرية لا بد أن تعامل وكأنها جزء من نظام ثقافي يتكوّن من أنظمة فرعية متداخلة، ذات صفات وظيفية متكاملة، تتنّوع زمنيًا ومكانيًا بتنوّع علاقات الأنظمة الاجتماعية والتقنية والفكرية والأيكولوجية. وعلى الباحث أن يعمل على اكتشاف الأسس التي يعمل بها النظام الثقافي الشامل وعمليات التحوّل والتغيير التي تحدث فيها. وكان من ضمن مراجعات التيار الحديث التركيز على البحث في تفاصيل حياة الناس اليومية في جوانبها الاجتماعية والفكرية التي يصعب معرفتها تلقائيًا من المخلفات الأثرية. وصار السؤال المهم هو عن كيف ولماذا تتغير النظم الثقافية الشيء الذي يتطلب توفير مناهج عمل جديدة. في أثناء ذلك النقاش والمراجعة طرح موضوع القياس الأثنوغرافي في الدراسات الآثارية بالطريقة المعهود. وتوصل الكثير من طليعة المجددين إلى ضرورة تغيير الأسلوب القديم وذكروا بأن مجتمعات اليوم ليست في مجتمعات الماضي حتى نجري مقارنة مباشرة بينهما. كما أننا إذا طابقنا الحاضر بالماضي نكون قد حصرنا احتمالات تفسير الظاهرة القديمة في ما هو موجود اليوم وهذا ربما لا يمثل حقيقة ما حدث. ومما يدعم هذا الرأي أن كثيرًا من المجتمعات التقليدية أو البسيطة المعاصرة تعيش في أوضاع بيئية واجتماعية متباينة وأن نظرة الأفراد إلى شيء واحد قد تكون مختلفة نسبة لتلك الأوضاع. وإذا نظرنا مثلاً إلى كيف يتصرف الناس داخل أماكن معيشتهم في المستوطنات وطريقة رمي النفايات وفضلات الطعام وغيره من أنشطة، سنجد اختلافاً كبيرًا بين مجموعة وأخرى في نظرتهم وتقويمهم لفكرة النظافة وما تعنيه.

ولم يتوقف الآثاريون بطبيعة الحال عن استخدام الحاضر في تفسير ظواهر الماضي الآثارية وإنما تعزز الاتجاه إلى أن يقوموا بأنفسهم بإجراء البحث الأثنوغرافي. والسبب في ذلك هو الاحتياج لرؤية حركة الحياة اليومية للناس وتسجيل كل أنشطتهم وأنماط علاقات الاقتصاد المعيشي وربطها بالمستوى اتقني والتكيّف على البيئة. فكثير من جوانب الثقافة المادية ومكوّناتها يغفلها الأثنوغرافيون أحيانًا، فالأثاري يرغب أن يرى الأفعال وما ينتج عنها من أشياء مادية. فالمستوطنات المعاصرة تعامل كأنها مواقع أثرية ومن خلال المعايشة اليومية لأفراد ساكنيها يمكن الربط بين الأفعال والظواهر المادية في إطارها البيئي والاجتماعي.

وبعد أن تسربت أفكار ورؤى التيار الحديث انطلقت الأبحاث الأثنواركيولوجية بطريقة غير مسبوقة. وفي خلال عقدين من بداية ظهورها شملت الأبحاث الميدانية معظم الأقطار الأفريقية والأسيوية وأمريكا الجنوبية وبخاصة المناطق التي لم تتأثر كثيرًا بالزحف العمراني وأساليب الحياة الصناعية الحديثة. ونشرت سريعًا نتائج هذه الدراسات التي غطت مختلف مستويات الثقافة الإنسانية من مجتمعات الصيادين البسيطة والزراعية والتقليدية والرعوية إلى تطبيقات في الآثار التجريبية في المناطق الحضرية. وتناولت موضوعاتها أنماط الاستيطان وكيفية تكوّن السجل الأثري والنظر فيما يحدثه الإنسان وما تفعله الطبيعة فيه مما أعطى عمقًا جديدًا لحفريات الآثار ومنهجيتها. كذلك شملت الأبحاث الأثنواركيولوجية عمليات إنتاج الأدوات والأواني وغيرها من أصناف الثقافة المادية وعلاقاتها بالنظم الاجتماعية والمعتقدات الفكرية. وانطلاقًا من نتائج هذه الأبحاث صار الآثاريون في كل مكان يطرقون مثلها في دراستهم لما يجدونه في المواقع الأثرية. وانتقلت اهتماماتهم إلى موضوعات جديدة حول الفكر والإدراك والأسلوب في ثقافات المجتمعات القديمة.

 

·       الأسبوع(الثاني عشر  ـ الثالث عشر).

·       المحاضرة (1ـ2)

·       عنوان المحاضرة:   إمكانية تطبيق الأثنواركيولوجيا في المملكة:

من البديهي أن نقرر إمكانية القيام بدراسات أثنواركيولوجيا في المملكة، إلا أنه يتعين علينا الإشارة إلى بعض الحالات التي تتوفر فيها فرصًا أكبر نجاحًا تلك المحاولات. ويلاحظ أنه يوجد في بعض مناطق المملكة ما يشير إلى الاستمرارية الثقافية التي تعبر عن نفسها في عدد من عناصر الثقافة المادية مثل العمارة التقليدية والرعي وتصنيع الأواني الحجرية والفخارية والمعدنية والنسيج والخوص والأسلحة وغيرها. وعلى الرغم من أن أساليب الحياة الحديثة ومؤثراتها قد شملت كل أنحاء المملكة إلا أن هناك إمكانية دراسة بعض الحرف الشعبية في أطرها المحلية مما يسمح بالحصول على معلومات قد تفيد البحث الآثاري. وكما هو الحال في أماكن أخرى يمكن أن يوجه العمل الميداني بعد توفر شروطه الموضوعية نحو نوعية من الدراسة. الأول، دراسة حرفية تقليدية واحدة أو عددًا منها يتكامل في عمليات الإنتاج وفي الوظائف. والثاني دراسة حرفية متكاملة تشمل كل عناصر التراث المادي في سياقه البيئي والثقافي، كالعمارة السكنية التقليدية ومحتوياتها، أو مجتمعات الرعي وثقافاتها المادية. والأخيرة موضوع حيوي طرق حديثًا في مجال الأثنواركيولوجيا على الرغم من أنه نال حظًا طيبًا في دراسات الأنثروبولوجيا الثقافية. ومن المعروف الرعي، كنشاط اقتصادي، ظاهرة قديمة تعود أصولها في المنطقة إلى نحو الألف الخامس ق.م. ولا يعرف الكثير عن المجتمعات الرعوية في التاريخ القديم، ذلك لأن علم الآثار ركز نشاطه على دراسة المستوطنات التاريخية الكبيرة، حيث المنشآت وتراكم المخلفات الأثرية أو مواقع ما قبل التاريخ التي تعوّد الآثاريون على أشكالها ومحتوياتها. ولم يكن هناك اهتمام بمعرفة آثار الرعاة، خاصة وأنه ساد اعتقاد خاطئ بأنهم لا يتركون، عادة، الكثير من الأثر الذي يمكن مشاهدته في أماكن إقامتهم المؤقتة.

وقد أجريت دراسات أثنواركيولوجية مؤخرًا عن مجموعات الرعاة في بعض بلدان الشرق الأوسط تناولت عناصر ثقافاتهم المادية وربطتها بمكتشفات آثارية يعتقد أنها لمجموعات مماثلة تعود لفترة العصر الحجري الحديث المعدني. وأوضحت هذه الدراسات أيضًا أن الرعاة الحاليين يمكن أن يكونوا مصدر معلومات مهمة عن طبيعة الحياة الرعوية ومتطلباتها من أشياء مادية كالأواني والأسلحة والمعدّات والمنشآت التي تتناسب وحياة التنقل.

إن عودة الباحث بعد مضي فترة، إلى مواضع معسكرات الرعاة تمكنه من مشاهدة الأوضاع التي آلت إليها حالة المخلفات التي تركوها. وما تبقى منها يمكن أن يعطينا مؤشرات تدلنا على اكتشاف آثار قديمة لمثل هذه المجموعات.

ومن جهة أخرى يمكن للآثاريين في المملكة أن يطرقوا مجال الآثار التجريبية، خاصة المتعلقة بالآثار التاريخية، هي من نوع تصنيع مواد، مثل الأدوات والأواني، وغيرها، تشبه أخرى أثرية. وهذه العملية عبارة عن إعادة لتجارب الماضي ومعايشة لأشياء حدثت وقتها. وهكذا يبدو أن معظم أنواع التراث المادي قابل للدراسة بمنهج الأثنواركيولوجيا مما يتطلب من الآثاريين إلمامًا بالأنثروبولوجيا إذ طوّر علماء الفولكلور والأثنوغرافيا مناهجًا معروفة في إجراء البحوث الميدانية وطرق تصنيف عناصر الثقافة المادية، لا بد للآثاري أن يلم بها عند قيامه بدراسة المجتمعات الحاضرة. وانطلاقًا من ذلك، لنا الآن أن نأخذ مثالين من التراث المادي لنرى إمكانية دراستهما بواسطة هذا المنهج وما يمكن أن نحصل عليه من ملاحظات تعين الدراسة الآثارية.

 

·       الأسبوع : الرابع عشر ـ الخامس عشر

·       المحاضرة (11 ـ12)

العمارة التقليدية:

يقصد بالعمارة التقليدية عادة كل أنماط وأنواع البناء الشعبي المتوارث عبر أجيال متلاحقة، لا تعرف بداياتها على وجه التحديد. والعمارة التقليدية هي البناء الذي يعتمد على تقنيات موروثة ومواد بناء محلية. ومن أنماطها العمارة الحربية والدينية والسكنية، وغيرها من منشآت متعددة الأغراض. وفي المملكة نجد معظم هذه النماذج التي ما زال يبنيها الحرفيون ويقيم فيها الناس. وتعكس مخططاتها وطرزها المعمارية وزخارفها الفنية مستوىً رفيعًا من الإنجاز الحضاري يعبّر عن قدرات السكان المحليين في استغلال بيئتهم الطبيعية بكفاءة عالية. إن روعة الإبداع الفني والهندسي من طرز العمارة التقليدية له تاريخ، ولا بدَّ من أن يقودنا هذا الموروث إلى تفاصيل ذلك التاريخ، بطريقة أو أخرى. وتنتشر في بعض مناطق المملكة قرى ومستوطنات صغيرة في مناطق نائية تتكامل فيها عناصر التقليد الشعبية مع مؤثرات البيئة الطبيعية المتباينة بالرغم من اتصالها بالمناطق الحضرية. وهذه النماذج تشكّل موضوعًا حيويًا في دراسات الأثنوغرافيا والأثنواركيوجيا. وقد حظيت العمارة التقليدية بأنواعها باهتمام الباحثين في المملكة وعملوا على وصفها وتوضيح النواحي الجمالية فيها بالصورة والكتابة. وهناك من الدراسات الأثنوغرافية العملية ما أحرز نتائجًا مقدرة، يذكر منها على سبيل المثال الدراسة التي أجراها فريق البحث النمساوي في مطلع الثمانينات عن عمارة عسير التقليدية ضمن المسح الأثنوغرافي الشامل للمنطقة. ونالت العمارة التقليدية معظم اهتمام فريق البحث، فسجلوا تفاصيل عمليات البناء وتقنياته والحرفيين ودورهم الاجتماعي. كذلك شملت الدراسة وصفًا دقيقًا لخصائص العمارة وتوزيع المساحة وعلاقات الوظائف في الفراغات، هذا إضافة إلى الزخارف المعمارية في الجدران والأبواب والنوافذ. وتعد الدراسة نموذجًا يمكن تطويره لإجراء أعمال أخرى ذات أهداف آثارية. وهناك أيضًا من الدراسات ما خصص لتسجيل وتوثيق صفات معمارية محددة ويوجد أيضًا في بعض أقاليم المملكة بعض المباني المهجورة لأسباب مختلفة، ومنها قرى بكاملها يعود تاريخها لماضي قريب ما زال عالقًا في ذاكرة بعض أفراد المجتمع. وهؤلاء المعاصرين يمكن الاستفادة منهم في أخذ معلومات عن هذه القرى. وعن سكانها وأنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية وعن البناء وتوظيف المساحات داخل البيوت وخارجها. والعمل الأثنواركيولوجي في هذه الحالة يتعالم مع هذه المستوطنات كأنها مواقع أثرية، وإن كانت حديثة العهد. وفي هذه الحالة توفر لنا معلومات عن تاريخ هذه المباني وبالتالي عند كشفها ورسم مخططاتها يمكن للباحث ملاحظة التغيّر أو التآكل الذي حدث فيها خلال فترة زمنية معلومة، وهكذا يمكننا تقدير درجة تأثير العوامل الطبيعية المختلفة في المباني واتضح من واقع التجربة أنه يمكن أن تعطينا هذه المعلومات مؤشرًا يفيد في تقدير عمر المباني الآثرية والمدى الزمني الذي تحتاجه للترميم والصيانة. ومن المناسب أيضًا في هذه الحالة تسجيل الملاحظات عن أماكن دفن الرديم ومحتوياته العضوية وغير العضوية، إذ أن ذلك يمدنا بدلالات مباشرة عن الكيفية التي تتكوّن بها المواقع الأثرية. وأخيرًا تأتي الملاحظات عن التوزيع الداخلي لنشاط السكان اليومي واستغلال الوحدات الداخلية في البيوت السكنية. ومن المؤمل أن يجد الباحث من الشواهد المادية ما يعين في تفسير بعض الظواهر في القرى الأثرية المماثلة.

وفي العمارة التقليدية المأهولة نجد أوضاعًا أخرى تناسب حالات أثرية كان من الصعب معرفة تفاصيلها وفي هذه الحالة من الممكن أن تشمل الدراسة قرية كاملة أو عينات للمساكن وملحقاتها من قرى مختلفة في منطقة أو مناطق مختلفة. فالأمر يتوقف على قضية البحث وأهدافه. أما إجراءات الدراسة الميدانية فتبدأ بجمع المعلومات عن حرفة البناء وتقنياته والأدوات وأصحابها البناء. كذلك الدور الذي يقوم به الأقارب والجيران إلى غير ذلك في الأشياء ذات الصلة بالأعراف والنظم التي تميز المجتمع، أما أهم جوانب الدراسة الميدانية فتتمثل في عمل المخططات وتحديد مساحات الغرف السكنية والمخازن ومنشآت حفظ الحيوان والطيور. وفي مقابل ذلك إحصاء كامل لأعداد السكان وممتلكاتهم وأنشطتهم الاقتصادية. كذلك يهتم البحث بخصائص العمارة فيما يتعلق بمواد البناء ومستوياتها ونوعية النوافذ والأبواب والخصائص الدالّة على الوضع الاجتماعي والاقتصادي لصاحب المنزل ويجدر الإشارة هنا لواحدة من الدراسات الأثنواركيولوجية الرائدة حول العمارة السكنية التقليدية التي أجريت في إحدى قرى كردستان النائية. وكان موضوعها الرئيس الدلالات المعمارية لحجم الأسرة والثروة التي يمكن أن يستفاد منها في معرفة نفس الشيء في قرى أثرية. ومن المسائل المهمة تقدر حجم السكان في المستوطنات القديمة ومؤشراته الأثارية، فقد ظل يؤرق علماء الآثار لوقت طويل وأوضحت نتائج الدراسة المشار إليها مخاطر الاعتماد على المعادلات الرياضية والنماذج الجغرافية المستخدمة في تقدير أعداد الناس في الوحدة السكنية وبالتالي كامل المستوطن الأثري. واهتمت الدراسة أيضًا بالنشاط اليومي للسكان وأماكن رمي النفايات ودلالاتها إذا ما أصبح المستوطن الحالي موقعًا أثريًا.

الأواني الحجرية:

تمثل الأواني عمومًا بأنواعها المختلفة عنصرًا مهمًا في حياة الإنسان. فهي المعدات التي يستخدمها في عمل الطعام وحفظه، وهي أواني للشرب وحفظ السوائل. وتتنوّع أشكالها بتنوّع وظائفها. ويمثل ظهور الآنية في المجتمعات القديمة نقلة حضارية نوعية في حياة الناس عندما تمكنوا من تحقيق مرحلة اقتصاد الزراعة وتربية الحيوان. ويولي الآثاريون في عملهم أهمية كبيرة للأواني لأنهم يستشفون منها معلومات عن مستويات التقنية والقدرات الفنية وعن الزخارف والرموز التي توجد عليها، إضافة إلى دورها في حياة الناس وأنشطتهم المادية. وخلال عملية التنقيب الأثري يهتم الآثاري بتسجيل الأماكن التي توجد فيها الأواني واتصالها بالمعثورات والظواهر الأخرى وأعدادها في البقعة أو المنطقة المعينة. بعد ذلك تبدأ عمليات التصنيف المضنية التي يجريها الباحث من أجل ترتيبها في مجموعات ويحاول أن يجد الرابط بينها من أساليب الصناعة وطرز الزخارف وغيرها. والتصنيف ألآثاري للأواني يقوم على أسس منهجية وأخرى نظرية، يكوّن الباحث عن طريقها أنواع يحمل كل نوع منها معنى ثقافيًا. ومهما كانت علمية أسس التصنيف فلا بد أن نتذكر بأنها ليست من أصل الأشياء المصنّفة لأن الأخيرة لا تستمد وجودها من التصنيف كما أن لصانعيها ومستخدميها تصنيفاتهم الخاصة.وقد تكون المعايير التي يستخدمها الباحث في التصنيف مصدرًا للإرباك أو الاستنتاجات غير الواقعية خاصة إذ كانت غير محكومة بقواعد متفق عليها بين الباحثين. ومهما يكن من أمر، فالتصنيف مبدأ ثابت في عمل الآثاريين إذ بواسطته تعرف خصائص المواد الأثرية وتسهيل مهمة وصفها. ومن الممكن أن نجمل الصفات التي يستخدمها ألآثاري في أربعة مجموعات كالتالي:

1 -  مجموعة السمات الفنية وتشمل الشكل وفنون التصنيع والإبداع.

2 -  مجموعة السمات الوظيفية.

3 -  مجموعة السمات المرتبطة بالجوانب الاجتماعية.

4 -  مجموعة السمات القياسية.

إن استنباط الخصائص الثقافية من مثل هذا التصنيف قد يكتنفه الغموض في بعض جوانبه وبعضه قد لا يعرف من المواد الأثرية المباشرة. وربما لا يكون نظام التصنيف مرنًا بما فيه الكفاية ليغطي كل المجاميع التي يراد دراستها وينتج عن ذلك تسمية أنواع ليست جزءًا من الواقع الثقافي.

ومن جملة المصنوعات الشعبية في المملكة، أشير إلى الأواني الحجرية التي تصنّع حتى الآن بكميات معقولة في بعض المناطق وفيها من التنوّع التقني والشكلي ما يجعل دراستها أمرًا مرغوبًا ينبئ بالحصول على معلومات مهمة تفيد البحث الآثاري. فبعض المشكلات التي ذكرنا أنها قد تواجه تصنيف المعثورات الأثرية ربما لا نجد لها تقويمًا إلا بالنظر في حالة تصنيع الأواني التراثية. والأواني الحجرية قد تأتي عادة في المرتبة الثانية بعد الفخار في مواقع الحضارات القديمة وهي غالبًا ما تكتشف كاملة الشكل ومحتفظة بتفاصيلها الزخرفية. وهذه الصفات المحتملة تجعلها مادة جديرة بالدراسة والتحليل.

وفي حالة الدراسة الأثنواركيولوجية للأواني الحجرية لا بد من إجرائها في المحيط الطبيعي الذي تنتج وتستعمل فيه لا كمجموعات متحفية أو معروضة في الأسواق فقط. وتبدأ الدراسة بالنظر في الخطوات التالية مثلاً:

1 -  جلب المواد الخام ومعرفة أماكن تواجدها وقربها من المستوطنات أو أماكن التصنيع.

2 -  تصنيف أماكن التصنيع في المستوطنة وما يحدث بشأن مخلفات التصنيف ومعالجتها.

3 -  معلومات عن الحرفيين وعلاقاتهم الاجتماعية وقدراتهم الفنية وإداراتهم لعلاقات الإنتاج والتوزيع.

4 -  تصنيف الأواني على أسس علمية تغطي الخصائص الشكلية والفنية والزخرفية والوظيفية.

5 -  التنوّع في الأشكال والزخارف والمضامين الثقافية لهذا التنوّع.

6 -  تصنيف الحرفيين للأواني التي ينتجونها في مقابل تصنيف الباحث لها.

7 -  توزيع الأواني المصنّعة في داخل المستوطنة وخارجها ومعرفة خطوط شبكة التوزيع وعلاقاتها الاقتصادية والاجتماعية.

8 -  ما يحدث للأواني بعد توزيعها ومدة استعمالاتها ومعدلات التلف فيها.

ويحتاج الباحث في جمع المعلومات بهذه الطريقة إلى وقت طويل يقسم في زيارات متعددة. وفي النهاية يأمل الباحث أن يكوّن منها افتراضيات يظن أنها تناسب حالة أو حالات معروفة في مواقع أثرية. كذلك يمكن له أن يختبر هذه الآراء أو الفرضيات في أماكن أخرى حتى يتأكد من صحتها أو عدمه.

وفي حالة مماثلة قام سليمان حسن بدراسة الأواني الخشبية التقليدية في منطقة جازان اتبع فيها خطوات منهجية معروفة في علم الفولكلور. وقد تابع إنتاج عينات محددة للأواني الخشبية في أماكن صناعتها والحرفيين الذين يعملون في إنتاجها. وأجرى تصنيفًا لها على أسس علمية مكنته من اكتشاف الخصائص النوعية والشكلية لهذه الأواني.

وقد صنّف الزخارف والرموز بطريقة تفصيلية أوضح من خلالها بأنها تعبر عن أفكار ورؤى الناس حول فنون التشكيل وكذر بأن الزخارف كانت في مبدأ أمرها نوعًا من أنواع الوسم يوضح على الإناء ليؤكد ملكية صاحبه وقد يوضع معه أيضًا رمز القبيلة أو العشيرة. وقد قارن زخارف قواعد الأواني برموز الوسم فوجد بعضها متطابقًا ثم انتقل ليقارنها برموز الوشم وزخارف الزرد أو التنجيم وبعض الزخارف المعمارية ويلاحظ أن الباحث يأتي بالأمثلة من أماكن متفرقة من العالم العربي مما يجعل قبول مثل هذه الاستنتاجات صعبًا. والأمر قد يحتاج دراسات فيها تمثيل إحصائي أفضل لهذه الزخارف قارنها الباحث بأخرى على بعض المشغولات المعدنية والأواني الفخارية التي اكتشفت في موقع قرية الفاو الذي يؤرخ إلى الفترة ما بين القرن الثالث قبل الميلاد إلى مطلع القرن الرابع الميلادي. إن المطابقة بين زخارف الأواني الخشبية وزخارف الأواني الأثرية بالفاو يحتاج هو الآخر إلى مناقشة متعمقة ولكن الفكرة نفساه تظل متميزّة.

وأود في الختام أن أطرح مؤشرات أولية حول إجراء البحث الأثنواركيولوجي أعتقد أنها ضرورية للمناقشة:

1 -  البحث الأثنواركيولوجي مثله مثل الأبحاث الميدانية الأخرى لا بد أن ينطلق من أهداف. وهنا يظن الباحث أن إمكانية تحقيقها تتوقف على دراسة ظاهرة أو ظاهرات ثقافية معاصرة في منطقة معينة وأن نتائج ذلك البحث تساعد في تقدم المعرفة الإنسانية بصفة عامة وفي حل بعض المشكلات العلمية في تفسير ظواهر أثرية معروفة لدى الباحث.

2 -  وفي حالة التراث الشعبي يؤمل اختيار منطقة دراسة مناسبة وتحديد العينة بطريقة علمية بحيث أنها تكون ممثلة لقطاع الحرف التي يرغب الباحث في دراستها. وأن تكون عينة الحرفيين تمثل أيضًا التنوع الموجود لجهة قدراتهم الفنية وتخصصاتهم ووضعهم الاجتماعي.

3 -  العمل على جمع المعلومات الكافية عن التاريخ الثقافي والحضاري والسكاني لمنطقة الدراسة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الحالية وللباحث أن يستخدم أدوات المسح الاجتماعي لتسجيل عادات الناس وعلاقاتهم الاجتماعية وغيرها.

4 -  بما أن أحد خطوات البحث الأثنواركيولوجي مراقبة الإنتاج الحرفي في إطاره البيئي والاجتماعي وما يتصل به من أنماط السلوك اليومي لأفراد المجتمع فإنه يتعين الحصول على معلومات عن البيئة الطبيعية. وتوزيع ما يتوفر من المواد الخام في منطقة البحث قد يؤثر في بعض عمليات إنتاج المواد الشعبية التي يراد إنتاجها.

5 -  ومن الإجراءات المتفق عليها تسجيل الملاحظات الدقيقة عن كل مراحل التصنيع المختلفة بدءًا من الحصول على المواد الخام ومعالجتها حتى تصنيع الأشياء ودخولها منظمة الثقافة المادية. ويعمل الباحث على معرفة استعمالات الأواني وعمرها الافتراضي. ومثل هذا العمل لا ينتهي في موسم واحد وإنما يتطلب زيارات متكررة لمنطقة البحث في أوقات مختلفة. فكلما كان اتصال الباحث بمجتمع الدراسة أقوى كلما كانت النتائج أكثر موثوقة.

6 -  وبما أن الباحث يهدف إلى الاستعانة بالحاضر لمعرفة بعض الظواهر الثقافية في المجتمعات القديمة فلا بد من أخذ الحذر في المطابقة أو المقابلة المباشرة. فكل مجتمع في حالة تغيّر وحركة مستمرين. ومهما يكن من أمر، يظل البحث عن أنماط السلوك الإنساني وتعبيراتها المادية هدفًا يمكن تحقيقه باعتماد أسلوب المشاهدة الفعلية لتصنيع الأشياء واستعمالاتها وما يتصل بها من سلوك الناس ورغباتهم في الواقع المعيش.

وأخيرًا فالبحث الاثنواركيولوجي يهدف ضمن ما يهدف إليه إلى كشف العلاقات بين عناصر التراث المادي من خلال تحديد أوجه الشبه (الأنماط) والتباين فيه. ثم يتبعها بالنظر في علاقات التراث المادي باتجاهات السلوك الإنساني والتنظيم الاجتماعي في النسق الثقافي الشامل.

 

 

 

·       مراجع مادة الحرف والصناعات  التقليدية  فى المملكة العربية السعودية .

1.  د. يوسف بن مختار الآمين ،الاثنواركيلوجيا وإمكانية تطبيقاتها فى دراسة الحرف الشعبية فى المملك العربية السعودية، ندوة الآثار فى المملكة العربية السعودية ، حمايتها والمحافظة عليها،م1،وزارة المعارف،2002م

2.  د. سليمان محمود حسن، الأواني الخشبية التقليدية. عند عرب الجزيرة، مدخل لدراسة الفولكلور العربي، نادي جازان الأدبي. 1989م،

3.  عباس محمد العيسى، موسوعة التراث الشعبي في المملكة العربية السعودية ط 2، 7 أجزاء. وزارة المعارف ، وكالة الآثار والمتاحف ،الرياض.2004م

4.  د. دليل بنت مطلق القحطاني ، السدو والحياكة التقليدية فى المملكة العربية السعودية ،ط1، وزارة التربية ولتعليم ،وكالة الاثاروالمتاحف، الرياض 2006م

  

 

              جونات من الخصف للحفظ  الأطعمة مصنعة من  الخصف (منطقة عسير )

 

                    الحفر على الخشب (المنطقة الشرقية)

 

                                 حرفي يمارس الصناعة الخشبية

 

إحدى المصنوعات الفضة ( المنطقة الجنوبية)

 

 

 

                    صانعه القفاف  الخصفية / منطقة جازان

 

 

                     النجار ـ منطقة القصيم

رب الدلال  (المنطقة الوسطي)

 

 

                             صناعة ميقعة ـ منطقة جازان

 

                    مجموعة من المصنوعات التقليدية الخصفية ـ منطقة جازان

 

 

 

مصنوعات تقليدية  من الخناجر وأحزمتها ـ منطقة عسير

حرفي من المنطقة الشرقية يقوم بصناعة البسط

                                        بسط من الكتان جاهزة للبيع

 

 

صناعة الأحذية من الخصف ـ المنطقة الشرقية

 

 

                             أحذية فى مراحل متقدمة من التصنيع

                                         شربات مياه فخارية ـ منطقة المدينة المنورة

 

 

مصنوعات من الحلي الفضية ـ منطقة عسير

 

 

King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx