King Saud University
  Help (new window)
Search


Guidelines_English_Final
تحميل الدليل التدريبي

أسئلة شائعة


 

    ألا بعداً للجاهلية

            عرض رجل سعودي يعتقد في قرارة نفسه انه كريم تقديم ابنته هدية للزواج من رجل أخر من اجل التنازل عن احد حقوقه الشرعية التي صدر بها حكم قضائي واجب التنفيذ، وبغض النظر عن قبول الهدية من عدمه فهذا أمرا لا يهم بقدر ما يهمنا نية مثل هذا الرجل -والنية تبلغ مبلغ العمل- الذي يعتقد انه قدم أكبر تضحية يستحق عليها وافر المديح والثناء على تقديمه هذه الهدية الثمينة التي لم يسبقه بها أحد، ويفترض أن تكون مغرية بما فيه الكفاية لتحظى بقبول من قدمت إليه أو هكذا يعتقد صاحب الهدية. هذه الفتاة مهما بلغ بها التشاؤم لم يخطر على بالها أنها سوف يقل قدرها ويتم إسقاطها من قاموس الإنسانية بهذا الأسلوب القبيح لتنظم إلى منظومة الهدايا الثمينة ويتم تقديمها من قبل والدها هدية رخيصة لرجل مسن من أجل إنقاذ رجل مذنب، هذه الفتاة ربما كانت تقرا الآية الكريمة " وإذا المؤودة سالت. بأي ذنب قتلت " ببالغ الحزن والحسرة والألم على ما كان يتعرض له البنات في الجاهلية لكنها وجدت نفسها تتسائل بأي ذنب اهديت.

هذا الرجل ليس وحيدا فهناك أشخاص رغم ندرتهم ألا أن أفعالهم لا يمكن قبولها والسكوت عليها بهذا التبرير، فنجدهم يقدمون بناتهم للزواج على طريقة الهدايا وعلى رؤؤس الأشهاد وهناك من يقدمها هبة مقابل مكاسب مادية، وهناك من يعطيها لأبن عمها الذي هو وحده من يملك حق الموافقة على زواجها من رجل آخر إذا كان لا يريدها، وهناك من يزوج ابنته دون علمها لأنه وعد فلان من الناس. ممارسات كثيرة ومتنوعة تشترك في شيء واحد وهو النظر للمرأة على أنها بضاعة عند الرجل وجزء من ممتلكاته. وهناك من يتباهى ويفتخر بهذه الممارسات لتكون شاهدا على انتهاكه لأبسط الحقوق الشرعية التي منحها الله سبحانه وتعالى لكل إنسان ودليلا على عدم تحمله الأمانة التي قبلها بطوعه واختياره وربما تكون مناسبة سعيدة بالنسبة له ألان إلا أن الزمن وحده كفيلا بتحويلها إلى ذكريات مريرة عندما يصحو ضميره في يوم من الأيام إن كان له ضمير.

سماع هذه الأساليب والممارسات حتى لو كانت نادرة يجعلني أتسائل عن حقيقة الفترة الزمنية التي تفصلنا عن الجاهلية وسبب هذا التساؤل هو انه ينتابني إحساس غريب يجعلني اقترب في تفكيري من الجنون الذي يجعلني أتسائل هل حقا أن الفترة التي تفصلنا عن الجاهلية هي أكثر من ألف وأربعمائة سنة أم أن هناك خطاء حسابي لم يثبته التاريخ، إذا انه ليس من المعقول أن تمر هذه الفترة الطويلة دون أن تتمكن من تغيير طريقة التفكير التي ينظر بها البعض إلى المرأة.

 

هذه الفتاة حكم عليها والدها بالإعدام في مساعيه لإنقاذ شخص أخر بأسلوب يعكس كيف ينظر بعض أفراد مجتمعنا للرجل وكيف ينظر للمرأة. فالمرأة مهما كانت لا تزال في نظر هولاء اقل قدرا وقيمة من رجل مذنب أدانه القضاء، ورغم ذلك فالمرأة سوف تكون من ضمن ما يمكن توفيره من أجل إنقاذه، وبغض النظر عن درجة الصلاح والعفاف والمستوى التعليمي والأخلاقي لهذه الفتاة لأن جميع هذه الأمور لن تشفع لها مهما كانت درجتها أن تساوي رجل مذنب ناهيك عن التفكير في مساواتها برجل آخر.

هذا النوع من البشر لا يعير أي اهتمام لنجاح الزواج والتفكير في استمراره ومدى نجاحه ولم يفكر ولو لحظة واحدة في مستقبل هذه الفتاة وأكاد اجزم انه لم يخطر على باله نجاحها في تكوين أسرة ولم يخطر على باله أن يفكر في مصير ابنته ومستقبل أطفالها.

هذه الممارسات وان كانت معدودة إلا أنها بالغة الخطورة وتعكس بشكل واضح نظره بعض أفراد المجتمع للمرأة بشكل عام،  ويمكن القول أن ردة الفعل المجتمعية على هذه السلوكيات هي المؤشر الحقيقي لمدى تسامح المجتمع وتقبله لهذه الممارسات ومن المعروف أن العنف وإساءة معاملة المرأة هي بقدر ما يسمح به المجتمع، فالسكوت على هذا الممارسات وعدم إنكارها أو لزوم الصمت حيالها، أمرا غير كافي ولا يتناسب مع درجة خطورتها. لئن المجتمع وحده هو الذي سوف يعطي رسالة بليغة لهؤلاء عندما يحسون أنهم معزولون وأفعالهم مرفوضة ينظر إليها باحتقار واستغراب. وعندما يأتي الوقت الذي لا يجدون من يصمت على هذه الممارسات ولو من قبيل المجاملة، ولا من يبتسم في وجوههم ولو من باب الازدراء، عندها فقط سيتعلمون درسا بليغا لن يفهموه بجميع الوسائل الأخرى.

أتمنى من هيئة كبار العلماء في السعودية متابعة مثل هذه الممارسات واستدعاء هؤلاء الأشخاص المجاهرين بهذه الانتهاكات الشرعية ومسائلتهم ومعاقبتهم لمخالفتهم لتعليمات الشريعة الإسلامية والتعهد عليهم بنزع ولايتهم وإسنادها إلى سماحة المفتي العام للمملكة إذا لزم الأمر. كما أتمنى من الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان ملاحقة هولاء المستهترين بأبسط حقوق الإنسان جهارا نهارا وإبلاغهم أن وقت هذه الممارسات ولىّ إلى غير رجعه ولن نسمح لأحد أن يعيدنا إلى ممارسات الجاهلية.

                                                             جريدة الوطن

                                                          د. جبرين الجبرين

                                                        أكاديمي بجامعة الملك سعود

 

 

 
King   Saud University. All rights reserved, 2007 | Disclaimer | CiteSeerx