King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

 

 

 

 

              الـعنف الأسـري خـلال

                  مراحـل الحيـاة

 

 

 

                د . جبرين علي الحبرين

                  1425هـ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

  

        العنف الأسري قديم قدم الإنسان، فأول جريمة عرفتها البشرية بين ابني آدم هابيل وقابيل نستطيع أن ندخلها تحت مفهوم العنف الأسري بمفاهيمه الحديثة في القرن الحادي والعشرين. ويرتبط هذا النوع من السلوك الإنساني بالأسرة ويستمد حساسيته البالغة من أهمية الأسرة في حياة الفرد، والتي يفترض أن تكون المصدر الرئيس الذي يستمد منه الفرد قوته ومكانته الاجتماعية وإحساسه بالأمن والراحة النفسية، إلا أن هذه الوظيفة تختل في بعض الأحيان، وتتحول الأسرة إلى مصدر إزعاج وتهديد لأحد أفرادها فيشعر بعدم الأمن وربما يكون عرضة للعنف وإساءة المعاملة من قبل بعض أفراد هذه الأسرة. وبنظرة سريعة إلى تاريخ العنف الأسري عبر المجتمعات، نجد أن جذوره تمتد إلى العصور الجاهلية التي كان يرتكب فيها الكثير من أنواع العنف الأسري والتي كانت تصل إلى حد القتل كما هو الحال في وأد البنات خوفاً من العار وهو الأمر الذي حرمته الشريعة الإسلامية "وإذا الموءودة سُئلت بأي ذنب قتلت" (سورة التكوير، 8-9). أو بسبب الرغبة في الحد من كثرة الأطفال والتخلص من الأطفال المعاقين كما هو الحال في أوربا القديمة، وهناك من يقوم بإهمال كبار السن والأطفال غير المرغوب فيهم وهجرهم وتركهم دون رعاية عرضة لسوء التغذية والإمراض وهو سلوك كان مألوفا في المجتمعات القديمة.  ويمكن اعتبار العنف الأسري قضية اجتماعية خلافية يصعب الوصول فيها إلى تعريف محدد ومتفق عليه، وذلك بسبب التباين الثقافي بين المجتمعات، وربما داخل المجتمع الواحد، ولذلك فإن ما يمكن اعتباره عنفا أو سوء معاملة في مجتمع معين قد ينظر إليه على أنه تربية مقبولة ومألوفة في مجتمع آخر.

        ورغم قدم هذه الظاهرة إلا أن الاهتمام بها، كظاهرة اجتماعية، تستحق الدراسة وتستدعي تدخل المجتمع عن طريق إيجاد التشريعات والقوانين لمواجهتها لم يحدث إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، بل إن هناك مجتمعات لا تزال تكتفي بالتعاطف والحديث عن هذه الظاهرة دون تدخل حقيقي لمواجهتها. ولقد أصبح الاهتمام بالأطفال والنساء مؤشراً حضارياً تتسابق فيه الشعوب والدول وتسن العديد من التشريعات الخاصة بحمايتهم وضمان حقوقهم والدفاع عن قضاياهم حتى أصبح هذا المجال مقياساً لتقدم المجتمعات ورقيها وتحضرها في نهاية القرن العشرين. ولقد اهتمت الشريعة الإسلامية بهذا الموضوع، من خلال آيات القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم التي تطرقت إلى كافة شؤون أفراد الأسرة وقضاياهم وطريقة تربيتهم وكيفية التعامل معهم وحقوقهم الشرعية والأدبية، وأوصت الشريعة بالإحسان إليهم والرفق في التعامل معهم وعدم تكليفهم بأمور فوق طاقتهم.

         ولقد ازداد الاهتمام بالعنف الأسري بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين، واتجه الباحثون والمهتمون بهذه الظاهرة إلى الحديث عن العنف ضد النساء والأطفال داخل الأسرة. ولقد حقق هؤلاء الباحثون نتائج ملموسة في فهم هذه المشكلة وتحليل جذورها ومعرفة أسبابها وما يترتب عليها. وامتد هذا النجاح ليصل إلى المصلحين الاجتماعيين والقضاة وصانعي السياسات الاجتماعية، من أجل إشراكهم في الحديث عن هذه المشكلة ومساعدتهم في رسم الحلول والاستراتيجيات المناسبة لكيفية التعامل معها، ورغم كل هذه المحاولات إلا أن هذا الاهتمام واجه بعض التحديات التي احتاجت، ولا تزال في حاجة، إلى المزيد من النقاش والبحث والتوضيح من أجل حسمها وإيضاحها حتى تحولت إلى قضايا جدلية يصعب الوصول إلى إجماع بشأنها.

       ولقد بدأ المجتمع السعودي يهتم بهذه المشكلة حيث نوقشت أول رسالة دكتوراه في هذا المجال من قبل منيرة آل سعود عام 2000، بالإضافة إلى المناقشة العلنية من قبل وسائل الإعلام لهذه القضية وزيادة على ذلك فلقد صدر في هذا الشهر حكم بالسجن والجلد على زوج المذيعة السعودية (رانيا الباز) الذي أقدم على ضربها بشكل مبرح وقد يكون هذا الحكم نقطة تحول كبرى في هذا المجال.

        ورغم وجود ظاهرة العنف الأسري في كل المجتمعات، إلا أن كيفية التعامل وأساليب الوقاية والحد من حدوث هذه السلوكيات تختلف من مجتمع لآخر، ففي الوقت الذي نجد بعض المجتمعات قد أوجدت استراتيجيات واضحة وتشريعات تخصصية وقوانين من أجل التعامل مع هذه المشكلة نجد أن هناك مجتمعات أخرى، رغم اعترافها بوجود هذه المشكلة، إلا أنها لا تزال تحتاج إلى استراتيجية واضحة المعالم للتعامل مع ضحايا العنف ومرتكبيه.

        ولقد حاول الكثير من الباحثين إعطاء تعريف للعنف الأسري إلا أنه من الملاحظ أنه رغم المحاولات الكثيرة لا يزال مفهوم العنف الأسري يكتنفه شيء من الغموض في رسم الحدود الواضحة. ومن الطبيعي أن البحث والمناقشة في قضية لم يتم تحديدها بشكل دقيق دائماً ما يكون مهمة صعبة يكتنفها الكثير من المخاطر، وكثيراً ما يتسبب مثل هذا الغموض في صعوبة تقييم وتحليل الظاهرة وإخضاعها للاختبار والقياس. ولقد اعترف أحد المهتمين بهذا الموضوع بهذه الصعوبة "أن عدم الاتفاق على تعريف محدد للعنف الأسري لابد أن يقود إلى شيء من الخلط والتشويش لأي محاولة لتحديد العوامل المسببة له" (Wallace, 2003: 3) ورغم جميع هذه التحديات إلا أنه يجب أن لا تخيف المهتمين بهذه المشكلة كما يجب أن لا تخيف القارئ الكريم لهذا الكتاب، ولقد اهتم المؤلف بإبراز هذه الجدلية لتكون بمثابة الحافز الذي يفترض أن يكون حاضراً في أذهان الجميع عند مناقشتنا للفصول التالية من أجل فهم أعمق وتفكير تأملي لهذه الظاهرة، على أمل أن تثمر هذه الخطوة في فتح مجالات واسعة من البحث والتأليف والمناقشة في كتب وأبحاث قادمة مما يثري هذا الموضوع الحيوي ويجعله أكثر وضوحاً في المجتمع السعودي.

      وختاما تجدر بنا الإشارة إلى أن هذا الكتاب لم يورد إحصاءات وأرقام كثيرة عن العنف الأسري وذلك راجعا إما لعدم توفرها بشكل دقيق كما هو الحال في المجتمع السعودي، وأما لتغيرها السريع والمستمر مما يفقدها أهميتها، وزيادة على ذلك فإن هذه الإحصاءات لا يمكن أن تمثل الواقع الحقيقي للعنف الأسري، لأنه يبقى مشكلة غير مرئية (Invisible problem) قد لا نجد صعوبة في تشبيهها بجبل الثلج الذي لا يظهر لنا إلا قمته الصغيرة في حين أن الجزء الأكبر منه مغموراً تحت ماء البحر لا تستطيع رؤيته.

 

                                                         المؤلف

                                                     د. جبرين علي الحبرين

 

 

 

 
King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx