جريدة الرياض اليومية
الأحد 9المحرم 1428هـ - 28يناير 2007م - العدد 14097



رسالة إلى طهران

د. صالح بن محمد الخثلان
تظهر الدراسات في العلاقات الدولية أن مواقف الدول تجاه بعضها البعض يحددها في الغالب التصورات التي تحملها عن بعضها وهذه التصورات وحتى الانطباعات تتعدد مصادرها فبضعها ناتج عن مراقبة دقيقة لسلوك الدولة الفعلي وأخرى تأتي من معلومات من وسائل إعلام أو أجهزة استخباراتية أو غيرها وقد تكون موضوعية أو عكس ذلك. القصد هو أن التصورات مهمة في توجيه المواقف وتحديد السياسات لذلك تحرص الدول على أن تكون انطباعات الغير عنها قريبة من الواقع قدر الامكان وتعمل على التقليل من الانطباعات المبنية على أخبار وتقارير ملفقة أو حتى توهمات. واليوم ليس صعباً القول بأن الصورة التي يحملها الكثير في الوطن العربي عن إيران باستثناء - جزء من الشارع العربي المأخوذ بكل سلوك فيه تحدٍ للغرب - سلبية وتتسم بدرجة عالية من القلق حول ما يسمى بالدور المستقبلي لإيران في المنطقة العربية.

وإذا تجاوزنا الخطاب المتشدد للرئيس أحمدي نجاد والذي يمثل انقلاباً واضحاً على خطاب التسامح والانفتاح والحوار الذي اشتهر به الرئيس السابق خاتمي وروّج له خلال ثماني سنوات من حكمه وأصبح البعض يشعر بشيء من الصدمة نتيجة هذا الانقلاب وآخرون يتحدثون عن خديعة، نقول إذا تجاوزنا مستوى الخطاب فإن التحركات الفعلية لإيران منذ وصول أحمدي نجاد للسلطة أصبحت مصدر قلق للكثير من الدول خاصة في منطقة الخليج وشمال الجزيرة العربية. النفوذ الإيراني المتزايد في العراق والبرنامج النووي الذي تشكك الوكالة الدولية للطاقة في حقيقة أهدافه السلمية والدور الإيراني في لبنان وفلسطين تمثل ثلاث حالات مهمة تؤكد الانطباعات السلبية الرائجة اليوم بأن إيران 2006م لم تتخل عن أوهام تصدير الثورة وأن السياسة الخارجية الإيرانية في عهد خاتمي لم تكن سوى غطاء مؤقت لهذه النزعة المتشددة التي لم يستطع نجاد الاستمرار في إخفائها.

قد تزعم طهران أن هناك محاولات غربية وخاصة أمريكية لتشويه صورتها في الوطن العربي بهدف تعبئة موقف عربي مساند للسياسة الأمريكية وقد يكون هذا الزعم شيئاً من الصحة، لكن هذا لا يهم فالحقيقة أن القلق موجود والتساؤل قائم حول كيفية مواجهة هذه النزعة الإيرانية للنفوذ والهيمنة وحتى حين نستثني مسألة البرنامج النووي رغم وجود ما يثير الشكوك حوله، فإن ممارسات إيران في العراق على وجه التحديد تعد سبباً قوياً في ضرورة البحث عن آليات لاحتواء النفوذ والاستعداد لمواجهة محتملة مع طهران. إن القيادة الإيرانية بحاجة إلى تقدير هذا القلق وعدم التقليل من أهميته وأن لا تستبعد ترجمته إلى سياسات نشطة مضادة في حال استمرت في سلوكها دون اعتبار لما يعتقده العرب من أن هذا السلوك في الحالات الثلاث المشار إليها أعلاه يمثل تهديداً قد يصل إلى القيم الأساسية لبعض الدول العربية سواء كان ذلك استقرارها أو وحدتها أو حتى نفوذها. ومن ثم فإن هذا الاحساس بوجود خطر بالغ نتيجة التحركات الإيرانية لا بد أن يكون له أثر على المواقف والسياسات ولن تستمر الدول العربية المعنية في مواقف مجاملة وهي ترى طهران تتحرك في مناطق وتجاه قضايا في غاية الأهمية للأمن القومي العربي. هذا الأمن القومي العربي ورغم ما يظهر من حالة تفكك بين الدول العربية له حدود دنيا لا يمكن التفريط فيها. إن على طهران التي دخلت اليوم في مواجهة متصاعدة مع الغرب أن تتوقع حدوث مواجهة أخرى مع دول عربية مهمة تشعر بأن استمرار السلوك الإيراني الراهن خاصة في العراق يحتم عليها ضرورة الانتقال إلى مرحلة متقدمة من التحرك المضاد وعدم الاكتفاء بمجرد دعوات دبلوماسية لطهران لتطمين العرب بسلامة توجهاتها.

والمراقب لا بد أن يلحظ بدايات هذه المواجهة المرتقبة التي تذكّر بالحرب الباردة بين إيران وعدد من الدول العربية خلال السنوات الأولى للثورة الإسلامية. وفي تلك الحرب دروس مهمة للقيادة الإيرانية الراهنة لا بد أن تعيها فرغم أن إيران كانت الأقرب للشارع الإسلامي على امتداد العالم الإسلامي بسبب زخم الثورة والمواجهة مع "قوى الاستكبار الغربية" فقد خسرت تلك الحرب الأيديولوجية رغم ما أنفقته من أموال طائلة. هذه المرة وفي حالة تجدد حرب باردة - أرى بعضاً من مؤشراتها - فإن على طهران أن تتوقع خسارة مكاسب كثيرة حققتها خلال عهد خاتمي "الاستثنائي" وكانت المملكة العربية السعودية السبب الرئيس لكافة هذه المكاسب. لقد كانت السياسة السعودية تجاه إيران سبباً في كسر عزلة طهران الاقليمية وبشهادة قيادات إيرانية في مقدمتها هاشمي رافسنجاني فمشاركة الملك عبدالله في القمة الإسلامية في طهران عام 1997م وكان حينئذ ولياً للعهد سبب نجاح تلك القمة التي كانت بداية حقيقة في تطبيع طهران لعلاقاتها مع العالم العربي والإسلامي.

بل إن المملكة قد ذهبت إلى أبعد من ذلك حين فوتت فرصاً على واشنطن لمعاقبة إيران على مزاعم تورطها في تفجيرات الخبر عام 1996م حيث جابهت الرياض ضغوطاً أمريكية لإدانة طهران وتعرضت بسبب موقفها لانتقادات حادة من الأجهزة الأمنية الأمريكية. كما أن المملكة قد تعرضت لانتقادات أخرى من الوسط العربي لمبادرتها بفتح صفحة جديدة مع إيران حيث زعم البعض أن في ذلك تضييعاً للمصالح والقضايا العربية بل إن علاقات المملكة مع بعض دول الخليج وصلت مرحلة التوتر بسبب الانفتاح على إيران نتيجة سوء فهم للتحرك السعودي، ورغم ذلك استمرت المملكة في نهجها التقاربي مع طهران حيث صدقت الرياض أطروحات الرئيس السابق خاتمي للحوار والتسامح والتعاون والاحترام المتبادل. لقد قاد الملك عبدالله وخلال سبع سنوات سياسة سعودية نشطة تجاه طهران التي قدرت له مواقفه واثنت بكافة تياراتها على توجهاته نحو تقريب الدول الإسلامية الكبرى وتجاوز الخلافات بينها ونتج عن ذلك قفزة واضحة في العلاقات السعودية - الإيرانية في كافة المجالات سواء التجارية أو الاقتصادية أو حتى الأمنية حيث وقع البلدان اتفاقية أمنية وزادت حركة الأفراد بين البلدين.

وأثارت هذه القفزة الكبيرة والسريعة في العلاقات التساؤل حول أسبابها ودوافعها فالدولتان كانتا قبل سنوات في مواجهة وحرب باردة حادة شملت العالم الإسلامي، إلا أن الرياض لم تتوقف عند تلك التساؤلات واستمرت في تحركها الإيجابي باتجاه إيران. بل إن المملكة قد كانت سباقة في تأييد حق إيران في تطوير برنامجها النووي لأغراض سلمية حيث أعلنت ذلك على أعلى المستوى وظهر ذلك في تصريحات للملك عبدالله حين كان ولياً للعهد. هذه السياسة السعودية الايجابية تجاه إيران فتحت الطريق أمام طهران باتجاه العالم العربي كافة.

إن النقلة التاريخية في العلاقات السعودية الإيرانية والتي ذهبت أغلب ثمارها لصالح طهران لا بد أن تتأثر سلباً في حال استمر القلق من السلوك الإيراني الراهن ووجدت المملكة نفسها مدفوعة للتحرك المضاد. والسؤال المطروح هو إن كانت القيادة الإيرانية مستعدة للتخلي عن هذه المكتسبات الكبيرة والدخول في مواجهة من المؤكد أن إيران ستكون الطرف الخاسر فيها؟. قد تراهن طهران على أن المملكة وبسب ما تعرضت له من ضغوطات وانتقادات لتوجهاتها الدينية المحافظة لن تستطيع الدخول في مواجهة أيديولوجية جديدة، إلا أن هذا تقدير خاطئ فالرياض لديها مؤونة أيديولوجية كبيرة تستطيع توظيفها إن أرادت.

وفي محاولة لتفسير السلوك الإيراني الراهن الذي يثير قلق دول المنطقة فيبدو أن طهران تشعر بحالة انتشاء لتورط القوات الأمريكية في العراق لدرجة جعلتها تتصرف بشكل لا يقدر مصالح الدول العربية على الإطلاق. كما أنها غير مدركة لمدى استعداد هذه الدول والتي لا تزال متحفظة في استراتيجية المواجهة في التخلي عن كل ما تحقق خلال السنوات الأخيرة في علاقاتها مع إيران.

إن القيادة الإيرانية الراهنة قد تجد في تجربتها مع دول وسط آسيا في أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي درساً مهماً في كيفية التحرك اليوم باتجاه جيرانها العرب. ففي بداية التسعينيات تبنت القيادة الإيرانية نهجاً أيديولوجياً تجاه تلك الدول الناشئة رغبة منها - كما ظنت - في ملء الفراغ الأيديولوجي الناتج عن سقوط الشيوعية، إلا أنها فوجئت بردة فعل صلبة من قيادة تلك الدول التي كانت صريحة مع طهران في عدم رغبتها في استبدال ايديولوجية الثورة الإيرانية لتحل محل الأيديولوجية الشيوعية، ومن ثم تحولت طهران سريعاً إلى آليات برجماتية في علاقاتها مع تلك الدول خشية من أن تخسر منافسة النفوذ على منطقة وسط آسيا مع تركيا.

إيران خلال العهد الخاتمي تبنت سياسة برجماتية تجاه الوطن العربي، إلا أن الاتجاه الجديد في عهد نجاد يشير إلى نكوص عن هذا النهج ولذلك كانت حالة القلق والريبة تجاه السلوك الإيراني. آمل أن تقرأ هذه الرسالة بعناية في طهران وهي صادرة عن مراقب سرّه كثيراً التقارب السعودي - الإيراني ويخشى عليه من الانتكاس.

كما اختم بالتوجه للدول العربية المتضررة من السلوك الإيراني الراهن بأن تفتح قناة مصارحة ومكاشفة مع طهران توضح من خلالها مخاوفها والاحتمالات السلبية التي يمكن أن تشهدها العلاقات. وقد يكون ملائماً الاتفاق حول ما يمكن تسميته بخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها في العلاقة بين إيران والدول العربية وأن ترتكز العلاقات على أسس برجماتية خالصة وتنحصر في تعزيز المصالح المشتركة في الجوانب الاقتصادية والتجارية والسياسية والعلمية بعيداً عن أي مشاريع ثقافية أو دينية من كلا الجانبين وأن تقدر طهران مجال الأمن القومي العربي.

ولكن وفي حال رأت الدول العربية أن لا سبيل سوى المواجهة مع طهران فالأنسب أن تختار آليات يزول أثرها بزوال الأسباب الداعية لها وأن تتجنب تلك الآليات التي يتعدى أثرها القضية التي من أجلها استخدمت. فعلى سبيل المثال فإن أثر الآليات الدبلوماسية والاستخباراتية في المواجهة يبقى ظرفيا محدودا، في حين أن أي مواجهة أيديولوجية الطابع ستترك آثاراً سلبية طويلة وتتجاوز مضارها إطار العلاقات الخارجية وأحسب أني لست بحاجة للمزيد من التوضيح. آمل أن لا نحتاج لأي من هذه الآليات ويعود الرشد إلى طهران لنحافظ جميعا على المكتسبات الكبيرة ونفوت الفرصة لمن لا يسره التقارب السعودي - الإيراني.

@ أستاذ العلوم السياسية المشارك جامعة الملك سعود


رابط الخبر : http://www.alriyadh.com/2007/01/28/article220154.html

هذا الخبر من موقع جريدة الرياض اليومية www.alriyadh.com
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2007
تصميم وتطوير وتنفيذإدارة الحاسب الالي - قسم الإنترنت