معوقات النظام الصحي

 

        النظام الصحي  في جميع دول العالم نظام معقد متشابك يؤثر ويتأثر بما يدور حوله من معطيات وأحداث . ويتميز النظام الصحي كغيره من الأنظمة الخدمية التي تمس الفرد شخصياً بالكثير من النقد والقليل من المدح أو الثناء وخاصة عند ما يتعلق  الأمر بحياة الفرد أو أحد معارفه وأقربائه . ونحن هنا في  دول الخليج العربي لسنا مستثنون من هذه القاعدة .

        وقد بدأت حكومات دول الخليج العربي منذ أكثر من ربع قرن في التفكير في الخدمات الصحية ومحاولة  العمل  على تطويرها بما يكفل تقديم خدمات متميزة لمواطنيها فأستجلبت لذلك الخبراء من المؤسسات العالمية لتقييم النظام الصحي ووضع الخطط السليمة له مستقبلا وقد استقر رأي الخبراء على أن أهم نقطة على الطريق الصحيح لإدارة النظام الصحي هو تأهيل بعض الشباب الخليجي في إدارة الخدمات الصحية والصحة العامة وبالفعل تم إرسال نخبة من شباب هذه الدول لدراسة إدارة المستشفيات والصحة العامة في أوروبا و الولايات المتحدة الامريكية  .

        ولقد كانت هذه الخطوه في التركيز على تأهيل الإداريين المتخصصين في  مجال المستشفيات والخدمات الصحية حكيمه ومتوافقه مع رأي وتوصيات الخبراء العالميين في مجال الخدمات الصحية . فمن السهل جلب الأطباء والفنيين المؤهلين والمدربين في التخصصات المختلفة  من أشعة وعلاج طبيعي ومختبرات وتمريض ......الخ وسوف يقومون  بعملهم خير قيام إذا كانت الأمور الإدارية منظمة بشكل واضح من ناحية الوصف الوظيفي  والمسؤوليات  والصلاحيات وخطط المسئولية وتوفر الإمكانيات  التي تمكنهم من القيام بأعمالهم لان العمل المطلوب من الفني هو القيام بعمل حالات معينة طبقاً لما تعلمه وتدرب عليه . ففني  المختبر الذي يفحص عينة  ما سوف يستخدم جهاز معين وفقاً لمعايير معينة متفق عليها علميا لا يؤثر فيها ولا يؤثر في نتائجها تغير الفني سواء قام بها زيد أو عمرو ، وهكذا الحال في معظم إن لم يكن في كل المهن الصحية والطبية .

        لكن هذه القاعدة لا تنطبق على الإدارة والتي هي أهم عنصر في العملية الصحية وما الأطباء والممرضين والفنيين وغيرهم من العاملين والإمكانيات من مبان وأجهزة حديثة وأدوية وميزانيات ضخمة إلا موارد تعد في خانة المد خلات  INPUT في النظام  SYSTEM إذا أحسنت إدارتها في خانة ال  PROCESS عن طريق الإدارة  الواعية الصحية المتخصصة المؤهلة بالعلوم الإدارية فإنك  سوف تحصل على مخرجات جيده  OUT PUTSعلى شكل خدمات صحية عالية الجودة شاملة لجميع السكان معقولة  التكاليف مستمرة  في جودتها وتطويرها عن طريق مراجعة وتقييم مرتجعات  النظام    FEEDBACK  للتعرف على أوجه القصور فيها وتعديله أو تطويره بما يحقق الوصول إلى الأهداف المحددة

        ولعل هذا هو سر تطور الخدمات الصحية في بعض الدول وتأخرها في البعض الآخر . ففي الدول المتقدمة في مجال الخدمات الصحية يكون لديهم رؤية مبنية على دراسة تحليلية لواقعهم  وإمكاناتهم واحتياجاتهم الصحية والمستقبلية . هذه الرؤية يتم بلورتها على شكل أهداف يتم العمل على تحقيقها بوضع خطط وبرامج واضحة المعالم محددة المسؤليات مقرونة بشرح وافياً لطريقة تنفيذ هذه الخطط والمراحل التى تمر بها والامكانات المادية والبشرية المطلوبة  لكل خطة والمؤهلات الضرورية في الأشخاص المطلوب منهم تنفيذها ويتم مراجعة هذه الخطة بصفة مستمرة للوقوف على ما تم إنجازه منها  والعقبات التي قد توجهها والعمل على تذليلها . وعادة تكون هذه  الخطط على شكل سلسلة بحيث تبدأ الخطة الثانية من حيث انتهت الخطة الأولى وهكذا .

        أما الدول التي تعاني ضعف في مستوى خدماتها الصحية  فغالباً ما  تكون بسبب عدم وضوح الرؤية لمتخذي القرارات فيها والذي يؤدي إلى:

        1-   إما وضع أهداف عائمة لا يمكن قياسها فلا تستطيع أن تعرف هل تم تحقيقها أم لا لعدم وجود معايير لذلك .

        2-   وإما أن يضع المسؤول أهداف غير قابلة للتطبيق أو لا تتناسب مع الظرف  والاحتياجات الصحية المجتمعة وذلك  يرجع إلى عدم وجود البيانات الحديثة الدقيقة والمتكاملة الضرورية لمتخذ القرار وواضع الهدف سواء كانت هذه البيانات عن الوضع  الصحي والإمكانيات والموارد المتاحة أو عن الاحتياجات الصحية المستقبلية للمجتمع مما يؤدي إلى عدم تطور  بل تأخر الخدمات الصحية .

        3- وأما أن يكتفي بالأهداف التي سبق وأن حددت عند أنشاء  الجهاز ويكون جهده منصبا على معالجة المشاكل اليومية الروتينية والتي عادة تأخذ جل وقت المسؤول خاصة إذا كان من النوع المركزي.

      والمركزية محبذة فقط عندما يكون المسؤول جديداً في العمل حتى يلم بما يدور في جهازه ويطلع على طبيعة العمل وإجراءاته ، لكن بعد ذلك يجب  توزيع العمل وتفويض الصلاحيات والأخذ بمبدأ التفويض والمحاسبه DELEGATION AND ACCOUNTABILITY  مهما كانت الموارد قليلة أم كثيرة متى ما أحكمت الرقابة ووضحت وسهلت إجراءات العمل  POLICY AND PROCSURE لان المركزية في كل شيء تجعل المسؤول يحتاج إلى أكثر من 24 ساعة عمل في اليوم للقيام بنفسه بكل الأعمال التي تحتاج إلى أكثر من شخص للقيام بها بالشكل المرضي مما لا يدع لدى المسؤول وقتا كاف للتخطيط ووضع الأهداف لتطوير العمل والقيام بما هو مطلوب منه .

        وإذا كانت المركزية مضرة فإنها أكثر ضرراً وخطورة على النظام الصحي والخدمات الصحية بشكل عام إذا كان المسؤول غير متخصص ومؤهل تأهيلاً إدارياً وأكاديميا لان الإداري قد تعود على ممارسة عمله الإداري ومهيئ لما يرافقه من سلطات إدارية تمنحه نوعا من القوة والوجاهة والاعتراف الاجتماعي به مما يشبع بعض الاحتياجات التي وضعها عالم الاجتماع  الشهير ماسلو ، لكن غير الإداري عادة لا يكون مهيئ لذلك كله وإذا ما حصل ووضع في منصب إداري قيادي فهو:-

        1- إما أن يطبق مبدأ المركزية المفرطة لحرصه الشديد وخوفه من الوقوع في الخطأ مما يؤدي إلى تراكم  الأعمال لديه وبالتالي تعطيل مصالح الآخرين والإنتاجية.

2- وإما أن يطبق مبدأ الاتكالية وخاصة على نائبه أو نوابه الذين عادة ما يحضرهم معه لثقته الشخصية فيهم ويكتفي من المنصب بالوجاهة والسلطة.

3-   وإما أن يتبنى ويطبق سياسة الإدارة باللجان التي تتزايد أعدادها يوما بعد يوم بناء على المواضيع والقرارات التي يجب أن يتخذها المسؤول حتى قد تجد لديه بعد فترة أكثر من خمسين لجنة وقد يزيد العدد عن ذلك حسب موقعه في الجهاز الإداري . وإن كانت اللجان عادة قصد منها توضيح رأي المختصين في ناحية أو علم معين بعد التحقق العلمي المبني على البحث والتحري بحيث يكون الرأي شاملا ومتكاملا إلا أن بعض المسؤولين يلجأون له في كل صغيرة وكبيرة لخوفهم من اتخاذ القرار وتحملهم المسؤولية لو حدهم .

وإذا ما لجئ المسؤول لهذا الأسلوب في معظم قراراته فإن ذلك يؤدي إلى التعطيل وتأخير أتحاذ قرارات قد ينتج عن تأخيرها مضار كبيرة إضافة إلى أن المسؤول قد يصبح رهينة مستشاريه لتعوده عليهم في العمل وعدم تعوده على الجرأة على أتحاذ القرار بنفسه ناهيك عن المقولة السائدة بأنك إذا أردت أن تقتل موضوع ما فأحله  إلي لجنة نظراً للوقت الطويل الذي تستغرقه اللجنة في الدراسة والتمحيص ، كما أنه ليس بالضرورة أن تكون قرارات اللجان دائما صائبة 100% لأنها عادة تعكس مفهوم واجتهاد أعضائها فقط وقد تصدر اللجنة قرارات مشوهه وغير دقيقة تماما لانها عادة تصدر قراراتها بالأغلبية إذا تعذر الإجماع بين أعضائها وقد يكون رأي الأقلية هو الأصواب وقد قال المثل الإنجليزي الشهير أن الجمل كان الأصل حصانا من صنع لجنة  The Camel is a hourse made by a commity . يضاف إلى كل ذلك أن المسؤول غير المؤهل إداريا ينسى وأحيانا قد يتناسى تخصصه الأصلي الفني أو  الطبي ويسعى للحصول على مؤهل إداري جديد وقد يضحي ببعض المميزات المالية في سبيل الاحتفاظ بمركزه الإداري وفي هذا هدراً كبير وخسارة وطنية إضافة إلى حرمان شخص متخصص إدارياً من الحصول على الوظيفة الإداري وممارسه ما تعلمه في جامعته من أسس الإدارة ومفاهيمها ، ولعل هذا يشرح لنا:

1-  سبب عدم زيادة نسبة السعودة في المجالات الطبية والتمريضية والفنية بالرغم من الإعداد المتزايدة من الخريجين في هذه التخصصات سنويا .

2-  تدني مستوى الخدمات الصحية نظراً لغياب عناصر الإدارة كما حددها العالم الفرنسي فايول الذي ركز على أهمية القدرة الإدارية التي يمكن تلخيصها في :-

(أ)  التخطيط السليم المبنى على الرؤى الواضحة لواقع ومستقبل الخدمات الصحية .

) ب) عدم القدرة على التنظيم الجيد للموارد وتوظيفها لما يحقق أهداف الخطة.

( ج)  عدم وجود الأشخاص المؤهلين على القيادة واتخاذ القرارات.

( د)  عدم وجود التنسيق بين وحدات الجهاز.

(هـ)  افتقاد أو ضعف الرقابة على العاملين والتعامل معهم بالشكل العلمي .

لكن لو أسند الأمر إلى أهله ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب وتولى الإدارة الصحية بجميع مستوياتها مؤهلين من خريجي إدارة الخدمات الصحية أو إدارة المستشفيات القادرين  على تطبيق عناصر ومبادئ الإدارة بشكل علمي سليم مع احتفاظ الأطباء بمدير طبي للرجوع له في الأمور الطبية وتقييم إنتاجيتهم والإشراف على أعمالهم ومحاسبتهم على تقصيرهم ومكافأتهم على تميزهم ،مع وضع نظام صحي واضح المعالم يعملون في إطاره فإن الصورة سوف تتغير بلا أدنى شك لكن إلى الأحسن بإذن الله .